«أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- رأَى في أصحابِهِ تأخُّرًا فقال لهم: تقدَّموا فائْتَمُّوا بي، وليأتمَّ بِكم مَن بعْدكُم، لا يزالُ قومٌ يتأخَّرون حتّى يؤخِّرَهم اللهُ».
رواه مسلم برقم: (438)، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
وفي لفظ له برقم (438): «رأى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قومًا في مُؤخر المسجد».
وفي لفظ عند أحمد برقم: (11292): «حتى يُؤخرهم الله -عزَّ وجلَّ- يوم القيامة».
ورواه أبو داود برقم: (679) ولفظه: «لا يزال قومٌ يتأخرون عن الصف الأول حتى يُؤخرهم الله في النار»، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
صحيح الجامع برقم: (7699)، صحيح سنن أبي داود، برقم: (682). قال الألباني في صحيح سنن أبي داود: قلت: حديث صحيح، دون قوله: «في النار».
غريب الحديث
«فَأْتَمُّوا»:
ائْتَمَّ به: اقتدى به. الصحاح، الجوهري (5/ 1865).
شرح الحديث
قوله: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى في أصحابِهِ تأخرًا» وفي لفظ: «رأى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قومًا في مُؤخر المسجد»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أصحابه تأخرًا» يحتمل أن يراد به التأخر في صفوف الصلاة، والتأخر عن أخذ العلم، فعلى الأول: المعنى هو: ليقف العلماء والأَلِبَّاء من دونهم في الصف الثاني يقتدون بالصف الأول ظاهرًا لا حكمًا، وعلي الثاني: المعنى: ليتعلم كلُّكم مني العلم وأحكام الشريعة، وليتعلم التابعون منكم، وكذلك من يلونهم قرنًا بعد قرن إلى انقضاء الدنيا. هذا تلخيص كلام المظهر. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1142).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«رأى في أصحابه تأخرًا» عن الصف الأول. شرح سنن أبي داود (4/ 180).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «رأى في أصحابه تأخرًا»... إلخ أي: عن الصف الأول، ولعلهم سمعوا قوله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-: «لِيَلِيَنِي منكم أولو الأحلام والنُّهى» فرأوا في نفوسهم القصور عن هذه المرتبة فتأخروا، فقال لهم: «تقدموا». المنهل العذب المورود (5/ 71).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أصحابه تأخرًا» أي: في صفوف الصلاة كأنهم تأخروا عن القُرب والدُّنو منه -صلى الله عليه وسلم-، وقيل: المراد التأخر في أخذ العِلم. مرعاة المفاتيح (4/ 10).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «رأى في أصحابه تأخرًا» أي: رأى في أصحابه أي: مِن جملتهم قومًا يتأخرون عن الصفوف المتقدمة كما هو مبين في رواية مسلم: «أنه رأى قومًا في مؤخَّر المسجد»، وذكر بعضهم أن ذلك منهم لعله كان بسبب أنهم لما سمعوه يقول: «ليليني منكم ذوو الأحلام» رأوا أنهم ليسوا أهلًا لذلك؛ تواضعًا منهم فتأخروا لأجل ذلك، وتأخروا مفعول والجار والمجرور في محل نصب على الحال، و«رأى» بصرية لا تَنصب غير مفعول واحد. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (5/ 1648).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«رأى في أصحابه تأخُّرًا» أي: عدم المبادرة إلى الصف الأول، وتأخرًا عن القُرب من الإمام. فتح المنعم (2/ 602).
قوله: فقال لهم: «تقدَّمُوا فائتَمُّوا بي»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقال لهم: تقدموا» إلى الصف الأول «فَأتمُّوا بي» واقتدوا بي في صلاتي. شرح سنن أبي داود (4/ 180).
قال الكرماني -رحمه الله-:
«ائتموا» خطاب لأهل الصف الأول أي: اقتدوا بي وليقتدِ بكم مَن بعدكم، أي: سائر الصفوف، ومعناه: ليستدلوا بأفعالكم على أفعالي. الكواكب الدراري (5/ 88- 89).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
فقال لهم: «تقدموا وائتموا بي» أي: اصنعوا كما أصنع. شرح المصابيح (2/ 105).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
أي: اجعلوا أفعالي قدوة لكم فافعلوا كما تروني أفعل، كقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ولكن هذه أعم من حالة الاقتداء.
وقوله: «ائتموا بي» صادق بأمرين:
أحدهما: أن لا يتركوا شيئًا من أفعاله ولا يفعلوا خلاف فعله.
والثاني: أن تكون جميع أفعاله تابعة لفعله، ولا يتقدموا عليه في شيء من أفعال صلاتهم. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (5/ 1648- 1649).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«وأْتَمُّوا بي» أي: اصنعوا كما أصنع. مرعاة المفاتيح (4/ 10).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقد يحتمل أن يكون قوله: «تقدَّموا فائتموا بي»: يريد أهل وقته، ويأتم بكم مَن بعدكم فيما أَخذتم به مِن سُنتي، وتعَلَّمَتُموه عني، فحضَّهم على التقدم ليحققوا الاقتداء به في جميع أفعاله وأقواله ومشاهدة هيئاته في الصلاة وآدابه، وذلك لا يصح مع المؤخر. إكمال المعلم (2/ 351).
وقال المظهري -رحمه الله-:
معناه: ليقف العلماء والعقلاء خلفي، ومَن دونهم ليقفوا في الصف الثاني، فأهل الصف الثاني كأنهم يقتدون بالصف الأول في الظاهر لا في الحكم؛ لأن في الحكم كلهم مقتدون بالإمام.
ويحتمل أن يكون معناه: ليتعلم كلكم مني الصلاة وغيرها من أحكام الشريعة، وليتعلم التابعون منكم، وكذلك يتعلم قَرْنٌ من قرن إلى آخر الدنيا. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 225- 226).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
والمراد بالائتمام على الأول: الاتباع في الحركات والسكنات في الصلاة بالوقوف عليها، وعلى الثاني: في اكتساب العلوم وتعلمها. لمعات التنقيح (3/ 222).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وقوله: «ائتموا بي» أي: اقتدوا بأفعالي، وليقتدِ بكم مَن بعدكم مستدلين بأفعالكم على أفعالي. سبل السلام (1/ 366).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
«تقدَّموا» إلى الصف الأول «فائتموا بي» واصنعوا كما أصنع، وليقتدِ بكم مَن خلفكم من الصفوف فيستدلون بأفعالكم على أفعالي، وليس المراد أنهما يقتدون بهم فيجعلونهم أئمة لهم؛ لأن الاقتداء لا يكون إلا بإمام واحد. المنهل العذب المورود (5/ 71).
وقال ابن القاسم -رحمه الله-:
فالتقدم مشروع وتستحب المحافظة على إدراك تكبيرة الإحرام بأن يتقدم إلى المسجد قبل وقت الإقامة، وقد جاء في فضل الصف الأول فالأول وإدراك تكبيرة الإحرام أحاديث كثيرة، وأما النساء فالأفضل بُعدهن عن الرجال؛ لأمن الفتنة، وأما إذا أَمَّتْهُن امرأة فصفُوفهن كصفوف الرجال أفضلها أوَّلها. الإحكام شرح أصول الأحكام (1/ 198).
قوله: «ولْيَأْتَمَّ بكم مَن بَعدكم»:
قال النووي -رحمه الله-:
معنى «وليأتمَّ بكم مَن بعدكم» أي: يقتدوا بي مستدلين على أفعالي بأفعالكم، ففيه جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يسمعه على مبلِّغ عنه، أو صفٍّ قدَّامه يراه متابعًا للإمام. شرح صحيح مسلم(4/ 158- 159).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «وليأتم بكم من بعدكم» يحتمل أن يراد به الاقتداء في الصلاة. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1142).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«وأْتَمُّوا بي» أي: اصنعوا كما أصنع. «وليَأْتَمَّ» بسكون اللام، وتُكسر «بِكم مَن بعدكم» أي: مَن خلفَكُم من الصفوف، والخطاب لأهل الصف الأول، أي اقتدوا بأفعالي، وليقتدِ بكم مَن بعدكم مستدلين بأفعالكم على أفعالي، أو المراد: مَن بعدكم مِن أتباع الصحابة، والخطاب للصحابة مطلقًا، أي تعلموا مني أحكام الشريعة، وليتعلم منكم التابعون بعدكم وكذلك أتباعهم إلى انقراض الدنيا. «وبعد» على الأول مستعار للمكان، وعلى الثاني للزمان، كما هو الأصل. مرعاة المفاتيح (4/ 10).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«من بعدكم» أي: من بين سائر الصفوف، أي: استدلوا بأفعالكم على أفعالي، وليس المراد أن المأموم يقتدي به غيره، ويحتمل حمل الحديث على أن المراد الائتمام به -صلى الله عليه وسلم- في العلم، وأحكام الشريعة، وليتعلَّم التابعون منكم، وكذلك تبع التابعين، وهكذا إلى انقراض الدنيا. اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (4/ 50).
وقال الجصاص -رحمه الله-:
فإن قيل: فأهل الصف الثاني ومَن بعده لا يرونه، وليس يُكره للمأموم القيام في الصف الثاني.
قيل له: لأنه يرى بين يديه من يقتدي بالإمام فيتبعه، والذين عن جانبَي الطاق بينهم الحائط، فلا يصِلُون إلى الاقتداء به.
وأما إذا كان مقامه في المسجد وسجوده في الطاق: فلا بأس؛ لأنه قد حصل له ما ينبغي من معنى الاقتداء. شرح مختصر الطحاوي (8/ 518).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
هذا الباب موافق لقول الشعبي، ومسروق؛ وذلك أنهما قالا: إن الإمام يؤم الصفوف، والصفوف يؤم بعضها بعضًا، قال الشعبي: فإذا كثرت الجماعات في المسجد، فدخل رجل وهم يصلون، فأحرم قبل أن يرفع الصف الذي يليه رءوسهم من الركعة فإنه قد أدركها؛ لأن بعضهم أئمة لبعض، ويجوز له الاستدلال من هذا الحديث، وأما سائر الفقهاء فإنهم يراعون رفع الإمام وحده، وهو أحوط. شرح صحيح البخاري (2/ 342).
وقال المازري -رحمه الله-:
وقد ذكر مسلم بعد هذا أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في حديث آخر لأصحابه: «تقدَّموا فائتمُّوا بي وليأتَمَّ بكم من بعدكم» الحديث، فأجاز الائتمام بمن ائتم به، ولا فرق بين الاقتداء بالفاعل أو القائل. المعلم بفوائد مسلم (1/ 398).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وهذا الحديث إنما جاء في ذم التأخر، وأنهم إذا تأخروا لم يعلموا ما حدث في الصلاة، ولا يتنبّه بعضهم لفعل الإمام بفعل بعض. إكمال المعلم (2/ 351).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وليأتم بكم مَن بعدكم» معناه عند الجمهور: يستدلون بأفعالكم على أفعالي، لا أنهم يقتدون بهم، فإن الاقتداء لا يكون إلا لإمام واحد، ومذهب مَن يأخذ بظاهره وقد ذكرناه الآن.
وفيه: جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يسمعه على مبلِّغ عنه أو صفٍّ قدامه يراه متابعًا للإمام.
قوله: «مَن» بفتح الميم، في محل الرفع؛ لأنه فاعل لقوله: «وليأتم». عمدة القاري (5/ 249).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى في أصحابه تأخرًا فقال لهم: «تقدموا فأتموا بي، وليأتمَّ بكم مَن بعدكم» ومعنى الحديث: اقتدوا بي مستدلين على أفعالي بأفعالكم...
وينبغي أن يكون في الصف الأول مَن يعقل صلاة الإمام وفي الصف الثاني من يعقل صلاة الصف الأول وهلم جرًا؛ لتكون صلاتهم على وفق صلاة الإمام. فتح القريب المجيب (3/ 583).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «ائْتَمُّوا بي ولْيَأْتَمَّ بكم مَنْ بَعْدَكم» أخذه البخاري في الإمامة والاقتداء في الصلاة، فمعناه عنده: ولْيَأْتَمَّ بكم من بَعْدَكم من الصفوف، وقال الجمهور: إن الائتمام في تعليم الدين، فاقتدوا أيُّها الصحابة أنتم بي، وليقتدِ الذين بَعْدَكم فيما يأتي من الزمان بكم، وهكذا كلُّ خَلَفٍ يقتدي بسَلَفِهِ، وليس المراد به إمامة الصلاة والاقتداء فيها خاصة. فيض الباري (2/ 298).
قوله: «لا يزال قوم يتأخَّرُونَ حتى يُؤَخِّرَهُم الله»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقوله: «لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله»: قيل: هذا في المنافقين، ويحتمل أن يكون المعنى تأخرهم في العلم وفي السبق والمنزلة عنده. إكمال المعلم (2/ 351).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ويحتمل أن يراد به: أن الله يؤخرهم عن رتبة العلماء المأخوذ عنهم، أو عن رتبة السابقين. المفهم (2/ 66).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يزال قوم يتأخرون» أي: عن الصفوف الأول «حتى يؤخرهم الله» تعالى عن رحمته أو عظيم فضله ورفع المنزلة وعن العلم. شرح صحيح مسلم (4/ 158- 159).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «حتى يؤخرهم الله» في دخول الجنة؛ يعني: ليكن الرجل مسرعًا حريصًا في الخيرات، فمن تأخر عن الخيرات تأخر عن الثواب ودخول الجنة. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 225- 226).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«لا يزال قوم يتأخَّرون» أي: عن اكتساب الفضائل واجتناب الرذائل «حتى يؤخرهم الله» عن رحمته وعظيم ثوابه وفضله ورفيع منزلة أهل قربه حتى يكون عاقبة أمرهم النار كما جاء في رواية، رواه مسلم.
وفيه آكد حث على التسابق إلى معالي الأمور والأخلاق، وأبلغ زجر عن الميل إلى الدعة والرفاهية، وأبلغ تنبيه إلى أن ذلك يؤدي إلى تجرُّع غُصص البُعد والغضب، أعاذنا الله من ذلك بمنِّه. دليل الفالحين (6/ 568).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «حتى يُؤخرهم الله في النار» أي: يؤخرهم عن الداخلين في الجنة أولًا بإدخالهم في النار، وحبسهم فيها، أو يؤخرهم الله في النار عن الخروج مع الخارجين عنها أولًا، أو يؤخرهم في النار، أي: يوقعهم في أسفل ما للمؤمنين من درك النار؛ وليس المراد: يؤخرهم في دخول النار والله تعالى أعلم. فتح الودود في شرح سنن أبي داود (1/ 424).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «حتى يؤخرهم الله -عزّ وجلّ-» أي: في النار أو يؤخرهم الله عن رحمته وعظيم فضله وعظيم المنزلة وعن العلم ونحو ذلك. المنهل العذب المورود (5/ 71).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وفي الحديث: حث على الصف الأول وكراهة البعد عنه. سبل السلام (1/ 366).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
فقه الحديث: دلّ الحديث على أنه يُطلب من الإمام أن يأمر أهل الفضل بالقرب منه، وعلى أنه يأمرهم بفعل ما فيه الخير لهم. المنهل العذب المورود (5/ 71).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
وفي الحديث: اهتمام الإمام بشأن الرعية وتعليمهم لا سيما أمور الصلاة.
وفيه: العناية بهيئتها بتسوية الصفوف، وفضل المبادرة إلى التقدم فيها لكن بشرط: ألا يكون في ذلك أذية للغير، ويستلزم الحرص على التقدم في الغالب التبكير في الخروج إلى المسجد.
وفيه: وجوب متابعة الإمام وصحة اقتداء من لا يَرى الإمام إذا كان يتمكن من ضبط الصلاة برؤية المأمومين وما في معناها.
وفيه: وجوب متابعة الإمام وفضيلة الصفوف المتقدمة على المتأخرة، والوعيد لمن يتهاون بأوامر الشرع، ويتكاسل عن مراتب الخير فيه، وأنَّ تهاون الإنسان يسبب له الخسران كما أن فعل الذنب يسبب البعد عن الله. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (5/ 1649- 1650).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
واختَلف الناس في الصف الأول: هل هو الذي يلي الإمام بكل حال، أم الذي لا يقطعه شيء؟
وفيه قولان للعلماء، والمنصوص عن أحمد: أن الصف الأول هو الذي يلي المقصورة، وأن ما تقطعه المقصورة فليس هو الأول، نقله عنه المروذي وأبو طالب وأحمد بن القاسم وغيرهم.
وقال أبو طالب: سئل أحمد عن الصلاة في المقصورة، قال: لا يصلي فيها، هو الذي يلي المقصورة، فيخرج من المقصورة فيصلي في الصف الأول.
وروى وكيع عن عيسى الحناط، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان إذا حضرت الصلاة وهو في المقصورة خرج إلى المسجد.
وعن شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، قال: كان أصحاب عبد الله
-يعني: ابن مسعود- يقولون: الصف الأول الذي يلي المقصورة.
وروي ذلك عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود.
وقال الشعبي: المقصورة ليست من المسجد، ذكر ذلك كله وكيع في كتابه.
فأما الصف الذي يقطعه المنبر، فهل هو الصف الأول، أم لا؟
قال أحمد في رواية أبي طالب والمروذي وغيرهما: إن المنبر لا يقطع الصف، فيكون الصف الأول الذي يلي الإمام وإن قطعه المنبر، بخلاف المقصورة.
وتوقف في ذلك في رواية الأثرم وغيره.
وقالت طائفة: الصف الأول هو الذي يلي الإمام بكل حال، ورجَّحه كثير من أصحابنا، ولم أقف على نص لأحمد به.
وقال آخرون: الصف الأول المراد به أول من يدخل المسجد للصلاة فيه.
قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا بين العلماء أن من بَكَّر وانتظر الصلاة، وإن لم يصلِّ في الصف الأول، أفضل ممن تأخر ثم تخطى الصفوف إلى الصف الأول.
قال: وفي هذا ما يوضح أن معنى فضل الصف الأول: أنه ورد من أجل البكور إليه، والتقدم، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. انتهى.
وحَمْلُ أحاديث فضل الصف الأول على البكور إلى المسجد خاصة لا يصح، ومن تأمل الأحاديث علم أن المراد بالصف الأول الصف المقدم في المسجد، لا تحتمل غير ذلك.
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة في صحيحه من حديث أنس، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَتِمُّوا الصف المقدَّم، ثم الذي يليه، فما كان من نقصٍ فليكن في الصف المؤخَّر». فتح الباري (6/ 275- 277).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في بيان معنى حديث: (لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله).