الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«لَمَّا اشْتَكَى النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- ذَكَرَتْ بعضُ نسائِهِ كنيسةً رَأَيْنَهَا بأرضِ الحَبَشَةِ، يُقالُ لها: مَارِيَةُ، وكانتْ أُمُّ سَلَمَةَ وأُمّ حَبِيبَةَ -رضي اللَّه عنهما- أَتَتَا أرضَ الحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِن حُسْنِهَا، وتصاويرَ فيها، فَرَفَعَ رأسَهُ، فقال: أُولئكِ إذا ماتَ منهم الرَّجلُ الصَّالحُ بَنَوْا على قَبْرِهِ مسجدًا، ثم صَوَّرُوا فيه تلك الصُّورةَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ عندَ اللَّهِ».


رواه البخاري برقم: (1341) واللفظ له، ومسلم برقم: (528)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وزاد مسلم في آخره: «يومَ القيامةِ».


غريب الحديث


«اشْتَكَى»:
الشَّكْوُ والشَّكْوى والشَّكاةُ والشَّكاءُ: كُلُّه المَرَض. لسان العرب، لابن منظور (4/ 2314).

«كَنِيسَةً»:
الكَنِيسَةُ كسَفِينَةٍ: مُتَعَبَّدُ اليهودِ، والجمْع: الكَنَائسُ، وهي مُعَرَّبةٌ، أصلُها: كنشت، أو هي مُتَعَبَّدُ النَّصارى، كما هو قولُ الجوهرِيِّ، وخَطَّأَه الصّاغَانِيُّ، فقال: هو سَهْوٌ منه، إنَّما هي لليهودِ، والبيعةُ للنَّصارى، أو هي مُتَعَبَّدُ الكُفّارِ مُطلَقًا. تاج العروس، للزبيدي (16/ 453).

«مَارِية»:
مَارِيَةُ -بتخفيف الراء-:كنيسة بأرض الحَبَشَة. مطالع الأنوار (4/ 88).


شرح الحديث


قولها: «لمَّا اشْتَكَى النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«لما اشتكى» من الشَّكَاة، وهي المرض «النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-» بالرفع، فاعل «اشتكى» يعني: لما مرض مرضه الذي مات فيه. كشف اللثام (3/ 371).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«اشتكى»: مَرِضَ، وكان ذلك مرضه الذي مات فيه، وقد ابتدأ به المرض من أول ربيع الأول، سنة إحدى عشرة من الهجرة، وقيل: من آخر صفر. تنبيه الأفهام (ص: 373).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ومِن طريق هلال عن عروة بلفظ: «قال في مرضه الذي مات فيه» ولمسلم من حديث جُنْدُب: «أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال نحو ذلك قبل أنْ يُتوفَّى بخمسٍ»...
وفائدة التنصيص على زمن النهي: الإشارة إلى أنَّه مِن الأمر المحْكَم الذي لم يُنسخ؛ لكونه صدر في آخر حياته -صلى الله عليه وسلم-. فتح الباري (1/ 525).

قولها: «ذَكرتْ بعضُ نسائِهِ»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
«بعضُ نسائِهِ» أم سلمة وأم حبيبة؛ إذ ليس من أزواجه من هاجر إلى الحبشة غيرهما، وقد جاء في رواية أخرى صريح ذلك. الكوثر الجاري (3/ 351).

قولها: «كَنِيسَةً»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«كَنيسةً» بفتح الكاف: مَعْبد النصارى. إرشاد الساري (2/ 437).

قولها: «رَأَيْنَهَا»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
بنون الجمع في «رَأَيْنَهَا» على أنَّ أقل الجمع اثنان، أو معهما غيرهما من النسوة. إرشاد الساري (2/ 437).

قوله: «بأرضِ الحَبَشَةِ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«بأرضِ الحبشة» هي أرض واسعة، تقع في قرن إفريقيا الشرقي، غربي ساحل اليمن، والحِبْشة ساكنوها، وهم أجناس كثيرة. تنبيه الأفهام (ص: 373).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«بالحَبَشَةِ» بفتحتين: البلد المعروف، الذي هاجر إليه الصحابة في أول الإسلام، قبل هجرة المدينة، وكانت أم حبيبة وأم سلمة ممن هاجر إليه. البحر المحيط الثجاج (12/ 127).

قوله: «يُقالُ لها: مَارِيَةُ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«مَارِيَةُ» بتخفيف الياء، سُمِّيت بذلك لحسْنِها. تنبيه الأفهام (ص: 373).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
أما مارية: فهي -بكسر الراء، وفتح الياء المثناة تحت الخفيفة، بالكسر والفتح فيهما-: الكنيسة المذكورة في الحديث. العدة في شرح العمدة (2/ 785).

قولها: «وكانتْ أُمُّ سَلَمَةَ وأُمّ حَبِيبَةَ -رضي اللَّه عنهما- أَتَتَا أرضَ الحَبَشَة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة» أي: ورأتاها فيها، وتعجبتا منها. مرقاة المفاتيح (7/ 2857).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
اسم أم سلمة: هند، ويُقال: رملة، وليس بشيء...، وأما أم حبيبة، فاسمها: رملة، وقيل: هند، والأول أشهر، كُنِّيت بابنتها حبيبة بنتِ عبيد الله بن جحش، وهي أم حبيبة بنت أبي سفيان صخرِ بن حرب بن أمية، أمُّ المؤمنين، الأموية، كانت من السابقين إلى الإسلام، هاجرت مع زوجها عبيد الله إلى أرض الحبشة، فتوفي عنها، فتزوجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهي هناك سنةَ ست من النبوة قبل الهجرة، ويقال: سنة سبع. العدة في شرح العمدة (2/ 783-784).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«أتتا أرض الحبشة» مع زوجيهما، اللذين كانتا معهما، وهما: أبو سلمة، وعبد اللَّه بن جحش، وكان عبد اللَّه بن جحش قد أسلم، وهاجر بزوجته أم حبيبة -رضي اللَّه عنها- إلى أرض الحبشة، ثم تنصَّر، ومات هناك على النصرانية، فتزوجها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. كشف اللثام (3/ 371).

قولها: «فَذَكَرَتَا مِن حُسْنِهَا، وتصاويرَ فيها»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«فَذَكَرَتَا» أي: أم سلمة وأم حبيبة «مِن حُسْنها» أي: الكنيسة المسماة بمارية «وتصاوير» مصورةٍ «فيها». كشف اللثام (3/ 372).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
التصاويرُ: التماثيلُ. ذخيرة العقبى (8/ 630).

قوله: «فَرَفَعَ رأسَهُ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«فَرَفَعَ رأسَهُ» نهضه؛ اهتمامًا بالأمر. تنبيه الأفهام (ص: 374).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
فلم يشغله مرضه -عليه الصلاة والسلام- عن أنْ يُبيِّن ما في عملهم في كنائسهم، وفي موتاهم من المحاذير؛ لذا رفع رأسه. تيسير العلام (ص: 291).

قولها: «فقال: أُولئكِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال: أُولئكِ» بكسر الكاف خطابًا لإحداهما، أو لإحدى النساء، أو لعائشة، وفي نسخة بفتح الكاف على خطاب العام، أو تنزيلًا لهن منزلة الرجال، والمعنى: أولئك من أهل الكتاب، أو مِن جماعة اليهود والنصارى. مرقاة المفاتيح (7/ 2857).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«أُولئكِ» بكسر الكاف في الموضعين؛ لأنَّ الخطاب للمؤنث، والمشار إليه بانو المساجد على القبور، وواضعو الصور فيها. تنبيه الأفهام (ص: 374).

قوله: «إذا ماتَ منهم الرَّجلُ الصَّالحُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إذا مات فيهم الرجل الصالح» أي: مِن نبيٍّ، أو وليٍّ. مرقاة المفاتيح (7/ 2858).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«كانوا إذا مات فيهم» أي: النصارى، قال: «الرجل الصالح» ولما أفرد اليهود كما في حديث أبي هريرة قال: «أنبيائهم» وأحسن مِن هذا: أنَّ يُقال: أنبياء اليهود أنبياء النصارى؛ لأنَّ النصارى مأمورون بالإيمان بكل رسول، فرُسُل بني إسرائيل يُسَمَّون أنبياء في حق الفريقين. سبل السلام (1/ 229-230).

قوله: «بَنَوْا على قَبْرِهِ مسجدًا»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«بَنَوْا على قَبْرِهِ مسجدًا» مكانًا للصلاة، ويُسمَّى عند النصارى كنيسة. تنبيه الأفهام (ص: 375).
وقال محمد بن على الإتيوبي -رحمه الله-:
«على قبره مسجدًا» أي: محل عبادة. ذخيرة العقبى (8/ 630).
وقال النووي -رحمه الله-:
المسجِد بكسر الجيم وفتحها، وقيل: بالفتح: اسم لمكان السُّجُود، وبالكسر اسم الموضع الْمُتَّخذ مسجِدًا. تحرير ألفاظ التنبيه (ص: 40).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
قوله -عليه الصلاة والسلام-: «بنوا على قبره مسجدًا» إشارةٌ إلى المنع مِن ذلك، وقد صرَّح به في الحديث الآخر: «لَعَنَ اللَّهُ اليهودَ والنَّصارى اتَّخَذُوا قبورَ أنبيائِهِمْ مساجدَ»، «اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ قبرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» وقد استجاب اللَّهُ تعالى دعاءه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فله الحمد والمنة. رياض الأفهام (3/ 254).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: إنَّما نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغة في تعظيمه، والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأمم الخالية؛ ولما احتاجت الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أنْ دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة -رضي الله عنها- مدفن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة حوله؛ لئلا يظهر في المسجد، فيصلي إليه العوام، ويؤدي المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكَّن أحد من استقبال القبر؛ ولهذا قال في الحديث: «ولولا ذلك لأُبرِز قبره، غير أنَّه خُشِيَ أنْ يُتَّخَذ مسجدًا» والله تعالى أعلم بالصواب. المنهاج شرح صحيح مسلم (5/ 13-14).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
قوله: «بنوا على قبره مسجدًا» وهو مؤول على مذمَّة مِن اتخذ القبر مسجدًا، ومقتضاه التحريم، لا سيما وقد ثبت اللعن عليه. إرشاد الساري (2/ 437).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
بناء المساجد على القبور محرمٌ باتفاق الأئمة، ولو بُني على القبر مسجد نُهي عنه أيضًا باتفاق العلماء، وإنَّما تنازعوا في تطيينه، فرخَّص فيه أحمد والشافعي، وكرهه أبو حنيفة كالتجصيص، وبناء القباب والمساجد على القبور مُحدَث في الإسلام من قريب، وكذلك ترتيب القراءة على القبور مُحدَث. المستدرك على مجموع الفتاوى (1/ 24).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
بناء المساجد على القبور من سُنة اليهود والنصارى، ومِن سُنة شِرار الخَلْق عند الله؛ لأنَّه وسيلة إلى الشرك بالله. الحلل الإبريزية (1/ 397).

قوله: «ثم صَوَّرُوا فيه تلك الصُّورةَ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ثم صوروا فيه» أي: في المسجد «تلك الصورة» التي مات صاحبها. إرشاد الساري (2/ 437).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
إنَّما فعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أحوالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم، ثم خَلَف من بعدهم خلوف جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أنَّ أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها فعبدوها، فحذَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن مثل ذلك سدًّا للذريعة المؤدية إلى ذلك. فتح الباري (1/ 525).
وقال الشيخ سليمان اللهيميد -حفظه الله-:
«تصاوير» الظاهر: أنَّ هذه الصور مجسمة، وتماثيل منصوبة. إيقاظ الأفهام (3/ 86).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فهؤلاء (قوم نوح) جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل، وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق على صحته عن عائشة -رضي الله عنها-: «أنَّ أم سلمة -رضي الله عنها- ذكرت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أولئك قومٌ إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخَلْق عند الله تعالى، وفي لفظ آخر في الصحيحين: «أنَّ أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها» فجمع في هذا الحديث بين التماثيل، والقبور، وهذا كان سبب عبادة اللات. إغاثة اللهفان(1/ 184).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنَّه مُتوعَّد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه بما يُمْتَهَنُ، أو بغيره، فصنعته حرام بكل حال؛ لأنَّ فيه مضاهاة لخَلْق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط، أو غيرها...، وقال بعض السلف: إنَّما يُنهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل، وهذا مذهب باطل، فإنَّ الستر الذي أنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- الصورة فيه لا يشك أحدٌ أنَّه مذمومٌ، وليس لصورته ظل، مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة، وقال الزهري: النهي في الصورة على العموم، وكذلك استعمال ما هي فيه، ودخول البيت الذي هي فيه، سواء كانت رقمًا في ثوب أو غير رَقْم، وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن؛ عملًا بظاهر الأحاديث، لا سيما حديث النمْرُقة الذي ذكره مسلم، وهذا مذهب قويٌّ. المنهاج شرح صحيح مسلم (14/ 81-82).

قوله: «أُولئك شِرارُ الخَلقِ عندَ اللَّهِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أُولئكِ» أي: البانُون والمصورون «شِرار خَلِق الله» لأنهم ضلوا وأضلوا عباد الله. مرقاة المفاتيح (7/ 2858).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
فنفَّرَ -عليه الصلاة والسلام- عن مثل فعلهم بقوله: «أُولئكِ» بفتح الكاف وكسرها «شرار الخلق عند اللَّه» ومحل القصد من الحديث: المنْع من اتخاذ قبور الأنبياء والصلحاء وغيرهم مساجد، ومقتضى الذم والتنفير: التحريم، لا سيما وقد ثبت اللعن عليه. كشف اللثام (3/ 373).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«شرار الخَلْق عند الله» أعظمهم شرًّا عنده. تنبيه الأفهام (ص: 375).
وقال السندي -رحمه الله-:
«شِرار الخَلْق» بكسر الشين المعجمة، أي: لأنَّهم ضموا إلى كفرهم الأعمال القبيحة، فهم أقبح الناس عقيدةً وعملًا. حاشيته على سنن النسائي (2/ 42).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«أُولئكِ شرار الخَلْق عند الله» إما لعبادتهم القبور كالأوثان، أو لتصويرهم الصور، وسيأتي في البخاري: «أنَّ المصورين أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة» أو للمجموع. الكوثر الجاري (3/ 351).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«أولئكِ هم شِرَارُ الخَلْقِ» ...ولذلك نهى -صلى الله عليه وسلم- أنْ يتخذوا قبره مسجدًا؛ قطعًا للذريعة في ذلك؛ لئلا يعبد الجاهل قبره. شرح صحيح البخاري (3/ 327).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أُولئكِ شرار الخَلْق» اسم الإشارة عائد إلى الفريقين (اليهود والنصارى) وكفى به ذمًّا؛ والمراد من الاتخاذ أعم مِن أنْ يكون ابتداعًا، أو اتباعًا، فاليهود ابتدعت، والنصارى اتبعت. سبل السلام (1/ 230).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
بما أنَّ عملهم هذا منافٍ للتوحيد، الذي هو أوجب الواجبات، وضرره لا يقتصر على مَن هم عليه، بل يتعدَّاهم إلى غيرهم من المغرورين الجاهلين، فإنَّ فاعليه شر الخَلْق عند الله تعالى. تيسير العلام (ص: 291).

وزاد مسلم: «يومَ القيامةِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «عندَ اللَّهِ يومَ القيامةِ» مُتعلِّقان بـ«شرار» وإنَّما خصَّ يوم القيامة؛ لأنَّ الأمور تشتدُّ فيه، بخلاف الدنيا، فمَن كان أشرّ الناس فيه كان أشدّهم عذابًا؛ ولأنَّ مَن كان في الدنيا شريرًا ربما يُوفَّق للتوبة، وأما الآخرة فليست إلا دار الجزاء -واللَّه تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (12/ 127-128).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
فيه: دليل على تحريم مثل هذا الفعل، وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور، ولقد أبعد غاية البعد مَن قال: إنَّ ذلك محمول على الكراهة، وإنَّ هذا التشديد كان في ذلك الزمان؛ لقُرْب عهد الناس بعبادة الأوثان، وهذا الزمان حيث انتشر الإسلام، وتمهدت قواعده، لا يساويه في هذا المعنى، فلا يساويه في هذا التشديد -هذا أو معناه-، وهذا القول عندنا باطل قطعًا؛ لأنَّه قد ورد في الأحاديث: الإخبار عن أمر الآخرة بعذاب المصورين، وأنَّهم يُقال لهم: «أحيوا ما خلقتم» وهذه علة مخالفة لما قاله هذا القائل، وقد صرَّح بذلك في قوله -عليه السلام-: «المشبهون بخَلْق الله» وهذه علة عامة مستقلة مناسبة، لا تخص زمانًا دون زمان، وليس لنا أنْ نتصرَّف في النصوص المتظاهرة المتضافرة بمعنى خيالي، يمكن أنْ يكون هو المراد، مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره، وهو التشبه بخَلْق الله، وقوله -عليه السلام-: «بنوا على قبره مسجدًا» إشارة إلى المنع من ذلك، وقد صرَّح به الحديث الآخر: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد». إحكام الأحكام (1/ 371-372).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
في هذه الأحاديث: ما يَستَدِلّ به مالك على صحة القول بسد الذرائع على الشافعي وغيره من المانعين لذلك، وهي مستوفاة في الأصول. المفهم (2/ 129).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
ويدخل في ذلك قصد القبور للصلاة عندها، فإن ذلك من اتخاذها مساجد؛ لأن العلة في بناء المساجد عليها موجودة في الصلاة عندها، فإنَّ ذلك ذريعة إلى نوع من الشرك، بقصدها والعكوف عندها، وقد نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقد تبع اليهودَ والنصارى ضُلاّلُ هذه الأمة وغلاتُها في بلدان كثيرة، كمصر والشام وغيرهما، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "بسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد..."
(و) الحديث دليل على عِظَم ذَنب من يُسَهِّلون للناس الوقوع في الشرك والبدع عن طريق البناء على القبور والعكوف عندها والصلاة والدعاء، ونحو ذلك؛ لأن الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- وصفهم بأنهم شرار الخلق عند الله تعالى؛ لأنهم جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور والبناء عليها، وفتنة التماثيل. منحة العلام (ص:370-372).
وقال الشيخ الشنقيطي -رحمه الله-:
أما الجواب عن الاستدلال بالآية فهو أنْ تقول: مَن هؤلاء القوم الذين قالوا: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} الكهف: 21؟ أهم ممن يُقتدَى به؟ أم هم كفرة لا يجوز الاقتداء بهم؟ وقد قال أبو جعفر ابن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- في هؤلاء القوم ما نصه: وقد اختلف في قائل هذه المقالة، أهم الرهط المسلمون أم هم الكفار؟ فإذا علمتَ ذلك فاعلم أنهم على القول بأنهم كفار فلا إشكال في أنَّ فعلهم ليس بحجة؛ إذ لم يقل أحد بالاحتجاج بأفعال الكفار كما هو ضروري، وعلى القول: بأنَّهم مسلمون كما يدل له ذكر المسجد؛ لأنَّ اتخاذ المساجد من صفات المسلمين، فلا يخفى على أدنى عاقل أنَّ قول قوم من المسلمين في القرون الماضية: إنهم سيفعلون كذا، لا يعارض به النصوص الصحيحة الصريحة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا مَن طمس الله بصيرته، فقابل قولهم: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} الكهف: 21، بقوله -صلى الله عليه وسلم- في مرض موته قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى بخمس: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» الحديث. أضواء البيان (2/ 301).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فهؤلاء الذين اتخذوا مسجدًا على أهل الكهف كانوا من النصارى الذين لعَنهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، حيث قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». الرد على البكري (2/ 567).
وقال الشيخ أحمد النجمي -رحمه الله-:
فقه الحديث:
يُؤخَذ منه: أنَّ هذا العمل من أفظع الأعمال، وأقبحها، وأنَّ الذين يعملون أو يسكتون عمن يفعله سكوت الراضي لا يصلحون أنْ يسموا دعاة، ولا يجوز أنْ يُتَّخذوا أئمة، بل مَن فعل ذلك فهو من شرار الخلق، وإنْ زعم أنه يَتَبَنَّى دعوةً إلى الله، فأي دعوة لا تنبني على التوحيد فهي دعوة باطلة وصاحبها صاحب ضلال. تأسيس الأحكام (3/ 113-114).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في الحديث: دليل على تحريم التصوير، وحمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان لقُرْب العهد بعبادة الأوثان، وأما الآن فلا، وقد أطنب ابن دقيق العيد في رد ذلك...
وفي الحديث: جواز حكاية ما يشاهده المؤمن من العجائب. ووجوب بيان حكم ذلك على العالم به. وذم فاعل المحرمات. وأنَّ الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل. فتح الباري (1/ 525).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
في هذا الحديث:
دليل على تحريم تصوير الحيوان، خصوصًا الآدمي الصالح، سواء كان التصوير في حائط أو ثوب أو رَقٍّ، أو مجسدًا قائمًا بذاته، والأحاديث في الصحيحين وغيرهما تدل على ما ذكرته، ولقد غلط من حمل التحريم على المجسد القائم بذاته؛ حيث أشبهت الأصنام، وأبعدُ من ذلك من حمل الأحاديث على كراهة التنزيه، وأنَّ التشديد الوارد في التصوير إنَّما كان في ذلك الزمان لقُرْب عهد الناس بعبادة الأوثان، وهذا الزمان انتشر الإسلام، وتمهدت قواعده، فلا تساويه في المعنى، ولا في التشديد في التحريم، وكل من القولين غلط باطل قطعًا؛ حيث أخبرنا الشارع -صلى الله عليه وسلم- بعذاب المصورين في الآخرة، وأنَّه يُقال لهم: «أحيوا ما خلقتم» وذلك مخالف لمقالتهم، كيف وقد صرَّح في قوله -صلى الله عليه وسلم- في وصف المصورين: «المشبهون بخلق الله» وهذه علة عامة مستقلة مناسبة لا تحصى زمنًا دون زمن، وليس لنا التصرُّف في النصوص المتظاهرة المتظافرة الصريحة بمعنى خيالي يمكن ألا يكون مرادًا، مع اقتضاء اللفظ للتعليل بغيره، وهو التشبيه بخلق الله.
وفيه: دليل على منع بناء المساجد على القبور، وهو منع يقتضي التحريم، كيف وقد ثبت في الحديث الآتي: لعنُ اليهود والنصارى على اتخاذ القبور مساجد، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد».
وفيه: دليل جواز حكاية الإنسان ما رآه من البناء والتصاوير، وأنَّه لا حرج في ذلك.
وفيه: دليل على وجوب البيان عند حكاية ما يقتضي مخالفة الشرع.
وفيه: دليل على أنَّ المرض ليس عذرًا في عدم البيان والإنكار.
وفيه: دليل على تحريم التعظيم بما لا يحل فعله وقوله.
وفيه: دليل على وصف فاعل المحرمات المضاهية لخلق الله تعالى، والآمر بها، ومرتضيها بأقبح وصف؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- وصفهم بشرار الخَلْق عند الله.
وفيه: دليل على أنَّ الاعتبار في الأحكام والأوصاف وغيرها إنَّما هو بما عند الله، لا بما عند الخلق.
وفيه: دليل على جواز الكلام عند المريض والشاكي.
وفيه: دليل على أنَّ الكلام عنده إنَّما يكون بما يناسب حال الشاكي ومقامه؛ حيث ذكرتا أماكن العبادة، وتعظيم النصارى لها بما ذكرتا، فبيَّن -صلى الله عليه وسلم- حكمَ ذلك، ودليل جميعه. العدة في شرح العمدة (2/ 785-786).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
هذا الحديث: يدلُّ على تحريم التصوير في المساجد المبنية على القبور، والصور التي في البِيَعِ والكنائس في معناها؛ لأنَّها صور مصورة على صور أنبيائهم وصالحيهم للتبرك بها -في زعمهم-، وكنائسهم وبِيَعِهم منها ما هو على القبور أكابرهم، ومنها ما هو على أسمائهم، فالكل ملتحق بما بُني على القبور في المعنى؛ فلهذا ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الكلام عند ذكر الكنائس، وما فيها من الصور، وكفى بذلك ذمًّا للكنائس المصور فيها، وأنها بيوت ينزل على أهلها الغضب والسخط، فلا ينبغي للمسلم أنْ يصلي فيها. فتح الباري (3/ 242-243).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فوائد الحديث:
ـ جواز تحدث الإنسان بما شاهده من العجائب، وإن كان حرامًا إلا أن يكون في ذلك إغراء بالحرام.
ــ (إنكار) المنكر وإنْ كان موضع إعجاب من الناس.
ـ تعظيم النبي -صلى الله عليه وسلم- لجانب التوحيد، وتحذيره من وسائل الشرك.
. كمال نصح النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبيانه الحق على أي حال كان. تنبيه الأفهام (ص: 375).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

البيت الذي فيه صور لا تدخله الملائكة.

أشدّ الناس عذابًا: المصوّرون الذين يضاهون خلق الله.


إبلاغ عن خطأ