أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- قال في بولِ الغلامِ الرَّضِيعِ: «يُنْضَحُ بولُ الغلامِ، ويُغْسَلُ بولُ الجاريةِ» قال قتادةُ: «وهذا ما لم يَطْعَمَا، فإذا طَعِمَا غُسِلَا جميعًا».
رواه أحمد برقم: (1149)، وأبو داود برقم: (377)، والترمذي برقم: (610) واللفظ له، وابن ماجه برقم: (525)، من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
ورواه أبو داود برقم: (376)، والنسائي برقم: (304)، وابن ماجه برقم: (526)، من حديث أبي السَّمْح -رضي الله عنه- بلفظ: «يُغسلُ مِن بولِ الجاريةِ، ويُرَشُّ مِن بولِ الغلامِ».
صحيح الجامع برقم: (8172) ورقم: (8117)، صحيح أبي داود برقم: (402).
غريب الحديث
«الغُلَامِ»:
الابنُ الصَّغيرُ. المصباح المنير، للفيومي (2/ 452).
«الرَّضِيع»:
رَضِعَ أُمَّه، كسَمِع وضَرَب، رَضْعًا، ويُحَرَّكُ، ورَضاعًا ورَضاعةً، ويُكْسَرانِ، ورَضِعًا، ككتفٍ، فهو راضِعٌ...: امْتَصَّ ثَدْيَها. القاموس، للفيروز آبادي (ص: 722).
«يُنْضَحُ»:
نَضَحْتُ الثَّوبَ نَضْحًا، وهو الْبَلُّ بالماءِ، والرَّشُّ، ويُنْضَحُ مِن بولِ الغلامِ، أي: يُرَشُّ. المصباح المنير، للفيومي (2/ 609).
«الجاريةِ»:
جارية طفلة إذا كانت صغيرة. لسان العرب (11/ 403).
«يُرَشُّ»:
رَشَشْتُ الماءَ رَشًّا، ورَشَشْتُ الموضعَ بالماء، ورَشَّتْ السماء: أَمْطَرَتْ، وأَرَشَّتْ بالألف لغةٌ...، وقيلَ لِمَا يَتناثرُ من الماء ونحوه: رَشَاشٌ أيضًا. المصباح المنير، للفيومي (1/ 227).
شرح الحديث
قال البيهقي -رحمه الله-:
الأحاديث المسنَدة في الفَرْق بين بول الغلام والجارية في هذا الباب إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعضٍ قَوِيَت، وكأنَّها لم تثبت عند الشافعي -رحمه الله-، حين قال: ولا يتبيَّن لي في بول الصبي والجارية فَرْقٌ من السُّنة الثابتة، وإلى مثل ذلك ذهب البخاري ومسلم؛ حيث لم يُوْدِعَا شيئًا منها كتابَيهما، إلا أنَّ البخاري استحسن حديث أبي السَّمْح، وصوَّب هشامًا في رفع حديث عليٍّ، ومع ذلك فِعْل أم سلمة -رضي الله عنها- صحيحٌ عنها، مع ما سبق من الأحاديث الثابتة في الرَّش على بول الصبي. السنن الكبرى (2/ 583).
قوله: «أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- قال في بولِ الغلامِ الرَّضِيعِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال في بول الرضيع» الذي لم يطعم غير اللبن. مرشد ذوي الحجا والحاجة (4/ 193).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «في الرضيع» وهو اسم للمولود الذي يرضع. نخب الأفكار (2/ 244).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
وتطهير بول الذكر -أيّ ذكرٍ كان في أي شيء كان- فبِأَنْ يُرش الماء عليه رشًّا يزيل أثره، وبول الأنثى يُغسل، فإنْ كان البول في الأرض -أيَّ بول كان- فبِأَنْ يُصب الماء عليه صبًّا، يزيل أثره فقط. المحلى (1/ 113).
وقال الشوكاني -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
وقد شذَّ ابن حزم فقال: إنَّه يرش من بول الذكر أيّ ذكر كان، وهو إهمال للقيد الذي يجب حمل المطلق عليه، كما تقرر في الأصول، ورواية «الذَّكَر» مطلقة، وكذلك رواية «الغلام» فإنَّه كما قال في القاموس: لِمَنْ طرَّ شاربه، أو من حين يُولَد إلى أنْ يشِبَّ، وقد ثبت إطلاقه على مَن دخل في سنِّ الشيخوخة... قال الزمخشري في أساس البلاغة: إن الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإن قيل له بعد ذلك: غلام فهو مجاز. نيل الأوطار (1/ 67).
قوله: «يُنْضَحُ بولُ الغلامِ» وفي رواية: «ويُرَشُّ مِن بولِ الغلامِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يُنضح» أي: يُرش «بول الغلام» بلا سَيَلَان ماء. مرشد ذوي الحجا والحاجة (4/ 193).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما حقيقة النضح...: فقد اختلف أصحابنا فيها، فذهب الشيخ أبو محمد الجويني، والقاضي حسين (المروروذي) والبغوي إلى أنَّ معناه: أنَّ الشيء الذي أصابه البول يُغمَر بالماء كسائر النجاسات، بحيث لو عُصر لا يُعصر، قالوا: وإنَّما يخالف هذا غيره في أنَّ غيره يُشترط عصره على أحد الوجهين، وهذا لا يُشترط بالاتفاق، وذهب إمام الحرمين والمحققون إلى أنَّ النضح: أنْ يُغمَر ويُكاثر بالماء مكاثرة لا يبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره، بخلاف المكاثرة في غيره، فإنَّه يُشترط فيها أنْ يكون بحيث يجري بعض الماء، ويتقاطر من المحل، وإنْ لم يُشترط عصره، وهذا هو الصحيح المختار. المنهاج شرح مسلم (3/ 195).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
المراد من النضح: رشُّ الماء، بحيث يصل إلى جميع موارد البول، من غير جري، و"الغسل" إجراء الماء على موارده. تحفة الأبرار (1/ 214).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«يُنضح» أي: يُغسل خفيفًا بصب الماء عليه. بذل المجهود (2/ 608).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
النَّضْحُ: إصابةُ الماء للمَحَلِّ مع خِفَّة. شرح الإلمام (5/ 189).
وقال النووي -رحمه الله-:
ويُشترط في النَّضح إصابة الماء جميع موضع البول، وأنْ يغمره، ولا يشترط أن ينزل عنه. المجموع(2/ 589).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قال الطحاوي: النضح الوارد في بول الصبي المراد به الصَّبُّ؛ لما روى هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة قالت: «أُتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصبي، فبال عليه، فقال: صُبُّوا عليه الماء صبًّا» قال: فَعُلِمَ منه أنَّ حُكْم بول الغلام الغسل، إلا أنه يجزئ فيه الصب، يعني: ولا يحتاج إلى العصر، وحُكم بول الجارية أيضًا الغسل، إلا أنَّه لا يكفي فيه الصب؛ لأنَّ بول الغلام يكون في موضع واحد؛ لضيق مخرجه، وبول الجارية يتفرَّق في مواضع لِسِعَة مخرجها. مرقاة المفاتيح (2/ 466).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
وأفهم التعبير بالنضح تارة والرش أخرى أنَّ المراد بها هنا شيء واحد، مغاير للغسل، وهو أنْ يَغمر الماء موضع البول رشًّا، وإنْ لم يَسِلْ، ولا تَرَدَّد على المحل، ولا قَطَرَ منه؛ إذ لا يُشترط أنْ ينتهي إلى جريان الماء وسَيَلانه، واشتراط أبي محمد الجويني من أصحابنا (الشافعية) السيلان، زيَّفه ولده إمام الحرمين، وملازمة الغمر للسيلان إنَّما هي أغلبية، أو في بعض الْمَحال كالأواني، أما نحو الثوب فقد ينفك السيلان عن الغُسل. فتح الإله (2/383).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
إذا أصابه بول غلام فإنَّه يُرش، والمراد بالرش هنا: النضح، بحيث يصب عليه الماء، وإنْ لم يتقاطر، ويكفي أدنى شيء. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 154-155).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ويُرَشُّ من بول الغلام» بحيث يكون الماءُ أكثرَ منه، قيل في حَدِّه: ليكن الماء مثلَ البول. شرح المصابيح (1/ 320).
وقال النووي -رحمه الله-:
ثم إنَّ النضح إنَّما يجزي ما دام الصبي يقتصر به على الرضاع، أما إذا أكل الطعام على جهة التغذية، فإنه يجب الغسل بلا خلاف، والله أعلم. المنهاج شرح مسلم (3/ 195).
قوله: «ويُغْسَلُ بولُ الجاريةِ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«يغسل من بول الجارية» أي: الأنثى الصغيرة...، «يُغسل» يعني: البول، يعني: إذا أصاب الإنسانَ بول جارية فإنَّه يُغسل كما تُغسل سائر الأبوال. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 154-155).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ويُغسل بول الجارية» مع سيلان الماء. مرشد ذوي الحجا والحاجة (4/ 193).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«يُغسَلُ بولُ الجاريةِ» وغائطها مِن باب الأولى؛ لأنَّه أبلغ في النجاسَة. شرح سنن أبي داود (3/ 55).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يُغسل» غسلًا مبالَغًا بالدَّلْكِ والعَصْرِ «بول الجارية» والصبيَّة التي لم تأكل غير اللبن؛ كبول الكبيرة؛ لثخانة بولها. مرشد ذوي الحجا والحاجة (4/ 199).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
القياس أنْ لا فرق بين بول الغلام والجارية، كما أنَّه لا فرق بين بول الرجل والمرأة، إلا أنَّ هذه الآثار إنْ صحت ولم يعارضها عنه -صلى الله عليه وسلم- مثلها، وجب القول بها، إلا أنَّ رواية مَن روى الصب على بول الصبي، وإِتْبَاعِهِ الماء أصح وأولى، وأحسن شيء عندي في هذا الباب ما قالته أم سلمة: حدثني أحمد بن قاسم بن عيسى...، عن أم سلمة قالت: «بول الغلام يُصب عليه الماء صبًّا، وبول الجارية يُغسل، طَعِمَتْ أو لم تَطْعَم» وهذا حديث مفسِّر للأحاديث كلها، مستعمل لها، حاشا حديث المُحِلِّ بن خليفة (أي: حديث أبي السَّمْح) الذي ذكر فيه الرش، وهو حديث لا تقوم به حُجة، والمُحِلُّ ضعيف، وإذا صُب على بول الغلام، وغُسل بول الجارية، وقد علمنا أنَّ الصب قد يُسمَّى نضحًا، كان الفرق بين بول الغلام والجارية الرضيعين ما بين الصب والعرك تعبدًا، كان وجهًا حسنًا، وهو أولى ما قيل به في هذا الباب، على ما روي عن أم سلمة، وبالله التوفيق.
وقد كان الحسن البصري لصحة هذا الحديث عنده، وهو روايته، يعتمد عليه ويفتي به، روى حميد الطويل عن الحسن أنه قال في بول الصبية: "يُغسل غسلًا، وبول الصبي يُتبع بالماء" وهو أولى ما قيل به في هذا الباب، والله الموفق للصواب. التمهيد (9/ 111-112).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
اختلف العلماء في ذلك (أي: حكم بول الغلام والجارية قبل أنْ يَطْعَما) على ثلاثة مذاهب هي أوجه للشافعية:
أصحها: الاكتفاء بالنضح في بول الصبي لا الجارية، وهو قول عليٍّ وعطاء والحسن (البصري) والزهري وأحمد وإسحاق وابن وهب وغيرهم، ورواه الوليد بن مسلم عن مالك، وقال أصحابه: هي رواية شاذة.
والثاني: يكفي النضح فيهما، وهو مذهب الأوزاعي، وحكي عن مالك والشافعي، وخصص ابن العربي النقل في هذا بما إذا كانا لم يدخل أجوافهما شيء أصلًا.
والثالث: هما سواء في وجوب الغسل، وبه قال الحنفية والمالكية، قال ابن دقيق العيد: اتَّبعوا في ذلك القياس، وقالوا: المراد بقولها (أي: أم قيس بنت مِحْصَن): «ولم يغسله» أي: غسلًا مبالغًا فيه، وهو خلاف الظاهر، ويبعده ما ورد في الأحاديث الأخر، يعني: التي قدمناها مِن التفرقة بين بول الصبي والصبيَّة، فإنَّهم لا يفرقون بينهما...، واستدل به بعض المالكية على أنَّ الغسل لا بد فيه من أمر زائد على مجرد إيصال الماء إلى المحل، قلتُ: وهو مشكل عليهم؛ لأنهم يدَّعون أنَّ المراد بالنضح هنا الغسل. فتح الباري (1/327).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
وممن فرَّق بين بول الغلام وبول الجارية: أم سلمة أم المؤمنين وعلي بن أبي طالب، ولا مخالف لهما من الصحابة -رضي الله عنهم-، وبه يقول قتادة والزهري وقال: مضت السُّنة بذلك، وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وداود بن علي وابن وهب، وغيرهم، إلا أنه قد روي عن الحسن (البصري) وسفيان التسوية بين بول الغلام والجارية في الرش عليهما جميعًا.
وقال أبو حنيفة ومالك والحسن بن حي: يُغسل بول الصبي كبول الصبيَّة، وما نعلم لهم متعلَّقًا لا من قرآن، ولا من سنة، ولا من قول صاحب، نعم ولا عن أحد من التابعين، إلا أنَّ بعض المتأخرين ذكر ذلك عن النخعي، والمشهور عنه خلاف ذلك.
وقوله: عن سعيد بن المسيب: الرش من الرش، والصب من الصب من الأبوال كلها، وهذا نص خلاف قولهم، وبالله تعالى التوفيق. المحلى (1/ 114-115).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وظاهر الحديث يدل على الفرق بين بوله وبولها، وهو أنَّ بوله كالماء رِقَّة وبياضًا، وبولها: أصفر ثخين، وتكثر نجاسته بمخالطة رُطوبة فرجِها، وهي نجسة؛ ولأنَّ الذكور أقوى مزاجًا من الإناث، والرَّخاوة غالبة على أمزجتهن، فتكون الفضلات الخارجة منهن أشد احتياجًا إلى الغسل، وأيضًا مسَّت الحاجة إلى التخفيف في حق الصبيان؛ لأن العادة جرت بحملهم في المجالس دون الجواري. مرقاة المفاتيح (2/ 466-467).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قد تبيَّن ممّا سبق من ذِكرِ أقوالِ العلماء وأدلَّتهم أنَّ أرجحَ الأقوال هو القولُ بالفرقِ بين بولِ الغُلامِ والجارية؛ فيُرشُّ بولُه، ويُغسلُ بولُها، لقوَّةِ أدلَّته.
واحتجُّوا بحديثَي عائشةَ وأمِّ قيسٍ -رضي الله عنهما- المذكورين في الباب، وبما أخرجه أصحابُ السُّننِ إلَّا الترمذيَّ بإسنادٍ صحيحٍ، عن أبي السَّمْحِ -رضي الله عنه- قال: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «يُغسَلُ من بولِ الجارية، ويُرشُّ من بولِ الغُلام»…
فهذا الحديثُ الصحيحُ قد فرَّق بين الغُلامِ والجارية؛ فحكم بأنَّ بولَه يُرشُّ، وبولَها يُغسَلُ، فتبيَّن به أنَّ الفرقَ بين بولَيْهما هو الحقُّ، فتبصَّرْ، ولا تكن أسيرَ التقليد، واللهُ تعالى أعلمُ بالصواب.. البحر المحيط الثجاج (7/ 244-245).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
والحق فيه وفي مثله: التعبُّد والاتباع..، فالواجب على الفقيه أنْ يتَّبع أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث وجده، ولا يضرب له الأمثال. مرعاة المفاتيح (2/ 201).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
الفرق بين الصبي والصبيَّة من ثلاثة أوجه:
أحدها: كثرة حمل الرجال والنساء للذَّكَر، فتعم البلوى ببوله، فيشق عليه غسله.
والثاني: أنَّ بوله لا ينزل في مكان واحد، بل ينزل متفرقًا ها هنا وها هنا، فيشق غسل ما أصابه كله، بخلاف بول الأنثى.
الثالث: أنَّ بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر، وسببه حرارة الذكر، ورطوبة الأنثى؛ فالحرارة تخفف من نتن البول، وتذيب منها ما لا يحصل مع الرطوبة، وهذه معانٍ مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق. إعلام الموقعين (2/ 45-46).
وقال ابن ماجه -رحمه الله-:
قال أبو الحسن بن سلمة، حدثنا أحمد بن موسى بن معقل، قال: حدثنا أبو اليمان المصري، قال: سألتُ الشافعي عن حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يُرش من بول الغلام، ويُغسل مِن بول الجارية» والماءان جميعًا واحد؟ قال: لأنَّ بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم، ثم قال لي: فهمتَ؟ أو قال: لُقِّنتَ؟ قال، قلتُ: لا، قال: إنَّ الله تعالى لما خلق آدم خُلقت حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم، قال: قال لي: فهمتَ؟ قلتُ: نعم، قال لي: نفعك الله به. سننه (1/ 174).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال البغوي: وبول الخُنثى كبول الأنثى، من أي فَرْجَيه خرج. المجموع (2/ 589).
قوله: «قال قتادةُ: «وهذا ما لم يَطْعَمَا، فإذا طَعِمَا غُسِلَا جميعًا»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«قال قتادة» راويه. سبل السلام (1/ 52).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«زاد» أي: هشام في حديثه على حديث ابن أبي عروبة: «قال قتادة: هذا» أي: هذا الفَرْق في بول الجارية والغلام «ما» أي: ما دام «لم يطعما الطعام، فإذا طعما» أي: الطعام المعروف «غُسِلا جميعًا». بذل المجهود (2/ 609).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«هذا ما لم يَطْعَمَا» قيل: مَعناهُ: مَا لم يستغنيا بالأكل عن الرضاع؛ ولهذا قال: «ما لم يأكلا» ولم يَقل: ما لم يرضعا، «فإذا طَعِمَا» أي: أكلا غير اللبن على ما تقدم «غُسِلًا» أي: غُسلا من بَولهما «جميعًا»؛ لغلظ النجاسَة بأكل غير اللبَن. شرح سنن أبي داود (3/ 56).
وقال العظيم آبادي -رحمه الله-:
«زاد» هشام في روايته «قال قتادة: هذا» أي: الحكم المذكور، أي: النضح على بول الغلام، وغسل بول الجارية «ما لم يطعما» أي: الصبي والصبية «غُسلا»: بصيغة المجهول، أي: بولهما. عون المعبود (2/ 38).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «ما لم يطعم» أي: مدّة عدم تغذّي الغلام بالطعام، وهو غاية لكفاية رشّ بول الغلام، ومفهومه: أنَّه إذا تغذَّى بالطعام لا يكفي في بوله الرشّ، بل لا بدّ من الغسل. المنهل العذب المورود (3/ 254).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ليس المرادُ ألَّا يُطعِمَ شيئًا؛ لأنَّ هذا لو قلنا به لكان الصبيُّ في أيّامِه الأولى يمكن أنْ يمضغَ شيئًا، لكن المرادُ ألَّا يكونَ الطعامُ بدلًا من اللبن، أو هو الأكثرُ؛ فيتغذَّى بالطعام أكثرَ ممّا يتغذَّى باللبن.
أمّا إذا كان الطعامُ هو غذاءَه، فالأمرُ واسعٌ، وأمّا إذا كان هو الأكثرُ، بناءً على ما ذكره العلماءُ -رحمهم الله- من تغليبِ الأكثرِ على الأقلِّ في كثيرٍ من المسائل؛ يُغلَّبُ فيها الأكثرُ على الأقلِّ...
فهذا الصبيُّ إذا كان أكثرُ غذائِه الطعامَ حَكَمْنا بأنَّه يأكلُ الطعامَ، وإنْ شربَ لبنًا مرَّةً أو مرَّتَيْن في اليوم، فلا يُنضَح. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 155).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث: دليل على الفَرْق بين بول الغلام، وبول الجارية في الحكم؛ وذلك قبل أنْ يأكلا الطعام، كما قيَّده به الراوي، وقد روي مرفوعًا، أي: بالتقييد بالطعم لهما، وفي صحيح ابن حبان والمصنف (ابن حجر) لابن أبي شيبة عن ابن شهاب: «مضت السُّنة أنْ يرش بول من لم يأكل الطعام من الصبيان» والمراد ما لم يحصل لهم الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال، وقيل غير ذلك. سبل السلام (1/ 53).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله-:
من فوائد هذا الحديث: أننا فهمنا بذلك حكمة الشريعة، وتفريقها في الأمور على حسب ما يقتضيه الحال؛ سواء قلنا: إنَّ هذا الحكم تعبدي، أو إنه مُعلَّل؛ لأننا نعلم أنه لا يمكن التفريق إلا أنَّ هناك علة مؤثرة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنَّ العَذِرة من الغلام ومن الجارية على حدٍّ سواء؛ لأن التفريق إنما كان في البول فقط، فتبقى العَذِرة على ما هي عليه.
ومن فوائده أيضًا: أنه إذا كبر الغلام، ووصل إلى حدٍّ يتغذَّى بالطعام، أو يكون غذاؤه بالطعام أكثر، فإنَّ حكمه كالبالغ؛ يعني: لا بد مِن غسل بوله.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز التصريح بذكر البول «يغسل من بول الجارية، ويُرش من بول الغلام» وكثير من الناس إذا أراد أنْ يُعبِّر عن البول يقول: أطيِّر وهذه لغة عامية قصيمية، يقول صاحب الفروع -وقد كان من أكبر تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وأعلمهم بفقهيات شيخ الإسلام ابن تيمية حتى كان ابن القيم يرجع إليه في فقهيات شيخ الإسلام-: الأولى أنْ يقول: أبول، ولا يقول: أريق الماء؛ لأن هذا غلط، هل البول ماء؟ فكيف يقول ذلك؟ أريق الماء؟ إذا كان ماء فهو يُشرب، وفي إناء، لكن الآن هذا نجس، فقل: أبول، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام». فتح ذي الجلال والإكرام (1/156- 157).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
الحديث دليل على التفريق بين بول الغلام، وبول الجارية، وأنه يجب فيهما استعمال الماء، وإنَّما التفرقة في كيفية الاستعمال، وهو أنَّ بول الغلام يكفي رشه بالماء رشًّا يعم مكان البول، ولا يحتاج إلى غسل، ولا عَصر، وقد ورد في حديث أم قيس عند مسلم: «فدعا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بماء فنضحه على ثوبه، ولم يغسله غسلًا» وأما بول الجارية، فيغسل كغيره. منحة العلام (ص: 102).
ويُنظر فتوى اللجنة الدائمة في كيفية تطهير الملابس من بول الغلام والجارية والفرق بينهما.