أنَّ عبد اللهِ بنَ عباس -رضي الله عنهما- أَخْبَرَهُ أنَّ خالد بنَ الوليدِ -رضي الله عنه- الذي يُقال له: سيفُ الله، أَخْبره: «أنَّه دخل مع رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- على ميمونة زوجِ النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وهي خالتُهُ وخالةُ ابنِ عباسٍ، فوجد عندها ضَبًّا مَحْنُوذًا، قَدِمَتْ به أُختها حُفَيْدَةُ بنتُ الحارثِ من نَجْدٍ، فقدَّمتِ الضَّبَّ لرسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وكان قلَّما يُقدَّمُ إليه طعامٌ حتى يُحدَّثَ به ويُسمَّى له، فأَهْوى رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يدَهُ إلى الضَّبِّ، فقالتْ امرأةٌ من النِّسوةِ الحُضور: أَخْبرنَ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بما قدَّمتُنَّ له، قُلْنَ: هو الضَّبُّ يا رسول اللهِ، فرفعَ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يَدَهُ، فقال خالدُ بن الوليدِ -رضي الله عنه-: أحرامٌ الضَّبُّ يا رسول اللهِ؟ قال: لا، ولكنَّه لم يكُنْ بأرضِ قومي، فأَجِدُني أَعافُهُ، قال خالدٌ: فاجْتَرَرْتُهُ، فأَكَلْتُهُ ورسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يَنظر، فلَمْ يَنْهَنِي».
رواه البخاري برقم (5391) ومسلم برقم: (1946)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
غريب الحديث
«الضَّب»:
هو: حيوان برِّي يشبه الوَرَلَ، بفتح الواو والراء. منحة الباري، لزكريا الأنصاري (8/ 612).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
الضَّبُّ: دُوَيبةٌ من الحشراتِ معروف، وهو يُشبه الوَرَلَ؛ والجمع: أَضُبّ، مثل كَفٍّ وأَكُفٍّ، وضِباب...والأنثى: ضَبَّة، وأرضٌ مُضِبَّةٌ وضَبِبَة: كثيرةُ الضِّباب. لسان العرب (1/ 538-539)
«مَحْنُوذًا»:
(محنوذ:) مَشوي. لسان العرب، لابن منظور (3/ 484)
«أَعافُهُ»:
عافَ الرَّجُلُ الطعامَ والشرابَ، يَعافُه عِيافَةً: كَرِهَه فلم يَشرَبْه، فهو عائِف. مختار الصحاح، للرازي (ص: 223).
«فاجْتَرَرْتُهُ»:
«فاجتررته» أي: جَذَبته. عون المعبود، العظيم آبادي (10/ 190).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
الجيم والراء أصل واحد، وهو مَدُّ الشيء وسحبه، يقال: جررت الحبل وغيره أَجُرُّه جرًّا. معجم مقاييس اللغة (1/ 410).
شرح الحديث
قوله: «أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ -رضي الله عنهما- أَخْبَرَهُ أنَّ خالد بنَ الوليدِ -رضي الله عنه- الذي يُقال له: سيفُ الله، أَخْبَره»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
هذا الحديثُ ممّا اختُلِفَ فيه... هل هو من مسند ابن عباس أو من مسند خالد... والجمعُ بين هذه الرواياتِ: أنَّ ابنَ عبّاسٍ كان حاضرًا للقِصّةِ في بيتِ خالتِه ميمونةَ كما صرَّحَ به في إحدى الروايات، وكأنّه استثبَتَ خالدَ بنَ الوليد في شيءٍ منه؛ لكونه الذي باشر السّؤال عن حكم الضّبّ وباشر أكله أيضًا، فكان ابن عبّاس ربّما رواه عنه. ويؤيّد ذلك أنّ محمّد بن المنكدر حدّث به عن أبي أمامة بن سهل عن ابن عبّاس قال: «أُتِيَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وهو في بيتِ ميمونةَ وعنده خالدُ بنُ الوليدِ بلحمِ ضَبٍّ...» الحديثُ، أخرجه مسلم. وكذلك رواه سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ عن ابنِ عبّاسٍ فلم يَذكُرْ فيه خالدًا. فتح الباري(9/ 663).
وقال الشيح محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وقوله: «أن خالد بن الوليد -رضي الله عنه- الذي يقال له: سيف الله» هذا لقبٌ لخالد -رضي الله عنه-، لَقَّبَهُ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كما أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- بسندٍ رجاله ثقات، كما قال في الإصابة (في تمييز الصحابة (2/ 216). البحر المحيط الثجاج (33/ 237، 238).
قوله: «أنَّه دخلَ مع رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- على مَيْمونةَ -رضي الله عنها- زوجِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيه وسلَّم-، وهي خالتُهُ وخالةُ ابنِ عباسٍ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقوله: «وهي خالته، وخالة ابن عباس» الهاء، عائدة على خالد بن الوليد -رضي الله عنه-؛ وبسبب المحرمية كان دخولهما عليها، وإدلالهما في بيتها، أُمُّ ابن عباس (هي) أم الفضل، لبابة الأكبر، وأُمُّ خالد لبابة الصغرى، وهي العصماء، وهما شقائقها، وهما معًا وأم حُفَيْد هُزيلة، وميمونة أخوات بنات الحارث بن جرن الهلالي، وزينب وسلمى وأسماء بنت عميس أخوات ميمونة أيضًا لأمها، أُمُّهن هند بنت عوف الجرشية. إكمال المعلم (6/ 390).
قوله: «فوجدَ عندَها ضَبًّا»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الضَّبُّ: هو حِرْذَوْنٌ كبير يكون في الصحراء. المفهم (5/ 230).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وليس الضَّب ذا نابٍ -والله أعلم-؛ للفرق الذي ورد بين حُكمه وحُكم كُلِّ ذي نابٍ في الأكل. التمهيد (6/ 252).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فأُتيَ بِضبٍّ» هو: دُوَيْبَةٌ تأكُلُه الأعراب، وتقول العرب: هو قاضي الطير والبهائم. شرح سنن أبي داود (15/ 408).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«الضَّب» هو: حيوان برِّيٌّ يشبه الحِرْذَوْن لكنه كبير القَدر، وقد ذُكِر أنَّه لا يَشرب الماء، وأنه يعيش سبعمائة فصاعدًا. إرشاد الساري (8/ 218).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
يكنى أبا حِسْل، بمهملتين مكسورة ثم ساكنة، ويقال للأنثى: ضَبَّة...، ويقال: إنَّ لأصل ذَكَرِ الضَّب فرعين؛ ولهذا يقال: له ذكران، وذكر ابن خالويه: أنَّ الضَّب يعيش سبعمائة سنة، وأنه لا يشرب الماء، ويبول في كل أربعين يومًا قطرة، ولا يسقط له سِنٌّ، ويقال: بل أسنانه قطعة واحدة، وحكى غيره أن أكل لحمه يُذهب العطش، ومن الأمثال: لا أفعل كذا حتى يَرِدَ الضَّبُّ، يقوله من أراد ألا يفعل الشيء؛ لأن الضبَّ لا يرد، بل يكتفي بالنسيم، وَبَرْدِ الهواء، ولا يخرج مِن جُحْرِهِ في الشتاء. فتح الباري (9/ 663).
قوله: «مَحْنُوذًا»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
«مَحْنُوذ» مَشْوي، وقيل: المشوي على الرَّضْف؛ وهي الحجارة المحماة. إكمال المعلم (6/ 386).
قوله: «قَدِمَتْ بِهِ أُختُها حُفَيْدَةُ بنتُ الحارثِ -رضي الله عنها- من نَجْدٍ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«أمُّ حُفَيد» مُصَغَّر بغير هاء. كذا صوابه؛ لأنَّه الأشهر، واسمها: هُزَيْلة، وهكذا ذكره أبو عمر في الصحابة، وهي رواية النَّسفي في البخاري، وما عدا هذه الرواية فاضطراب من الرواة، فمنهم من قال: «حُفَيدة»، ومنهم من قال: «أمّ حُفَيدَة»، ومنهم من قال: «أم حُفَيد»، وعند بعض رواة البخاري: «أمُّ حذيفة»، والأول الصواب. والله تعالى أعلم. المفهم (5/ 233).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقد قيل في اسمها: «هُزَيْلة» بالتصغير، وهي رواية الموطأ من مرسل عطاء بن يسار، فإن كان محفوظًا فلعل لها اسمين، أو اسم ولقب، وحكى بعض شُرَّاح العُمدة في اسمها حُمَيدة، بميم، وفي كنيتها أم حُمَيد، بميم بغير هاء، وفي روايةٍ بهاء وبفاء، ولكن بِرَاء بدل الدال، وبعين مهملة بدل الحاء، بغير هاء، وكلها تصحيفات. فتح الباري (9/ 664).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وقوله: «من نجد» بفتح، فسكون، البلد المعروف. البحر المحيط الثجاج (33/ 237).
قوله: «فَقدَّمَتِ الضَّبَّ لرسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وكان قلَّما يُقدَّمُ إليه طعامٌ حتى يُحدَّثَ بِهِ ويُسمَّى له»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وإنما كان يُسمَّى له الطعام إذا وُضع بين يديه؛ لِيُقبل على ما يُحِب، ويترك ما لا يحب؛ فإنَّه -صلى الله عليه وسلم- ما كان يذمُّ ذواقًا، فإن أحبَّه أكله، وإن كرهه تركه، كما فعل بالضَّبِّ. المفهم (5/ 231).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وكان قَلَّما يُقَدَّم» من التقديم، وَقَلَّ: فعل ماض، و«ما يقدم» فاعله، و«ما» مصدرية، أي: قبل تقديم يده لطعام حتى يُحَدَّث، على صيغة المجهول، أي: حتى يُخْبَرَ به ما هو، «ويُسمى» مجهول أيضًا. عمدة القاري (21/ 39).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فَقَدَّمَت» أي: ميمونة. مرقاة المفاتيح (7/ 2665).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
وأمَّا أنَّه -صلى الله عليه وسلم- كان يَسأل عما يُقدَّم إليه ما لا يعلم حقيقته؛ لأنَّ العرب كانت لا تَعاف شيئًا من المآكل؛ لقِلَّتها عندهم، وكان -صلى الله عليه وسلم- قد يعاف بعض الشيء؛ فلذلك كان يَسأل، وقيل: يحتمل أن يكون سبب السؤال أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يكثر الإقامة في البادية، فلم يكن له خبرة بكثير من الحيوانات؛ أو لأن الشرع ورد بتحريم بعض الحيوانات، وإباحة بعضها، وكانوا لا يحرِّمون منها شيئًا، وربما أتوا به مشويًا أو مطبوخًا، فلا يتميز عن غيره إلا بالسؤال عنه، وكان أزواجه -رضي الله عنهن- يَعْلَمْن عنه ذلك، فَلَمَّا لمْ يَسأل، وأهوى يده إلى الضَّب أخبرته ميمونة وهذه القضية من باب القليل الذي فاته أن يسأل عنه، فالرواية التاسعة، ولفظها «وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يأكل شيئًا حتى يعلم ما هو؟» معناها في الغالب الكثير، وهذا من القليل، أو هو لم يأكل -صلى الله عليه وسلم- وإنْ هَمَّ بالأكل. فتح المنعم (8/ 40).
قوله: «فَأَهْوى رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يدَهُ إلى الضَّبِّ، فقالتْ امرأةٌ من النِّسوةِ الحُضور: أَخْبِرنَ رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بما قَدَّمتُنَّ له»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فأهوى إليه» بيده، أي: أمال إليه بيده؛ ليأخذه. شرح سنن أبي داود (15/ 408).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وقوله: «فقالت امرأة من النسوة الحضور» جاء به على معنى النسوة فَنُعت عليه، كقوله: {مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ} يس: 80. التوضيح (26/ 131).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
والنسوة اسم جمع، قاله أبو بكر بن السراج، وقيل: جمع تكسير مِن أوزان جموع القلة، لا واحد له من لفظه، ووزنه: فُعْلَة، وهو أحد الأبنية الأربعة التي هي لأدنى العدد. إرشاد الساري (8/ 218).
قوله: «قُلْنَ: هو الضَّبُّ يا رسولَ اللهِ، فرفَعَ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يَدَهُ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقالوا» يعني: بعض النِّسوة، ولمسلم: فنادت امرأة من نساء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنه لحم ضب» هو ضب، وفي رواية لمسلم: «قالت له ميمونة: إنه لحم ضب» «فرفع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يده» ولمسلم أيضًا: «فَكَفَّ يده» وقال: «لم آكله قط»: وقال لهم: «كلوا» فأكل منه الفضل وخالد بن الوليد والمرأة. شرح سنن أبي داود (15/ 408).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فرفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يده عن الضب» أي: امتنع ابتداء عن أكله. مرقاة المفاتيح (7/ 2665).
قوله: «فقال خالدُ بنُ الوليدِ -رضي الله عنه-: أَحَرامٌ الضَّبُّ يا رسولَ اللهِ؟»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قول خالد: «أحرامٌ الضبُّ يا رسول الله؟ فقال: لا» دليل على أنه ليس بحرام، وهي تُبطل قول من قال بتحريمه. المفهم (5/ 230).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فقلت أحرام؟» الهمزة فيه للاستفهام. نخب الأفكار الآثار (13/ 118).
قوله: قال: «لا، ولكنَّه لم يَكُنْ بأرضِ قَومي، فأَجِدُني أَعافُهُ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «بأرض قومي» ظاهره: أنه لم يكن موجودًا فيها، وقد حُكي عن بعض العلماء: أن الضَّبَّ موجودٌ عندهم بمكة؛ غير أنه قليل، وأنهم لا يأكلونه. والله تعالى أعلم. المفهم (5/ 231).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
بل المراد بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «بأرض قومي» قريشًا فقط، فيختص النفي بمكة، وما حولها، ولا يمنع ذلك أن تكون موجودة بسائر بلاد الحجاز، وقد وقع في رواية يزيد بن الأصم عند مسلم: «دعانا عَرُوس بالمدينة فقرّب إلينا ثلاثة عشر ضَبًّا فآكلٌ وتاركٌ...» الحديث، فبهذا يدل على كثرة وجدانها بتلك الديار. فتح الباري (9/ 665).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقوله: «أَعَافُه» معناه: أكرهه، يقال: عِفت الشيء أعافه عيفًا: إذا كرهته، وعفته أعيفه عيافة من الزجر، وعاف الطير يعيف: إذا حام على الماء؛ ليجد فرصة فيشرب. إكمال المعلم (6/ 386).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ومعنى: «أعافه» أكرهه، وقيل: أتقذَّرُه، وفيه: تجنُّب أكل ما يعافه، ولم تجرِ بأكله عادته، وإن كان حلالًا. التوضيح (26/ 131).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
وأما قوله في الضب: «فأجدني أعافه» فبيان لكراهيته له، لا بيان عيبه. منحة الباري (6/ 612).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال: لا» أي: لا أحرمه، أو ليس بحرام «ولكن» أي: عَدَمُ أكلي؛ لكونه «لم يكن بأرض قومي» أي: من قريش، أو من قبيلة حَليمة مرضعته -صلى الله عليه وسلم-، «فأجدني» أي: أرى نفسي «أعافه» بفتح الهمزة وضم الفاء أي: أكرهه طبعًا لا شرعًا. مرقاة المفاتيح (7/ 2665).
قوله: «قال خالد: فاجْتررتُه، فأكلته ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينظر، فلم يَنْهني»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفي أكل خالد له باجتراره، ولم يأتِ أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَذِنَ له في ذلك وهو ببيته؛ إما لعلمه بأن ميمونة وهي رَبَّة البيت، والـمُهدى لها أخرجته لجميعهم، وهو الأظهر، أو بحكم إدلال خالد في بيت خالته، وهو ما أباح الله الأكل منه. إكمال المعلم (6/ 390).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقول خالد: «فاجْتَرَرْتُه، فأكلتُه ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينظر، فلم يمنعني» هذا تقرير منه -صلى الله عليه وسلم- على جواز أكله، ولو كان حرامًا لم يقرَّ عليه، ولا أُكِلَ على مائدته، ولا بحضرته، فثبت: أنه حلال مطلقٌ لعينه، وإنَّما كرهه لأمور خارجةٍ عن عينه. المفهم (5/ 232).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «قال خالد فاجتررته» بجيمٍ وراءين، هذا هو المعروف في كتب الحديث، وضبطه بعض شراح المهذب بزاي قبل الراء، وقد غَلَّطه النووي. فتح الباري (9/ 665).
وقال العظيم آبادي -رحمه الله-:
«فاجتررته» أي: جَذَبته «ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينظر» جملة حالية. عون المعبود (10/ 190).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
إن قيل: إذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ترك أكله؛ لكونه ليس بأرض قومه، فَلِمَ أكله خالد بن الوليد، وهو من قوم النبي -صلى الله عليه وسلم-؟
قلتُ: لعل خالدًا تَعَوَّد أكله تقليدًا لأهل نجد، فإن المرأة التي أهدت الضَّب له -صلى الله عليه وسلم- من نجد، وهي خالته، فلعله كان يذهب إليها لزيارتها، فرأى الناس هناك يأكلونه بكثرة، فأكله معهم، بخلافه -صلى الله عليه وسلم-، وَلَم أرَ مَن تَعرَّض لهذا البحث. البحر المحيط الثجاج (33/ 232).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأجمع المسلمون على أن الضَّب حلال ليس بمكروهٍ إلا ما حُكي عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته، وإلا ما حكاه القاضي عياض عن قوم أَنهم قالوا هو حرامٌ، وما أَظنه يصح عن أحدٍ، وإنَّ صح عن أحدٍ، فمحجُوج بالنصوص، وإجماع من قبله. المنهاج شرح صحيح مسلم (13/ 97، 98).
وقال العراقي -رحمه الله-:
(قلت) الكراهة قول الحنفية بلا شك كما هو في كتبهم واختلفوا في المكروه والمروي عن محمد بن الحسن أن كُل مكروه حرام إلا أنه لما لم يجد فيه نصًا قاطعًا لم يطلق عليه لفظ الحرام، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقرب فظهر بذلك وجود الخلاف في تحريمه أيضًا عند الحنفية ولهذا نقل العمراني في البيان عن أبي حنيفة تحريمه وهو ظاهر قول ابن حزم ولم ير أبو حنيفة أكله، والخلاف عند المالكية أيضًا فحكى ابن شاس وابن الحاجب فيه وفي كل ما قيل إنه منسوخ ثلاثة أقوال التحريم، والكراهة، والجواز. طرح التثريب(6/3).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقد نقله ابن المنذر عن علي -رضي الله عنه- فأي إجماع يكون مع مخالفته، ونقلَ الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم، وقال الطحاوي في معاني الآثار: كره قوم أكل الضب منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن. فتح الباري(9/665).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قد اختلف الناس في أكل الضَّب فرخَّص فيه جماعة من أهل العلم، رُوي ذلك عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وإليه ذهب مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي، وكرهه قوم، رُوي ذلك عن علي -رضي الله عنه-، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وقد رُوي في النهي عن لحم الضَّب حديث ليس إسناده بذلك، ذكره أبو داود في هذا الباب (يقصد ما روى أبو داود برقم (3794): «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أكل الضب»). معالم السنن (4/ 246).
قال الشوكاني -رحمه الله-:
قال الطَّحاويُّ في معاني الآثار: كَرِه قومٌ أكلَ الضَّبِّ، منهم أبو حنيفةَ وأبو يوسفَ ومحمدُ بنُ الحسن، وقد جاء عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه نهى عن أكلِ لحمِ الضَّبِّ. أخرجه أبو داود من حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ شِبْل.
قال الحافظُ في الفتح: وإسنادُه حسنٌ؛ فإنَّه من روايةِ إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ، عن ضِمْضِمِ بنِ زُرعةَ، عن شُريحِ بنِ عُبيدٍ، عن أبي راشدٍ الحَبْرانيِّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ شِبْل. وحديثُ ابنِ عيَّاشٍ عن الشاميِّين قويٌّ، وهؤلاء شاميُّون ثقات، ولا يُغتَرُّ بقولِ الخطَّابي: ليس إسنادُه بذاك، ولا بقولِ ابنِ حزم: فيه ضعفاءُ ومجهولون، ولا بقولِ البيهقي: تفرَّد به إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ وليس بحجَّة، ولا بقولِ ابنِ الجوزي: لا يصح؛ ففي كلِّ ذلك تساهلٌ لا يخفى؛ فإنَّ روايةَ إسماعيلَ عن الشاميِّين قويَّةٌ عند البخاري، وقد صحَّح الترمذيُّ بعضَها.
وأخرج أحمدُ وأبو داود، وصحَّحه ابنُ حبَّان والطَّحاويُّ، وسندُه على شرطِ الشيخين، من حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ حَسَنَة: «نزلنا أرضًا كثيرةَ الضِّباب»، الحديث، وفيه: «أنَّهم طبخوا منها، فقال -صلى الله عليه وسلم-: إنَّ أُمَّةً من بني إسرائيلَ مُسِخَت دوابَّ، فأخشى أن تكون هذه، فأكفِئُوها». ومثلُه حديثُ أبي سعيدٍ المذكور في الباب.
قال في الفتح: والأحاديثُ وإن دلَّت على الحلِّ تصريحًا وتلويحًا، نصًّا وتقريرًا، فالجمعُ بينها وبين الحديث المذكور: حملُ النهي فيه على أوَّل الحال، عند تجويز أن يكون ممَّا مُسِخ، وحينئذٍ أمرَ بإكفاء القُدور، ثم توقَّف فلم يأمر به ولم ينهَ عنه، وحُمل الإذنُ فيه على ثاني الحال، لمَّا علِم أنَّ الممسوخَ لا نَسْلَ له، وبعد ذلك كان يستقذره فلا يأكله ولا يُحرِّمه، وأُكِل على مائدته بإذنه، فدلَّ على الإباحة. وتكون الكراهةُ للتنزيه في حقِّ من يتقذَّره، وتُحمَل أحاديثُ الإباحة على من لا يتقذَّره.
وقد استُدِلَّ على الكراهة بما أخرجه الطَّحاويُّ عن عائشةَ أنَّه «أُهدي للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ضبٌّ فلم يأكلْه، فقام عليهم سائلٌ، فأرادت عائشةُ أن تعطيَه، فقال لها: أتعطينه ما لا تأكلين؟». قال محمدُ بنُ الحسن: دلَّ ذلك على كراهتِه لنفسه ولغيره.
وتعقَّبه الطَّحاويُّ باحتمال أن يكون ذلك من جنسِ ما قال الله تعالى: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} البقرة: 267. ثم ساق الأحاديثَ الدالَّة على كراهةِ التصدُّق بحَشَفِ التمر، كحديثِ البراء: «كانوا يُحبُّون الصدقةَ بأردإِ تمرِهم، فنزلت: {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ}» البقرة: 267. قال: فلهذا المعنى كره لعائشةَ أن تتصدَّق بالضَّبِّ، لا لكونه حرامًا. وهذا يدلُّ على أنَّ الطَّحاويَّ فهِم عن محمدٍ أنَّ الكراهةَ فيه للتحريم. والمعروفُ عن أكثرِ الحنفيَّة فيه كراهةُ التنزيه، وجنح بعضُهم إلى التحريم، وقال: اختلفت الأحاديثُ وتعذَّرت معرفةُ المتقدِّم، فرجَّحنا جانبَ التحريم. ودعوى التعذُّر ممنوعةٌ بما تقدَّم. نيل الأوطار(8/١٣٦).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قال الإمام (المازري): اُخْتُلِفَ طُرُق الأحاديث في علة امتناعه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن أكله، فذكر مسلم أنَّه تَركه؛ لأنه -عليه السلام- عافَهُ، وذكر في طريق آخر: أنه قال: «لا أدري لعله من القرون التي مُسِخَت»، وفي غير مسلم: أنه قال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إني تحضرني من الله حاضرة -يريد الملائكة عليهم السلام- فَأَحترمهم»؛ لأنَّ له رائحة ثقيلة، واتَّقاه لأجلهم، كما يُتقى الثوم. إكمال المعلم (6/ 385، 386).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ولا يبعُد في تعليل كراهة الضب بمجموعها. المفهم (5/ 231).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: استحباب الهدية، وألا يحقر اليسير منها.
وفيه: دليل على جواز أكل الضب، ودليل على أن ترك ما تعافه النفس مندوب إليه، ولا يُنسب ذلك إلى التَّرَفُّه.
وفيه: استحباب ألا يسبق الإنسان إلى أكل شيء حتى يَعْرِفه ويُسمَّى له. الإفصاح (3/ 69).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وفيه: أن النفوس تعاف ما لم تَعهد.
وفيه: دليل على أن التحليل والتحريم ليس مردودًا إلى الطباع، ولا إلى ما يقع في النفس، وإنما الحرام ما حرمه الكتاب والسنة، أو يكون في معنى ما حرمه أحدهما ونصَّ عليه. التمهيد (6/ 251).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفيه: أن الطباع تختلف في النفور عن بعض المأكولات، وقد يُستنبط منه أنِّ اللحم إذا أنتن لم يحرم؛ لأن بعض الطباع لا تعافه. فتح الباري (9/ 667).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا:
هذا فيه نظر لا يخفى؛ لأنه تقدم أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في حديث أبي ثعلبة الخشني -رضي الله عنه-: «فليأكله إلا أن ينتن» فإنه صريح أنه إذا أنتن لا يجوز أكله، وهو صريح، فيقدم على هذا المفهوم، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (33/ 236).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفيه: دخول أقارب الزوجة بيتها إذا كان بإذن الزوج أو رضاه...
وفيه: جواز الأكل من بيت القريب والصهر والصديق...
وفيه: أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يؤاكل أصحابه، ويأكل اللحم حيث تيسر، وأنه كان لا يعلم من المغيبات إلا ما علمه الله تعالى.
وفيه: وُفُور عقل ميمونة أم المؤمنين وعظيم نصيحتها للنبي -صلى الله عليه وسلم؛ لأنها فهمت مَظَنَّة نفوره عن أكله بما اسْتَقْرَتْ منه فخشيت أن يكون ذلك كذلك؛ فيتأذى بأكله؛ لاستقذاره له، فصدَقت فراستها، ويؤخذ منه أن من خشي أن يتقذر شيئًا لا ينبغي أن يُدَلَّس له؛ لئلا يتضرر به، وقد شوهد ذلك من بعض الناس. فتح الباري (9/ 667).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم: أن المنقول عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه كان لا يعيب الطعام الذي هو فيما صنعه الآدمي؛ لئلا ينكسر خاطره؛ ويُنسب إلى التقصير فيه، وأما الذي خُلِق كذلك، فليس نفور الطبع منه ممتنعًا. فتح المنعم (8/ 44).