«لَأَن يأخذ أحدُكُم حَبْله، فيأتيَ بحُزمة الحَطَب على ظهرهِ فيبيعَها، فيكُفَّ اللهُ بها وجَهَهَ، خير له مِن أن يسأل الناس، أَعْطَوْهُ أو مَنَعُوه».
رواه البخاري برقم (1471)، من حديث الزبير بن العوام -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند مسلم برقم: (1042)، من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- بلفظ: «لَأَنْ يغدو أحدكم فيحطبَ على ظهره، فيتصدقَ به، ويستغني به من الناس، خير له من أن يسأل رجلًا أعطاهُ أو منعه ذلك؛ فإن اليد العُليا أفضل من اليد السُّفلى، وابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ».
غريب الحديث
«فَيَكُفَّ»:
أصل الكفِّ: المنع، ومنه قيل لطرف اليد: كفٌّ؛ لأنه يكف بها عن سائر البدن. الغريبين، لأبي عبيد (5/ 1644).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
يكف ماء وجهه، أي: يصونه ويجمعه عن بذل السؤال. النهاية (4/ 191).
«يغدو»:
غدا يغدو غدوًّا، والغُدوة بالضم: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس. النهاية، لابن الأثير (3/ 346).
«تَعُول»:
عال عِيالَه: قَاتَهم وأنفق عليهم، ومنه: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعُول». المغرب، للمطرزي (2/ 89).
قال الفتني -رحمه الله-:
«وابدأ بمن تعول» أي: تَمُون، وتلزمك نفقته من عيالك، فإنْ فضل شيء فللأجانب، عالَ الرجل عياله يعولهم: إذا قام بما يحتاجون إليه من ثوب وغيره. مجمع بحار الأنوار (3/ 704).
شرح الحديث
قوله: «لَأَن يأخذ أحدكم حبْله فيأتيَ بحُزمة الحَطَب على ظهره فيبيعَها»:
قال الباجي -رحمه الله-:
«لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره» (كما في لفظ) على معنى التصريح بمباشرة الاحتطاب، والأخذ في الأسباب. المنتقى (7/ 323).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «بحُزمة حطب» الحزمة: قَدْر ما يحمله الرجل بصدره بين عضديه، ويُستعمل فيما يُحمل على الظهر من الحطب، وما أشبهه. المفاتيح (2/ 515).
وقال الشيخ عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«لأن يأخذ» بفتح اللام «أحدكم حبله» أي: فيجمع حطبًا ثم يربط به «فيأتي بحزمة حطب على ظهره»...«فيبيعها» قيل: منصوب بتقدير "إن" أي: فإن يبيع تلك الحزمة. مرعاة المفاتيح (6/ 257).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ليس الاحتطاب مرادًا، وإنما المراد هو: طلب الكسب بأي طريق مباحة، فهي أفضل من سؤال الناس، أما أنواع المكاسب فكلٌّ ميسَّر لما خُلقَ له. توضيح الأحكام (3/ 412).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فيحتطب على ظهره» أي: فيجمع الحطب من مكان الاحتطاب، فيحمله على ظهره «فيبيعه» فيأكل، ويتصدق. المنهل الحديث (2/ 163).
وقال الأصبهاني -رحمه الله-:
خص الاحتطاب على الظهر، وهو حمل الحطب؛ لما فيه من المشقة، يقول: إن لم يجد إلا هذا من الحِرَفِ فهو خير من السؤال. شرح صحيح البخاري (3/ 367).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
وإنما خص الاحتطاب بالذِّكْرِ؛ لتيسُّره وسهولته على عامة الناس في بيئة المخاطبين بالحديث، وله أشباه في البساطة، وعدم الحاجة إلى رأس مال في كل بيئة، فذَكَره كَمَثَل فقط، فلا يُستدل بالحديث على شرف مهنة الاحتطاب، كما فهم البعض؛ إذ غاية ما في الحديث تفضيل الاحتطاب على السؤال، وليس فيه تفضيل الاحتطاب على بقية وسائل المكاسب. المنهل الحديث (2/ 166).
قوله: «فَيَكُفَّ اللهُ بها وجهَهَ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«فيكف الله بها» أي: بقيمتها. سبل السلام (4/ 69).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فيكف الله بها وجهه» الكف: المنع، يعني: فيمنع الله وجهه عن أن يُريق ماءه بالسؤال. المفاتيح (2/ 515).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فيكف اللَّه بها وجهه» أي: ذاته وقَدره عن الذل الذي يلحق به بالسؤال، وفي هذه العبارة تنبيه على أن ذلك فضل من اللَّه وتكريم له بتوفيقه لما يُصان به ماء وجهه، وعِرضه. لمعات التنقيح (4/ 306).
قوله: «خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«خير له»؛ لأنه إن أعطاه، ففيه ثِقل المنَّة وذُل السؤال، وإن منعه، فمع الذل الخيبة والحرمان، وكان السلف إذا سقط من أحدهم سوطه لا يسأل من يناوله إياه. الكواكب الدراري (8/ 16).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«خير له» ليست «خير» هنا أفعل تفضيل بل من قبيل {أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} الفرقان: 24، «مِن أنْ يسأل الناس» أي: من سؤال الناس أمرًا دنيويًّا «أعطوه أو منعوه» وإن كان الاكتساب بعمل شاق، كالاحتطاب؛ لثقل المنَّة، أو ذل الخيبة. فيض القدير (5/ 257).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«خير له»...، ويحتمل أنه بحسب اعتقاد السائل تسمية ما يُعطاه خيرًا، وهو في الحقيقة شر. شرح الموطأ (4/ 676).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قال السندي في حاشية مسلم: قوله: «خير له» الخ، أي: لو فُرض في السؤال خيرية لكان هذا خيرًا منه، وإلا فمعلوم أنه لا خيرية في السؤال...، والمراد: أن ما يلحق الإنسان بالاحتزام من التعب الدنيوي خير له مما يلحقه بالسؤال من التعب الأخروي، فعند الحاجة ينبغي له أن يختار الأول ويترك الثاني، «مِن أنْ يسأل الناس» أي: من سؤال الناس، ولو كان الاكتساب بعمل شاق كالاحتطاب، وقد روي عن عمر -فيما ذكره ابن عبد البر-: "مكسبةٌ فيها بعض الدناءة، خير من مسألة الناس"، «أعطوه» فحمَّلوه ثقل المنة مع ذل السؤال «أو منعوه» فاكتسب الذل والخيبة والحرمان. مرعاة المفاتيح (6/ 257).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
فقوله: «خير» تفضيل لا محالة، لوجود «مِن» التفضيلية معه، والتفضيل ظاهر: وهو أن في السؤال خيرًا مرجوًا، وهو حصول العطاء، وفي الاحتطاب خير أفضل؛ لأنه حصول نفع محقَّق ومعه عزة النفس. النظر الفسيح (ص46).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
سؤال الوالدين، أو الولد، أو أحد الزوجين الآخر لا يُعد من ذلك، فليس فيه مِنَّةٌ، قال تعالى: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ...} النور: 61. توضيح الأحكام (3/ 412).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
اتفق العلماء على النهي عن السؤال من غير ضرورة، واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب بوجهين: أصحهما: أنها حرام؛ لظاهر الأحاديث، والثاني: حلال مع الكراهة بثلاثة شروط: ألا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤذي المسؤول، فإن فقد أحد هذه الشروط فحرام بالاتفاق. الكاشف (5/ 1512).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قالوا: والمسألة بغير إلحاف مباحة إلى المضطر إليها، يدل على ذلك ما رواه مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بنى أسد، عن رسول الله قال: «من يسأل الناس وله أوقية أو عِدلها، فقد سأل إلحافًا» فدل هذا الحديث أن من لم يكن له أوقية فهو غير مُلحف، ولا ملوم في المسألة، ومن لم يكن ملومًا في مسألته، فهو ممن يليق به اسم التعفف. شرح صحيح البخاري (3/ 516).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما السؤال فمكروه غير جائز عند جميعهم لمن يجد منه بُدًّا. الاستذكار (8/ 611).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
السؤال لا يجوز لمن فيه مُنَّة (أي: قدرة) وقوة وأدنى حيلة في المعيشة، إلا أن يسأل ذا سلطان؛ لأن له عنده حقًّا في بيت المال وإن لم يتعين، أو يسأل في أمر لا بد له منه، مِن حمالة يتحملها، أو دين أدانه في واجب أو مباح، يسأل من يعرف أن كسبه لا بأس به، وهم الصالحون. التمهيد (11/ 571).
وقال العيني -رحمه الله-:
اعلم أن مدار الأحاديث في هذا الباب على كراهية المسألة، وهي على ثلاثة أوجه: حرام ومكروه ومباح، فالحرام لمن سأل وهو غني من زكاة، أو أظهر من الفقر فوق ما هو به، والمكروه لمن سأل وعنده ما يمنعه عن ذلك، ولم يظهر من الفقر ما هو به، والمباح لمن سأل بالمعروف قريبًا أو صديقًا، وأما السؤال عند الضرورة فواجب لإحياء النفس، وأدخله الداودي في المباح، وأما الأخذ من غير مسألة ولا إشراف نفس فلا بأس به. عمدة القاري (9/ 50).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وقالت طائفة: لا يأخذ الصدقة مَن له أربعون درهمًا؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا»، وممن قال بذلك أبو عبيد، روي عن مالك أنه قال: يعطى من له أربعون درهمًا إذا كان له عيال، وقالت طائفة: لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهمًا، هذا قول النخعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بحديث يروى عن ابن مسعود عن النبي بذلك، وعلله يحيى بن سعيد وشعبة فقالا: يرويه حكيم بن جبير، وهو ضعيف، وقالت طائفة: من ملك مائتي درهم تحرم عليه الصدقة المفروضة، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، ورواه المغيرة المخزومي عن مالك، وقال المغيرة: لا بأس أن يعطى أقل مما تجب فيه الزكاة، ولا يعطى ما تجب فيه الزكاة، واحتج أصحاب أبي حنيفة بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم» فجعل المأخوذ منه الزكاة غير المردود عليه، ومن معه مائتا درهم تؤخذ منه الزكاة، فلم يجز أن تُرد عليه؛ لما فيه من إبطال الفرق بين الجنسين بين الغني والفقير، قال الطحاوي: وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من سأل وله أوقية أو عدلها...» منسوخ بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من سأل وله خمس أواق، فقد سأل إلحافًا» فجعل هذا حدًا لمن لا تحل له الصدقة، قال بعض العلماء: وكل من حدَّ من الفقهاء في الغنى حدًا أو لم يحد، فإنما هو بعد ما لا غنى عنه مِن دارٍ تحمله، ولا تفضل عنه، وخادم هو محتاج إليها، ولا فضل له من مال يتصرف فيه، ومن كان هكذا فأجمع الفقهاء أنه يجوز له أن يأخذ من الصدقة ما يحتاج إليه. شرح صحيح البخاري (3/518، 519).
وقال الباجي -رحمه الله-:
أما سؤال السلطان مع الحاجة فجائز قال الله -عز وجل-: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوكَ لِتَحمِلَهُم قُلتَ لَا أَجِدُ مَا أَحمِلُكُم عَلَيهِ تَوَلَّواْ وَأَعيُنُهُم تَفِيضُ مِنَ الدَّمعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ} التوبة: 92، وأما سؤال من لهم عليه عطاء مرتب أو عدة فإنه ليس بسؤال على الحقيقة، وإنما هو طالبٌ لِحَقِّه عوضًا عن عمله، وفي العدة استنجاز لما تقدم عطاؤه له.
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لجابر بن عبد الله: «لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا»، فلما ولي أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- قبل أن يأتي مال البحرين ثم جاء، فقال أبو بكر من له قِبل النبي -صلى الله عليه وسلم- عِدة فليأتني، فأتاه جابر فأخبره ثم ذكره بذلك مرتين، ثم قال له في ذلك إما أن تعطي، وإما أن تبخل عني، وأي داء أدوأ من البخل، ثم قال لجابر: اقبض من المال قبضة، فقبض فعدَّها فوجدها خمسمائة دينار ثم أعطاه ثانية وثالثة؛ إنجازًا لوعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، -والله أعلم وأحكم-. المنتقى شرح الموطأ (7/ 323).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
والذي تستريحُ إليه النَّفسُ: أنَّ سؤالَ القَادرِ على الكسبِ مع وجودِ فُرَصِ العملِ حرامٌ؛ لأنَّ الإسلامَ يُحاربُ البطالةَ والضَّعفَ والكسلَ، ويأمرُ بالعملِ والقوَّةِ والضَّربِ في الأرضِ، ولو بجمعِ الحطبِ على الظَّهر.
وقد روى الطبرانيُّ في الأوسط: أنَّ رجلينِ أتيا النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- في حجَّةِ الوداع، وهو يقسِمُ الصدقة، فسألا منها، فرفع فيهما البصرَ وخفَضه، فرآهما جَلْدَيْن، فقال لهما:
«إنْ شِئتما أَعطيتُكما، ولا حَظَّ فيها لغنيٍّ ولا لقويٍّ مُكتسِب».
وعند الطبرانيِّ في الكبير: «لا تَحِلُّ الصدقةُ لغنيٍّ، ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ»؛ أي: ذي قوَّةٍ كاملِ الأعضاء.
فقد قرنَ هذان الحديثانِ بين الغنيِّ وبين القويِّ المُكتسِب؛ فكما حُرِّم سؤالُ الغنيِّ، كذلك يَحرُم سؤالُ القويِّ المُكتسِب. فتح المنعم (4/ 400).
قوله في الرواية الأخرى: «لَأَنْ يغدو أحدكم فيحطبَ على ظهره»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«لأن يغدو أحدكم» أي: لَغُدُو أحدكم. فتح المنعم (4/ 395).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «يغدو» أي: ثم يذهب، والغدو الذهاب في أول النهار. عمدة القاري (9/ 64).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لأن يغدو» أي: لأن يبكِّر، ويذهب «أحدكم» صباحًا، إلى المحتطَب، وهو في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، مقرون بلام الابتداء، أو للقسم... «فيحطِب» بكسر الطاء، من باب: ضرب، أي: فيَجمع الحطب، ويحمله «على ظهره» فيدخل به السوق فيبيعه. الكوكب الوهاج (12/ 146).
قوله: «فيتصدقَ به، ويستغني به من الناس»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فيتصدق به» أي: ببعض ثمنه «ويستغني به» أي: ببعض ثمنه الآخر في مُؤْنته، ومُؤنة عياله «عن» (كما في لفظ) مسألة «الناس». الكوكب الوهاج (12/ 146).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ويتصدق» (كما في لفظ) بواو العطف؛ ليدل على أنه يجمع بين البيع والصدقة، يعني: إذا باع يتصدق منه. عمدة القاري (9/ 64).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فيتصدق به» أي: على نفسه، وعلى من تلزمه نفقته، فالنفقة على النفس صدقة، وليس المراد التصدق على الفقراء الأجانب، بدليل الجملة التالية: «ويستغني به من الناس» «من الناس» بالميم هكذا هو في النسخ، وفي نادر منها «عن الناس» بالعين. فتح المنعم (4/ 395).
وقال العراقي -رحمه الله-:
في الاكتساب فائدتان: الاستغناء عن السؤال، والتصدق، وقد ذكرهما في قوله في رواية لمسلم «فيتصدق به، ويستغني من الناس» كذا هو في أكثر نسخ صحيح مسلم بالميم، وفي بعضها «عن الناس» بالعين، قال النووي: وكلاهما صحيح، والأول محمول على الثاني. طرح التثريب (4/ 84).
قوله في الرواية الأخرى: «خير له من أن يسأل رجلًا أعطاه أو منعه ذلك»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«خير له» خبر المبتدأ «من أن يسأل رجلًا» سواء «أعطاه» ذلك الرجل مسؤوله «أو منعه ذلك» المسؤول، يعني: يستوي الأمران في أنه خير له منه، وقوله: «ذلك» إشارة إلى ما يسأله، وهو مفعول ثانٍ للفعلين على سبيل التنازع. الكوكب الوهاج (12/ 146).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«مِن أن يسأل رجلًا» أي: من سؤاله رجلًا، والمراد بالرجل: الشخص. البحر المحيط الثجاج (19/ 645).
وقال محمد الخضر الشنقيطي -رحمه الله-:
وقوله: «من أن يأتي (كما في لفظ) رجلًا»، وفي حديث الزبير... «من أن يسأل الناس» والمعنى واحد. كوثر المعاني الدراري (12/ 384).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أعطاه أو منعه»؛ لأن حال المسؤول منه: إما العطاء، ففيه المنة وذل السؤال، وإما المنع، ففيه الذل والخيبة والحرمان. عمدة القاري (9/ 49).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
إتيان الرجل: غير مقصود، فقد يمر الرجل على السائل، وإنما القصد خير من سؤال رجل، ولفظ: «رجل» ليس قيدًا، فقد يَسأل امرأة، والكلام بُني على الكثير والغالب، «أعطاه أو منعه» الجملة صفة لرجل، أي: رجلًا معطيًا أو مانعًا. المنهل الحديث (2/ 164).
وقال الخولي -رحمه الله-:
سؤالُ الناسِ مذَلَّةٌ وضَعَةٌ، والمؤمنُ عزيزٌ غيرُ ذليلٍ؛ قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} المنافقون: 8.
فإن أُعطي السائلُ، كانت المِنَّةُ عليه ثقيلةً، وكان الجميلُ أَسْرًا واستعبادًا، وإن مُنِعَ لَحِقَه الخِزيُ والخَجَلُ، وتأفَّفَ من المسؤولِ أو أبغضه، واضطغنَ عليه.
وإن كان السائلُ قادرًا على الكسبِ، فهو كافرٌ بنعمةِ الله؛ إذ لم يشكرْ نعمةَ الجوارح، وشُكرُها يكون بالانتفاع بها فيما خُلِقَت له، وما خُلِقَت إلَّا للكدحِ في سبيلِ الرزق.
فلما كان السؤال بهذه المثابة، وهو مما لا يُلائم أخلاقَ المؤمن، بيَّن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنَّ الاكتساب خيرٌ منه، بل هو الخيرُ، والسؤالُ هو الشرُّ، ولو كان الاكتسابُ من أدنى الحِرَف. الأدب النبوي (ص33).
قوله في الرواية الأخرى: «فإن اليد العليا أفضل من اليد السفلى»:
قال العراقي -رحمه الله-:
أشار في رواية مسلم إلى العلة في تفضيل الاكتساب على السؤال هي: أن «اليد العليا أفضل من اليد السفلى» والمكتسِب يده عُليا إن تصدق، وكذا إن لم يتصدق، وفسَّرنا العليا: هي المتعففة عن السؤال، فقد يستدل بهذا على ترجيح الرواية التي فيها: اليد العليا بالمتعففة؛ لأنه لا يلزم من الاكتساب الصدقة، لكن تبيَّن برواية مسلم أن تفضيل الاكتساب هو للصدقة والاستغناء عن الناس، وكما أنه لا يلزم من الاكتساب الصدقة، لا يلزم من الاكتساب التعفف عن السؤال، فرُبَّ مكتَسِبٍ مُكْتَفٍ يسأل تكثُّرًا والله أعلم. طرح التثريب (4/ 85).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «واليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى» «اليد العليا»: المُعطِية، و«اليد السفلى»: الآخِذة، يعني: اكتَسِبِ المالَ وأَعطِه، ولا تتركِ الكسبَ فتطمعَ في أموال الناس؛ فإن المعطي خيرٌ من السائل. المفاتيح (2/ 516).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «واليد العليا خير من اليد السُّفلى»...تحصلنا على أقوال:
أصحها: العليا: المنفقة، والسفلى: السائلة، كما هو مصرح به في الحديث.
ثانيها: أن العليا: المتعففة، وجعله ابن التين الأشبه.
ثالثها: أن العليا: المعطية، والسفلى: المانعة، قاله الحسن.
رابعها: أن العليا: الآخذة، وقد سلف ما فيه. التوضيح (10/ 323).
قوله: «وابدأ بمن تَعُول»:
قال ابن قرقول -رحمه الله-:
«وابدأ بمن تعول» أي: بمن تقوت. مطالع الأنوار (5/ 56).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وابدأ» في إنفاق ما حصَّلته «بمن تعول» أي: بمن تمونهم، وتنفق لهم من نفسك وعيالك، ثم تتصدق بما بقي منه. الكوكب الوهاج (12/ 146).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«وابدأ بمن تعول» دليل على أن النفقة على الأهل أفضل من الصدقة؛ لأن الصدقة تطوع، والنفقة على الأهل فريضة. شرح صحيح البخاري (3/ 428).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«وابدأ بمن تعول» وعوله لنفسه أوكد عليه من الصدقة. شرح صحيح البخاري (6/ 526).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
«وابدأ بمن تعول» أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك. الاستذكار (8/ 604).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: «وابدأ بمن تعول» معناه: لا تتصدق حتى يكون عندك ما يغنيك، ويغني عيالك، ولا تتعمد إلى ما عندك فتعطيه، فتبقى أنت وهم عالة تتكففون الناس. المسالك (7/ 600).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «وابدأ بمن تعول» فيه: تقديم العيال والقرابة على الأجانب، وأن حقهم آكدُ فيما يجب وفيما يستحب. إكمال المعلم (3/ 569).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
واعلم أن الصدقة نافلة، وإغناء النفس والأهل واجب، فإذا أُغنوا حَسُنت الصدقة بعد ذلك، فهذا معنى قوله: «وابدأ بمن تعول».
فإن قيل: فكيف الجمع بين هذا وبين قوله: «أفضل الصدقة جهدٌ مُقِلٌّ»؟
فالجواب: من وجهين: أحدهما: أن يكون جهد المقل بعد إغناء من يلزم إغناؤه، فكأنه يستسل من فواضل الغنى شيئًا فيتصدق به.
والثاني: أن المُقل إذا آثر وصبر فهو غني بالصبر. كشف المشكل (3/120، 521).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «وابدأ بمن تعول»...، ولا يدخل في ذلك ترفيه العيال الزائد على الكفاية، فإن الصدقة بما يرفَّه به العيال أولى؛ لأن من لم تندفع حاجته أولى بالصدقة ممن اندفعت حاجته في مقصود الشرع. المفهم (3/ 80).
وقال النووي -رحمه الله-:
«وابدأ بمن تعول»...، وفيه: الابتداء بالأهم فالأهم في الأمور الشرعية. شرح صحيح مسلم (7/ 125).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قد يدخل في قوله: «وابدأ بمن تعول» كل من يمونه الإنسان، وإن لم تكن نفقته واجبة عليه...، ويوافقه كلام الإمام الشيخ تقي الدين السبكي في قسم الصدقات، فإنه قال: الظاهر أن المراد بالعيال مَن تلزمه نفقته، ومن لا تلزمه ممن تقضي المروءة والعادة بقيامه بنفقتهم، ممن يمكن صرف الزكاة إليه، مِن قريب حرٍّ، وغيره، وكذا الزوجة؛ لأن نفقتها آكد. طرح التثريب (7/ 178).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قد يستدل به على تحريم الإيثار بقُوْتِه أو قوت عياله؛ لما في ذلك من مخالفة أمره -عليه الصلاة والسلام- بالبداءة بمن يعول، وأقوى من ذلك في الدلالة على هذا: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» وهو الذي صححه النووي في شرح المهذب، لكن صحح في الروضة جواز الإيثار بقُوته دون قوت عياله، قال في شرح المهذب: ولا يشترط في جواز الضيافة الفضل عن نفقته، ونفقة عياله؛ لتأكُّدها وكثرة الحث عليها، قال: وليست الضيافة صدقة، واستدل على ذلك بحديث الأنصاري الذي نزل به الضيف فأطعمه قوت صبيانه، لكنه خالف ذلك في شرح مسلم، فقال: لا يجوز؛ لأنها غير واجبة، وأجاب عن الحديث المذكور: بحمله على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين للأكل، وإنما طلبوه على عادة الصبيان في الطلب من غير حاجة، والله أعلم. طرح التثريب (7/ 178).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد: مفسدة الافتقار إلى غير الله، وهي من نوع الشرك، ومفسدة إيذاء المسؤول، وهي من نوع ظلم الخلق، وفيه ذل لغير الله، وهو ظلم للنفس، فهو مشتمل على أنواع الظلم. مجموع الفتاوى (1/ 191).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه (أي: الحديث): الحث على الصدقة، والأكل مِن عمل يده، والاكتساب بالمباحات. شرح صحيح مسلم (7/ 131).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه: الندب إلى التعفُّف عن المسألة، والحض على معالي الأمور وترك دَنِيْئِها، والله تعالى يحب معالي الأمور. التوضيح (10/ 321).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
فيه: الاستعفاف ولو من بيت المال. الحلل الإبريزية (1/ 450).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يستفاد من هذا الحديث عدة فوائد:
- أن العمل الذي يكفُّ وجهك عن سؤال الناس مهما كان دنيئًا فهو خير...
ـ ضرب المثل بالأدنى ليكون تنبيهًا على ما فوقه، يؤخذ من ضرب الرسول -صلى الله عليه وسلم- أدنى مثل لاكتساب المال؛ ليكون في ذلك إشارة إلى ما فوقه. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 127).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
(يؤخذ من الحديث:) حرص الإسلام على القوة المادية، وبناء الدنيا، بقدر حرصه على الطاعات والعمل للآخرة. المنهل الحديث (2/ 166).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك -حفظه الله-:
وفيه فوائد:
منها...: أنه لا غضاضة على الرَّجل أن يحمل على ظهره إذا احتاج إلى ذلك، وحمل الإنسان متاعه على رأسه أو ظهره من أسباب التواضع، وأن مشقة المسألة تقع على الوجه؛ لأنه أداتها. الجامع لفوائد بلوغ المرام (2/ 49).
ولمزيد من الفائدة يُنظر: