«مَنِ اكْتَوَىْ أَوْ اسْتَرْقَىْ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّل».
رواه أحمد برقم: (18180)، والترمذي برقم: (2055)، وابن ماجه برقم: (3489)، واللفظ لهم. ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم: (7561)، بلفظ: «ما توكَّل من اكْتَوى واسْتَرْقَى»، من حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (6081)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (244).
غريب الحديث
«اكتوى»:
والكي: معروف، إحراق الجلد بحديدة ونحوها. لسان العرب، لابن منظر (15/ 235).
قال الخطابي -رحمه الله-:
الكي: وهو لذع الحديدة المحماة، يُقَالُ: اكتوى الرجل إذا كُوِي، واسْتَكْوَى: إذا طلب أن يُكْوَى. غريب الحديث (2/ 408).
«استرقى»:
(استرقى) فلانًا: طلب منه أنْ يُرقيه، يُقال: استرقيته فرقَاني وطلب له من يرقيه. المعجم الوسيط، مجموعة من المؤلفين(1/ 367).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
والرقية: العوذة التي يُرقى بها صاحب الآفة، كالحمى والصرع، وغير ذلك من الآفات. النهاية (2/ 254).
«برئ»:
برئ منه ومن الدين والعيب: سَلِم. مختار الصحاح (ص: 31).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
قال ابن الأعرابي: بَرَئَ إذا تخلص، وبَرِئَ: إذا تنزَّه وتباعد، وبَرِئَ: إذا أعذر وأنذر، ومنه قوله تعالى: {بَرَاْءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُوْلِهِ} أي: إعذار وإنذار. لسان العرب (1/ 33).
شرح الحديث
قوله: «من اكتوى»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«من اكتوى» بمعنى: كوى، من الكي. شرح المصابيح (5/ 110).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«من اكتوى» حرق نفسه بالميسم معتمدًا على الرقية معتقدًا بأنها الشافية لا على الله. مرشد ذوي الحجا والحاجة (20/ 318).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ولم أرَ في أثرٍ صحيحٍ أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- اكتوى، إلا أنَّ القرطبي نسب إلى كتاب أدب النفوس للطبري أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- اكتوى، وذكره الحليمي بلفظ: روي أنه اكتوى للجرح الذي أصابه بأحد.
قلتُ: والثابت في الصحيح في غزوة أُحُد أنَّ فاطمة أحرقت حصيرًا فحشت به جرحه، وليس هذا الكي المعهود، وجزم ابن التين بأنه اكتوى، وعكسه ابن القيم في الهدي. فتح الباري (10/ 156).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
واحتجم (صلى الله عليه وسلم) في الأخدعين والكاهل، وهو ما بين الكتفين، وتداوى، وكوى، ولم يكتوِ، ورقى، ولم يسترقِ، وحمى المريض مما يؤذيه. زاد المعاد (1/ 158).
قوله: «أو استرقى»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«استرقى» أي: طلب أنْ يُقرأ عليه الرقية. المفاتيح (5/ 83).
وقال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أو استرقى» أي: عالج نفسه بالقراءة عليه معتقدًا بأنها الشافية له. مرشد ذوي الحجا والحاجة (20/ 318).
وقال المجددي -رحمه الله-:
قوله: «من اكتوى أو استرقى» أي: ظانًّا أنهما ينفعان بالذات، ومؤثران بنفسهما، وإلا فقد أُبيح استعمالهما على معنى طلب الشفاء والترجي للشر بما يحدث الله تعالى من صنعه فيه، فيكون الكي والدواء والرقية أسبابًا لا عللًا، أو المراد من الاسترقاء: الرقية الممنوعة من أسماء الأصنام والشركيات، ويؤول الحديث على ترك الأولى، والأحاديث المجوزة على بيان الجواز. إنجاح الحاجة مخطوط لوح (641).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فإنْ قيل: فعائشة قد رقت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وجبريل قد رقاه، قيل: أجل، ولكن هو لم يسترق، وهو -صلى الله عليه وسلم- لم يقُل: ولا يرقيهم راقٍ، وإنَّما قال: لا يطلبون من أحدٍ أنْ يُرقيهم. حادي الأرواح (ص: 130).
وقال الخادمي -رحمه الله-:
وصف رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- المتوكلين بترك الكي والرقية والتطير، وأقواها الكي، فإنه قريب إلى مجانسة الطب الذي هو من الظني، فهو أقوى الأسباب الوَهمية، خلافًا لمن وهم في أهمية الترك، ثم الرقية، ومن ثمة كانت جائزة في نفسها، وورد بها آثار. بريقة محمودية (1/ 269).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
فإنَّ الكي والرقية قد يقْدم بهما على المحذور دفعًا لما يتوقع (من الشفاء) وقد يُستعمل بعد نزول المحذور للإزالة، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يصف المتوكلين إلا بترك الكي والرقية والطيرة، ولم يصفهم بأنَّهم إذا خرجوا إلى موضعٍ باردٍ لم يلبسوا جُبَّة، والجبة تلبس دفعًا للبرد المتوقع، وكذلك كل ما في معناها من الأسباب، نعم الاستظهار بأكل الثوم مثلًا عند الخروج إلى السفر في الشتاء تهييجًا لقوة الحرارة من الباطن، ربما يكون من قبيل التعمق في الأسباب، والتعويل عليها، فيكاد يقرب من الكي، بخلاف الجُبَّة. إحياء علوم الدين (4/ 279).
قوله: «فقد بَرئ من التوكل»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«فقد برئ من التوكل» أي: سقط من مرتبته، وهذا محمول على أن يرى المكتوي الشفاء من الكية، والمسترقي من الرقية. شرح المصابيح (5/ 110).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «فقد برئ من التوكل» أي: ليس من كمال التوكل: التعلُّق بالأسباب البعيدة، كالرقية والكي، فالمتعلق بمثل هذه الأسباب ليس من أهل الكمال في التوكل. حاشيته على مسند أحمد (4/316).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«فقد برئ من التوكل» يعني: أن ذلك وإن كان مباحًا لكن مقام التوكل والتفويض وترك الأسباب أعلى وأرفع، وإن كان المراد مع اعتقاد المؤثرية والعلية فهو شامل لجملة الأسباب والمعالجات، ولا يختص بالكي والاسترقاء. لمعات التنقيح (7/ 503).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فقد بريء من التَّوكل» لأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا أحب الكي»، وقال في السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب: «إنهم لا يسترقون»؛ فترك هذين من تمام التوكل، وقد قيل: هذا فيمن يعتمد عليها، وقيل: المراد: من يكتوي صحيحًا، أو المراد: برئ من أكمل أنواع التوكل. التنوير (10/ 135).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
قال الإمام أحمد -رحمه الله-: وذلك لأنه ركب ما يستحب التنزيه عنه من الاكتواء والاسترقاء؛ لما فيه من الخطر، ومن الاسترقاء بما لا يعرف من كتاب الله -عز وجل- أو ذكره؛ لجواز أن يكون شركًا، أو استعملها معتمدًا عليها لا على الله تعالى فيما وضع فيهما من الشفاء، فصار بهذا، أو بارتكابه المكروه بريئًا من التوكل، فإن لم يوجد واحد من هذين وغيرهما من الأسباب المباحة لم يكن صاحبها بريئًا من التوكل -والله تعالى أعلم-. شعب الإيمان (2/ 396).
وقال المجددي -رحمه الله-:
المراد من التوكل: التوكل الكامل؛ وذلك أنَّ أهل الشرك كانوا يعظمون أمرهما، ويعدونهما علتين للشفاء. إنجاح الحاجة، مخطوط، لوح (641).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
في الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي، وأنَّه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدَرًا وشرعًا، وأنَّ تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه من حيث يظن معطلها أنَّ تركها أقوى في التوكل، فإنَّ تركها عجزًا ينافي التوكل الذي حقيقته: اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلًا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلًا، ولا توكله عجزًا. زاد المعاد (4/ 12).
وقال ابن القيم -رحمه الله- أيضًا:
قد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع: أحدها: فعله، والثاني: عدم محبته له، والثالث: الثناء على من تركه، والرابع: النهي عنه، ولا تعارض بينها -بحمد الله تعالى-، فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه، بل يفعل خوفًا من حدوث الداء -والله أعلم-. زاد المعاد (4/ 60).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
الكي باب من أبواب التداوي والمعالجة، ومعلوم أن طلب العافية بالعلاج والدعاء مباح بما قدمنا من الأصول في غير موضع من هذا الكتاب، وحسبك بما أوردنا من ذلك في باب زيد بن أسلم فلا يجب أن يمتنع من التداوي بالكي وغيره إلا بدليل لا معارض له، وقد عارض النهي عن الكي من الإباحة بما هو أقوى، وعليه جمهور العلماء ما أعلم بينهم خلافًا أنهم لا يرون بأسًا بالكي عند الحاجة إليه.
قال أبو عمر (يعني: نفسه): من ترك الكي ثقة بالله وتوكلًا عليه كان أفضل؛ لأن هذه منزلة يقين صحيح، وتلك منزلة رخصة وإباحة. التمهيد (24/ 65).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله- أيضًا:
واختلف العلماء في هذا الباب (يعني: في التداوي وتركه) فذهبت منهم طائفة إلى كراهية الرقى والمعالجة، قالوا: الواجب على المؤمن أن يترك ذلك اعتصامًا بالله تعالى، وتوكلًا عليه، وثقة به، وانقطاعًا إليه، وعلمًا بأن الرقية لا تنفعه، وأن تركها لا يضره؛ إذ قد علم الله أيام المرض وأيام الصحة، فلا تزيد هذه بالرقى والعلاجات ولا تنقص تلك بترك السعي والاحتيالات لكل صنف من ذلك زمن قد علمه الله، ووقت قد قدره قبل أن يخلق الخلق، فلو حرص الخلق على تقليل أيام المرض وزمن الداء أو على تكثير أيام الصحة ما قدروا على ذلك، قال الله -عز وجل-: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} الحديد: 22... (وذكر حججهم)، وممن ذهب إلى هذا داود بن علي (يعني: الظاهري) وجماعة من أهل الفقه والأثر...
وذهب آخرون من العلماء إلى إباحة الاسترقاء والمعالجة والتداوي، وقالوا: إن من سنة المسلمين التي يجب عليهم لزومها لروايتهم لها عن نبيهم -صلى الله عليه وسلم- الفزع إلى الله عند الأمر يعرض لهم، وعند نزول البلاء بهم في التعوذ بالله من كل شر، وإلى الاسترقاء، وقراءة القرآن، والذكر والدعاء... (وذكر حججهم) وعلى إباحة التداوي والاسترقاء جمهور العلماء. التمهيد (5/265-279).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
الحق أنَّ مَن وثق بالله، وأيقن أن قضاءه عليه ماضٍ لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب اتباعًا لسنته وسنة رسوله، فقد ظاهر -صلى الله عليه وسلم- بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك، وقال للذي سأله أيعقل ناقته أو يتوكل؟: «اعقلها وتوكل»؛ فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل. نيل الأوطار (8/ 232).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الكي بالنار من العلاج المعروف في كثير من الأمراض، وقد جاء في أحاديث كثيرة النهي عن الكي، فقيل: إنما نهى عنه من أجل أنهم كانوا يعظمون أمره، ويرون أنه يحسم الداء، وإذا لم يكو العضو عطب وبطل، فنهاهم إذا كان على هذا الوجه، وأباحه إذا جعل سببًا للشفاء لا علة له، فإن الله هو الذي يبرئه ويشفيه لا الكي والدواء.
وهذا أمر تكثر فيه شكوك الناس، يقولون: لو شرب الدواء لم يمت، ولو أقام ببلده لم يقتل.
وقيل: يحتمل: أن يكون نهيه عن الكي إذا استعمل على سبيل الاحتراز من حدوث المرض، وَقَبْلَ الحاجة إليه، وذلك مكروه، وإنما أبيح للتداوي والعلاج عند الحاجة.
ويجوز أن يكون النهي عنه من قبيل التوكل، كقوله: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون»، والتوكل درجة أخرى غير الجواز -والله أعلم-. النهاية (4/ 212).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قال العلماء: إنما نهى على الكي لأنهم كانوا يعظمون أمره، ويرون أنه يبرئ ولا بد، ويحتمل: أنه نهى عنه لأنه إنما يستعمل في داء مخصوص، وكانوا يستعملونه على العموم، وقد روى أبو عيسى أن أنسًا اكتوى من ذات الجنب (قُرْحَة تثقُب البطن وتسَمَّى الدُّبَيْلَة) كواه أبو طلحة، يعني: من وجع في جنبه كان ربا (ربا الجُرْح: زاد وانتفخ) وهو الذي ينفع فيه القُسْط (عود يُتعَالَح به) اتفاقًا، ولو كانت الشوكة (حُمرة تعلو الوجه والجسد) لكان الكي فيها مخوفًا.
ويحتمل: أنهم نهوا عنه إلا أن يروا أنه لا تأثير له، وأن الكل لله سبحانه.
ويحتمل: أنه نهى عنه قبل نزول الداء، ولكن عهد أن لا يكتووا إلا بعد وجود الداء، وكان كي النبي -عليه السلام- لسعد بن معاذ حسمًا ليرقأ الدم. عارضة الأحوذي (8/ 208).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
إنما نهي عنه (يعني: الكي) مع إثباته الشفاء فيه: إما لكونهم كانوا يرون أنه يحسم المادة بطبعه فكرهه لذلك؛ ولذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الداء؛ لظنهم أنه يحسم الداء، فيتعجل الذي يكتوي التعذيب بالنار لأمر مظنون، وقد لا يتفق أن يقع له ذلك المرض الذي يقطعه الكي. فتح الباري (10/ 138-139).
وقال المناوي -رحمه الله-:
الكي لا يترك مطلقًا، ولا يستعمل مطلقًا، بل عند تعينه طريقًا للشفاء وعدم قيام غيره مقامه مع مصاحبة اعتقاد أن الشفاء بإذن الله تعالى، والتوكل عليه. فيض القدير (6/ 82).
وقال الألباني -رحمه الله-:
قلتُ: وفيه كراهة الاكتواء، والاسترقاء؛ أما الأول: فلِما فيه من التعذيب بالنار، وأما الآخر: فلِما فيه من الاحتياج إلى الغير فيما الفائدة فيه مظنونة غير راجحة؛ ولذلك كان من صفات الذين يدخلون الجنة بغير حساب: «أنهم لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون»؛ كما في حديث ابن عباس عند الشيخين، وزاد مسلم في روايته فقال: «لا يرقون ولا يسترقون»، وهي زيادة شاذة. سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 490).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
قالوا: رويتم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لم يتوكل من اكتوى واسترقى»، ثم رويتم أنه كوى أسعد بن زرارة، وقال: «إن كان في شيء مما تداوون به خير، ففي بزغة حجام، أو لذعة بنار»، قالوا: وهذا خلاف الأول.
قال ابن قتيبة (يعني: نفسه): ونحن نقول: إنه ليس ها هنا خلاف، ولكل واحد موضع، فإذا وضع به زال الاختلاف، والكي جنسان:
أحدهما: كي الصحيح لئلا يعتل، كما يفعل كثير من أمم العجم، فإنهم يكوون ولدانهم وشبانهم من غير علة بهم، يرون أن ذلك الكي يحفظ لهم الصحة، ويدفع عنهم الأسقام...، وأما الجنس الآخر: فكي الجرح إذا نغل (يعني: فسد)، وإذا سال دمُه فلم ينقطع، وكي العضو إذا قطع أو حَسْمُه، وكي عروق من سقى بطنه وبدنه...، وهذا هو الكي الذي قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ فيه الشفاء»، وكوى أسعد بن زرارة، لعلة كان يجدها في عنقه، وليس هذا بمنزلة الأمر الأول. تأويل مختلف الحديث (ص: 462-464).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ويؤخذ من الجمع بين كراهته -صلى الله عليه وسلم- للكي وبين استعماله له: أنه لا يترك مطلقًا، ولا يستعمل مطلقًا، بل يستعمل عند تعينه طريقًا إلى الشفاء مع مصاحبة اعتقاد أن الشفاء بإذن الله تعالى، وعلى هذا التفسير يحمل حديث المغيرة رفعه: «من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل» أخرجه الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم. فتح الباري (10/ 139).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فعل الأسباب لا ينافي التوكل، إذا اعتقد الإنسان أنَّ هذه الأسباب مجرد أسباب فقط لا تأثير لها إلا بإذن الله تعالى، وعلى هذا فالقراءة قراءة الإنسان على نفسه، وقراءته على إخوانه المرضى لا تنافي التوكل، وقد ثبت عن النبي-صلى الله عليه وسلم- أنه كان يرقي نفسه بالمعوذات وثبت أنه كان يقرأُ على أصحابه إذا مرضوا. والله أعلم. مجموع الفتاوى(1/106-107).