«المُؤمنُ الذي يُخالِطُ الناسَ ويَصبِرُ على أذاهُم، أعظمُ أجرًا من الذي لا يُخالِطُهم ولا يَصبِرُ على أذاهُم».
رواه أحمد برقم: (23098) وابن ماجه برقم: (4032)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
ورواه الترمذي برقم: (2507) بلفظ: «المسلم إذا كان يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» عن شيخ من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-.
قال الترمذي: "قال ابن أبي عَدي: كان شُعبة يرى أنه -الشيخ الراوي- ابن عمر".
صحيح الجامع برقم: (6651)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (939).
غريب الحديث
«يُخَالِطُ»:
خالط الشيءَ الشيءُ مخالطة وخلاطًا: مازَجَه. المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده (5/ 114).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
أصل الخَلط: تَدَاخُل أجزاء الشَّيء بعضها في بعض. تاج العروس(19/ 258).
شرح الحديث
قوله: «المؤمنُ الذي يُخَالِطُ الناس ويصبرُ على أذاهم»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «ويصبر على أذاهم» لأنَّ غالب المخالطة تجلب الأذية على من خالطهم. التحبير لإيضاح معاني التيسير (6/ 385).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«ويصبر على أذاهم» الحاصل له منهم. السراج المنير (4/ 340).
وقال عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«يخالط الناس» أي: يساكنهم ويقيم فيهم «ويصبر على أذاهم» أي: على ما يصل إليه منهم من الأذى، والحديث دليل لمن قال: إن الخلطة أفضل من العزلة. تحفة الأحوذي (7/ 177).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
ولما كانت مخالطة الخلق في إجماع على الصبر على أذاهم أفضل من تركهم، كان احتمال مداراة الخلق، الصبر على تباين أخلاقهم، وعسر أخلاقهم، وبُعْد من يَبْعُد عن الحق منهم، مِن جملة مقامات الجهاد في سبيل الله، فلأجل ذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم»؛ فكان ذلك من الإيمان. الإفصاح (6/ 402- 403).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
فيه: فضيلة الخلطة على العزلة، وذلك مما يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وأهلهما مع الشروط المعتبرة في آداب الصحبة. مرقاة المفاتيح (8/ 3180).
وقال المناوي -رحمه الله-:
ومن ثم عدُّوا مِن أعظم أنواع الصبر: الصبر على مخالطة الناس وتحمل أذاهم، واعلم أن الله لم يسلطهم عليك إلا لذنب صدر منك فاستغفر الله من ذنبك، واعلم أن ذلك عقوبة منه تعالى، وكن فيما بينهم سميعًا لحقِّهم، أصمَّ عن باطلهم، نَطُوقًا بمحاسنهم صموتًا عن مساوئهم، لكن احذر مخالطةَ مُتَفَقِّهَةِ الزمان ذكره الغزالي.
وقال الذهبي في الزهد: مخالطة الناس إذا كانت شرعية فهي من العبادة، وغاية ما في العزلة التعبد، فمن خالطهم بحيث اشتغل بهم عن الله وعن السنن الشرعية فذا بطَّال فليُفر منهم، واستدل به البعض على أن حجَّ التطوع أفضل من صدقة النفل؛ لأن الحج يحتاج لمخالطة الناس. فيض القدير (6/ 255).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على آذاهم» يخالطهم يعني: يذهب معهم، ويجيء معهم، ويجلس إليهم، ويتكلم معهم، وضده من لا يخالط الناس وهو المعتزل للناس، يقول -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «ويصبر على أذاهُم» لأن الإنسان الذي يخالط الناس لا بد من أذية، لا بد أن يسمع كلامًا يؤذيه، لا بد أن يرى فعلاً يؤذيه، لا بد أن يُهان، المهم هذا شيء معروف، لكن يصبر على أذاهم ويصابر، ويقول: الذي لا يأتي اليوم يأتي غدًا، ويستحضر دائمًا قول الله -عز وجل-: {خُذِ الْعَفْوَ} الأعراف: 199. هذه الآية اجعلها دائمًا أمامك في معاملة الناس لك {خُذِ الْعَفْوَ} أي: ما عفا وسهل فخذه، وما لا فلا تهتم به؛ ولهذا قال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} الأعراف: 199. فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (6/ 455).
قوله: «أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «لا يخالط الناس» أي: يساكنهم ويعاملهم، والحديث يدل على أن المخالط الصابر خير من المعتزل. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (2/ 493).
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«ولا يصبر على أذاهُم» هذا الحديث يدل على أفضلية الصحبة من العزلة، وجاء في فضل العزلة أيضًا أخبار وآثار، وفيه تفضيلٌ ذَكَرَه القوم في كتبهم. لمعات التنقيح (8/ 332).
وقال المغربي -رحمه الله-:
الحديث فيه: دلالة على فضيلة الصبر والعفو عن المظالم وكظم الغيظ، وهذه الخصال إنما تكون مع من يخالط النَّاس، ويَقِلُّ حصولها مع من لا يخالط. البدر التمام (10/ 379).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وقد اعتزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قومه قريشًا لما جَفوه وآذوه فدخل الشِّعْبَ، وأمر أصحابه باعتزالهم والهجرة إلى أرض الحبشة، ثم تحول إلى المدينة مهاجرًا حتى تلاحق به أصحابه وتوافوا بها معه، فأعلى الله كلمته وتولى إعزازه ونصرته -صلى الله عليه وسلم-، والعزلة عند الفتنة سُنة الأنبياء وعصمة الأولياء وسيرة الحكماء الألبَّاء والأولياء، فلا أعلم لمن عابها عذرًا لا سيما في هذا الزمان القليل خيره، البَكِيء (القليل) دَرُّه، وبالله نستعيذ من شره وريبه. العزلة (ص: 8).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فللعزلة وقت تجب فيه، ووقت تستحبُّ فيه، ووقت تباح فيه، ووقت تكره فيه، ووقت تَحرُم فيه. مدارج السالكين (4/ 216).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه: أفضلية مَن يخالط الناس مخالطة يأمرهم فيها بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحسن معاملتهم؛ فإنه أفضل من الذي يعتزلهم ولا يصبر على المخالطة، والأحوال تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان، ولكل حال مقال، ومن رجَّح العزلة فله على فضلها أدلة. سبل السلام (2/ 697).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والإنصاف أن الترجيح يختلف باختلاف الناس، فقد تكون العزلة لشخص أفضل والخلطة لآخر أفضل، فالقلب المستعد للإقبال على الله، المنتهي لاستغراقه في شهود الحضرة العزلة له أولى، والعالِم بدقائق الحلال والحرام مخالطته للناس؛ ليعلمهم وينصحهم في دينهم أولى. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 454).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أما العُزلة فأصح الأقوال فيها: أنها إذا كانت دفاعًا عن الدِّين فهي خير. فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (6/ 343).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
ثم إن المؤمن الذي يخالط الناس يعرف الناس ويعرف أحوالهم ويعرف ما أخطؤوا فيه، فيحاول أن يعدِّله، ويعرف مشاكل الناس، ويحاول أن يحلها، فمخالطة الناس فيها خير، وربما يستغني عن مخالطة الناس بتوكيل وتعميد مَن يخالط الناس ويخبره بأحوالهم؛ حتى يكون على بصيرة من الأمر ويستطيع أن يعالج مشاكل الناس. فتح ذي الجلال (6/ 455).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
ففي هذا الحديث ضد ما في الحديث الأول، فكان جوابنا له في ذلك: أنه لا تضاد في هذا الحديث، وفي الحديث الأول؛ لأن الذي في الحديث الأول من قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «خير الناس منزلًا: رجل آخذٌ بعِنَانِ فرسه في سبيل الله حتى يُقتل أو يموت» خرج مخرج العموم، والمراد به الخصوص، وهو من خير الناس؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- قد ذكر غيره بمثل ذلك، فقال: «خير الناس من طال عمره، وحسن عمله» وقال: «خياركم من تعلم القرآن وعلَّمه» وكان ذلك لإطلاق اللغة إياه، ولاستعمال العرب مثله، فيذكر بالعموم ما يريد به الخصوص، حتى جاء بذلك كتاب الله في قصة صاحبة سبأ: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} النمل: 23، ولم تؤت من شيء مما أوتيه سليمان -صلوات الله عليه- من الأشياء التي خصَّه الله بها دون الناس، فمثل ذلك ما في هذا الحديث مما قد جاء بالعموم هو على الخصوص؛ لما قد دلَّ عليه مما قد ذكرنا، وكان قوله -صلى الله عليه وسلم- فيه: «ألا أخبركم بالذي يَلِيه» هو على مثل ذلك أيضًا من ذكره إياه أنه: خير أهل المنزلة التي هو من أهلها، يحتمل أن يكون على أنه من خير أهل تلك المنزلة، وإذا جاز ذلك في التخصيص من أهل المنزلة التي هو منها، جاز أن تكون المنزلة التي هو منها بينها وبين المنزلة المذكورة قبلها منزلة أخرى؛ إذ لعلها فوق المنزلة التي هي قبلها أيضًا على ما ذكر في الحديث المذكور فيه، فيكون مَن يخالط الناس من المؤمنين، ويصبر على أذاهم، أفضل ممن لا يخالطهم، ولا يصبر على أذاهم باعتزاله شرورهم، وانقطاعه عنهم فيما ذكر انقطاعه عنهم فيه. وقد روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي ذر الذي قد رويناه فيما تقدم من كتابنا هذا في الثلاثة الذين يحبهم الله، فذكر فيهم رجلًا له جار يؤذيه، فيصبر على أذاه، ويحتسبه حتى يفرج الله له منه، إما بموت، وإما بغيره، وإذا كان مَن هذه سبيله من محبة الله -عز وجل- إياه على ما هو عليه منها، وإنما هو في صبره على إيذاء رجل واحد كان مَن بَذَلَ نفسه للناس، وخالطهم، وصبر على أذاهم، واحتسبه بذلك أولى، وبالزيادة من الله تعالى له فيه أحرى.
وقد يحتمل أن يكون الذي أريد بالتفضيل في ترك مخالطة الناس أريد به وقتٌ من الأوقات، ولم يُرد به كل الأوقات، ويكون الوقت الذي أريد به هو الوقت المذكور في حديث أبي ثعلبة الخشني مما ذكر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جوابًا له عند سؤاله إياه عن المراد بقول الله -عز وجل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } المائدة: 105، فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شُحًّا مُطاعًا، وهوى متَّبَعًا، ودُنيًا مُؤْثَرَةً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرًا لا بد لك منه، فعليك أمر نفسك، وإياك أمر العوام؛ فإن مِن ورائكم أيام الصبر، صَبْرٌ فيهن على مثل قَبْضٍ على الجمر، للعامل يومئذ منكم كأجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله». وقد ذكرنا هذا الحديث بأسانيده فيما تقدم منا في كتابنا هذا، فيكون اعتزال الناس في ذلك الزمان أفضل من مخالطتهم، ونعوذ بالله من ذلك الزمان، ويكون ما سواه من الأزمنة بخلافه، ويكون المراد بتفضيل مخالطة الناس فيه على ترك مخالطتهم هو ذلك الزمان؛ حتى لا يضاد شيء من هذين الحديثين اللذين ذكرنا شيئًا منهما. ومما قد روي عن ابن عباس حديثَه الذي ذكرناه في هذا الباب من وجه آخر. شرح مشكل الآثار (14/ 161).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
فإن للناس اختلافًا كثيرًا في العزلة والمخالطة وتفضيل إحداهما على الأخرى، ومع أن كل واحدة منهما لا تنفك عن غوائل تنفر عنها، وفوائد تدعو إليها، ومَيل أكثر العُبَّاد والزهاد إلى اختيار العزلة وتفضيلها على المخالطة...
أما المذاهب فقد اختُلف فيها وظهر هذا الاختلاف بين التابعين.
فذهب إلى اختيار العزلة وتفضيلها على المخالطة: سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم وداود الطائي وفضيل بن عياض وسليمان الخواص ويوسف بن أسباط وحذيفة المرعشي وبشر الحافي.
وقال أكثر التابعين باستحباب المخالطة واستكثار المعارف والإخوان والتآلف والتحبب إلى المؤمنين والاستعانة بهم في الدين؛ تعاونًا على البر والتقوى، ومال إلى هذا سعيد بن المسيب والشعبي وابن أبي ليلى وهشام بن عروة وابن شبرمة وشريح وشريك بن عبد الله وابن عيينة وابن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل وجماعة.
وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أفضل المجالس مجلسٌ في قعر بيتك لا تَرى ولا تُرى".
فهذه أقاويل المائلين إلى العزلة (ثم ذكر أقوال العلماء فيها وأطال في الاستدلال والفوائد ثم ختم بقول:) فلنرجع إلى المقصود فنقول: إذا عرفت فوائد العُزلة وغوائلها تحققت أن الحُكم عليها مطلقًا بالتفضيل نفيًا وإثباتًا خطأ، بل ينبغي أن ينظر إلى الشخص وحاله، وإلى الخليط وحاله وإلى الباعث على مخالطته، وإلى الفائت بسبب مخالطته من هذه الفوائد المذكورة، ويُقاس الفائت بالحاصل فعند ذلك يتبين الحق ويتضح الأفضل، وكلام الشافعي -رحمه الله- هو فصل الخطاب إذ قال: يا يونس، الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط.
فلذلك يجب الاعتدال في المخالطة والعزلة، ويختلف ذلك بالأحوال، وبملاحظة الفوائد والآفات يتبين الأفضل.
هذا هو الحق الصراح وكل ما ذكر سوى هذا فهو قاصر. إحياء علوم الدين (2/ 221- 242).