الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«ما مِن امرِئٍ يخذُلُ امرأً مُسلمًا في موضعٍ تُنتهكُ فيه حُرمته، ويُنتقَصُ فيه مِن عِرضِه، إلا خذلهُ اللهُ في موطنٍ يحبُّ فيه نُصرتَه، وما مِن امرئٍ ينصرُ مُسلمًا في موضعٍ يُنتقَصُ فيه مِن عِرضهِ، ويُنتهكُ فيه مِن حُرمته، إلا نصرهُ اللهُ في موطنٍ يحبُّ نُصرتَه».


رواه أحمد، برقم: (16368)، وأبو داود، برقم: (4884)، واللفظ له، من حديث جابر بن عبد الله، وأبي طلحة بن سهل الأنصاري -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (5690)، وضعّفه الشيخ في ضعيف الترغيب والترهيب، برقم: (1353).  


غريب الحديث


«يَخذُلُ»:
الخَذلُ: تركُ الإغاثةِ والنُّصرةِ. النهاية، لابن الأثير(2/ 16).
قال الفراهيدي -رحمه الله-:
خذلَ يخذُلُ خذلًا وخذلانًا، وهو تركك نُصرة أخيك. العين، للفراهيدي (4/ 244).

«تُنتهَك»:
انتهاك الحُرمة والعِرض: المبالغة في الذم والشتم. جامع الأصول، لابن الأثير (6/ 570).
وقال نشوان الحميري -رحمه الله-:
انتهكَ الحُرمةَ: إذا تناولها بما لا يحلُّ له. شمس العلوم (10/ 6782).

«عِرضه»:
العِرض: موضع المدحِ والذم من الإنسان، سواءً كان في نفسه أو في سلفه، أو مَن يلزمه أمره، وقيل: هو جانبُه الذي يصونُه من نفسه، وحَسَبه، ويحامي عنه أن يُنتقَص ويُثلب، وقال ابن قتيبة: عِرض الرجل: نفسُه وبَدنُه لا غير. النهاية، لابن الأثير (3/ 208 - 209).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قال ثعلب: العِرض: موضِع المدحِ والذم من الإنسان، وهي الأحوال التي يَرتفعُ بها أو يَسقط. غريب الحديث (2/ 82).


شرح الحديث


قوله: «ما مِن امرِئٍ يخذُلُ امرأً مُسلمًا».
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ما من امرئٍ يخذُلُ»، بضم الذال المعجمة، كما قال الله تعالى: {وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ} آل عمران: 160، «امرأً مسلمًا» أي: يخلِّي بينه وبين مَن يظلمُه، ولا ينصرُه. شرح سنن أبي داود (18/ 614).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: الخذل: ترك الإعانةِ والنصر، ومعناه: إذا استعانَ به في دفع ظالم ونحوه، لزِمَه إعانتُه إذا أمكنهُ، ولم يكن له عذرٌ شرعيّ. شرح صحيح مسلم (16/ 120).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
أي: لا يتركُه مع مَن يؤذيه، ولا فيما يؤذيه، بل يساعدُه، ويدفع عنه... المطلوبُ من المسلم الناصر أن يعينَ إذا رأى أخاه مظلومًا أو في مصيبة سواء استعانَ به أم لم يستعِن. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (10/ 23).

قوله: «في موضعٍ تُنتهكُ فيه حُرمته»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«في موضعٍ ينتهكُ» بصيغة المجهول أي: يُتناولُ بما لا يحلّ «فيه» أي: في ذلك الموضع «حُرمته»، أي: احترامه وبعض إكرامه. مرقاة المفاتيح (8/ 3121).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«في موضعٍ تُنتهكُ فيه حُرمتُه»، أي: تناولَها ووقعَ فيها بما لا يحلّ، والحُرمة: ما لا يحل انتهاكه، والحُرمة: المهابة. شرح سنن أبي داود (18/ 615).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «تنتهكُ فيه حُرمته» الانتهاك: هو المبالغةُ في كلّ شيءٍ. فتح القريب المجيب (11/ 451).

قوله: «ويُنتقصُ فيه مِن عِرضِه»:
قال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«ويُنتقصُ» بصيغة المجهول، من الانتقاص وهو لازم ومتعدٍّ «فيه من عِرضه» بكسر العين، وهو محلّ الذم والمدح من الإنسان. عون المعبود وحاشية ابن القيم (13/ 156).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«في موطن يُنتقصُ فيه» يُذكر «في عِرضه» ما هو نقصٌ. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 450).
وقال البغوي -رحمه الله-:
العِرض: موضع المدح والذَّم من الإنسان، يريد الأمورَ التي يرتفع الرجل أو يسقط بذكرها، فيجوز أن يكون فيه دُون أسلافه، ويجوز أن يكون في أسلافه، فيلحقه النقيصة بذكرهم وعَيبهم، هذا قول أكثر أهل اللغة، إلا ما قاله ابن قتيبة، فإنه أنكر أن يكون العِرض الأسلاف، وزعم أنّ عِرض الرجل نفسُه، واحتجّ بالحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وصف أهل الجنة «لا يتغوّطون ولا يبولون، إنما هو عرَقٌ يجري من أعراضِهم، مثل ريح المسك»، يعني: مِن أبدانهم. شرح السنة (7/ 217).
وقال النووي -رحمه الله-:
اعلم أنه ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردّها، ويزجر قائلها، فإن لم ينزجر بالكلام زجرهُ بيده، فإن لم يستطع باليد ولا باللسان، فارقَ ذلك المجلسَ، فإن سمعَ غيبة شيخِه أو غيره ممّن له عليه حق، أو كان من أهلِ الفضل والصلاح، كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر. الأذكار (ص:343).

قوله: «إلَّا خذلهُ اللهُ في موطنٍ يحبُّ فيه نُصرتَه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
المعنى ليس أحدٌ يترك نُصرةَ مسلم مع وجود القدرة عليه بالقول أو الفعل، عند حضور غِيبته، أو إهانته أو ضربه، أو قتله، ونحوها، «إلا خذله الله -تعالى- في موطنٍ يحبُّ» أي: ذلك الخاذل «فيه» أي: في ذلك الموطن «نُصرته»، أي: إعانته -سبحانه-، ويجوز أن تكون إضافته إلى المفعول، وذلك شاملٌ لمواطنِ الدنيا، ومواقف الآخرة. مرقاة المفاتيح (8/ 3121).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إلا خذله اللهُ في موطنٍ يحبُّ فيه نُصرته» أي: في موضع يكون فيه أحوجَ لنصرته، وهو يوم القيامة، فخذلان المؤمن حرامٌ شديد التحريم دنيويًّا كان، مثل أن يقدر على دفع عدوٍّ يريد البطشَ به، فلا يدفعه، أو أخرويًّا، كأن يقدر على نُصحِه من غيّه بنحو وعظٍ، فيَترك. فيض القدير (5/ 471).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إلا خذله الله -تعالى- في موطنٍ يحبّ» من المحبة، «فيه نُصرته»؛ عقوبة له من جِنس فعله.
وفيه إعلام له بأنه لا بدّ وأن يصاب في عِرضه أو نفسه أو ماله؛ فإنه لا خذلان إلا عند الإصابة.
وفيه دليل على وجوب نُصرة المسلم لأخيه إن اغتيبَ فيه، أو يريد ظالم يأخذه، أو يأخذ ماله، وهو قادرٌ على نُصرة أخيه فيخذله، وسبحانَ الله لقد صرنا في زمنٍ خيرُ الناس فيه مَن لم يُعِن عليك مَن ينتهك عِرضَك ومالَك، ولم يسعَ بك إلى الظَّلَمة. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 450).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«إلا خذلهُ الله» أي: مقابلة لخذلانه أخاه المأمور بإعانته ونصره، قوله: «مَوطن» بفتح الميم وكسر المهملة، وجمعه مواطن. الفتوحات الربانية (7/ 20).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
«إلا خذلهُ الله في موطنٍ يحبّ فيه نُصرته»؛ فإن الجزاء من جنس العمل، وقد جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن المستمعَ للغِيبة أحد المغتابين» (قال الشيخ الألباني في إصلاح المساجد: لا أصل له بهذا اللفظ) فمَن حضرَ مجلسَ الغيبةِ، وجب في حقّه واحد من ثلاثة أمور:
- الرد عن عِرض أخيه المسلم.
- أو القيام من مجلس الغِيبة.
- أو الإنكار بالقلب، والكراهة للقول، إن لم يستطع الرد أو القيام. توضيح الأحكام من بلوغ المرام (7/ 500).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«إلا خذلهُ الله في موطنٍ يحبّ فيه نصرته» وهذه عقوبة للذي لا يذبّ عن المسلم في حال إيذائه، وفي حال النَّيلِ من عِرضه، وكذلك في حال التعدي عليه، بل عليه أن ينصره كما جاء في الحديث: «انصر أخاك ظالـمًا أو مظلومًا» أي: إن كان ظالـمًا يمنعُه من الظلم، وإن كان مظلومًا يُعِنه على الظالم، ويكونُ معه على الظالم. شرح سنن أبي داود (556/ 5).

قوله: «وما مِن امرئٍ ينصرُ مُسلمًا في موضعٍ يُنتقصُ فيه مِن عِرضهِ، ويُنتهكُ فيه مِن حُرمته»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وما مِن امرئٍ مسلمٍ ينصر مسلمًا في موضع ينتقصُ من عِرضه ويُنتهكُ»، أي: «فيه»، كما في نسخةٍ مطابقةٍ لرواية الجامع «من حُرمته» أي: من بعضِ احترامه من لوازم إكرامه. مرقاة المفاتيح (8/ 3121).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وما مِن أحد ينصرُ مسلمًا في موطن ينتقصُ فيه من عِرضه، وينتهك فيه من حُرمته» فيدفع عنه. التنوير (9/ 450).

قوله: «إلا نصرهُ اللهُ في موطنٍ يحبُّ نُصرتَه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلا نصرهُ اللهُ في موطنٍ»: فيه تفنّنٌ بالعبارة، ورواية الجامع في الموضعين بلفظ: «موطِن»، «يحبُّ فيه نُصرته» ولعل هذا مقتبس من قوله -تعالى-: {جَزَاءً وِفَاقًا} النبأ: 26. مرقاة المفاتيح (8/ 3121).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إلا نصره الله في موطنٍ يحبُّ فيه نُصرته» وهو يوم القيامة، وممّا ورد في الوعيد على تركِ نصرة المظلوم ما في الطبراني عن ابن عمر مرفوعًا: «أُدخل رجلٌ قبره، فأتاه ملكان، فقالا له: إنا ضاربوك ضربة، فقال: علامَ تضرباني، فضربوه ضربةً فامتلأ القبر نارًا، فتركاه حتى أفاقَ وذهب عنه الرُّعب، فقال: علام تضرباني، فقالا: إنّك صليتَ صلاة وأنت على غير طهور، ومررت برجلٍ مظلوم فلم تنصره». فيض القدير (5/ 471).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إلا نصره الله في موطنٍ يحبّ فيه نُصرته» في الدنيا والآخرة. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 450).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وقوله: «إلا نصرهُ الله في موطنٍ يحبُّ نُصرتهُ» وهذا في مقابل ما مضى؛ لأن الأول خذلَ أخاه؛ فإنه يُخذل في موطن يحتاجُ فيه إلى النُّصرة، وإذا حصلت منه النصرة فإنه يُنصر في مكان يحتاج فيه إلى النُّصرة، والحديث كما هو واضح في حقِّ مَن لا يذبّ عن مسلم، ولا يكون عونًا لمسلم عندما تُنتهك حرمتُه ويُنالُ من عِرضه. شرح سنن أبي داود (556/ 5).


إبلاغ عن خطأ