الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ، والحمدُ للَّهِ تملأُ الميزانَ، وسبحانَ اللهِ، والحمدُ للَّهِ تملآنِ -أو تملأُ- ما بينَ السَّماواتِ والأرضِ، والصلاةُ نورٌ، والصدقةُ بُرهانٌ، والصَّبرُ ضِيَاءٌ، والقرآنُ حُجَّةٌ لكَ أو عليكَ، كلُّ النَّاسِ يَغْدُو فبايعٌ نفسَهُ فَمُعْتِقُهَا أو مُوبِقُهَا».


رواه مسلم برقم: (223)، من حديث أبي مالك الأشعري -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند النسائي برقم: (2437)، وابن ماجه برقم: (280): «والزكاة بُرهان».
وفي لفظ عند أحمد برقم: (22902): «وسبحان الله والله أكبر، ولا إله إلا الله والله أكبر تملآن ما بين السماء والأرض».
صحيح سنن النسائي برقم (2286).


غريب الحديث


«الطُّهُورُ»:
‌بالضم: التطهر، وبالفتح الماء الذي يُتطهر به، ‌كالوَضُوء ‌والوُضُوء، ‌والسَّحُور ‌والسُّحُور. النهاية، لابن الأثير (3/ 147).

«والصلاةُ نُورٌ»:
ونَارَ الشيء وأَنَارَ، إذا أضاء، ينير إنارة، والاسم ‌النور، بضم النون. جمهرة اللغة، لابن دريد (2/ 806).

«والصَّدَقةُ بُرْهَانٌ»:
البرهان: الحُجة والدليل، أي: أنها حُجة لطالب الأجر؛ مِن أجل أنها فَرْضٌ يجازي الله به وعليه، وقيل: هي دليل على صحة إيمان صاحبها؛ لِطِيب نفسه بإخراجها؛ وذلك لعلاقة ما بين النفس والمال. النهاية، لابن الأثير (1/ 122).

«يَغْدُو‌»:
غدا الرجل يغدو، فهو غاد... الغُدْوة: الْمَرَّة من الغُدُوِّ، وهو سير أول النهار، نقيض الرواح. لسان العرب، لابن منظور (15/ 118).
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: يُصبح أو يسير، والغُدُوُّ: السير أول النهار ضد الرواح، وقد غدا يغدو غدوًا، مأخوذ من الغدوة: ما بين الصباح وطلوع الشمس، والمعنى: كل أحد يسعى ويجتهد في الدنيا، ويُرى أثر عمله في العقبى. مرقاة المفاتيح، للقاري (1/ 343).

«مُوبِقُهَا»:
والموبقات أي: المهلكات، و«موبِقها» مُهْلِكُها. مشارق الأنوار، لعياض (2/ 277).


شرح الحديث


قوله: «الطُّهورُ شَطْرُ الإيمانِ»:
قال النووي –رحمه الله-:
هذا حديث عظيم، أصل من أصول الإسلام، قد اشتمل على مهمات من قواعد الإسلام، فأما الطهور: فالمراد به الفعل، فهو مضموم الطاء على المختار وقول الأكثرين، ويجوز فتحها كما تقدم، وأصل الشطر النصف، واختلف في معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الطهور شطر الإيمان»، فقيل: معناه أن الأجر فيه ينتهي تضعيفه إلى نصف أجر الإيمان، وقيل: معناه أن الإيمان يَجُبُّ ما قبله من الخطايا وكذلك الوضوء؛ لأن الوضوء لا يصح إلا مع الإيمان فصار لتوقُّفه على الإيمان في معنى الشطر، وقيل: المراد بالإيمان هنا الصلاة كما قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} البقرة: 143، والطهارة شرط في صحة الصلاة فصارت كالشَّطر، وليس يلزم في الشطر أن يكون نصفًا حقيقيًا وهذا القول أقرب الأقوال، ويحتمل أن يكون معناه: أن الإيمان تصديق بالقلب وانقياد بالظاهر وهما شطران للإيمان، والطهارة متضمنة الصلاة فهي انقياد في الظاهر، والله أعلم. شرح النووي على مسلم (3/ 100).
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «الطهور...» إلى آخره، اختلف أهل اللغة في الطهور، فقال بعضهم: الطُّهور بضم الطاء مصدر، واسم للماء الذي يُتطهر به، والطَّهور بفتح الطاء ليس في كلام العرب مستعملًا.
وقال بعضهم: بل الطُّهور بضم الطاء المصدر، وبفتحها: الماء الذي يُتطهر به، وهذا القول هو المختار، وها هنا: الطُّهور بضم الطاء؛ لأن المراد به المصدر. المفاتيح (1/ 345).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
«‌الطُّهور ‌شطر الإيمان» نصفه؛ لأنه يكفِّر ما قبله من الذنوب إذا قارنه الإيمان، والإيمان بمجرده يكفِّر ما قبله، فصار منه على الشطر، وقيل: ثواب الطهور يبلغ بتضعيفه إلى نصف أجر الإيمان من غير تضعيف، وقيل: إن الإيمان يطهِّر الباطن من الكفر الذي هو نجس، والطهور يطهر الظاهر من الأنجاس، وقيل: لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا إيمان له، كما لا صلاة لمن لا طهارة له، فانتفت الصلاة بانتفائها، وثبتت بوجودهما، وثبت الإيمان بالصلاة، وانتفى بانتفائها، ومِن شرط وجودها: الطهور، فكان كالنصف من الإيمان، وهذا على القول بتكفير تارك الصلاة مع اعتقاد وجوبها. مطالع الأنوار (6/ 42، 43).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
لا شك أنَّ هذا الإيمان ذو خصال كثيرة، وأحكام متعددةٍ، غير أنها منحصرةٌ فيما ينبغي التنزُّه والتَّطهر منه، وهي كل ما نهى الشرع عنه، وفيما ينبغي التلبس والاتصاف به، وهي: كل ما أمر الشَّرعُ به، فهذان الصنفان عبَّر عن أحدهما بالطهارة على مستعمل اللغة، وهذا كما قد روي مرفُوعًا: «الإيمان نصفان: نصفٌ شكرٌ ونصف صبر».
وقد قيل: إنَّ الطهارة الشرعية لما كانت تكفِّر الخطايا السابقة كانت كالإيمان الذي يجبُّ ما قبله، فكانت شطر الإيمان بالنسبة إلى محو الخطايا، وهذا فيه بُعد؛ إذ الصلاة وغيرها من الأعمال الصالحة تكفِّر الخطايا، فلا يكون لخصوصية الطهارة بذلك معنى، ثم لا يصح أيضًا معنى كون الطهارة نصف الإيمان بذلك الاعتبار؛ لأنها إنما تكون مثلًا له في التكفير، ولا يقال على المثل للشيء: شطره، وقيل: إن الإيمان هنا يراد به الصلاة، كما قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} البقرة: 143، أي: صلاتكم على قول المفسرين، ومعناه على هذا: أنَّ الصلاة لما كانت مفتقرة إلى الطهارة كانت كالشطر لها، وهذا أيضًا فاسد؛ إذ لا يكون شرط الشيء شطره لا لغةً ولا معنىً، فالأَولى التأويل الأول، والله أعلم.
فإن قيل: كل ما ذكرتم مبني على أنَّ المراد بالطهور الطهارة؛ وذلك لا يصح؛ لأنه لم يروه أحد فيما علمناه: الطُّهور بالضم، وإنما روي بالفتح، فإذا هو الاسم على ما تقدم، قلنا: يصح أنْ يُقال: يُحمل هذا على مذهب الخليل كما تقدم، ويمكن حمله على المعروف، ويراد به استعمال الطهور شطر الإيمان. المفهم (1/ 473 - 475).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
الصحيح الذي عليه الأكثرون: أنَّ المراد بالطهور ها هنا: التطهير بالماء من الأحداث، وكذلك بدأ مسلم بتخريجه في أبواب الوضوء، وكذلك خرَّجه النسائي وابن ماجه وغيرهما. جامع العلوم (2/ 7).
وقال فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
قوله: «‌الطهور ‌شطر الإيمان» أي: نصفه؛ لأن خصال الإيمان قسمان: ظاهرة وباطنة، فالطهور من الخصال الظاهرة: والتوحيد من الخصال الباطنة، قال -صلى الله عليه وسلم-: «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيِّها شاء». تطريز رياض الصالحين (ص: 36).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«الطهور» يعني بذلك طهارة الإنسان، «شطر الإيمان» أي: نصف الإيمان؛ وذلك لأن الإيمان تخْلِيَة وتَحْلِية، أي: تبرُّؤ من الشرك والفسوق، تبرُّؤ من المشركين والفُساق بحسب ما معهم من الفسق، فهو تخلٍّ، وهذا هو الطهور، أنْ يتطهر الإنسان طهارة حِسية ومعنوية من كل ما فيه أذى، فلهذا جعله النبي -عليه الصلاة والسلام- شطر الإيمان. شرح رياض الصالحين (1/ 187).

قوله: «والحمدُ للهِ تملأُ الميزانَ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «والحمد لله تملأ الميزان» قد تقدَّم معنى الحمد، وأنه راجع إلى الثناء على مُثنّى ما بأوصاف كماله، فإذا حمد الله حامدٌ مستحضرًا معنى الحمد في قلبه، امتلأ ميزانه من الحسنات. المفهم (1/ 475- 476).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «والحمد لله تملأ الميزان» فمعناه: عِظَمُ أجرها، وأنه يملأ الميزان، وقد تظاهرت نصوص القرآن والسُّنة على وزن الأعمال، وثقل الموازين وخِفَّتها. شرح صحيح مسلم (3/ 101).
وقال الطوفي -رحمه الله-:
قوله: «والحمد لله تملأ الميزان» أي: ثوابها يملأ الميزان خيرًا، ولعل السبب المناسب لذلك أنَّ اللام في الحمد لله للاستغراق، وجِنس الحمد الَّذي يجب لله -عز وجل- ويستحقه يملأ الميزان، فكذا ثوابه.
وهذا الحديث ظاهر في ثبوت الميزان في المعاد حقيقة، خلافًا للمعتزلة أو بعضهم؛ إذ قالوا: إنَّ الميزان الوارد ذِكْرُه في الكتاب والسُّنة كناية عن إقامة العدل في الحساب، لا أنه ميزان حقيقة ذو كفَّتين ولسان، كما يقال: يد فلان ميزان، والظواهر في إثبات كونه حقيقة مع أهل السُّنة، وقد قيل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: أين نجدك يا رسول الله في القيامة؟ قال: «عند الحوض أو الصراط أو الميزان» وهو كما تراه ظاهر فيما ذكرناه. التعيين (1/ 175).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«والحمد لله» أي: التلفظ به «تملأ الميزان» أي: ميزان قائله من الأجر؛ من عظمة هذا اللفظ، وقيل: هذا شطر الثاني للأول؛ لأن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر، فعبَّر عن الصبر بالطهور، وعبر عن الشكر بالحمد؛ لأنه رأس الشكر، فالصبر مع الشكر يملأ الميزان. شرح المصابيح (1/ 226).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «والحمد لله يملأ الميزان» يملأ: يروى بالفوقانية والتحتانية، فالأُولى باعتبار اللفظة أو الكلمة أو المثوبة، والثانية باعتبار اللفظ أو الثواب، وقد ثبت بالنصوص أن الأعمال توزن إما نفسها، أو بجعلها صُورًا، أو كتبها، أو لكونها جواهر في موطن الآخرة كما هو عند المحققين، وقد حُقق في موضعه. لمعات التنقيح (2/ 10).

قوله: «وسُبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ تملآن -أو تملأُ- ما بين السماواتِ والأرضِ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«وسبحان الله» سبحان اسم منصوب، على أنه واقع موقع المصدر لفعل محذوف، تقديره: سبحتُ اللهَ سبحانًا، ومعناه: تنزيه الله عما لا يليق به من كل نقص، فيلزم منه نفي الشريك والصاحبة والولد وجميع الرذائل، ويطلق التسبيح، ويُراد به جميع ألفاظ الذكر، ويطلق ويراد به صلاة النافلة، والمراد منه هنا: الأول؛ لقرنه بالحمد لله. فتح المنعم (2/ 81).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قوله: «سبحان الله» هو تنزيه الله -عز وجل- عن كل ما نزَّه عنه نفسه.
وقوله: «الحمد لله» الحمد ثناء على المحمود، ويشاركه الشكر، إلا أن بينهما فرقًا، وهو أنَّ الحمد ثناء على الإنسان فيما فيه حسن، ككرم وشجاعة وحسب، والشكر ثناء عليه بمعروف أَوْلَاكَهُ. كشف المشكل (4/ 155).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماوات والأرض» أي: يملأ ما يترتب عليهما من الثواب...، ما بين السماوات والأرض. تحفة الأبرار (1/ 167).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «وسبحان الله، والحمد لله تملأ ما بين السماء والأرض» يحتمل أنه في دار الدنيا، وأنه في الآخرة؛ وذلك لاشتمال هاتين الصفتين على تنزيه الرب عن كل قبيح، وإثبات الحمد له، فاشتملتا على التخلية بالمعجمة، والتحلية بالمهملة. التنوير (7/ 181).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ذهب بعضهم إلى أنَّ ثناء العبودية على شيئين: المعرفة بالله، والافتقار إلى الله، فصفاء معرفة الله بتنزيهه، وكمال الافتقار إليه أنْ ترى نفسك في تصريفه كيف شاء، فغاية التنزيه: سبحان الله، وفي الحمد لله الافتقار إلى الله، وأنه رأى أقواله وأفعاله بالله، ولم يرها من نفسه. إكمال المعلم (2/ 7).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
هذا الحديث يدل على إثبات الميزان، وعلى أنَّ الأعمال تُوزن، وعلى أنَّ الأعمال تُقلب أعيانًا توضع في الميزان، وقد جاء أنَّ الأعمال تُقلب أعيانًا، فقد جاء أنَّ عمل الإنسان الصالح يأتي إلى الميت في قبره بصورة الشاب الحسن الهيئة، ويقول: أنا عملك، وأنه إذا كان العمل على العكس فإنه يأتي بأقبح صورة. شرح الأربعين النووية (23/ 4).

قوله: «والصَّلاةُ نورٌ»:
قال النووي –رحمه الله-
معناه: أنها تمنع من المعاصي وتنهى عن الفحشاء والمنكر وتهدي إلى الصواب، كما أن النور يستضاء به، وقيل معناه: أنه يكون أجرها نورًا لصاحبها يوم القيامة، وقيل: لأنها سبب لإشراق أنوار المعارف وانشراح القلب ومكاشفات الحقائق؛ لفراغ القلب فيها وإقباله إلى الله تعالى بظاهره وباطنه، وقد قال الله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} البقرة: 45، وقيل معناه: أنها تكون نورًا ظاهرًا على وجهه يوم القيامة ويكون في الدنيا أيضًا على وجهه البهاء بخلاف من لم يصلِّ. شرح صحيح مسلم(3/ 101)
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قوله: «والصلاةُ نورٌ» أي: بين يدي المصلي في سُبُله. كشف المشكل (4/ 155).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «والصلاة نور» يعني: تكون له نورًا في القبر، وفي ظلمة القيامة، حتى توصله إلى الجنة، ويحصل للمصلي في الدنيا ضياء في وجهه، وتُخرجه من ظلمة المعاصي، قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ} العنكبوت: 45. المفاتيح (1/ 346).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«والصلاة نور» يحتمل نور لصاحبها في الدنيا؛ لِمَا يَجعل الله على ذاته من الوضاءة في الوجه والنور في القلب والبصيرة فيهتدي إلى كل خير، ويلتهي عن كل فحشاء، ويحتمل أنها نور له في الآخرة يهديه طريق النجاة في الصراط، ومواقف القيامة كما يشير إليه قوله تعالى: {يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} الحديد: 12، الآية، وأحاديث إعطاء المؤمن النور يوم القيامة على قدر إيمانه تشهد لذلك، أو المراد أنها نور له في الدارين، ثم المراد الفريضة، والمراد منها ما أتم فاعلها أركانها وأذكارها، وهي التي تقول له: حفظك الله، لا التي تُلَفُّ ويُضرب بها وجهه. التنوير(2/308 ، 309)
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«والصلاة نور» هذا يدلنا على عظم شأن الصلاة، ووصفها بأنها نور، وهي نور في القلب، ونور في الوجه، ونور هداية، ونور في الدار الآخرة، وكل هذه الصفات للنور هي حاصلة بالصلاة في الدنيا والآخرة، فهي نور في البصيرة وفي القلب، ونور في الوجه؛ بسبب ملازمة الطاعة؛ وذلك لأن الإنسان يصلي لله -عز وجل- في اليوم والليلة خمس مرات، وهو يكون بهذا على صلة وثيقة بالله -سبحانه وتعالى-، وكذلك أيضًا يحصل صاحبها على نور الهداية؛ لأن الإتيان بالصلاة في اليوم والليلة لا شك أنَّه من الهداية، والهداية نور، كما جاء في القرآن الكريم وصف القرآن بأنه نور، أي: نور يضيء الطريق إلى الله -عز وجل-، قال الله -عز وجل-: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا} التغابن: 8، فهو نور هداية، وليس مقصودًا به نور حسي يشعُّ، فإن المصحف لا يشع، ولا يحصل منه إشعاع، وإنما يحصل منه الهداية، وكذلك النور المضاف إلى نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، فإن المقصود به نور الهداية، وليس المقصود من ذلك -كما يقول بعض الصوفية- أنه نور لا ظل له؛ لأنه يعكس ضوء الشمس فلا يكون له ظل. شرح الأربعين النووية (23/ 5).

قوله: «والصدقةُ بُرهانٌ» وفي لفظ: «الزكاة برهان»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «والصدقةُ برهانٌ» مثل قوله: «والقُرآن حُجة» وقد يحتمل أنْ يكون برهان الصدقة على إيمان المؤمنين، ودليل على الفَرق بينهم وبين المنافقين الذين يلمزون المطوِّعين من المؤمنين في الصدقات، ألا ترى ما كان ممن ضعف إيمانه في الرِّدة من منعها. إكمال المعلم (2/ 8).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «والصدقة برهان» أي: على صحة إيمان المتصدق، أو على أنه ليس من المنافقين الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات، أو على صحة محبة المتصدِّق لله تعالى؛ ولما لديه من الثواب؛ إذ قد آثر محبة الله تعالى، وابتغاء ثوابه، على ما جُبل عليه من حب الذهب والفضة، حتى أخرجه لله تعالى. المفهم (1/ 476).
قال النووي -رحمه الله-:
قال صاحب التحرير: معناه: يفزع إليها كما يفزع إلى البراهين، كأن العبد إذا سُئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت صدقاته براهين في جواب هذا السؤال، فيقول: تصدقت به. قال: ويجوز أن يُوسَم المتصدق بِسِيماء يُعرف بها فيكون برهانًا له على حاله ولا يُسأل عن مَصْرِف ماله. شرح النووي على مسلم (3/ 101)
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «والصدقة برهان» البرهان الحجة والدليل، يعني: أنَّ الصدقة تعين الرجل وتنجيه من عذاب الله، كما تُعين الحُجة صاحبها، وتغلبه على خصمه. المفاتيح (1/ 346).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قوله: «والصدقة برهان» أي: حُجة لطلب الأجر من جهة أنها قرض. كشف المشكل (4/ 155).

قوله في لفظ: «‌والزكاة ‌بُرهان»:
قال النووي -رحمه الله-:
سُمِّيت في الشرع زكاة لوجود المعنى اللغوي فيها، وقيل: لأنها تزكي صاحبها ‌وتشهد ‌بصحة ‌إيمانه كما سبق في قوله -صلى الله عليه وسلم - «والصَّدقة برهان»، قالوا: وسُميت صدقة؛ لأنها دليل لتصديق صاحبها وصحة إيمانه بظاهره وباطنه. شرح صحيح مسلم(7/٤٨).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فسَّر (أي ابن الأثير في النهاية) البرهان بالحجة والدليل، في أنها حجة لطالب الأجر؛ من أجل أنها فرض يجازي الله به وعليه انتهى.
قلت: ويحتمل أن المراد أن إخراجها دليل على إيمان صاحبها، فإنه لا يَسمح بها إلا من وقَر إيمانه وقام عليه برهان ولذا قال تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * ‌الَّذِينَ ‌لَا ‌يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} فصلت: 6، 7، خصَّها من بين الواجبات؛ لشدة الحامل على عدم إخراجها وهو حب المال. التنوير(2/309).
وقال الشيخ حمود التويجري -رحمه الله-:
قوله: «‌والزكاة ‌برهان» قال الراغب الأصفهاني: البرهان: أوكد الأدلة، وهو الذي يقتضي الصدق أبدًا لا محالة.
وقال أبو السعادات ابن الأثير: البرهان: الحجة والدليل، أي أنها حجة لطالب الأجر؛ من أجل أنها فرض يجازي الله به وعليه، وقيل: هي دليل على صحة إيمان صاحبها؛ لطيب نفسه بإخراجها، وذلك لعلاقة ما بين النفس والمال. انتهى.
وعلى القول الأخير اقتصر النووي في شرح الأربعين، قال: وسُميت صدقة لأنها دليل على صدق إيمانه؛ وذلك أن المنافق قد يصلي ولا تسهل عليه الصدقة غالبًا، ونقل نحو هذا في شرح مسلم، ثم قال: فمن تصدق استُدل بصدقته على صدق إيمانه، والله أعلم. انتهى.
وعلى القول الأخير اقتصر النووي في شرح الأربعين، قال: وسميت صدقة لأنها دليل على صدق إيمانه؛ وذلك أن المنافق قد يصلي ولا تسهل عليه الصدقة غالبًا، ونقل نحو هذا في شرح مسلم، ثم قال: فمن تصدق استُدل بصدقته على صدق إيمانه، والله أعلم. انتهى.
وروى ابن ماجه، والبزار، والحاكم في مستدركه، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده لا شريك له، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، فارقها والله عنه راضٍ» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. غربة الإسلام(2/٨١٧).

قوله: «والصَّبْرُ ضِياءٌ»:
قال النووي -رحمه الله-:
معناه: الصبر المحبوب في الشرع، وهو الصبر على طاعة الله تعالى، والصبر عن معصيته، والصبر أيضًا على النائبات وأنواع المكاره في الدنيا، والمراد: أن الصبر محمود ولا يزال صاحبه مستضيئًا مهتديًا مستمرًا على الصواب، قال إبراهيم الخواص: الصبر هو الثبات على الكتاب والسنة، وقال ابن عطاء: الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب، وقال الأستاذ أبو علي الدقاق -رحمه الله تعالى-: حقيقة الصبر: ألا يعترض على المقدور، فأما إظهار البلاء لا على وجه الشكوى فلا ينافي الصبر، قال الله تعالى في أيوب -عليه السلام-: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ} ص: 44 مع أنه قال: إني مسني الضر، والله أعلم. شرح النووي على مسلم (3/ 101)
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قوله: «والصبرُ ضياءٌ» لأن مُستَعْمِلَه يرى طريق الرشد، وتارك الصبر في ظلمات الجزع. كشف المشكل (4/ 155).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «والصبر ضياء» كذا صحت روايتنا فيه، وقد رواه بعض المشايخ: «والصوم ضياء» بالميم، ولم تقع لنا تلك الرواية، على أنه يصح أن يعبَّر بالصبر عن الصوم، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} البقرة: 45 فإنْ تَنَزَّلنا على ذلك، فيقال في كون الصبر ضياء كما قيل في كون الصلاة نورًا، وحينئذٍ لا يكون بين النور والضياء فرق معنوي، بل لفظي.
والأَولى أن يقال: إن الصبر في هذا الحديث غير الصوم، بل هو الصبر على العبادات والمشاق والمصائب، والصبر عن المخالفات والمنهيات، كاتباع هوى النفس والشهوات وغير ذلك، فمن كان صابرًا في تلك الأحوال، متثبتًا فيها، مقابِلًا لكل حال بما يليق به، ضاءت له عواقب أحواله، ووضحت له مصالح أعماله، فظفر بمطلوبه، وحصل له من الثواب على مرغوبه، كما قيل:
فقلَّ مَن جد في أمر يطالبه *** واستعمل الصبر إلا فاز بالظَّفَرِ. المفهم (1/ 477).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«الصبر ضياء» تنكشف به الكربات، وتنقلع به الظلمات؛ إذ الصبر ثبات النفس على المكاره، وحبسها عن الشهوات، فمَن صبر على ما أصابه من مكروه -علمًا بأنه من قضاء الله وقدره- هان عليه ذلك، وكُفي عنه شره، وادُّخِر له أجره، ومَن اضطرب فيه وأكثر الجزع له، لم ينفع تعبه، ولم يدفع سعيه شيئًا من قدر الله، بل يتضاعف به همه، ويتحبط به أجره، وكذا من صبر على مشاق التكاليف، والكف عن الملاهي والمحرمات، فاز في الدارين فوزًا عظيمًا، ومن استأثر الاستراحة، واتَّبَع الهوى، فقد خسر خسرانًا مبينًا. تحفة الأبرار (1/ 167، 168).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قيل: المراد بالصبر هنا الصوم؛ بقرينة ذكره مع الصلاة والصدقة؛ إذ المراد بها الزكاة، كما قيل في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} البقرة: 45، وسمي الصوم صبرًا لثبات الصائم وحبْسِه عن الشهوات، وسمي شهر رمضان شهر الصبر، وقيل: قوله: «ضياء» يعني في ظلمة القبر؛ لأن المؤمن إذا صبر على الطاعات والبلايا في سعة الدنيا، وعن المعاصي فيها، جازاه الله تعالى بالتفريج والتنوير في ضيق القبر وظُلمته، وقال بعضهم: الصبر ضياء في قلبه؛ لأن الصبر على المكاره في دِين الله تذلُّل، ومَن تذلَّل في الله سهل عليه الطاعات، ومشاق العبادات، وتجنُّب المحظورات، ومن كان هذا شعاره لا شك أن في قلبه ضياء. مرقاة المفاتيح (1/ 342- 343).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
لقد بالغ -صلى الله عليه وسلم- في مدح الصبر بجعله ضياء، وجعل الصلاة نورًا؛ لأن الضياء فرط الإنارة وفوقها، والنور دونه، كما يشير إليه قوله سبحانه: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} يونس: 5، والأمر كذلك؛ لأنه مِلاك الأمر، والطاعات كلها من الصلاة وغيرها من أقسام الصبر وأفرادها. لمعات التنقيح (2/ 11).
وقال فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
«والصبر ضياء» وهو النور الذي يحصل فيه نوع حرارة؛ لأن الصبر لا يحصل إلا بمجاهدة النفس. تطريز رياض الصالحين (ص: 36).

قوله: «والقرآنُ حُجَّةٌ لكَ أو عليكَ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «والقرآن حُجة لك أو عليك» يعني: أنك إذا امتثلت أوامره، واجتنبت نواهيه كان حُجة لك في المواقف التي تُسأل فيها عنه، كمسألة الملكين في القبر، والمسألة عند الميزان، وفي عقبات الصراط، وإن لم تمتثل ذلك احتج به عليك، ويحتمل أن يراد به: أنَّ القرآن هو الذي يُنْتَهَى إليه عند التنازع في المباحث الشرعية، والوقائع الحكمية، فبه تستدل على صحة دعواك، وبه يستدل عليك خصمك. المفهم (1/ 477).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «والقرآن حُجة لك أو عليك» فمعناه ظاهر، أي: تنتفع به إن تَلَوْتَه، وعملتَ به، وإلا فهو حجة عليك. شرح صحيح مسلم (3/ 102).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«والقرآن حجة» لمن عمل به، يدل على فوزه ونجاته، وحُجة على من أعرض عنه، يدل على سوء مآبه. تحفة الأبرار (1/ 168).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «والقرآن حُجة لك أو عليك» اللام للنفع، و«على» للضر، يقال: الحق له، يعني: مِلْكَه، والحق عليه، يعني: واجب عليه أداؤه، يعني: القرآن إما ناصرك ومنجيك من عذاب الله، وإما خصمك ومهلكك، فإنْ عَظَّمْتَ قدْرَه، وعملتَ بما فيه فهو ناصرك، وإلا فهو خصمك. المفاتيح (1/ 347).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«والقرآن حجة لك أو عليك» أي: أن الناس ينقسمون إلى قسمين بالنسبة للقرآن: فمنهم من يكون القرآن حُجة له، وهو الذي يقوم بما يجب عليه نحوه من تلاوته حق تلاوته، وتدبره، وتصديق أخباره، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.
وإذا أعرض عنه، وأَهمل حدوده، ولم يحصل منه الإتيان بالأوامر، وترك النواهي فإنه يكون حجة عليه، فالناس بين رابح وخاسر، فالرابح من كان القرآن حجة له، والخاسر من كان القرآن حجة عليه، فإما أن يكون القرآن حجة للمرء؛ وذلك إذا أتى بما هو مطلوب منه نحو القرآن، أو يكون حجة عليه، إذا لم يأتِ بما هو مطلوب منه نحو القرآن، بأن يُخِلَّ بالأوامر والنواهي، فيقصِّر في المأمورات ويقع في المحظورات، ولا يحصل منه الالتزام بما جاء عن الله وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فيكون القرآن حجة عليه. شرح الأربعين النووية (23/ 8).

قوله: «كلُّ الناسِ يَغْدُو فبايعٌ نفسَهُ فَمُعْتِقُهَا أو مُوبِقُهَا»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «كلُّ الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» يحتمل أنْ يكون بائع نفسه هنا بمعنى مشترٍ، وبمعنى بائع، فجاء بلفظ مشترك بين المعنيين؛ لأن اللفظة في اللغة تقع على المعنيين، ثم جاء بالجواب على المعنيين جميعًا، أي مَن اشتراها أعتقها، ومن باعها أوبقها، أي: أهلكها، ومثل هذا قول ابن مسعود: الناس غادِيان، فبائع نفسه فموبقها، أو مُفَادِيها فمعتقها، وهذا نوع من الإيجاز بديع عند أهل البلاغة، ويحتمل أنْ يكون البيع على الوجه المعروف وحده، أي: فبائع نفسه من الله فأعتقها، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} التوبة: 111، أو باعها من غيره فأوبقها، كما قال في السحرة: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} البقرة: 102. إكمال المعلم (2/ 8).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قوله: «فبائع نفسه» من باع نفسه لربه -عز وجل- أعتقها فنجت، ومن باعها للهوى وسلَّمَ قيادَه إليه أوبقها، أي: أهلكها، والْمُوبِق: الْمُهْلِك. كشف المشكل (4/ 155، 156).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
إما أنْ تكون تصرفاته (الغادي) بحسب دواعي الشرع والحق، فهو الذي يبيع نفسه من الله، وهو بيع آيل إلى عتق وحرية، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} التوبة: 111، وإما أن تكون تصرفاته بحسب دواعي الهوى والشيطان، فهو الذي باع نفسه من الشيطان فأوبقها، أي: أهلكها. [المفهم (1/ 477- 478).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
البيع المبادلة، والمعنى به ها هنا: صرف النفس، واستعماله في عرضٍ ما يتوخاه ويتوجه نحوه، فإن كان خيرًا يرضى به الله تعالى، فقد أعتق نفسه عن عذابه، وإن كان شرًّا فقد أوبقها، أي: أهلكها؛ بأن جعلها بسببه عُرضة لأليم عقابه. تحفة الأبرار (1/ 168).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: كل أحد إذا أصبح يبيع نفسه، أي: يعطي نفسه، ويأخذ عوضها، وهو عمله وكسبه، فإن عَمِلَ خيرًا فقد باع نفسه، وأخذ الخير عن ثمنها، وهو معتقها من النار، وإن عمل شرًّا فقد باع نفسه، وأخذ الشر عن ثمنها، وهو موبقها، أي: مهلكها، وأَوْبَقَ: إذا أَهْلَكَ. المفاتيح (1/ 347).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
لما ذكر بعض أنواع العبادات والطاعات التي هي العمدة، ويستلزم ذلك ذكر أضدادها أيضًا، أشار إلى تعميم الطاعات والمعاصي وأحوال الناس فيها. لمعات التنقيح (2/ 11، 12).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قسَّمهم (أي: الغادِين) قسمين: فمنهم من باع نفسه من الله تعالى، بأن جعل تصرُّفه كله على وفق ما أمره الله به، فأعتقها من عذابه وغضبه، أو بائع نفسه من شهواته بحظوظ دنياه، فهذا بائع نفسه «موبقها» مهلكها. التنوير (2/ 310).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
اعلم أنَّ هذا الحديث الجليل اشتمل على عبادات الأبدان الفعلية والقولية والمالية، وعلى أعمال القلب، وأشار إلى كل شيء من ذلك بالإتيان بأشرف أفراده، فأشار إلى عبادة الأبدان الفعلية بالوضوء، وإلى القولية بالذِّكر، وإلى الجمع بينهما بالصلاة، وإلى أعظم الواجبات المالية بالزكاة، وإلى أشرف أعمال القلب بالصبر، وإلى أعظم حُجة الله على عباده بالقرآن، فتأمله ما أشرفه! وما أجمعه لأنواع الخير!. التنوير (2/ 310).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي هذا الحديث):
منها: بيان فضل الوضوء؛ حيث كان شطر الإيمان.
ومنها: فضل إسباغ الوضوء؛ حيث جُعِل شطر الإيمان.
ومنها: بيان فضل: الحمد، والتسبيح، والتكبير، وأنها توزن كالأجسام، فتملأ الميزان والسماوات والأرض.
ومنها: بيان فضل الصلاة، والمحافظة عليها، والاستكثار من التنفّل منها؛ حيث إنها تكون نورًا للمصلي، فتنوّر قلبه، وقبره، وموقفه في المحشر.
ومنها: الترغيب في الصدقة، والإكثار منها؛ حيث إنها برهان لصاحبها، تُثْبِت له صدق إيمانه.
ومنها: بيان فضل الصبر، وأنه ضياء يستضيء به العبد في ظُلمة المصائب، والمشاقّ، وفيه المثوبة العظيمة، كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} الزمر: 10.
ومنها: بيان قراءة القرآن، والإكثار منها، وملازمة العمل بما فيه، والعكوف على التدبّر في آياته.
ومنها: بيان أن القرآن إما أن يَنتفع به صاحبه، فيكون حجة له، وذلك إذا قام به حقّ القيام، وإما ألا ينتفع به، فيكون حجة عليه، وذلك إذا لم يقم بحقه...
ومنها: بيان أن الناس صنفان: صنف يسعى فيما فيه نجاته وصلاحه في الدنيا والآخرة، وصنفٌ يسعى فيما فيه هلاكه، وخسرانه في الدنيا والآخرة.
ومنها: الحثّ على سعي الإنسان للخيرات؛ لأن الدنيا مزرعة الآخرة، والكيّس من أخذ بوصيّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي أوصى بها عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، فقد أخرج الإمام البخاريّ -رحمه الله- في صحيحه، فقال: عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمنكبي، فقال: «كُنْ في الدنيا كأنك غريبٌ، أو عابر سبيل» وكان ابن عمر يقول: «إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك». البحر المحيط الثجاج (6/ 28-29).


إبلاغ عن خطأ