«عَجِبَ الله من قوم يَدْخُلُوْنَ الجنة في السلاسل».
رواه البخاري برقم: (3010)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ له أيضًا برقم: (4557): «خَيْرَ الناسِ للناسِ تأْتُونَ بهم في السَّلاسلِ في أَعنَاقِهم، حتى يدخلوا في الإسلام».
وفي رواية عند أحمد برقم: (22203): «اسْتَضْحَك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومًا، فقيل له: يا رسول الله، ما أضحكك؟ قال: قوم يساقون إلى الجنة مُقَرَّنِين في السَّلاسل»، من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه-.
قال محققو مسند الإمام أحمد، إسناده حسن.
غريب الحديث
«اسْتَضْحَك»:
تَضاحكَ الرَّجلُ واسْتَضْحَكَ بِمَعْنًى. مختار الصحاح (ص: 182).
«مُقَرَّنِين»:
أي: مربوطين. المحرر الوجيز، لابن عطية (3/ 347).
قال ابن فارس-رحمه الله-:
قرن: القاف والراء والنون، أصلان صحيحان: أحدهما: يدل على جمع شيء إلى شيء. مقاييس اللغة(5/ 76).
شرح الحديث
قوله: «عِجب الله»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «عجب الله من قوم» العجب صفة سمعية، يلزم إثباتها مع نفي التشبيه، وكمال التنزيه، كما هو مذهب القوم في أمثالها، وقد أشار إلى ذلك مالك -رضي الله عنه- حيث قال في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} طه: 5: الاستواء معلوم، والكيف غير معلوم، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهذا هو المذهب عند الأوائل من السلف. لمعات التنقيح (7/ 22).
وقال الشيخ عبد الرزاق البدر -حفظه الله-:
العَجَب هي صفة ثابتة لله -عزَّ وجلَّ-، دل عليها القرآن، وسنة النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-، قال الله -تبارك وتعالى-: {بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ}، في قراءة من قرأ بضم التاء، أي: عجبَ الرب -تبارك وتعالى- منهم، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل». تذكرة المؤتسي (ص: 157).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
والممتنع على الله من العجب هو ما كان سببه الجهل بسبب المُتَعجِّب منه؛ لأن الله لا يخفى عليه شيء، أما العجب الذي سببه خروج الشيء عن نظائره، أو عما ينبغي أن يكون عليه فإن ذلك ثابت لله، وقد فسره أهل السنة والجماعة بأنه عجب حقيقي يليق بالله، وفسره أهل التأويل بثواب الله أو عقوبته، ويرد عليهم بأنه خلاف ظاهر النص وإجماع السلف. مذكرة على العقيدة الواسطية (ص: 45).
وقال الشيخ محمد خليل هراس -رحمه الله-:
وهذا العجب الذي وصف به الرسول ربه هُنا من آثار رحمته، وهو من كماله تعالى، فإذا تأخر الغيث عن العباد مع فقرهم وشدة حاجتهم، واستولى عليهم اليأس والقنوط، وصار نظرهم قاصرًا على الأسباب الظاهرة، وحسبوا أن لا يكون وراءها فرج من القريب المجيب؛ فيعجب الله منهم. شرح العقيدة الواسطية (ص: 170).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- متعقبًا المعطلة:
أما قوله (أي: المتأول): التعجب استعظام للمتعجِّب منه.
فيقال: نعم، وقد يكون مقرونًا بجهل بسبب التعجب، وقد يكون لما خرج عن نَظَائِره، والله تعالى بكل شيء عليم، فلا يجوز عليه أن لا يعلم سبب ما تعجب منه، بل يتعجب لخروجه عن نظائره تعظيمًا له، والله تعالى يعظم ما هو عظيم، إما لعظمة سببه أو لعظمته، فإنه وصف بعض الخير بأنه عظيم، ووصف بعض الشر بأنه عظيم، فقال تعالى: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} التوبة: 129، وقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} الحجر: 87 ...، وقال: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} لقمان: 13؛ ولهذا قال تعالى: {بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ} على قراءة الضم، فهنا هو عجب من كفرهم مع وضوح الأدلة، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- للذي آثر هو وامرأته ضيفهما: «لقد عجب الله»، وفي لفظ في الصحيح: «لقد ضحك الله الليلة من صنعكما البارحة»...، وقال: «عجب ربك من شاب ليست له صبوة»...، ونحو ذلك. مجموع الفتاوى (6/ 123-124).
قوله: «من قوم يدخلون الجنة في السلاسل، أو «يساقون إلى الجنة مُقَرَّنِين في السلاسل».
قال المظهري -رحمه الله-:
«من قوم» أي: كفار، أي: من كفار أخذهم المسلمون، ووضعوا السلاسل على أيديهم وأرجلهم، وأدخلوهم دار الإسلام، ثم رزقهم الله الإيمان، فأسلموا ودخلوا الجنة بإسلامهم، هذا هو المراد من هذا الحديث. المفاتيح (4/ 411).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
وهؤلاء القوم لعلهم المسلمون الذين هُم أسارى في أيدي الكفار مسلسلين، فيموتون أو يقتلون على هذه الحالة، فيحشرون عليها، ويدخلون الجنة كذلك. الكواكب الدراري (13/ 22).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
المراد بالسلاسل: ظاهرها؛ لما كانت حالهم كذلك، وقد يؤول بما يرد عليهم من قتل الأنفس، وسبي الأهل والأولاد، وتخريب الديار، وسائر ما يُلْجِئُهم إلى الدخول في الإسلام الذي هو سبب دخول الجنة. لمعات التنقيح (7/ 22).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: قوله: «يدخلون الجنة في السلاسل» يعني: يدخلون الإسلام مُكرهين، وسمي الإسلام باسم الجنة؛ لأنه سببها، ومن دخله دخل الجنة، وقد جاء هذا المعنى بَيِّنًا في الحديث، ذكره البخاري في التفسير في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} آل عمران: 110، قال: «خير الناس للناس، يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام». شرح صحيح البخاري (5/ 167).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«يساقون إلى الجنة» إلى الإسلام، فأطلقت عليه الجنة من إطلاق المسبب على السبب. التنوير (7/ 210).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
المعنى: أنهم يُحْمَلون على الإسلام بالكُره، وعلى هذا: يحتمل ذكر الجنة وجهين:
أحدهما: أن يكون المراد بالجنة: الإسلام؛ لأن مآل الداخل فيه إلى الجنة، فسمي بها.
والثاني: أن يكون المعنى: أنهم أكرهوا على الإسلام، فلو بقوا على كراهتهم للإسلام لم يدخلوا الجنة، وكان السبب الإكراه في الأول. كشف المشكل (3/ 541).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الحديث في تفسير آل عمران يدل على أنه على الحقيقة، ونحوه ما أخرجه من طريق أبي الطفيل رفعه: «رأيتُ ناسًا من أمتي يُساقون إلى الجنة في السلاسل كرهًا، قلتُ: يا رسول الله، مَن هُم؟ قال: قوم من العجم يسبيهم المهاجرون، فيدخلونهم في الإسلام مُكرهين» وأما إبراهيم الحربي فمنع حمله على حقيقة التقييد، وقال: المعنى: يُقادون إلى الإسلام مكرهين، فيكون ذلك سبب دخولهم الجنة، وليس المراد: أن ثَمَّ سلسلة. فتح الباري (6/ 145).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
قوله: «بالسلاسل» يعني: بالجهاد، يقاتلون ثم يسلمون فيدخلون في الإسلام، يعني: يقاتلهم المسلمون، ثم يمن الله عليهم بالإسلام، فبالقوة يدخلون إلى الإسلام، ويقادون إلى الجنة بالسلاسل. شرح صحيح ابن حبان (7/ 8).
وقال ابن حبان -رحمه الله-:
والقصد في هذا الخبر: السبي الذي يسبيهم المسلمون من دار الشرك مكتفين في السلاسل يقادون بها إلى دور الإسلام حتى يسلموا، فيدخلوا الجنة.
ولهذا المعنى أراد -صلى الله عليه وسلم- بقوله في خبر الأسود بن سريع: «أو ليس خياركم أولاد المشركين» وهذه اللفظة أطلقت أيضًا بحذف (من) عنها، يريد: أو ليس من خياركم. صحيح ابن حبان (1/ 343).
قوله: «استضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومًا فقيل له: يا رسول الله، ما أضحكك؟»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
وسبب الضحك معرفته -صلى الله عليه وسلم- بما يؤولون إليه مع كراهتهم لسببه. التنوير (7/ 99).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
فيه: دليل على شرعية السجن في الحقوق؛ لأنه موثق كالقيد والغل، وهو أظهر من الاستشهاد عليه بقوله تعالى: {إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} آل عمران: 75. مصابيح الجامع (6/ 344).