«عن الحصين بن محصن، أنَّ عمَّةً له أتت النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- في حاجةٍ، ففرغَتْ من حاجتها، فقال لها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: أذاتُ زوجٍ أنتِ؟ قالت: نعم، قال: كيف أنتِ له؟ قالت: ما آلُوهُ إلا ما عجَزْتُ عنه، قال: فانظرِي أين أنتِ منه، فإنما هو جنَّتُكِ ونارُكِ».
رواه أحمد برقم: (19003)، والنسائي في السنن الكبرى برقم: (8913)، من حديث عمة حصين بن محصن -رضي الله عنها-.
صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1933)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2612).
غريب الحديث
«آلُوهُ»:
أَلَوْتُ فِي الشَّيْءِ آلُو: إِذا قَصَّرْتُ فيه. معجم مقاييس اللغة، لابن فارس (1/ 128).
وقال أبو عبيد الهروي-رحمه الله-:
«ما آلوه»: أي ما أستطيعه. الغريبين (1/ 97).
شرح الحديث
قوله: «عن الحصين بن محصن، أنَّ عمَّةً له أتت النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- في حاجةٍ»:
قال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «عن حصين بن محصن» -رضي الله عنه- الخطمي، اختُلف في صُحبته، ذكره عبدان وابن شاهين العسكري والطبراني في الصحابة، وقال ابن السكن: يقال: إن له صحبة، غير أن روايته عن عمته، وليس له رواية عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. فتح القريب المجيب (8/ 657).
وقال الكماخي -رحمه الله-:
«أنَّ عمةً له أتت» أي: جاءت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. المهيأ في كشف أسرار الموطأ (4/ 318).
قوله: «ففَرَغَت من حاجتها، فقال لها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «أذاتُ زوجٍ أنتِ؟» قالت: نعم»:
وقال الكماخي -رحمه الله-: «أذات» أي: كنت صاحبة «زوج أنت؟ قالت: نعم» أي: أنا صاحبة زوج. المهيأ في كشف أسرار الموطأ (4/ 318).
قوله: قال: «كيف أنتِ له؟» قالت: ما آلُوهُ إلا ما عجَزْتُ عنه:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
أي: ما أُقَصِّر ولا أترك من حقه إلا ما لا أقدر عليه. مشارق الأنوار (1/ 31).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه» ألوه غير ممدود الهمزة، ومعناه: ما أقصر ولا أترك شيئًا من حقه إلا ما لا أقدر عليه. فتح القريب المجيب (8/ 657).
وقال الكماخي -رحمه الله-:
«كيف أنتِ له؟» أي: من حال رضا أو سخط، أو حسن عشرة أو سوء خدمة «قالت: ما آلوه» أي: ما أقصر في خدمته، وتحصيل رضا خاطره «إلا ما عَجَزت عنه». المهيأ في كشف أسرار الموطأ (4/ 318).
قوله: «قال: «فانظرِي أين أنتِ منه»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«انظري» أيتها المرأة التي هي ذات بعل «أين أنت منه» أي: في أي منزلة أنت منه أقريبة من مودته، مسعفة له عند شدته، ملبية لدعوته، أم متباعدة من مَرامه، كافرة لعِشرته وإنعامه. فيض القدير (3/ 60).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«أين أنت منه» أي: في أي منزلة أنت من زوجك، فاعرفي حقه. السراج المنير2/ 193).
وقال الكماخي -رحمه الله-:
قال: «فانظري» أي: تَرعي حقه، ولا تقصري في خدمته «أينَ أنتِ منه» أي: وُجْهة رعايته، وتقصير خدمته، فإنك راعية على بيته وولده، فإنك مسؤولة عنهم. المهيأ في كشف أسرار الموطأ (4/ 318).
قوله: «فإنما هو جنَّتُكِ ونارُكِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فإنما هو» أي: الزوج «جنتك ونارك» أي: هو سبب لدخولك الجنة برضاه عنك، وسبب لدخولك النار بسخطه عليك، فأحسني عِشرته ولا تخالفي أمره فيما ليس بمعصية...وأخذ الذهبي من هذا الحديث ونحوه أن النشوز كبيرة. فيض القدير (3/ 60).
وقال الكماخي -رحمه الله-:
«فإنه» أي: «زوجك جنَّتك ونَارُكِ» أي: زوجك سبب أحد المنزلتين، فإن أحسنت به فلكِ الجنة، وإن أسأت عنه فلك النار. المهيأ في كشف أسرار الموطأ (4/ 318).
وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
ذهب الفقهاء إلى أنَّ نُشوز المرأة على زوجها حرامٌ؛ لِـمَا وردَ في تعظيمِ حق الزوج على زوجته ووجوب طاعتها له، ومنه قولُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- لامرأةٍ: «أذاتِ زوجٍ أنتِ؟»...
وقد أخبر الله تعالى أنَّ الصالحات من النساءِ قانتاتٌ؛ أي: مُطيعاتٌ لأزواجِهن، وذلك بقوله تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ} النساء: 34، قاله ابنُ عباسٍ وغيرُه، كما أخبرَ أنهنَّ حافظاتٌ للغيبِ؛ أي: يحفظنَ أزواجَهنَّ في غَيبتِهم في أنفسِهنَّ وأموالِهم بحفظ الله تعالى ومعونته وتسديده.
وقال القرطبيُّ: قولُ اللهِ تعالى: {فالصالحاتُ قانتاتٌ حافظاتٌ للغيبِ} هذا خبرٌ، ومقصودُه الأمرُ بطاعة الزوج والقيام بحقه في ماله، وفي نفسِها في حالِ غَيبةِ الزوجِ. وعن أبي هريرةَ -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «خيرُ النساءِ امرأةٌ إذا نظرْتَ إليها سرَّتك، وإذا أمرتَها أطاعتْك، وإذا غِبتَ عنها حفظتك في نفسها ومالك»، قال: ثم قرأ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} النساء: 34 الآية.
وقال ابنُ حجرٍ الهيتميُّ: عَدُّ النشوزِ كبيرةً هو ما صرَّح به جمعٌ؛ أي من الفقهاءِ، ولم يُرِدِ الشيخانِ بقولِهما: امتناعُ المرأةِ من زوجِها بلا سببٍ كبيرةٌ خصوصَه، بل نبَّها به على سائرِ صورِ النشوزِ. الموسوعة الفقهية الكويتية (40/ 285 ـ 286).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
وحقُّ الزوج عليها أعظم من حقِّها عليه. المغني(7/ 293).
وقال البهوتي-رحمه الله-:
وينبغي للمرأة أن لا تُغْضب زوجها لحديث أحمد عن الحصين بن الـمُحيصن. شرح منتهى الإرادات (3/ 55).