«يقول الله تعالى: أنا عندَ ظنِّ عبدي بي، وأَنا معه إذا ذكَرني، فإن ذكَرني في نفسه ذكَرْتُه في نفسي، وإن ذكَرني في مَلَأ ذكَرْتُه في مَلَأ خير منهم، وإن تقرَّب إليَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إليه ذِرَاعًا، وإن تقرب إليَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إليه بَاعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هَرْوَلَة».
رواه البخاري برقم: (7405) واللفظ له، ومسلم برقم: (2675)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
غريب الحديث
«مَلَأ»:
الملأ: الجماعة. المجموع المغيث، لأبي موسى المديني (3/ 224).
قال الفيومي -رحمه الله-:
الملأ -مهموز-: أشراف القوم؛ سموا بذلك لملاءتهم بما يلتمس عندهم من المعروف، وجودة الرأي، أو لأنهم يملئون العيون أُبَّهَةً، والصدور هَيْبَة، والجمع: أملاء، مثل: سبب وأسباب. المصباح المنير (2/ 580).
«بِشِبْرٍ»:
الشِّبْر -بالكسر-: ما بين طرفي الخُنْصُر والإبْهَام بالتفريج المعتاد، والجمع: أَشْبَار، مثل: حِمْل وأَحْمَال. المصباح المنير، للفيومي (1/ 302).
«ذِرَاعًا»:
الذِّرَاع: اليد من كل حيوان، لكنها من الإنسان من المرفق إلى أطراف الأصابع. المصباح المنير، للفيومي (1/ 207).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
الذِّرَاع: ما بين طرف المِرْفَق إلى طرف الإصبع الوسطى. لسان العرب (8/ 93).
«بَاعًا»:
البُوعُ والبَاعُ سواء، وهو قدر مَدِّ اليدين، وما بينهما من البدن. النهاية، لابن الأثير (1/ 162).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
البَاع والبَوع والبُوع: مسافة ما بين الكفين إذا بسطتهما. لسان العرب (8/ 21).
«هَرْوَلَة»:
هَرْوَل هَرْوَلة: أسرع في مشيه دون الخَبَب. المصباح المنير، للفيومي (2/ 637).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
هَرول الرجل هَرولَة: بين المشي والعَدْو، وقيل: الهَرْوَلة فوق المشي ودون الخَبَب، والخَبَب دون العَدْو. لسان العرب (11/ 696).
شرح الحديث
قوله: «يقول الله تعالى»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
هذه إحدى الصيغ لرواية الحديث القدسي، والمشهور: أن يقال: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه -عزَّ وجلَّ- أنه قال: «أنا عند ظن عبدي بي». دليل الفالحين (7/ 233).
قوله: «أنا عند ظن عبدي بي»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أنا عند ظن عبدي» أي: المؤمن. مرقاة المفاتيح (4/ 1541).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله: «أنا عند ظن عبدي بي» لا يتوجه إلا إلى المؤمنين خاصة، أي: أنا عند ظن عبدي المؤمن بي، وفي القرآن آيات تشهد أن عباده المؤمنين وإن أسرفوا على أنفسهم أنه عند ظنهم به من المغفرة والرحمة، وإن أبطأت حينًا وتراخت وقتًا لإنفاذ ما حتم به، على من سبق عليه إنفاذ الوعيد تحِلَّة القسم؛ لأنه قد كان له أن يعذب واحدًا أبدًا كإبليس، فهو عند ظن عبده، وإن عاقبه برهة فإن كان ظنه به ألا يعذبه بُرْهَةً، ولا تحِلَّة فإنه كذلك يجده كما ظن إن -شاء الله-، فهو أهل التقوى وأهل المغفرة.
وأما حديث الذي لم يعمل خيرًا قطُّ، ففيه دليل على أن الإنسان لا يدخل الجنة بعمله ما لم يتغمده الله برحمته، كما قال -صلى الله عليه وسلم-. شرح صحيح البخاري (10/ 500-501).
وقال المظهري -رحمه الله-:
الظن هنا بمعنى: اليقين والاعتقاد، لا بمعنى: الشك. المفاتيح (3/ 134).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن أبي جمرة: المراد بالظن هنا: العلم، وهو كقوله: {وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ} التوبة: 118. فتح الباري (13/ 386).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
معناه: ظن الإجابة عند الدعاء، وظن القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن قبول الأعمال عند فعلها على شروطها؛ تمسكًا بصادق وعده، وجزيل فضله.
قلت: ويؤيده قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ادعوا الله وأنتم مُوْقِنُون بالإجابة».
وكذلك ينبغي للتائب والمستغفر، وللعامل أن يجتهد في القيام بما عليه من ذلك، موقنًا أن الله تعالى يقبل عمله، ويغفر ذنبه، فإن الله تعالى قد وعد بقبول التوبة الصادقة، والأعمال الصالحة، فأما لو عمل هذه الأعمال، وهو يعتقد، أو يظن أن الله تعالى لا يقبلها، وأنها لا تنفعه، فذلك هو القنوط من رحمة الله، واليأس من رَوْحِ الله، وهو من أعظم الكبائر، ومن مات على ذلك وصل إلى ما ظن منه، كما قد جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء». المفهم (7/ 5-6).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «أنا عند ظن عبدي بي» يريد أنه يخشى ويرجو أن لا ينقطع الرجاء عند الذنب، وهذا لا يتوجه إلا إلى المؤمنين خاصة، أي: أنا عند ظن عبدي المؤمن بي. التوضيح (33/ 447).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
واعلم: أن حسن الظن لا يكون إلا لمن أحسن العمل، وأما من أساء العمل فهو في وحشة ذنوبه لا يشتمل قلبه على الظن الحسن، كما قيل:
أسأت إليَّ فاستوحشت مني *** ولو أحسنت آنسك الجميل. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 19).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
المراد: الحث على حسن الظن بالله، وتغليب الرجاء على الخوف، والظن هنا بمعنى: اليقين والاعتقاد، لا بمعنى: الشك. شرح المصابيح (3/ 84).
وقال الشيخ عبد الرزاق البدر -حفظه الله-:
«أنا عند ظن عبدي بي» أي: إن ظن بي خيرًا حصَّل خيرًا، وإن ظن بي شرًّا حصَّل شرًّا.
ولهذا على العبد المؤمن أن يقبل على طاعة الله، وأن لا يظن بربه إلا خيرًا، ويتأكد هذا الأمر عند الموت، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسن بالله الظن»، فيظن بربه أنَّه سيرحمه ويغفر له، ويدخله الجنة، وينجيه من النار. تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي (ص: 167).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
أما ظن المغفرة والرحمة مع الإصرار على المعصية، فذلك محض الجهل والغرَّة (أي: الاغترار)، وهو يجر إلى مذهب المرجئة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «الكَيِّس من دَان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنىَّ على الله». (ضعفه الألباني في ضعيف الترغيب برقم: (1959)) المفهم (7/ 6).
وقال العراقي -رحمه الله-:
وأما قوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} الزمر: 47، فذلك في حق الكفار، وكذلك قوله -عليه الصلاة والسلام-: «والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله» أي: طلب المغفرة من غير تحفظ ولا توبة ولا تعاطي سبب والمؤمل عفو الله، لا يكون أمله إلا عن سبب من توبة واستغفار وتقرب بحسنات تمحو سيئاته فيرجو لحوق الرحمة له ومحو سيئاته. طرح التثريب (8/ 234).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قال بعض المحققين من المتأخرين: فإن قلتَ: كيف يتحصل الظن فإنه ليس مَوْكُولًا إلى الاختيار.
قلتُ: هو واقف على سببه، والسبب واقف على اختيار العبد، وذلك كما أمر بتحصيل العلم وليس واقفًا على الاختيار بل على سببه، وهو الاستدلال والنظر وهو واقف على الاختيار، وأكثر التكاليف ظنية، وإنما يكلف بتحصيل أسبابها، فإن قلتَ: فما أسباب الظن بأن الله سيغفر لي؟
قلتُ: منها النظر إلى سابق فضله، حيث خلقك من المسلمين، ووفقك للإسلام، ثم ترادفت ألطافه الْمُفْضية بك إلى فعل كثير من الخير، وترك الشرور، وأنها لك بعد المعصية لعلك تستعتب، وفتح باب التوبة، وحفظك لكتاب الله يعود عليك بركته ومواعظه بكرةً وأصيلًا، وكذلك غيره من الوحي الذي بلغنا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
ومنها: الكثير من أسمائه الحسنى، مثل: الرحمن، الرحيم، الرؤوف، البر، الودود، الغفار، العفو، القريب، المجيب، ونحوها، وما تضمنته السنة من ذكر قضايا من المغفرة بأدنى شيء.
ومنها: أنه واسع المغفرة ولو ضايق العبيد بعض المضايقة لهلكوا؛ ولكنه لا يهلك على الله إلا هالك، أي: شأنه الهلاك لا علاج له.
ومنها: فضائل الأعمال التي أوتيت طرفًا منها، مثل: كلمة الشهادة، وتلاوة القرآن، وسائر الأذكار، والصلاة والصيام والحج، وغير ذلك.
ومنها: أن ترزق المحافظة على ما كُلِّفت به من فعل أو ترك، لا سيما الاستغفار والتوبة على الدوام والإسراع إلى ذلك؛ فإنك كالملدوغ وذلك تِرْيَاقُه (أي: دواؤه).
ومنها: أن يفتح الله عليك بذكره في قلبك ولسانك في كثير أوقاتك.
ومنها: ذكر الموت ومراقبة هجومه، وأي سبب للإقبال على الله، والإدبار عن الدنيا، وذلك من مثيرات الظن بالله أنه يريد بك الرحمة.
ومن حسن الظن: أنك تقبض على أحسن أحوالك، فتصير جامعًا بين خوفك ورجائك للرب سبحانه.
ومنها: أن تسرَّك حسنَتُك وتَسَؤْك سيِّئتُك، فإن ذلك من علامة الإيمان.
ومنها: أن يرزقك حسن الظن به مع سوء ظنك بنفسك مما علمت من شرها؛ لأن ذلك أصلها وسبيلها فتنتهي عن الغرور.
وحاصل هذا البحث: أحسن ما يقال في قوله تعالى: {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} الحشر: 18، فإن النظر في صورة الأعمال مع عدم الوثوق بها وتحوير اختلالها لا يكاد يسكن قلب المؤمن التقي ما لم تدرج هذه الأمور المذكورة فيصير قد قدَّم بعد حسن الظن بالله. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 416-417).
وقال الشيخ عبد الرزاق البدر -حفظه الله-:
الإضافة إلى الله: «عبدي» تقتضي عبودية من العبد وصلاحًا فيه، كما في قوله -تبارك وتعالى-: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} الفرقان: 63، فقوله: «عبدي» دال على صلاح في العمل، فمع هذا الصلاح يستقيم حُسن الظن بالله -تبارك وتعالى-. تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي (ص: 167).
قوله: «وأنا معه»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
معية الرب مع عبده صفة ثابتة له نثبتها ونعتقدها، لا نكيفها، ولا نمثلها، ولا نعطلها، ولا نؤولها، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى: 11. الكوكب الوهاج (25/ 36).
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان -حفظه الله-:
ومعيته تعالى لخلقه لا تخالف علوه واستواءه على عرشه، فكل ذلك حق على ظاهره، وذلك أن الله معنا حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة، كما جمع بينهما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} الحديد: 4، فأخبر تعالى أنه فوق العرش يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كُنَّا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث الأوعال: «والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه».
وذلك أن كلمة «مع» في اللغة إذا أطلقت، فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة، من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا، ويقال: هذا المتاع معي؛ لمجامعته لك، وإن كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة، ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} الحديد: 4، دل ظاهر الخطاب أن حكم هذه المعية ومقتضاها: أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، وهذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه، وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته، وقوله: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} التوبة: 40 حق على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية: الاطلاع والنصر والتأييد، ومثل ذلك قوله: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} طه: 46، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} النحل: 128. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 266-267).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وهذه معية خاصة تفيد عظمة ذكره تعالى، وأنه مع ذاكره برحمته، ولطفه، وإعانته، والرضا بحاله. سبل السلام (2/ 699).
قوله: «إذا ذكرني»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
أصل الذِّكْر: التنبه بالقلب للمذكور، والتيقظ له، ومنه قوله: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} البقرة: 40، أي: تذكَّروها، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها» أي: إذا تذكرها بقلبه، وهو في القرآن كثير، وسمي القول باللسان ذكرًا؛ لأنه دلالة على الذكر القلبي، غير أنه قد كثر اسم الذكر على القول اللساني حتى صار هو السابق للفهم. المفهم (7/ 6).
قوله: «فإن ذكرني في نفسه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإن ذكرني» تفريع يفيد أنه تعالى مع الذاكر، سواء ذكره في نفسه أو مع غيره. مرقاة المفاتيح (4/ 1542).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«في نفسه» أي: سرًّا وخفية، إخلاصًا وتجنُّبًا عن الرِّياء «ذكرته في نفسي». تحفة الأبرار (2/ 14).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«في نفسه» سرًّا أو خاليًا منفردًا عن الناس. الكوكب الوهاج (25/ 36).
وقال الشيخ الشبل -حفظه الله-:
والصواب: أن الله يذكر عبده في نفسه، وفي غيرها على الحقيقة اللائقة به سبحانه، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل.
أما الثواب والرحمة والإنعام فهي من آثار رحمة الله وإحسانه -والله أعلم-. التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري (ص: 60).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الحق أن ذكر الله تعالى لعبد على ظاهره، فهو -سبحانه وتعالى- إذا ذكره عبده في نفسه ذكره هو في نفسه، وإن ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير من ملئه، ذكرًا حقيقيًا، لا مجازيًا، فتأويل «ذكر» بالإنعام صرف وتأويل لمعنى ذكر الله تعالى لعبده إلى لازمه، فلا يصح، فتنبَّه. البحر المحيط الثجاج (41/ 709).
قوله: «ذكرته في نفسي»:
قال الشيخ عبد الرزاق البدر -حفظه الله-:
«ذكرته في نفسي» أي: ذكرَه الله -عزَّ وجلَّ- مقابل ذلك في نفسه، وهذا موضع الشاهد من الحديث، والمراد بنفسه: ذاته المقدسة الموصوفة بالصفات. تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي (ص: 168).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
فيها: إثبات النفس لله -عزَّ وجلَّ-، وأن لله تعالى نفسًا لا تشبه أنفس المخلوقين، قال تعالى عن المسيح -عليه السلام-: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} المائدة: 116. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (ص: 35).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- بعد أن ذكر كلامًا للقرطبي:
... فالحق كما قال هو في آخر كلامه: إن التسليم هو الطريق المستقيم، أن نسلم أن الله تعالى له نفس، لا كنفس المخلوقات، بل على ما يليق بجلاله -سبحانه وتعالى-، فإذا ذكره عبده في نفسه ذكره في نفسه ذكرًا حقيقيًا، فتنبَّه، ولا تكن أسير التقليد -والله تعالى ولي التوفيق-. البحر المحيط الثجاج (41/ 710).
وقال الشيخ البراك -حفظه الله-:
هو من الأدلة على أن الجزاء من جنس العمل، والذكر من حيث هو يكون بالقول والفعل، وهو في مثل هذا السياق أظهر في القول، بل حمله على القول في هذا الحديث متعين؛ لقوله: «في نفسه» ... «في نفسي»، وقوله: «في ملأ» ... «في ملأ خير منهم»، فبان بذلك أن الله تعالى يذكر عبده بكلام في نفسه، أي: بدون أن يُعلِم بذلك أحدًا من ملائكته، وقد يذكره بشهود من شاء من ملائكته، مثل: ثنائه عليه، والإخبار بأنه يحبه كما في الحديث المشهور: «إذا أحب الله عبدًا نادى جبريلَ إن الله يحب فلانًا فأحبه»، وبهذا يتبين أن تأويل ذكر الله لعبده بالرحمة والثواب، أو الإنعام صرف للكلام عن ظاهره بلا حجة، وكأن الذي قال ذلك يذهب إلى أن الله تعالى لا يتكلم بكلام حقيقي يُسمِعه إذا شاء لمن شاء من عباده، وهذا موجب مذهب الأشاعرة في كلام الله سبحانه، وهو أن معنى كلام الله: معنى نفسي، ليس بحرف ولا صوت، فلا يتصور سماعه منه، وهو ظاهر الفساد. تعليقات الشيخ البراك على المخالفات العقدية في فتح الباري (13/ 386).
قوله: «وإن ذكرني في مَلَأ»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
إذا ذكرني في ملأ من عبادي، ذكرته في ملأ من خلقي أكثر منهم وأطيب. شرح صحيح البخاري (10/ 430).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «ذكرته في ملأ خير منه» يعني: أن من يذكره في ملأ من الناس ذكره الله في ملأ من الملائكة. المفهم (7/ 7).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
فإن قيل: قد علمنا فائدة الذكر الخفي من العبد، وذلك أنه يكون من الآفات الداخلة على الأعمال بمعزل، ومن الإخلاص لله بمكان، فما فائدة ذكر الله تعالى عبده في الغيب.
قلنا: الاصطفاء والاستئثار، فإن الله تعالى إنما يدع علم الشيء بمكان استئثارًا به، وفيه أيضًا: عن اطلاع الملأ الأعلى عليه، وتوقي عمله عن إحاطة علم الخلق بِكُنْهِ ثوابه، ونظير هذا المعنى قد تقرر في بيان حديث: «الصوم لي، وأنا أجزي به»، وفيه أيضًا: تنبيه على كون العبد من الله بمكان تكنُّه الغيرة عن الأغيار. الميسر في شرح مصابيح السنة (2/ 522).
قوله: «ذكرته في مَلَأ»:
قال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
تقدم أن الكلام صفة كمال، وأن الله تعالى متصف بها، وأن كلامه يتعلق بمشيئته، فمتى شاء أن يتكلم تكلم، وكما أنه تعالى في الأزل يتكلم بما يشاء، فكذلك في المستقبل، وفي كل وقت إذا أراد أن يتكلم، وكلام الله غير محصور ولا نفاد له، وهو غير خلقه. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 391).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ذكرته» أي: بالثناء الجميل، وإعطاء الأجر الجزيل، وحسن القبول، وتوفيق الوصول. مرقاة المفاتيح (4/ 1542).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«في ملأ» أي: بين الملائكة. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 134).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
أي: أثنى عليه، ونوه باسمه في الملائكة، وأَمر جبريل أن ينادي بذكرهِ في ملائكة السماوات. المفهم (7/ 7).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
ومعنى قوله -سبحانه وتعالى-: «ذكرته في ملأ خير منه» أن الله يجعل ثواب ذلك الذكر بمرأى ومسمع من ملائكته، أو يذكره عندهم بما يعظم به شأنه ويرتفع به مكانه، ولا مانع من أن يجمع بين الأمرين. تحفة الذاكرين (ص: 16).
وقال الذهبي -رحمه الله-:
هذا حديث صحيح، وفيه التفريق بين كلام النفس والكلام المسموع، فهو تعالى متكلم بهذا وبهذا، وهو الذي كلَّم موسى تكليمًا، وناداه من جانب الطور وقرَّبَه نجيًّا. العلو (ص: 57).
قوله: «خير منهم»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«خير منهم» أي: الملائكة خير من الجماعة التي ذكرني بينهم. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 134).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
قوله: «خير منهم» أي: خير منهم حالًا؛ فإن حال الملائكة خير من حال الإنس في الجِدِّ والطاعة، قال تعالى فيهم: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} التحريم: 6، وأحوال المؤمنين مختلفة بين طاعة ومعصية، وجِدٍّ وفتور. شرح المصابيح (3/ 84).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا مما استدلت به المعتزلة ومن وافقهم على تفضيل الملائكة على الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، واحتجوا أيضًا بقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} الإسراء: 70، فالتقييد بالكثير احتراز من الملائكة.
ومذهب أصحابنا وغيرهم: أن الأنبياء أفضل من الملائكة؛ لقوله تعالى في بني إسرائيل: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} الجاثية: 16، والملائكة من العالمين، ويتأول هذا الحديث على أن الذاكرين غالبًا يكونون طائفة لا نبي فيهم، فإذا ذكره الله تعالى في خلائق من الملائكة كانوا خيرًا من تلك الطائفة. شرح صحيح مسلم (17/ 3).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الخبر المذكور ليس نصًا ولا صريحًا في المراد، بل يطرقه احتمال أن يكون المراد بالملأ الذين هم خير من الملأ الذاكر: الأنبياء والشهداء، فإنهم أحياء عند ربهم، فلم ينحصر ذلك في الملائكة، وأجاب آخر: وهو أقوى من الأول بأن الخيرية إنما حصلت بالذاكر والملأ معًا، فالجانب الذي فيه رب العزة خيرٌ من الجانب الذي ليس هو فيه بلا ارتياب، فالخيرية حصلت بالنسبة للمجموع على المجموع، وهذا الجواب ظهر لي، وظننت أنه مُبتكر، ثم رأيته في كلام القاضي كمال الدين بن الزملكاني في الجزء الذي جمعه في الرفيق الأعلى، فقال: إن الله قابل ذكر العبد في نفسه بذكره له في نفسه، وقابل ذكر العبد في الملأ بذكره له في الملأ، فإنما صار الذكر في الملأ الثاني خيرًا من الذكر في الأول؛ لأن الله هو الذاكر فيهم، والملأ الذين يذكرون والله فيهم أفضل من الملأ الذين يذكرون وليس الله فيهم. فتح الباري (13/ 387).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الحاصل: أن الأسلم أن نعتقد أن الله -سبحانه وتعالى- فضَّل الملائكة، وفضَّل خيار بني آدم، وأما التفضيل بين الجنسين، فَنَكِلُ علمه إلى الله تعالى. البحر المحيط الثجاج (41/ 720).
قوله: «وإن تقرَّب إليَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إليه ذِرَاعًا»:
قال ابن تيمية -رحمه الله-:
كُلما تقرب العبد باختياره قدر شبر زاده الرب قربًا إليه حتى يكون كالمتقرب بذراع، فكذلك قُرب الرب من قلب العابد، وهو ما يحصل في قلب العبد من معرفة الرب والإيمان به، وهو المثل الأعلى. مجموع الفتاوى (5/ 510).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
وبهذا يتبين أن معنى قوله: «إذا تقرب إليَّ بشبر تقربت إليه ذراعًا» أن العبد إذا تقرب إلى ربه بطاعته والإقبال عليه، أن الرب تعالى يزيده قربًا إليه؛ جزاءً من جنس عمله، وأكثر من قرب العبد الذي حصل باختياره. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 268).
وقال الشيخ عبد الرزاق البدر -حفظه الله-:
هذا فيه إثبات صفة القرب لله -سبحانه وتعالى-، وأنَّه يقرب متى شاء، وكيف شاء على الوجه الذي يشاء، ونحن نؤمن بأنه سبحانه يقرب من عباده كما دل عليه كتابه العزيز وسنة نبيه الكريم -صلى الله عليه وسلم. تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي (ص: 168).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
ومن الناس من غلط فظن أن قربه من جنس حركة بدن الإنسان إذا مال إلى جهة انصرف عن الأخرى، وهو يجد عمل روحه يخالف عمل بدنه؛ فيجد نفسه تقرب من نفوس كثيرين من الناس من غير أن ينصرف قربها إلى هذا عن قربها إلى هذا. مجموع الفتاوى (5/ 133).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
قربه تعالى من عباده نوعان:
أولهما: قربه تعالى من قلوب المؤمنين، وقرب قلوبهم منه، وهذا أمر معروف لا يُجْهَل، فإن القلوب تصعد إليه على قدر ما فيها من الإيمان والمعرفة به تعالى، وذكره، وخشيته، والتوكل عليه، وهذا متفق عليه بين الناس، لم ينكره منهم أحد.
والثاني: ما دل عليه هذا الحديث -الذي نحن بصدد شرحه (يعني: حديث الباب)- ونحوه، مثل قربه عشية عرفة، وقربه آخر الليل، كما ثبتت بذلك النصوص، وهذا القرب ينكره أكثر المتكلمين، من الجهمية، والمعتزلة، والأشعرية، وإنكاره منكر. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 270).
قوله: «وإن تقرب إليَّ ذِرَاعًا»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«وإن تقرب إليَّ ذرعًا» بكسر الذال المعجمة، أي: بقدر ذراع. إرشاد الساري (10/ 382).
قوله: «تَقَرَّبْتُ إليه بَاعًا»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«باعًا» أي: بقدر بَاع، وهو طول ذراعي الإنسان، وعضُديه، وعرض صدره. إرشاد الساري (10/ 382).
قوله: «وإن أتاني يمشي أتيته هَرْوَلَة»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
الهرولة: الإسراع ونوع من العَدْو. الكواكب الدراري (25/ 118-119).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«أتاني يمشي أتيته هرولة» إسراعًا، يعني: من تقرب إليَّ بطاعة قليلة جازيته بمثوبة كثيرة، وكلما زاد في الطاعة زدت في ثوابه، وإن كان كيفية إتيانه بالطاعة على التأني فإتياني بالثواب له على السرعة والتقرب. إرشاد الساري (10/ 382).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
يعني: أن الله -جلَّ وعلا- يُبادِر في إثابته إذا تقرَّب إليه -جلَّ وعلا- أسرع من عمله وأكثر من أجره الذي يستحقُّه أصلًا؛ فإضافة الهرولة إلى الله -جلَّ وعلا- في مثل هذا الحديث الصحيح (البخاري: 7405) يختلف أهل العلم في إثباتها؛ لأن السلف اختلفوا فيها، وإذا اختلف السلف في شيء من أمور الاعتقاد صار للخَلَف فيه مندوحة، أما ما يتَّفق عليه السلف فلا مندوحة لمن أتى بعدهم أن يجتهد رأيًا. موقع الشيخ: https://shkhudheir.com/fatwa/25828
وقال الشيخ عبد الرزاق البدر -حفظه الله-:
«أتيته هرولة» فيه إثبات هذه الصفة لله تعالى، والقاعدة: أنَّ كلَّ ما يضاف إلى الله -عزَّ وجلَّ- من الصفات فهو على الوجه الذي يليق بكماله وجلاله وعظمته -سبحانه وتعالى-. تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي (ص: 169).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الحق: أن ما تضمنه هذا الحديث من ذكر التقرب، والمشي، والهرولة على ظاهره حسبما يقتضيه سياق الكلام، ومعلوم أن المشي المضاف للعبد، والهرولة المضافة إلى الله -سبحانه وتعالى- ليس المراد به قطع المسافة، بل مزيد التقرب. البحر المحيط الثجاج (41/ 714).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
قد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات في الصفات: ونزول الرب -تبارك وتعالى- كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا، ويؤمن بها، ولا يتوهم، ولا يقال: كيف، هكذا روي عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أَمِرُّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. سنن الترمذي (3/ 41).
وقال الشيخ البراك -حفظه الله-:
الصواب: أن ما تضمنه الحديث من ذِكر التقرب والمشي والهرولة على ظاهره حسبما يقتضيه سياق الكلام، ومعلوم أن المشي المضاف للعبد والهرولة المضافة لله تعالى ليس المراد به قطع المسافة، بل مزيد التقرب كما يدل عليه ما قبله، وأما التقرب المضاف للعبد، والتقرب المضاف إليه سبحانه فإنه يتضمن ما ذكره ابن بطال (ذكر أن معنى القُرب والهرولة يحتمل الحقيقة والمجاز، وحملهما على المجاز أولى) ، ولكن ذلك لا ينفي دلالة الحديث على أن الله -عزَّ وجلَّ- يتقرب من عبده متى شاء كيف شاء، وذلك مما يدل عليه اسمه: القريب، فهو سبحانه قريب من داعيه وعابديه، وهو -سبحانه وتعالى- يقرِّب إليه من شاء من عبيده، وهذا لا يشكل على مذهب أهل السنة والجماعة القائلين بمباينة الله تعالى لخلقه، وأن بعض خَلقِه أقرب إليه من بعض، وإنما ينكر ذلك ويستشكله نُفاة العلو كالأشاعرة وغيرهم. تعليقات الشيخ البراك على المخالفات العقدية في فتح الباري (13/ 513).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
المذهب الصحيح: أن قرب الله إلى عبده ذراعًا أو باعًا وهرولته إلى عبده صفة ثابتة لله تعالى، نثبتها ونعتقدها، لا نكيفها، ولا نمثلها، ولا نؤولها تأويلًا تفصيليًا، ليس كمثله شيء؛ لأنه من أحاديث الصفات التي يصرف ظاهرها عن حقيقته مع عدم التأويل لها. مرشد ذوي الحجا والحاجة (22/ 338).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
أخطأ من قال: إن هذه الصفات الواردة في الحديث هي على سبيل المجاز على الله، أو على وجه الْمُشَاكَلَة، أو على وجه الاستعارة، أو إرادة لوازمها، فكل هذا غلط، فالصواب: أنها تطلق على الله كما أطلقها الله على نفسه على لسان رسوله، وهو أعلم الخلق بالله تعالى.
قال تعالى: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} البقرة: 140، وفي الحديث أن المطيع مُتقرب إلى الله -عزَّ وجلَّ-؛ فالعابد والسائل أقرب إلى الله من غيرهم؛ ولهذا جاء في الحديث: «أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد» ولما ارتفعت أصوات الصحابة بالتكبير في بعض الغزوات، كما في حديث أبي موسى الأشعري قال لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عُنُق راحلته» اربعوا: أي: ارفقوا، وقال تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} العلق: 19، فالساجد مقترب من الله تعالى بالطاعة. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (ص: 178).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
المشي والهرولة، يجب إثباته لله على الوجه اللائق به -سبحانه وتعالى-، من غير أن يشابه خلقه في شيء من ذلك، فنثبته لله على الوجه الذي أراده الله من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. فتاوى نور على الدرب، نسخة الطيار (ص: 70).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
صفة الهرولة ثابتة لله تعالى كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «يقول: الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي» فذكر الحديث، وفيه: «وإن أتاني يمشي أتيته هرولة»، وهذه الهرولة صفة من صفات أفعاله التي يجب علينا الإيمان بها من غير تكييف ولا تمثيل؛ لأنه أخبر بها عن نفسه، وهو أعلم بنفسه، فوجب علينا قبولها بدون تكييف؛ لأن التكييف قول على الله بغير علم وهو حرام، وبدون تمثيل؛ لأن الله يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى: 11. مجموع الفتاوى (1/ 182).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
اشتهر عند المتأخرين من علماء الكلام -خلافًا للسلف- تأويل هذه الصفات المذكورة في هذا الحديث، من (النفس) و(التقرب) و ... وما ذلك إلا لضيق عَطَنِهم، وكثرة تأثرهم بشبهات المعتزلة وأمثالهم من أهل الأهواء والبدع، فلا يكاد أحدهم يطرق سمعه هذه الصفات إلا كان السابق إلى قلوبهم أنها كصفات المخلوقات، فيقعون في التشبيه، ثم يفرون منه إلى التأويل ابتغاء التنزيه بزعمهم، ولو أنهم تلقوها حين سماعها مستحضرين قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى: 11 لما ركنوا إلى التأويل، ولآمنوا بحقائقها على ما يليق به تعالى، شأنهم في ذلك شأنهم في إيمانهم بصفتي السمع والبصر وغيرهما من صفاته -عزَّ وجلَّ-، مع تنزيهه عن مشابهته للحوادث، لو فعلوا ذلك هنا لاستراحوا وأراحوا، ولنجوا من تناقضهم في إيمانهم بربهم وصفاته. فاللهم هُداك، وراجع إن شئت التوسع في هذا كتب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-. صحيح الترغيب والترهيب (2/ 202).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
ومن فهم مِن شيء من هذه النصوص تشبيهًا أو حلولًا أو اتحادًا، فإنما أُتِيَ من جهله، وسوء فهمه عن الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، والله ورسوله بريئان من ذلك كله، فسبحان من ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. جامع العلوم والحكم (1/ 134).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
وفيه: دليل على جواز الذكر بالجهر، واختلفوا في ذلك، فمنهم من منعه مطلقًا، ومنهم من جوزه مطلقًا، ومنهم من فصَّل كصاحب الفتاوى الخيرية، فقال: إن كان الجهر مُفرطًا منع عنه، وإلا جاز، نعم السر أفضل من الجهر لكنه أمر آخر، وهذا هو المعتمد عند محققي الحنفية. مرعاة المفاتيح (7/ 384).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: الحديث):
منها: إثبات القول لله تعالى، وأنه يتكلم إذا شاء بما شاء، ويكلم من شاء إذا شاء.
ومنها: إثبات النفس لله تعالى على ما يليق بجلاله -سبحانه وتعالى-.
ومنها: بيان أن الجزاء من جنس العمل.
ومنها: بيان فضل الله تعالى، وعظيم كرمه على عباده حيث يجزيهم بضعفي ما عملوا، {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} الحديد: 21. البحر المحيط الثجاج، باختصار (41/ 715).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
حُسنُ الظنِّ بالله وسوءُ الظنِّ به، وأثرُهما على العبد.