الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«‌لا ‌يزالُ ‌اللهُ ‌يَغْرِسُ في هذا الدِّينِ غَرْسًا يَسْتَعْمِلُهُمْ في طاعتِهِ».


رواه أحمد برقم: (17787)، وابن ماجه برقم: (8) واللفظ له، من حديث أبي عنبة الخولاني -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (7692)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2442).


شرح الحديث


قوله: «‌لا ‌يزالُ ‌اللهُ ‌يَغْرِسُ في هذا الدِّينِ غَرْسًا يستعملهم في طاعتِهِ»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «يَغْرِس» كـ يضرب، أو مِن أَغْرَسَ يقال: غَرَسَ الشجر وأَغْرَسَه: إذا أثبته في الأرض، والمراد: يُوجد «في» أهل «هذا الدين» ولذا «يستعمل» أهل الدين «في طاعته»، ولعل هذا هو المجدِّد للدِّين على رأس كل مائة سنة، ويحتمل أنه أعمّ فيشمل كل مَن يدعو الناس إلى إقامة دين الله وطاعته وسنة نبيه -صلوات الله وسلامه عليه- وعلى آله وأصحابه، «وغرسًا» بمعنى: مغروسًا. حاشيته على سنن ابن ماجه (1/ 8).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لا يزال الله يغرس»...وهو هنا كناية عن تثبيتهم على الحق، وتأييدهم بالحُجَج «في هذا الدين» أي: الإسلامي؛ لأنه المراد عند الإطلاق، كما نص الله -عز وجل- عليه في كتابه العزيز، حيث قال سبحانه: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} آل عمران: 19، وقال عز وجل: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} آل عمران: 85 الآية.
وقوله: «غرسًا» -بفتح، فسكون- منصوب على أنه مفعول به لقوله: «يغرس»، وهو بمعنى مفعول... والمراد هنا: القوم الذين يقيمهم الله تعالى لحفظ الدين، ويثبتهم بالإيمان واليقين «يستعملهم في طاعته» أي: ييسر لهم أسباب طاعته، وينير لهم الطريق إلى نيل عنايته ومرضاته. مشارق الأنوار الوهاجة (1/ 136).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«في هذا الدين» الإسلامي الحنيف «غرسًا» أي: شخصًا مغروسًا في أرحام الأمهات مولودًا منهم، «يستعملهم في طاعته» أي: يأمرهم بالعمل بطاعته والتمسك بسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، ويشجعهم عليها. مرشد ذوي الحجا والحاجة (1/ 73- 74).
وقال ابن بدران -رحمه الله-:
ومعناه: لا ‌يزال الله يوجِد في أهل هذا الدين ولدًا ينبته إنباتًا كما قال: {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} نوح: 17، وهذا الولد يستعمل أهل الدين في طاعته، أي: في طاعة الدين، والدّين إنما هو الإيمان بالغيب، وفعل ما عُطف عليه في هذه الآية. جواهر الأفكار (ص:59).
وقال ابن مفلح -رحمه الله-:
ونَقل نعيم بن طريف عنه (أي: عن الإمام أحمد) أنه قال في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يزال الله تعالى ‌يغرس غرسًا يشغلهم في طاعته» قال: هم أصحاب الحديث. الآداب الشرعية (1/ 211).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وغَرْسُ الله ‌هم ‌أهل ‌العلم ‌والعمل، ‌فلو ‌خَلَتْ ‌الأرض ‌مِن ‌عالِمٍ ‌خَلَتْ مِن غَرْسِ الله. مفتاح دار السعادة (1/ 144).
وقال الحكيم الترمذي -رحمه الله-:
فغَرْسُ الله محروس في الأحوال، ومحفوظ في الأصلاب والأرحام، ومراعَى في قطع الأسفار إليه يَكْلَؤُه ويرعاه، وهم رجاله في أرضه وأولياؤه والدعاة إليه، وغَرْسُ الله راسخ عُروقه في الأرض، باسق فروعه في الملكوت، غَرَسهم الله تعالى وأنبتهم وهو يجني ثمرتهم، وغَرَسهم أي: اجتباهم بمشيئته، وأنبتهم أي: راضَ نفوسهم وأدّبها وقوّم أخلاقها بتدبيره، وهو يجني ثمرتها أي: لما وصلوا إليه وقَبِلَهم ورتب لهم عنده في تلك الخلوات والمجالس وصاروا في قبضته، وهو الذي يستعملهم بطاعته وهو قوله -عليه السلام- فيما يحكي عن الله تعالى أنه قال: «إذا أحببتُ عبدي كنتُ سمعه وبصره ويده ورِجله، فبي يسمع وبي يُبصر وبي ببطش وبي ينطق»، ومن علامة أولئك: أنه يُخرجهم من بطون أمهاتهم أحرارًا من رقّ النفوس، قد طَبع نفوسهم على أخلاق الكرام من السخاوة والشجاعة والسماحة والحلم والتأني والنزاهة والصيانة، فهذا حرٌّ من رقّ النفس، ومَن كان ضدّ هذه الأشياء مثل البخل والضيق والمكر والعَجَلة وحِدَّة الشهوة والحرص والجُبْن فهو عبد نفسه، فإن رُزق تقوى احتاج إلى أن يجاهد نفسه حتى لا يستعجل أركانه بما يصير به عاصيًا، فهو وإن جاهد فهذه الأخلاق باطنه، وهو قول عيسى -عليه السلام- لبني إسرائيل: "فلا عبيد أتقياء ولا أحرار كرماء"، فالعبيد الأتقياء هؤلاء الذين فيهم هذه الأخلاق، فهم أتقياء يتقون الله أن يعصوه بجارحة وتتردد فيهم هذه الأخلاق، فإن عملوا بطاعة عملوها بكزازة نفس وجهد، والأحرار الكرماء قد عُوفُوا من هذه الأخلاق طبعًا، فإن انتهوا عما نهى الله تعالى عنه لم يحتاجوا إلى أن يحاربوا ويجاهدوا نفوسهم، وإن عملوا بطاعة عملوها تكرمًا وسماحة، فقلبه ليِّن مُنقاد ليس فيه كزازة حيث ما قاده مولاه في أموره انقاد من غير تلجلج، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تقولوا للعنب: كَرْم؛ إنما الكَرْم قلب المؤمن»، وإنما سُمي العنب كرمًا لأنه ليّن ينقاد حيث ما استقيد، فكذلك المؤمن قلبه ليّن رَطِبٌ بذكر الله -سبحانه وتعالى- ينقاد لله تعالى في أموره وأحكامه. نوادر الأصول (1/ 381- 383).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
1- منها: ما ترجم له المصنف (ابن ماجه) -رحمه الله تعالى-، وهو اتباع سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ووجه ذلك: أن هؤلاء الذين يغرسهم الله تعالى إنما حصل لهم فضل الغرس بسبب اتِّباعهم سُنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
2- ومنها: بيان مزية دين الإسلام؛ حيث تولى الله -عز وجل- حفظه بغرس أناس يقومون به حق القيام.
3- ومنها: بيان فضل هذه الأمَّة؛ حيث إن الله -عز وجل- يستعمل طائفة منها في حفظ هذا الدين إلى قيام الساعة، وقد وقاها الله -عز وجل- أن تجتمع على ضلالة.
4- ومنها: بيان عناية الله -سبحانه وتعالى- بعباده؛ حيث ييسر لهم أسباب الهداية، فهو الهادي إلى سواء السبيل، كما قال -عز وجل-: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} يونس: 25، وقال -سبحانه-: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} الآية الأنعام: 125، وقال تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} الآية الزمر: 22، وقال تعالى: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} الشورى: 13. مشارق الأنوار الوهاجة (1/ 137- 138).


إبلاغ عن خطأ