«قال الله -عزَّ وجلَّ-: ومَن أظلمُ ممن ذهبَ يَخْلُقُ خَلقًا كَخَلْقِي؟ فلْيَخْلُقُوا ذرَّة، أو لِيَخْلُقوا حبَّة، أو لِيَخْلُقُوا شَعِيْرة».
رواه البخاري برقم: (5953)، ومسلم برقم: (2111)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند أحمد برقم: (7521): «فلْيَخْلُقُوا بَعوضة...»، قال محققو مسند الإمام أحمد: إسناده حسن.
شرح الحديث
قوله: «قال الله -عزَّ وجلَّ-»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
يحكيه عن الله، فإنه حديث قُدسي. الكوثر الجاري (9/ 385).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
هذه من الأحاديث القدسية التي يرويها النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ربه -جلَّ وعلا- عن طريق الإلهام، أو المنام، أو بواسطة الْمَلَك، وهي مضافة إلى الله تعالى قولًا له، ويختلف عنها القرآن، بأنه كلام الله المنزَّل على محمد -صلى الله عليه وسلم- نزل به الروح الأمين، المُتحدَّى به، أو بسورة منه، المتعبَّد بتلاوته. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 680).
قوله: «ومن أظلم»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
المراد: لا أظلم في المشبهين من ذلك، فلا يَرِد: أن الكافر أظلم، وإذا كانوا في زعمهم يَخْلُقون. التنوير (7/ 602).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ومن أظلم» أي: لا أحد أظلم ممن يذهب يخلق -أي: يقدِّر-؛ لأن معنى الخلق في الأصل: التقدير، ومنه حديث أخت أمية بن أبي الصلت قالت: «فدخل عليَّ وأنا أخلق أَدِيمًا» أي: أقدِّره لأقطعه. نخب الأفكار (13/ 463).
وقال العيني -رحمه الله-أيضًا:
وحاصل المعنى: لا يوجد أحد أكثر ظُلمًا مِن رجل صوَّر صورة شبيهة بالصورة التي صورها البارئ -عزَّ وجلَّ-؛ لأن هذا أمر مختصٌّ به، فمن أراد التشبُّه بذلك فقد ارتكب أمرًا عظيمًا ومحظورًا جسيمًا. نخب الأفكار (13/ 463).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
يعني: أن فاعل ذلك ظالم ظُلمًا لم يبلغه أحد، فهو استفهام يفيد كثرة الظلم، وعِظَمه، وإنكاره. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 680).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: الكافر أظلم منه.
قلتُ: الذي يصوِّر الصنم للعبادة هو كافر، فهو هو، أو يزيد عذابه على سائر الكفار لزيادة قُبْح كفره. الكواكب الدراري (21/ 145).
قوله: «ممَّن ذَهَبَ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ذهب» أي: قَصَدَ. فتح الباري (10/ 386).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «ذهب» مِن الذهاب الذي بمعنى القصد والإقبال إليه. الكواكب الدراري (25/ 245).
قوله: «يخلق خلقًا كخلقي؟»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«يخلق» أي: يصوِّر صورة شِبه صورةٍ خَلَقْتُها. شرح المصابيح (5/ 83).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
نَسَبَ الخلق إليهم على سبيل الاستهزاء، أو التشبيه في الصورة فقط. فتح الباري (13/ 534).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
إنما نسب خلقها إليهم توبيخًا لهم، وتقريعًا لهم في مضاهاتهم الله -عزَّ وجلَّ- في خلقه، فبَكَّتَهم بأن قال لهم: فإذا قد شابهتم بما صوَّرتم مخلوقات الرب، فأَحْيُوا ما خلقتم كما أحيا هو تعالى ما خلق، فينقطعون بهذه المطالبة حين لا يستطيعون نفخ الروح في ذلك. شرح صحيح البخاري (10/ 554).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«كخَلْقِي» أي: يأتي بشبه ذلك، وهو التصوير، وإلا فالحقيقي لا يقدر عليه إلا الله. اللامع الصبيح (14/ 522).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
التشبيه في فعل الصورة وحدها لا من كل الوجوه. فتح الباري (10/ 386).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وقوله -عليه السلام-: «مَن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» هو في معنى حديثه -عليه السلام-: «أنه لعن المصوِّر»؛ لأنه وصف المصور بأشد الظلم، وقد قال تعالى: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} هود: 18، فعمَّت اللعنة كل مَن وقع عليه اسم ظالم من مصورٍ وغيره. شرح صحيح البخاري (9/ 176-177).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنه متوعَّد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنَعَه بما يُمتهن أو بغيره، فصنعته حرام بكل حال؛ لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب، أو بِسَاط، أو درهم، أو دينار، أو فلس، أو إناء، أو حائط، أو غيرها.
وأما تصوير صورة الشجر ورِحَال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام، هذا حكم نفس التصوير.
وأما اتخاذ المصوَّر فيه صورة حيوان: فإن كان معلقًا على حائط أو ثوبًا ملبوسًا أو عمامة ونحو ذلك مما لا يُعَدُّ ممتهنًا فهو حرام، وإن كان في بساط يُداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يُمْتَهَن فليس بحرام، ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت؟ فيه كلام...
ولا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له، هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو مذهب الثوري، ومالك وأبي حنيفة وغيرهم.
وقال بعض السلف: إنما ينهى عمَّا كان له ظل، ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل، وهذا مذهب باطل، فإن الستر الذي أنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- الصورة فيه لا يَشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل، مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة.
وقال الزهري: النهي في الصورة على العموم، وكذلك استعمال ما هي فيه، ودخول البيت الذي هي فيه سواء كانت رَقْمًا في ثوب أو غير رَقْمٍ، وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط مُمْتَهن أو غير ممتهن؛ عملًا بظاهر الأحاديث، لا سيما حديث النُّمْرُقة الذي ذكره مسلم، وهذا مذهب قوي.
وقال آخرون: يجوز منها ما كان رَقْمًا في ثوب، سواء امْتُهِن أم لا، وسواء عُلِّق في حائط أم لا، وكرهوا ما كان له ظل أو كان مصوَّرًا في الحيطان وشبهها سواء كان رَقْمًا أو غيره، واحتجوا بقوله في بعض أحاديث الباب: «إلا ما كان رَقْمًا في ثوب»، وهذا مذهب القاسم بن محمد (ابن أبي بكر الصديق)، وأجمعوا على منع ما كان له ظل، ووجوب تغييره، قال القاضي (عياض): إلا ما ورد في اللُّعب بالبنات لصغار البنات، والرخصة في ذلك، لكن كره مالك شراء الرجل ذلك لابنته، وادعى بعضهم: أن إباحة اللُّعب لهن بالبنات منسوخ بهذه الأحاديث، والله أعلم شرح صحيح مسلم (14/ 81-82).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقد استثنى الجمهور من الصور لُعَب البنات...، وشذَّ بعض الناس فمنعها، ورأى أن إباحة ذلك منسوخة بهذا النهي، وهو ممنوع من ذلك، مطالب بتحقيق التعارض والتاريخ، واستثنى بعض أصحابنا (المالكية) من ذلك النهي: ما لا يبقى كصور الفخار، والشمع، وما شاكل ذلك، وهو مطالَب بدليل التخصيص، وليس له عليه نص، بل ولا ظاهر، وإنما هو نظر قاصر يردُّه المعنى الذي قررناه، والظواهر. المفهم (5/ 432).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قلتُ: ولعل وجه قول الجمهور في التخصيص بذوات الروح أنه لا يجوز أن ينسب خلقها إلى فعل المخلوق حقيقة ولا مجازًا، فخلاف سائر النباتات والجمادات؛ حيث ربما ينسب فعلها إلى الناس مجازًا، ويقال: أنبت فلان هذا الشجر مثلًا، وصنع فلان هذه السفينة مثلًا، وأما ما عُبِدَ من دون الله ولو كان من الجمادات كالشمس والقمر فينبغي أن يحرم تصويره، والله أعلم. مرقاة المفاتيح (7/ 2852).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وهذا الوعيدُ في المُصوِّر لما له رُوحٌ، بخلافِ ما لا رُوحَ فيه من الثِّمار؛ فقد أجازَ هذا العلماءُ، وأجازوا صُنعتَه والتكسُّبَ به، إلا مُجاهِدًا؛ فإنَّه جعَل الشَّجرَ المُثمِرَ من المكروهِ، ولم يقُلْه غيرُه. إكمال المعلم (6/ 638).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «يخلق كخلقي» يتناول ما فيه روح وما لا روح فيه، فإن خص ما فيه روح بالمعنى من جهة أنه مما لم تجرِ عادة الآدميين بصنعته وجَرَت عادتهم بغرس الأشجار مثلًا امتنع ذلك في مثل تصوير الشمس والقمر، ويتأكد المنع بما عُبِدَ من دون الله؛ فإنه يضاهي صورة الأصنام التي هي الأصل في منع التصوير، وقد قيد مجاهد صاحب ابن عباس جواز تصوير الشجر بما لا يُثمر، وأما ما يثمر فألحقه بما له روح. فتح الباري (10/ 395).
قوله: «فلْيَخْلُقوا ذرَّة»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
الذرَّة: بفتح المعجمة، وشدة الراء: النملة الصغيرة. الكواكب الدراري (21/ 135).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
المراد بالذَّرَّة: إن كان النملة فهو من تعذيبهم وتعجيزهم بخلق الحيوان، تارة وبخلق الجماد أخرى، وإن كان بمعنى الهَبَاء فهو بخلق ما ليس له جُرْمٌ محسوس تارة، وما له جُرْمُ أخرى، ويحتمل: أن يكون «أو» شكًّا من الراوي. فتح الباري (13/ 534).
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فلْيَخْلُقوا» أي: فليُوجِدوا إن قدروا «ذرَّة». الكوكب الوهاج(21/ 468).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
الأمر للتعجيز. شرح المصابيح (5/ 83).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وهو على سبيل الترقي في الحقارة، أو التنزُّل في الإلزام. فتح الباري (13/ 534).
وقال العيني -رحمه الله-:
وإنما عيَّن الذَّرة؛ لأنها أضعف المخلوقات وأصغرها جدًّا، فمَن عجز عن تخليق هذا فما فوقه أعجز، وكذلك تعيين الحبَّة أو الشعيرة، لكونها أقل الأشياء في الجمادات، كما أن الذَّرَّة أضعفها في الحيوانات، والمخلوقات مشتملة على هذين القسمين. نخب الأفكار (13/ 463).
قوله: «أو ليخلقوا حبَّة»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أو ليخلقوا» و «أو» هنا وفيما بعده للتنويع، أو بمعنى الواو. الكوكب الوهاج (21/ 468).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«أو لِيَخْلُقُوا حبَّة» أي: من القمح. دليل الفالحين (8/ 510).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
ويمكن أن يراد بالحبة ذلك الحَبُّ الأحمر الذي يُعَدُّ في الوزن نصف الطَّسُّوج (مقدار من الوزن يعادل حبتين من الدانق)، وقد يجيء الحبة بمعنى القطعة من الشيء. لمعات التنقيح (7/ 459-460).
وقال النووي -رحمه الله-:
أي: لِيَخْلُقوا حبَّة فيها طعم تؤكل، وتُزرع، وتَنبت، ويوجد فيها ما يوجد في حبة الحنطة والشعير ونحوهما من الحَبِّ الذي يخلقه الله تعالى، وهذا أمر تعجيز كما سبق، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (14/ 91).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
المراد إيجاد حبة على الحقيقة لا تصويرها...، والمراد بالحبة حبة القمح بقرينة ذكر الشعير، أو الحبة أعم. فتح الباري (10/ 386).
قوله: «أو ليخلقوا شَعِيْرة»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«أو شعيرة» عطف الخاص على العام، أو هو شك من الراوي، والغرض تعذيبهم وتعجيزهم تارة بخلق الحيوان، وأخرى بخلق الجماد، وفيه نوع من الترقي في الخساسة، ونوع من التنَزُّل في الإنزال. الكواكب الدراري (25/ 245).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: لا يقدر أحد أن يخلق مثل ما أخلق، فإنَّ الخلق ليس بتصوير صورة مجردة عن الروح، بل الخلق أن يصور صورة وينفخ فيها الروح، فلا يقدر أحد على نفخ الروح في الصورة إلا الله. المفاتيح (5/ 64).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
فالشَّعيرةُ أقلُّ قيمةً من الحبَّة، ولكن فيها من الحياةِ ما في الحبَّة، فإذا كان المُصوِّرون وغيرُهم الذين يُضاهِئون اللهَ في خَلْقِه عاجزين عن خَلْقِ الحبَّةِ والشَّعيرةِ، فضلًا عمَّا فيه رُوحٌ، فكيف يذهبون يُصوِّرون الصور التي فيها مُضاهاةٌ لِخَلْقِ الله تعالى؟! ولِعِظَمِ جُرْمِهم استحقُّوا من العذابِ ما لا يكونُ لسائرِ أهلِ الكبائر. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 680).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: ما يدل على تحريم الصور...، ولَمَّا صور هؤلاء صور الأجسام عاجزين على أن يخلقوا ذرة أو حبة أو شعيرة، فإنما يصنعون أصنامًا مجردة، فكانوا في المعنى أقبح ممن يعبد الأصنام من وجه؛ لأنهم يعملون الأصنام التي يعبدها من يعبدها، فلذلك اشتدت جريمتهم، وعظمت خطيئتهم. الإفصاح (7/ 155).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
في حديث أبي هريرة دليل على أن نهيه -عليه السلام- عن الصور مجمل، معناه عندهم على العموم أيضًا في الحيطان والثياب وغيرها. شرح صحيح البخاري (9/ 176-177).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
حُكي أنه وقع السؤال عن حكمة الترقي من الذرة إلى الحبة إلى الشعيرة في قوله: «فليخلقوا ذرة».
فأجاب الشيخ تقي الدين الشمني بَدِيْهَة: بأن صنع الأشياء الدقيقة فيه صعوبة، والأمر بمعنى التعجيز، فناسب الترقي من الأعلى للأدنى، فاستحسنه الحافظ ابن حجر، وزاد في إكرام الشيخ تقي الدين، وإشهار فضيلته -رحمهما الله-. إرشاد الساري (10/ 477).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
يستفاد منه: جواز التكليف بالمحال في الدنيا، كما جاز ذلك في الآخرة، لكن ليس مقصود هذا التكليف طلب الامتثال، وإنما مقصوده تعذيب المكلف، وإظهار عجزه عمَّا تعاطاه؛ مبالغة في توبيخه، وإظهارَ قبيح فعله، والله تعالى أعلم. المفهم (5/ 433).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
ومرادُ البخاريِّ -رحمهُ الله-: نسبةُ الخلقِ إليهم فعلًا لهم حقيقةً، مع أنهم مخلوقون لله تعالى؛ فاللهُ خالقُهم وخالقُ أفعالهم، ولكنه جعلهم فاعلين قادرين على فعلهم باختيارهم وقدرتهم التي خلقها الله فيهم، ولهذا عذَّبهم على ذلك، ولو لم يكن فعلًا لهم حقيقةً ما عُذِّبوا عليه. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 681).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- حديث: «أشدُّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ الذين يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّه»
- فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في دخول رسم ذوات الأرواح في الحديث القدسي: (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي).