الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«عن أُمِّ قيسٍ بنتِ مِحْصَنٍ أنَّها أَتَتْ بابنٍ لها صغيرٍ، لم يأكُلِ الطَّعامَ، إلى رسولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فأَجْلَسَهُ رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- في حَجْرِهِ، فبالَ على ثوبِهِ، فدَعا بماءٍ، فَنَضَحَهُ، ولم يَغْسِلْهُ».


رواه البخاري برقم: (223) واللفظ له، ومسلم برقم: (287)، من حديث أُم قيس بنت محصن -رضي الله عنها-.
وفي رواية للبخاري برقم: (6355) واللفظ له، ومسلم برقم: (286) من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يُؤْتَى بالصِّبيانِ فيدعو لهم، فأُتِيَ بصبِيٍّ فبالَ على ثوبِهِ، فدعا بماءٍ فأَتْبعهُ إيَّاهُ، ولم يَغْسِلْهُ».


غريب الحديث


«حَجْرِهِ»:
وحِجْرُ الإنسان وحَجْرُهُ: ما بين يدَيْهِ من ثَوْبه. المحكم، لابن سيده(3/ 68).

«فَنَضَحَهُ»:
أصلُ النَّضْحِ: الرَّشْح. النهاية، لابن الأثير (5/ 70).


شرح الحديث


قال ابن بطال -رحمه الله-:
قال جماعة من العلماء: حديث عائشة وحديث أم قيس أصلٌ في غسل البول من الثياب والجسد، وغيرهما. شرح صحيح البخاري (1/ 334).

قوله: «عن أُمِّ قيسٍ بنتِ مِحْصَنٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«عن أُم قيس» من المهاجرات «بنت مِحْصَن» بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة، وفتح الصاد، بعدها نون، أخت عكاشة بن محصن الأسدي، أسلمت بمكة قديمًا، وبايعت النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهاجرت إلى المدينة. مرقاة المفاتيح المصابيح (2/ 464).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
اسْمهَا آمِنَة، وَقيل: جُذامة. فتح الباري (1/ 254).

قولها: «أنَّها أَتَتْ بابنٍ لها صغيرٍ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
مات ابنها في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو صغير، كما رواه النسائي، ولم أقف على تسميته. فتح الباري(1/ 326).
وقال العيني -رحمه الله-:
قولها: «بابن لها» الابن لا يطلق إلا على الذكر بخلاف الولد، قوله: «صغير» هو ضد الكبير، ولكن المراد منه الرضيع. عمدة القاري (3/ 132).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
واستفيد من قولها: بـ«ابن»: أنَّ الأنثى يغسل من بولها مطلقًا. فتح الإله (2/376).

قولها: «لم يأكُلِ الطَّعامَ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
قوله: «لم يأكل الطعام» لعدم قدرته على مضغه، ودفعه لمعدته. إرشاد الساري (1/ 292).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «لم يأكل الطعام» هو في موضع خفض صفة لـ«ابن»، والطعام: ما يؤكل اقتياتًا، فيخرج ما يحنَّك به عند الولادة، وربما خُص الطعام بالبُر، كما في حديث أبي سعيد في الفطرة، ومعنى: لم يأكله: لم يستغنِ به، ويصير له غذاءً عوضًا عن الإرضاع، لا أنَّه لم يدخل جوفه شيء قط، فإنَّ الصحابة كانوا يأتون بأبنائهم ليدعو لهم. التوضيح (4/ 410).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «لم يأكل الطعام» المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه، والتمر الذي يُحنَّك به، والعسل الذي يَلْعَقه للمداواة وغيرها، فكان المراد: أنَّه لم يحصل له الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال، هذا مقتضى كلام النووي في شرح مسلم، وشرح المهذب، وأطلق في الروضة تبعًا لأصلها: أنَّه لم يطعم ولم يشرب غير اللبن، وقال في نُكت التنبيه: المراد أنه لم يأكل غير اللبن، وغير ما يُحنَّك به، وما أشبهه، وحمل الموفق الحموي في شرح التنبيه قوله: «لم يأكل» على ظاهره، فقال: معناه: لم يستقل بجعل الطعام في فيه، والأول أظهر، وبه جزم الموفق ابن قدامة وغيره، وقال ابن التين: يحتمل أنَّها أرادت: أنَّه لم يتقوَّت بالطعام، ولم يستغن به عن الرضاع، ويحتمل أنَّها إنما جاءت به عند ولادته؛ ليحنكه -صلى الله عليه وسلم-، فيحمل النفي على عمومه. فتح الباري (1/ 326).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
اُستُفيد من قولها: «صغيرًا، لم يأكل الطعام» أنَّه متى فات قيد الصِّغَر وجب الغسل، وفواته ببلوغ الصبي سنتين.
قال الشافعي -رحمه الله-: لأنَّ الرضاع حينئذٍ بمنزلة أكل الطعام، وأنَّه متى أكل الطعام وجب الغسل أيضًا، والمراد أنْ يدخل جوفه شيء غير اللبن الذي بِبِزِّ (ثدي) أمه، أو نحو شاة؛ لأجل التغذي، سواء استغنى به عن اللبن أم لا، على المعتمد، بخلافه لأجل سُنة التحنيك، أو لأجل التبرك، أو الدواء والإصلاح، وبخلاف اللبن من أمه أو غيرها ولو نجسًا، فإنَّه لا يمنع إجزاء الرش. فتح الإله (2/376).

قولها: «إلى رسولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال النووي -رحمه الله-:
فيه: استحباب تحنيك المولود. المنهاج شرح مسلم (3/ 194-195).

قولها: «فأَجْلَسَهُ رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- في حَجْرِهِ»:
قال الشيخ الشنقيطي -رحمه الله-:
قولها: «فأجلسه» الفاء في هذه الجُمل كلها عاطفة، أي: أَجْلَسَ النبي -صلى الله عليه وسلم- الصبي المذكور. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (3/ 756).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فأجلسه» أي: وضعه إنْ قلنا: إنه كان لما ولد، ويحتمل أنْ يكون الجلوس حصل منه على العادة إنْ قلنا: كان في سن مَن يحبو، كما في قصة الحسن. فتح الباري (1/ 326).
وقال الشيخ الشنقيطي -رحمه الله-:
«في حجره» الحِجْر: بكسر الحاء، وتُفتح (لغتان مشهورتان): مقدَّم بدن الإنسان إذا جلس، وهو مشترك بين عدة معان (وذكر بعضها). شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (3/ 756).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«في حَجْرِه» أي: قدَّامَه. شرح المصابيح (1/ 317).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«في حَجْرِه» بفتح الحاء وكسْرهَا لُغَتَان مَشهورتان الفتح أشهر.
وفيه: فضيلة التواضع، وحُسن المعَاشرة مع النساء والرجال، والرفق بالأطفال ونحوهم ممن لا تمييز له. شرح سنن أبي داود (3/ 47).

قولها: «فبالَ على ثوبِهِ»:
قال الشيخ الشنقيطي -رحمه الله-:
قولها: «فبال» أي: الصبي «على ثوبه» أي: ثوب النبي -صلى الله عليه وسلم-. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (3/ 756).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قولها: «على ثوبه» أي: ثوب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأغرب ابن شعبان من المالكية، فقال: المراد به ثوب الصبي، والصواب الأول. فتح الباري (1/ 326-327).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
واستُفيد من قولها: «فبال» اختصاص إجزاء الرش بالبول؛ لأنَّه الذي يعم الابتلاء به، بخلاف الغائط، ونحوه.
فإنْ قلتَ: والقيء يعم الابتلاء به أيضًا، قلتُ: ممنوع، بل هو أندر من التغوط، كما لا يخفى. فتح الإله (2/376).

قولها: «فدعا بماءٍ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«فدعا بماء» أي: طلبه. شرح المصابيح (1/ 318).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«فدعا» -صلى الله عليه وسلم- «بماء» أي: فجيء به. كشف اللثام (1/ 312).

قولها: «فَنَضَحَهُ» وفي رواية: «فَأَتْبَعَهُ إيَّاهُ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فنضحه» ولمسلم من طريق الليث عن ابن شهاب: «فلم يزد على أنْ نضح بالماء» وله من طريق ابن عيينة عن ابن شهاب: «فَرَشَّه» زاد أبو عوانة في صحيحه «عليه» ولا تخالف بين الروايتين -أي: بين نَضَحَ ورَشَّ-؛ لأنَّ المراد به أنَّ الابتداء كان بالرش وهو تنقيط الماء، وانتهى إلى النضح، وهو صب الماء، ويؤيده رواية مسلم في حديث عائشة من طريق جرير عن هشام: «فدعا بماء فصبَّه عليه» ولأبي عوانة: «فصبَّه على البول يُتْبِعه إياه». فتح الباري (1/ 327).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«فنضحه» أي: نضحَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- البولَ الذي وقعَ من الصبي على ثوبه، والنضحُ: الرشُّ، وهو أنْ يغمره بالماء. كشف اللثام (1/ 312).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«النَّضْحُ» رش الماء على الشيء، ولا يبلغ الغسل. التحبير (7/ 61).
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«فنضحه» أي: أسألَ الماء على ثوبه حتَّى غلبَ عليه. شرح المصابيح (1/ 318).
وقال السندي -رحمه الله-:
قولها: «فنضحه» مَن يرى وجوب الغسل يحمله على الغسل الخفيف، ويحمل قوله: «ولم يغسله» على أنَّه لم يبالغ في غسله، والله تعالى أعلم. فتح الودود (1/ 251-252).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فأَتْبَعَه إياه» أي: فأَتْبَعَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- البول الذي على الثوب الماء؛ وذلك بصبه عليه. عمدة القاري (3/ 129).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
يُنضح بول الغلام ما لم يطعم، ويغسل بول الجارية، وليس ذلك من أجل أنَّ بول الغلام ليس بنجس؛ ولكنه من أجل التخفيف الذي وقع في إزالته. معالم السنن (1/ 116).

قولها: «ولم يَغْسِلْهُ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ولم يغسله» ادَّعى الأصيلي أنَّ هذه الجملة من كلام ابن شهاب راوي الحديث، وأنَّ المرفوع انتهى عند قوله: «فنضحه» قال: وكذلك روى معمر عن ابن شهاب، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة، قال: «فرَشَّهُ» لم يزد على ذلك، انتهى.
وليس في سياق معمر ما يدل على ما ادعاه من الإدراج، وقد أخرجه عبد الرزاق عنه بنحو سياق مالك، لكنه لم يقل: «ولم يغسله» وقد قالها مع مالك الليث وعمرو بن الحارث ويونس بن يزيد كلهم عن ابن شهاب، أخرجه ابن خزيمة والإسماعيلي وغيرهما من طريق ابن وهب عنهم، وهو لمسلم عن يونس وحده، نعم زاد معمر في روايته قال: قال ابن شهاب: "فمضت السُّنة أنْ يُرش بول الصبي، ويُغسل بول الجارية"، فلو كانت هذه الزيادة هي التي زادها مالك ومن تبعه لأمكن دعوى الإدراج، لكنها غيرها، فلا إدراج، وأما ما ذكره عن ابن أبي شيبة فلا اختصاص له بذلك؛ فإن ذلك لفظ رواية ابن عيينة عن ابن شهاب، وقد ذكرناها عن مسلم وغيره، وبيَّنا أنها غير مخالفة لرواية مالك، والله أعلم. فتح الباري (1/ 327).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قوله في هذا الحديث: «ولم يغسله» تريد ولم يَفْرُكه ويقرصه بالماء، وقال بعض شيوخنا: قوله في هذا الحديث: «ولم يغسله» ليس في الحديث، وزعم أنَّ آخر الحديث: «فنضحه».
ولا يتبين عندي ما قاله؛ لصحة رواية مالك هذه، وقد قال فيها: «ولم يغسله» نسقًا واحدًا، وكذلك رواية ابن جريج عن ابن شهاب في هذا الحديث قال فيه: «ولم يغسله» كما قال مالك، ورواه عبد الرزاق عن ابن عيينة وابن جريج كذلك أيضًا، وذكره ابن أبي شيبة عن ابن عيينة عن الزهري بإسناده قال فيه: «فدعا بماء فرشه، ولم يزد» وقال فيه معمر: «فنضحه ولم يزد». الاستذكار (1/ 355-356).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«ولم يغسله» -صلى الله عليه وسلم- الغسلَ المعهود، بل اكتفى برشِّ الماء عليه، بحيثُ غمرَ الماءُ المحلَّ الذي أصابه بولُ الغلام. كشف اللثام (1/ 312).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ولم يغسِلْه» أي: لم يبالغ في الغَسْل بالرش والدَّلْك؛ لانعدام عُفونة بوله. شرح المصابيح (1/ 318).
وقال الشيخ الشنقيطي -رحمه الله-:
قولها: «لم يغسله» أي: لم يعركه...، وهذا يدل على أنَّ صب الماء على النجاسة بِعَرْكٍ أو بدون عَرْكٍ تطهير لها، كما تقدَّم في بول الأعرابي، لكن ينبغي أنْ يُقيَّد بالنجاسة الخفيفة التي لا تتوقف إزالتها على العرك والحك كالدم ونحوه. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (3/ 757).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وهذان الحديثان معناهما واحد، وهو صب الماء على البول؛ لأنَّ قوله في حديث هشام: «فأتبعه إياه» وقوله في حديث ابن شهاب: «فنضحه» سواء، والنضح في هذا الموضع صب الماء، وهو معروف في اللسان العربي، بدليل قوله -عليه السلام-: «إني لأعرف قرية ينضح البحر بناحيتها -أو قال: بحائطها أو سورها- لو جاءهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر» وفي حديث آخر: «إني لأعلم أرضًا يقال لها: عمان ينضح بناحيتها البحر بها حي من المغرب لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر»، وقد يكون النضح أيضًا في اللسان العربي: الرش، هذا وذاك معروفان في اللسان، ففي هذين الحديثين ما يدل على صب الماء على بول الصبي من غير عرك ولا فرك، وقد يُسمَّى الصب غسلًا بدليل قول العرب: "غسلتني السماء". الاستذكار (1/ 356).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
واستُفيد من قولها: «ولم يغسله» أنَّ النضح قد يُطلق على الغُسل؛ وذلك غير مراد هنا، وعلى ما يغاير الغسل، وهو المراد هنا. فتح الإله (2/376).
وقال النووي -رحمه الله-:
قد اختلف العلماء في كيفية طهارة بول الصبي والجارية على ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا (الشافعية):
الصحيح المشهور المختار: أنَّه يكفي النضح في بول الصبي، ولا يكفي في بول الجارية، بل لا بد من غسله كسائر النجاسات.
والثاني: أنه يكفي النضح فيهما.
والثالث: لا يكفي النضح فيهما، وهذان الوجهان حكاهما صاحب التتمة (المتولي) من أصحابنا وغيره، وهما شاذان ضعيفان، وممن قال بالفرق: علي بن أبي طالب وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وجماعة من السلف وأصحاب الحديث، وابن وهب من أصحاب مالك -رضى الله عنهم- وروي عن أبي حنيفة.
وممن قال بوجوب غسلهما: أبو حنيفة ومالك في المشهور عنهما وأهل الكوفة.
واعلم أن هذا الخلاف إنما هو في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه الصبي، ولا خلاف في نجاسته، وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي، وأنه لم يخالف فيه إلا داود الظاهري، قال الخطابي وغيره: وليس تجويز مَن جوز النضح في الصبي من أجل أن بوله ليس بنجس؛ ولكنه من أجل التخفيف في إزالته، فهذا هو الصواب.
وأما ما حكاه أبو الحسن ابن بطال، ثم القاضي عياض عن الشافعي وغيره: أنَّهم قالوا: بول الصبي طاهر فيُنضح، فحكاية باطلة قطعًا.
وأما حقيقة النضح هنا: فقد اختلف أصحابنا فيها، فذهب الشيخ أبو محمد الجويني والقاضي حسين (المروروذي) والبغوي إلى أنَّ معناه: أنَّ الشيء الذي أصابه البول يغمر بالماء كسائر النجاسات، بحيث لو عُصر لا يعصر، قالوا: وإنما يخالف هذا غيره في أن غيره يشترط عصره على أحد الوجهين، وهذا لا يشترط بالاتفاق، وذهب إمام الحرمين والمحققون إلى أن النضح أن يُغمر ويكاثَر بالماء مكاثرة لا يبلغ جريان الماء وتردُّدَه وتَقَاطُرَه، بخلاف المكاثرة في غيره، فإنه يشترط فيها أن تكون بحيث يجري بعض الماء ويتقاطر من المحل، وإن لم يشترط عصره، وهذا هو الصحيح المختار، ويدل عليه قولها: «فنضحه ولم يغسله» وقوله: «فرشَّه» أي: نضحه، والله أعلم.
ثم إنَّ النضح إنَّما يجزي ما دام الصبي يقتصر به على الرضاع، أما إذا أكل الطعام على جهة التغذية فإنه يجب الغسل بلا خلاف، والله أعلم. المنهاج شرح مسلم (3/ 195).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أثبت الطحاوي الخلاف، فقال: قال قوم: بطهارة بول الصبي قبل الطعام، وكذا جزم به ابن عبد البر وابن بطال، ومَن تبعهما عن الشافعي وأحمد وغيرهما، ولم يعرف ذلك الشافعية، ولا الحنابلة، وقال النووي: هذه حكاية باطلة، انتهى، وكأنهم أخذوا ذلك من طريق اللازم، وأصحاب صاحب المذهب أعلم بمراده من غيرهم، والله أعلم. فتح الباري (1/ 327-328).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
فائدة: اختلف العلماء في السبب الذي أوجب التفريق بين بول الغلام وبول الجارية، وتلمَّس كل منهم حكمة صارت -في نظره- الفارقة المناسبة، وأحسن هذه التلمسات، أحد أمرين.
الأول: أنَّ الغلام عنده حرارة غريزية زائدة على حرارة الجارية، تَطبخ الطعام، وتُلطِّف الفضلات الخارجة، ومع هذه الحرارة الزائدة كون طعام الطفل لطيفًا؛ لأنه لبن، والجارية ليس لديها الحرارة الملطفة، ويؤيد هذا تقييد نضح النجاسة بعدم أكل الطعام إلا اللبن.
والثاني: أنَّ الغلام -عادة- أرغب إلى الناس من الجارية، فيكثر حمله ونقله، وتُباشَر نجاسته، مما يسبب المشقة والحرج، فسُومِح بتخفيف نجاسته، ويؤيده ما يُعرف عن الشريعة من السماح والتيسير، والقاعد العامة تقول: "المشقة تجلب التيسير"، على أنَّ بعض العلماء جعلوه من المسائل التعبدية، التي لا تُعقل حكمتها، والله أعلم بمراده. تيسير العلام (ص: 56-57).
وقال الرافعي الشافعي -رحمه الله-:
واعلم أنه لا بد من أن يصيب الماءُ جميع موضع البول، ثم لإيراده ثلاث درجات:
إحداها: النضح المجرد.
الثانية: النضح مع الغلبة والمكاثَرة.
الثالث: أنْ ينضمَّ إلى ذلك الجريان والسيلان، ولا حاجة في الرش إلى الدرجة الثالثة.
وهل يحتاج إلى الثانية؟ فيه وجهان: أظهرهما نعم، والرش والغسل يفترقان في أمر السيلان والتقاطر. الشرح الكبير (1/ 253-259).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: الندب إلى حسن المعاشرة، واللين والتواضع، والرفق بالصغار وغيرهم.
وفيه: مقصود الباب، وهو أنَّ بول الصبي يكفي فيه النضح. المنهاج شرح مسلم (3/ 194-195).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

أمره -صلى الله عليه وسلم- في نضح بول الغلام وغسل بول الجارية متى يكون هذا ؟ 

- فتوى الشيخ ابن باز -رحمه الله- في نقض الوضوء ببول الصبي.


إبلاغ عن خطأ