«رأى عيسى ابنُ مريمَ رجلًا يسرِقُ فقال له: أَسرَقْتَ؟ قال: كلَّا واللهِ الذي لا إلهَ إلا هو، فقال عيسى: آمنتُ بالله وكذَّبْتُ عَيْنَي».
رواه البخاري برقم: (3444) واللفظ له، ومسلم برقم: (2368)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ولفظ مسلم: «وكذَّبتُ نفسي».
غريب الحديث
«كلَّا»:
كلمة زجر وردع، ومعناها: انته، لا تفعل. الصحاح، الجوهري (6/ 2553).
شرح الحديث
قوله: «رأى عيسى ابنُ مريمَ رجلًا يسرِقُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«رأى عيسى بن مريم» -عليه السلام- «رجلًا يسرِق» لم أرَ من ذكر اسم هذا الرجل، أي: يأخذ مالًا خفية من حِرْز مِثله. الكوكب الوهاج (23/ 272).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«رجلاً يسرق» لم يسمّ الرجل، ولا المسروق. إرشاد الساري (5/ 417).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
رأى سارقًا يسرق مال غيره، رآه بِعينَي رأسه. فتح المنعم (9/ 237).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«رأى عيسى بن مريم رجلاً يسرق» أي: شاهده بعينه وهو متلبس بالسرقة. منار القاري (4/ 207).
قوله: «فقال له: أَسرَقْتَ؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال له» أي: للرجل «عيسى: سرقت» (كما في لفظ) أي: أسرقت مالًا للناس، بتقدير همزة الاستفهام، وفي البخاري: «أسرقت». الكوكب الوهاج (23/ 272).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ظاهر قول عيسى لهذا الرجل: «سَرَقْتَ» (كما في لفظ) أنه خبر عما فعل الرجل من السرقة، وكأنه حَقَّق السرقة عليه؛ لأنه رآه قد أخذ مالًا لغيره من حِرْز في خُفية، ويحتمل أن يكون مستفهِمًا له عن تحقيق ذلك، فحذَف همزة الاستفهام، وحذْفها قليل. المفهم (6/ 179).
وقال العراقي -رحمه الله- معقبًا على احتمال الاستفهام:
احتمال الاستهام بعيد لقوله أولًا «رأى عيسى رجلًا يسرق» فجزم بتحقيق سرقته. طرح التثريب (8/ 86).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإن قلت: في بعض النسخ: «أسَرَقْت» بالاستفهام، والمستفهِم هناك شاك، ولا حُكْم للشاك، فكيف قال: «كذَّبت نفسي»؟ قلت: الاستفهام للتقرير، بدليل الرواية الأخرى، وبه يسقط ما قيل: لا يصح الاستفهام لجزم رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بأن عيسى رأى رجلًا يسرق. الكوثر الجاري (6/ 320).
قوله: «قال: كلَّا واللهِ الذي لا إلهَ إلا هو»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» الرجل: «كلا» أي: لا، أي: ما سرقت «والذي» أي: أقسمت بالإله الذي «لا إله إلا هو» نَفَى السرقة عن نفسه ثم أكده باليمين. الكوكب الوهاج (23/ 273).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«كلا» بفتح الكاف، وتشديد اللام: كلمة ردع وزجر؛ أي: اِنزجر، وارْتدع من أن تقول لي: «سرقت». البحر المحيط الثجاج (38/ 89).
قوله: «فقال عيسى: آمنتُ بالله، وكذَّبتُ عينيَّ»، وعند مسلم: «وكذَّبتُ نفسي»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
«فقال عيسى: آمنت بالله، وكذبت نفسي» ظاهره: صدَّقْت من حلف بالله، وكذَّبْت ما ظهر لي من ظاهر سرقة الآخر، فلعله أخذ ما له فيه حق، أو بإذن صاحبه، ولم يَقصد الأخذ إلا التَّغلِيب والنظر وصرفه إلى موضعه، وظهر لعيسى أولًا بظاهر مد يده وإدخالها في متاع غيره أنه أخذ منه شيئًا، فلما حلف له أسقط ظنه وتوَكَّد، والله أعلم. إكمال المعلم (7/ 339).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «آمنت بالله» أي: صدَّقتُك في حَلِفك بقولك: «والذي لا إله إلا الله» وببراءتك، ورجعت عما ظننت بك وكذَّبتُ نفسي، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} الحجرات: 12. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3220).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وقد تأوَّله بعضهم على أنه لما حلف له جَوّز أن يكون قد أخذ ماله، فظنه المسيح سرقه.
وهذا تكلُّف، وإنما كان الله -سبحانه- في قلب المسيح أجلّ وأعظم من أن يَحلف به أحد كاذبًا، فلما حلف له السارق دار الأمر بين تهمته وتهمة بصره، فردّ التهمة إلى بصره لـمّا اجتهد له في اليمين بالله، كما ظنَّ آدم صدقَ إبليس لـمَّا حلف له بالله، وقال: ما ظننت أحدًا يحلف بالله كاذبًا. إغاثة اللهفان (1/ 202).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
هذا الحديث أخرجه مسلم بلفظ: «وكذَّبْت نفسي»... وهذا من المبالغة في تصديق الحالف، وليس كذَبَتْ عينُه حقيقةً ولم يَهِم، وقيل: أراد أنه صدَّقه في الحُكْم؛ لأنه لم يحكم بعلمه وفاقًا لمالك، وخلافًا للشافعي وعبد الملك وسحنون.
فإن قلت: أعلى اليقين المشاهدة، فكيف يُقدَّم عليها قول زاعم؟
قلتُ: الناظر إلى الشيء قد لا يثبت نظره، ولا يحصل له اليقين، أو يكون من المعاريض، وتقديره: كذَّبت عيني في غير هذا. التوضيح (19/ 569).
وقال ابن حجر رحمه الله-:
وأما قوله: «وكذَّبت عيني» فلم يُرِدْ حقيقة التكذيب، وإنما أراد كذَّبت عيني في غير هذا، قاله ابن الجوزي، وفيه بُعد، وقيل: إنه أراد بالتصديق والتكذيب ظاهر الحُكم لا باطن الأمر، وإلا فالمشاهدة أعلى اليقين فكيف يُكذِّب عينه ويُصدِّق قول المدَّعي؟ ويحتمل أن يكون رآه مَدَّ يده إلى الشيء فظن أنه تناوله، فلما حلف له رجع عن ظنه. فتح الباري (6/ 489).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
فقوله: «كذَّبت عيني» أي: كذَّبتُها ظاهرًا، ومبالغة في تصديق الحالف لا حقيقة، كيف أُكَذِّبها وحقيقة المشاهدة أعلى اليقين؟ منحة الباري (6/ 538).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فقال عيسى: آمنت بالله» أي: صدَّقتُ من حلف بالله؛ إذ المؤمن الكامل لا يحلف بالله كاذبًا «وكذَّبت عيني» بالتشديد على التثنية، ولبعضهم بالإفراد، أي: كذَّبتُ ما ظهر لي من سرقة؛ لاحتمال أنه أخذ بإذن صاحبه؛ أو لأنه بان له فيه حق، وفي رواية للبخاري: «وكَذَبَتْ» بتخفيفها قال بعضهم: والتخفيف هو الظاهر، بدليل رواية مسلم: «وكذبت نفسي». فيض القدير (4/ 5).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«آمنت بالله، وكذَّبت بَصَري»، في رواية: «صدق الله، وكذَّبت عيني» قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: هذا مُشكل من جهة أن العين لا تكذب، وإنما يكذب القلب بظنه.
والذي يطابق: "صدقت أيها الرجل" فإنه لم يمضِ لله في الواقعة خَبَرٌ ولا ذِكْر، فكيف يُصَدَّق؟!
قال: والجواب: أن إضافة الكذب إلى العين إضافة الفعل إلى سببه؛ لأنها سبب لاعتقاد القلب، وأما قوله: «صدق الله» فإشارة إلى إخبارِ اللهَ -عز وجل- بأنه حَكَم في الظاهر بما ظهر، وفي الباطن بما يظنه، وأن الظاهر إذا تبيَّن خلافه تُرِك. حاشية السيوطي على سنن النسائي (8/ 249- 250).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «آمنت بالله» أي: بأنه عظيم ينبغي تصديق من حلف به «وكذَّبْت بصري» (كما في لفظ لأحمد وغيره) فإنَّ البصر قد يخطئ فيمكن تصديق الحالف بتخطئته، فمُقتضى تعظيمه تعالى أن يصدق الحالف به بتخطئة البصر. كفاية الحاجة (1/ 646).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «آمنت بالله، وكذَّبت عيني» فإن قلتَ: كيف كذَّب عيسى -عليه الصلاة والسلام- ما رأته عيناه؟ قلتُ: ولا بُعْد فيه، فإن المخاطب إذا أنكر أمرًا بالشدة، حتى يحلف به أيضًا، تُلْقَى منه الشبهات في صدور من لا يعتمد على نفسه في زماننا أيضًا، فإنه يخطر بباله أنه لعله لم يتحقق النظر فيه، والنظر يُغالَط كثيرًا، فيَرى المتحرك ساكنًا، والساكن متحركًا، والصغير كبيرًا، والكبير صغيرًا، إلى غير ذلك، فكيف إذا واجهه رجل باسم الله الذي تقشعر منه جلود الذين آمنوا، وقياس صدور الذين مُلِئت إيمانًا عن الذين مُلِئت جَورًا وظلمًا، قياس مع الفارق، ومَن لم يَذُقْ، لم يَدْرِ. فيض الباري (4/ 402).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
فغلَب التسامح العقوبة، وارتفع حسن الظن على السوء، وعلا الرفق والإحسان على المحاسبة والانتقام، فقال للرجل: آمنت بالله، وعظَّمته وقدَّسته، واستسلمت لحَلِفك به وكذَّبت نفسي وبصري وعيني. فتح المنعم (9/ 237- 238).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
لم يكن عيسى -عليه السلام- شاكًا في أن الرجل سرق؛ لأنه قد رآه سرق، فلمَّا أقسم الرجل على أنه ما سرق، الذي هو مدلول قوله: «كلا» أراد عيسى أن يُوقِع في نفس ذلك الرجل حرمة اليمين بالله بعد أن استخفَّ بها، فأتى بكلام موَجَّه يوهم الرجل أنه صدَّقة في يمينه وتشكك في رؤيته فقال: «آمنت بالله»، وهو كلام حق، وقال: «وكذَّبت عيني» أي: جعلت ما رأته عيني كالشيء الذي لم يقع؛ إذ أعرض عن مؤاخذة السارق، وهو يُوهِم السامع أنه شك فيما رآه، وهذا من دواء نفس السارق، ولعله أصلح الله به حاله.
وإطلاق اسم الكذب على ذلك مجاز؛ لأن ما تؤديه العين إلى العلم بمنزلة الخَبَر، فالخطأ فيه مثل مخالفة الخبر للواقع، على نحو قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وَكَذَبَ بَطنُ أخيك» وقوله تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} النجم: 11.
فمعنى «كذَّبت عيني»: الشك في صحة رؤيتها، وفي حديث الهجرة: «فلم تَكْذب قريش بجوار ابن الدغنة»، أي: لم تنقضه.
ويجوز أن يكون عيسى -عليه السلام- قد تعارض عنده صدق الحالف في حَلِفه، واحتمال الغلط في الرؤية، فرجَّح صدق الحالف؛ لِعِظم الإقدام على الحلف كذبًا. النظر الفسيح عند مضائق الأنظار في الجامع الصحيح (ص: 113- 114).
وقال الشيخ محمد بن علي الأثيوبي -رحمه الله-:
«آمنت بالله» أي: بأمرهِ أنَّ الحالف يُصدَّق إذا أمكن ذلك، أو بأنه عظيم لا ينبغي حرمان من توسل باسمه إلى أمره. البحر المحيط الثجاج (38/ 90).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أنه ينبغي تأويل من حلف له بالله -عز وجل- أنه صادق، ولو رأى أن يُكَّذب نفسه؛ ليكون معلنًا حسن الظن بالمسلم في أنه لا يحلف بالله إلا صادقًا على نظر عينه التي يجوز عليها أن ترى الشيء على خلافه؛ فإنَّ فِعْل عيسى -عليه السلام- ذلك، واختيار نبينا -صلى الله عليه وسلم- لنا عن عيسى ذلك، دليل على ندبنا إليه، وحضِّنا عليه. الإفصاح (7/ 217).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ويستفاد من هذا الحديث درء الحد بالشبهة. المفهم (6/ 180).
وقال العراقي -رحمه الله-:
استدل به المصنف -رحمه الله- على منع القضاء بالعلم، وفي المسألة خلاف مشهور، والراجح عند المالكية والحنابلة منعه مطلقًا، وعند الشافعية جوازه إلا في حدود الله تعالى خاصة، فيمتنع الحكم فيها بالعلم، وهذه الصورة من حدود الله تعالى، فامتناع عيسى -عليه الصلاة والسلام- من الحُكم فيها بإقامة الحد عليه مُحتمل لِأَنْ تكون شريعته مَنْع الحُكم بالعلم مطلقًا، ولأن تكون شريعته مَنْع الحكم بالعلم في حدود الله تعالى، وهذا منها؛ ولأنَّه لم يتحقق السرقة على ما تقدم احتمالًا ثم هذا الاستدلال من أصله مبنيٌّ على أن شرع من قبلنا شرع لنا، وفي المسألة خلاف مشهور معروف في كتب الأصول، والله أعلم. طرح التثريب (8/ 86).
وقال الشيخ محمد بن علي الأثيوبي -رحمه الله-:
فوائده:... منها: أنه استدل به من قال بمنع القضاء بالعلم، قال في الفتح: والراجح عند المالكية، والحنابلة منعه مطلقًا، وعند الشافعية جوازه، إلا في الحدود، وهذه الصورة من ذلك. انتهى.
والراجح عندي القول بعدم جواز قضاء القاضي بعلمه، وأن ذلك خاص بالنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن فيه تُهْمة له، ولأن فيه تسليطًا للظلمة على حقوق الناس بدعوى أنهم يحكمون بعلمهم، فَتَبَصَّر، والله تعالى أعلم.
ومنها: أن النسائي -رحمه الله- احتج بهذا الحديث على بيان كيفية الاستحلاف، وهو أن يقول الحاكم للمستحلف: قل: «لا، والله الذي لا إله إلا هو» والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (38/ 92)