«مَن أخافَ أهلَ المدينةِ ظُلمًا أخافَهُ اللهُ، وعليه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ، لا يقبلُ اللهُ منه يومَ القيامةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا».
رواه أحمد برقم: (16557)، والنسائي في الكبرى برقم: (4251)، من حديث السائب بن خلاد -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند أحمد برقم: (14818)، من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما -: «من أخاف أهل المدينة، فقد أخاف ما بين جَنْبَيَّ».
صحيح الجامع برقم: (5977)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2304).
غريب الحديث
«صَرْفًا»:
التوبةُ، وَقيل: النافلة. النهاية، لابن الأثير (3/ 24).
«عَدْلًا»:
الفِدْية، وقيل: الفَرِيضة. النهاية، لابن الأثير (3/ 24).
شرح الحديث
قوله: «مَن أخافَ أهلَ المدينةِ ظُلمًا أخافَهُ اللهُ»:
قال الحربي -رحمه الله-:
قوله: «مَن أخاف أهل المدينة» الخوف: الفزع، وكذلك: التخويف، وطريق مخوف: يخافه الناس. غريب الحديث (2/ 834).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«مَن أخاف أهل المدينة» النبوية «أخافه الله» زاد في رواية: «يوم القيامة». فيض القدير (6/ 40).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«مَن أخاف أهل المدينة» هي إذا أُطلقت طيبة «أخافه الله» لأنهم جيرانه -صلى الله عليه وسلم- فلهم أعظم حرمة عن العباد. التنوير (10/ 55).
وقال ابن حجر الهيتمي –رحمه الله-:
الكبيرة الرابعة ... والخمسون بعد المائة: إخافة أهل المدينة النبوية على مُشرِّفِها أفضل -الصلاة والسلام-، وإرادتهم بسوء، وإحداث حَدَثٍ -أي: إثم- فيها، وإيواء مُحدِثِ ذلك الإثم، وقَطعُ شجرها، أو حشيشها... وصرح ابن القيم: بأن استحلال حرم المدينة كبيرة، قال غيره أي عند الأئمة الثلاثة خلافًا لأبي حنيفة ...قلت: يتعين حمل الخصوصية على أن إرادتهم بأي سوء وإخافتهم بأي نوع، كبيرة بخلاف غيرهم، فإن شرط كون كل مما ذكر كبيرة أن يكون مما له وقع وبال في العادة. الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 342-343).
قوله: «وعليه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقيل: معنى «لعنة الله» هنا: يحتمل أن يراد به العذاب الذي يستوجبه على ذنبه، والطرد عن الجنان أولًا، ودخول النار حتى يخرجه الله منها، واللعنة معناها: الإبعاد، ولا يكون هذا كلعنة الكفار الذين يُبعدون عن رحمة الله رأسًا، و«لعنة الملائكة والناس» هنا: الدعاء عليهم بمثل هذا، وقد يكون لعنة الملائكة هنا ترك الدعاء لهم والاستغفار، وإبعادهم عنه، وإخراجهم من جملة المؤمنين الذين يستغفرون لهم، كما حكى الله تعالى عنهم. إكمال المعلم (4/ 487- 488).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-أيضًا:
وقد استدلوا لما جاءت به اللعنة أنه من الكبائر. إكمال المعلم (4/ 486).
قال محمد عليش -رحمه الله-:
يجوز اتفاقًا أن يُقال: لُعِن مَن قَطَعَ رَحِمه، ومَن أخاف أهل المدينة ظلمًا؛ لكونه ليس فيه تسمية أحد بخصوصه. فتح العلي المالك(2/ 353).
قوله: «لا يقبلُ اللهُ منه يومَ القيامةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا»:
قال المنذري -رحمه الله-:
الصرف: هو الفريضة، العدل: التطوع، قاله سفيان الثوري.
وقيل: هو (أي: الصرف) النافلة، والعدل الفريضة.
وقيل: الصرف: التوبة، والعدل: الفدية، قاله مكحول.
وقيل: الصرف: الاكتساب، والعدل: الفدية.
وقيل: الصرف: الوزن، والعدل: الكيل، وقيل غير ذلك. الترغيب والترهيب (2/ 152).
وقال المازري -رحمه الله-:
قال أبو عبيدة: الصرف الحِيلة، وقال قوم: العدل المثل؛ لقول الله تعالى: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} المائدة: 95، معناه: أو مثل ذلك صيامًا.
قال بعضهم: العَدْل والعِدْل لغتان لا فرق بينهما كالسَّلْم والسِّلْم، وقال الفراء: العَدْل ما عادل الشيء من غير جنسه، والعِدْل ما عادل الشيء من جنسه، يقال: عندي عَدْل ثوبك أي: قيمته. المعلم (2/ 118).
وقال القاضي عياض -رحمه الله- متممًا:
وقيل: الصرف الدِّية، والعدل الزيادة، وروي عن الحسن (البصري) في معنى الصرف هنا: التصرف في العمل، فيُحتمل أن يكون ما أوعد به من ترك قبول التوبة، على ما فُسِّر به الصَّرف، وهي مُعْرَضَة لجميع العاصين في قبوله الطاعات، ولا يحبطها إلا الكفر على ما فُسِّر به الصَّرف.
والعدل إما أن يكون فَعَل ذلك مستحلًّا، فأحبط الكفر أعماله، ولا يصح توبته إلا برجوعه إلى الإسلام، لا بإقلاعه عن ذلك الذنب وحده.
وقيل: المراد ها هنا: لا يقبل توبته في الآخرة، وهو في الحديث مُفَسَّر: «لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا» أي: لا يُعفى عن ذنبه هذا في الآخرة، واعترافه بخطئه فيه إن لم يتب منه في الدنيا، وأما توبة الدنيا فمقبولة إن شاء الله من كل ذنب، وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله.
وقيل: يكون أيضًا معنى: لا تقبل فريضته ولا نافلته قبول رضى، وإن قُبِلَت قبول جزاء؛ لأن الله لا يظلم عباده مثقال ذرة، وإن تكُ حسنة يضاعفها، وقيل: قد يكون القبول هنا عبارة عن تكفير تلك السيئة والذنب بها، وقد قال تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} هود: 114، وتكون معنى الفدية ها هنا: لا يجد في القيامة فِدى يفتدي به، بخلاف غيره من المذنبين الذين جاء مِن تَفَضُّلِ الله على مَن شاء منهم أن يفديه من النار باليهود والنصارى، ومَن شاء من الكفار. إكمال المعلم (4/ 487).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
هذا الحديث فيه وعيد شديد لمن ارتكب هذا. فتح القريب المجيب (6/ 272).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وفيه تحذير من إيذاء أهل المدينة أو بُغْضِهِم، قال المجد اللغوي: يتعين محبة أهل المدينة وسُكَّانها وقُطَّانها وجيرانها وتعظيمهم سيَّما العلماء والشرفاء، وخَدَمَة الحُجرة النبوية، وغيرهم من الخَدَمة كلٌّ على حسب حاله وقرابته وقربه من المصطفى -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-، فإنه قد ثبت لهم حق الجوار، وإن عظمت إساءتهم فلا يُسلب عنهم. فيض القدير (6/ 40).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
ومكة أفضل بلاد الله -تعالى-، نعني الحَرم وحدَه، وما وقع عليه اسم عرفات فقط، وبعدها مدينة النبي -عليه السلام- نعني حَرمها وحده، ثم بيت المقدس، نعني المسجد وحده؛ هذا قول جمهور العلماء.
وقال مالك: المدينة أفضل من مكة، واحتج مقلدوه بأخبار ثابتة، منها: قوله -عليه السلام-: «إن إبراهيم حرَّم مكة ودعا لها، وإني حرَّمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة»، وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأنه لا دليل فيه على فضل المدينة على مكة أصلًا، وإنما فيه: أنه -عليه السلام- حرَّمَها كما حرَّم إبراهيم مكة، ودعا لها كما دعا إبراهيم لمكة فقط، وهذا حق، وقد دعا -عليه السلام- للمسلمين كلهم كما دعا لأبي بكر، وعمر، ولأصحابه -رضي الله عنهم- فهل في ذلك دليل على فضلنا عليهم، أو على مساواتنا في الفضل؟ هذا ما لا يقوله ذو عقل. المحلى بالآثار (5/ 325).
قال ابن رشد الجد -رحمه الله-:
إنما قال جابر بن عبد الله ما قاله مما كان عنده عن النبي -عليه السلام- فيمن أخاف أهل المدينة، إنما تَذَكَّر لما صار بالحَرَّة ما جرى على أهل المدينة فيها يوم الحرة من الوقيعة التي دارت عليهم، وما انتهى إليهم في ذلك اليوم مسلم بن عقبة، وإلى جيش يزيد بن معاوية من تخويف الناس، إذ دَخَل المدينة ودعا الناس إلى مبايعة يزيد بن معاوية على أنه حوَّل له، وقَتَل مَن قَتَل على ذلك صَبْرًا، وقد مضى ذكر ذلك في آخر رسم نذر سنة، عند قول مالك، عن سعيد بن المسيب: خلا مسجدُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أيام لم يُجمَّع فيه من حين كان يوم قَتْل عثمان، ويوم الحَرَّة، ويوم آخر نسيته، وبالله تعالى التوفيق. البيان والتحصيل (17/ 583).