عن أبي ذر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، «فيما روى عن الله -تبارك وتعالى- أنه قال: يا عبادي، إني حرَّمتُ الظلم على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا، يا عبادي، كلُّكم ضالٌّ إلا مَن هدَيْتُهُ، فاسْتَهْدُوني أَهْدِكُم، يا عبادي، كلُّكم جائعٌ إلا من أطْعَمْتُه، فاسْتَطْعِمُوني أُطْعِمْكم، يا عبادي، كلُّكم عارٍ إلا مَن كَسُوْتُه، فاسْتَكْسُوني أَكْسِكُم، يا عبادي، إنَّكم تُخْطِئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاسْتَغْفِروني أغفرْ لكم، يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضَرِّي فتَضُرُّوني، ولن تبلغوا نَفْعِي فتَنْفَعوني، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم، وَإِنْسَكُم وجِنَّكُم، كانوا على أَتْقَى قلبِ رجلٍ واحد منكم، ما زاد ذلك في مُلْكِي شيئًا، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، كانوا على أَفْجَرِ قلبِ رجلٍ واحدٍ ما نقص ذلك مِن مُلْكِي شيئًا، يا عبادي، لو أن أوَّلَكم وآخِرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم قامُوا في صعيدٍ واحد، فسألوني، فأَعْطَيْتُ كلَّ إنسانٍ مسألتَه ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ البحر، يا عبادي، إنما هي أعمالُكم أُحْصِيها لكم، ثم أُوَفِّيْكُم إيَّاها، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نفسَه».
رواه مسلم برقم: (2577)، من حديث أبي ذر -رضي الله عنه-.
غريب الحديث
«عَارٍ»:
العُرِي: خلاف اللبس، عَرِيَ مِن ثوبه يَعْرَى عُريًّا، وعُرْيَة فهو عارٍ. لسان العرب، لابن منظور (15/ 46).
«كَسَوْتُهُ»:
الكِسْوة والكُسْوة: اللباس، واحدة الكِسَا. لسان العرب، لابن منظور (15/ 223).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
يقال: كَسِيَ، بِكَسْر السين، يُكْسَى، فهو كَاسٍ: أي: صار ذا كسوة. النهاية (4/ 175).
«تَبْلُغُوا»:
بَلَغَ الشيءُ يبلغ بلوغًا وبَلاغًا: وصل وانتهى. لسان العرب، لابن منظور (8/ 419).
«صَعِيْدٍ»:
الصَّعيد: وجهُ الأرض ترابًا كان أو غيره. المصباح المنير، للفيومي (1/ 339).
«الْمِخْيَطُ»:
الخِيَاطُ والمِخْيَط: ما خِيْطَ به، وهُمَا أيضًا الإبرة، ومنه قوله تعالى: {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} الأعراف: 40. لسان العرب، لابن منظور (7/ 298).
«أُحْصِيْهَا»:
أَحْصَى الشيء: عَدَّه. مختار الصحاح، للرازي (ص: 75).
قال نشوان الحميري -رحمه الله-:
أحصى الشيء: إذا عدَّه كله، قال الله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} النحل: 18. شمس العلوم (3/ 1476).
شرح الحديث
قوله: «عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيما روى عن الله -تبارك وتعالى-»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فيما يروي» أي: بواسطة أو بغيرها، يقظة أو منامًا، باللفظ أو المعنى. مرقاة المفاتيح (4/ 1611).
وقال السندي -رحمه الله-:
«ما يرويه عن الله -عزَّ وجلَّ-» من الأحاديث القدسية، والحديث القدسي: كلام الله المحكي عنه، بكلامٍ غير معجز، ولا متعبَّد به. شرح السندي للأربعين النووية (ص: 26).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«تبارك» أي: تَزَايد خَيْرُه مرة بعد مرة، وعمَّ إحسانه برًّا وفاجرًا. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (24/ 344).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«تبارك» أي: تَكَاثَر خَيره، وظهَر في هذا الخير بعضُ أثره، «وتعالى» أي: عن مشابهة المخلوقين في الرواية وغيرها. مرقاة المفاتيح (4/ 1611).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وتعالى» أي: ترفَّع عن كل ما لا يليق به. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (24/ 344).
قوله: «يا عبادي»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«يا عبادي» جمع عبدٍ، هو لغةً الإنسان، والمراد هنا: الثَّقَلان، بدليل قوله: «لو أنَّ إِنْسَكم وجنكم». التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 593).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
هذه الإضافة إلى الله -جلَّ وعلا- إضافة تشريف. شرح الأربعين النووية (13/ 2).
وقال السندي -رحمه الله-:
ناداهم وأضافهم إليه بلفظ العباد؛ ليصْغُوا إلى ما يُلقي إليهم، ويأخذوه بالاعتناء؛ وليعلموا أن وظيفة العبد قبول وصيةَ السيد. شرح السندي للأربعين النووية (ص: 26).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
تكرر في الحديث «يا عبادي،» وهو متناوِل للنساء لكن بقرينة التكليف، وأما الخطاب المختص بالذكور أو بالإناث فحكمه لائح والصالح لهما يعمهما، واختلف في نحو: المسلمين والمؤمنين، هل يتناول النساء أم لا؟ والأشبه المنع وضعًا، بل بقرينة أو عُرف. المعين على تفهم الأربعين (ص: 302).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والملائكة غير داخلين فيه؛ لأن المراد بالعِباد مَن يتصف بالتقوى والفجور لا غير. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 593).
قوله: «إني حَرَّمت الظلم على نفسي»:
قال النووي -رحمه الله-:
أصل التحريم في اللغة: المنع، فسمَّى تقدُّسه عن الظلم تحريمًا لِمُشابهته للممنوع في أصل عدم الشيء. شرح صحيح مسلم (16/ 132).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«حرَّمت» أي: مَنَعْتُ الظلم على نفسي، ولله تعالى أن يحرِّم على نفسه ما شاء، وله أن يوجِب على نفسه ما شاء، فقد حرم الله على نفسه أشياء، وأوجب على نفسه أشياء. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 375).
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«حرمت الظلم على نفسي» أي: لا ينبغي لي، ولا يجوز عليَّ، كما قال -سبحانه وتعالى-: {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} مريم: 92، وقد اتفق العقلاء على أن الظلم على الله تعالى محال. المفهم (6/ 552).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
«حرمت الظلم على نفسي» يعني: أنه منع نفسه من الظلم لعباده، كما قال -عزَّ وجلَّ-: {وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} ق: 29، وقال: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} غافر: 31، وقال: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} آل عمران: 108. جامع العلوم والحكم (2/ 657).
قال ابن تيمية -رحمه الله-:
اتّفق الْمُسلمُونَ وسائِر أهل الملَل على أَن الله تعالى عدل قائِم بِالقِسْطِ لا يظلِم شيئًا بل هُوَ مُنزَّه عَن الظُّلم. جامع الرسائل(1/١٢١).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
طُرق الناس اختلفت في حقيقة الظُّلم الذي يُنزه عنه الرُّب -سبحانه وتعالى-... قال أهل السُّنة والحديث ومن وافقهم: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وهو سبحانه حَكَمٌ عَدْلٌ، لا يضع الشيء إلا في موضعه الذي يناسبه ويقتضيه العدل والحكمة والمصلحة، وهو سبحانه لا يفرِّق بين مُتماثلين ولا يساوي بين مختلفين، ولا يعاقِب إلا من يستحق العقوبة، ويضعها موضعها لما في ذلك من الحكمة، ولا يعاقب أهل البر والتقوى، وهذا قول أهل اللغة قاطبة، وتفسير الظلم بذينِك التفسيرين اصطلاح حادث ووضع جديد.
قال ابن الأنباري: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، يقال: ظَلَم الرجل سِقَاءَه إذا سقى منه قبل أن يخرج منه زَبَده...
وقال الحسن بن مسعود والفراء: أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، قال: ومنه قولهم: من أشبه أباه فما ظلم، قولهم: من استرعى الذئب فقد ظلم، يعنون: من أشبه أباه فما وضع الشَّبَه في غير موضعه، وهذا القول هو الصواب المعروف في لغة العرب والقرآن والسنة. مختصر الصواعق المرسلة (ص: 231-232).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«على نفسي» يعني: على ذاتي، وكلمة النفس أصوب من كلمة ذات، لكن شاع بين الناس إطلاق الذات دون إطلاق النفس، ولكن الأصل العربي: النفس. شرح الأربعين النووية (ص: 244).
قوله: «وجعلتُه بينكم محرَّمًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وجعلتُه» أي: جعلتُ الظلم «بينكم محرمًا». الكوكب الوهاج (24/ 344).
وقال السندي -رحمه الله-:
«وجعلته محرمًا بينكم»؛ لتتخلقوا بخُلقي، وتتقيدوا بقيد عبوديتي، وتنجوا من وبال الظلم؛ فإنه ظلمات يوم القيامة. شرح السندي للأربعين النووية (ص: 26).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
معنى: «وجعلتُه بينكم محرمًا» حرمته عليكم، ومنعتكم منه شرعًا. المعين على تفهم الأربعين (ص: 291).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
حرَّم الظلم على عباده، ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم، فحرام على كل عبد أن يظلم غيره، مع أن الظلم في نفسه محرَّم مطلقًا، وهو نوعان:
أحدهما: ظلم النفس، وأعظمه الشرك، كما قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} لقمان: 13، فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق، فعَبَدَه وتألَّهَه، فوضع الأشياء في غير موضعها، وأكثر ما ذكر في القرآن من وعيد الظالمين إنما أريد به المشركون، كما قال الله -عزَّ وجلَّ-: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} البقرة: 254، ثم يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائر وصغائر.
والثاني: ظلم العبد لغيره، وهو المذكور في هذا الحديث، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في خطبته في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا». جامع العلوم والحكم (2/ 659).
قوله: «فلا تظالموا»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
«لا تظالموا» هو بفتح التاء، أصله: تتظالموا، حذفت إحدى التاءين تخفيفًا. المعين على تفهم الأربعين (ص: 289).
وقال النووي -رحمه الله-:
والمراد: لا يظلم بعضكم بعضًا، وهذا توكيد لقوله تعالى: «يا عبادي» «وجعلتُه بينكم محرمًا» وزيادة تغليظ في تحريمه. شرح صحيح مسلم (16/ 132).
قوله: «يا عبادي، كلكم ضال»:
قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
ولما ذكر تعالى ما أوجبه من العدل، وحرَّمه من الظلم على نفسه وعلى عباده أَتْبَعه بذكر إحسانه إليهم، وغِنَاه عنهم، وفقرهم إليه، وأنهم لا يقدرون على جلب منفعةٍ لأنفسهم، ولا دفع مضرة عنهم إلا أن يكون هو الميسِّر لذلك، مشيرًا إلى ذلك الجلب والدفع إما في الدِّين، أو الدنيا، فصارت أربعة أقسام، وهي: الهداية، والمغفرة، وهما جلب منفعة، ودفع مضرة في الدين، والإطعام، والكسوة، وهما جلب منفعةٍ، ودفع مضرةٍ في الدنيا، وأهم هذه الأقسام طلب الهداية؛ فلذا افتتح به فقال: «يا عبادي، كلكم ضالٌّ». الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 418).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«يا عبادي» كرّر النداء زيادة في تشريفهم، ولذا أضافهم إليه، وتنبيهًا على فخامة ما بعده، وجمَعَه لإفادة الاستغراق. دليل الفالحين (2/ 332).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
لما كان الخطاب بعد «يا عبادي» معنيًّا به مهتمًا بشأنه، كرَّره تنبيهًا على فخامته، ونسبة الضلال إلى الكل بحسب مراتبهم. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1837).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كلكم ضال» أي: عن كل كمال، وسعادة دينية ودنيوية. مرقاة المفاتيح (4/ 1612).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«كلكم ضالٌّ» أي: غافلٌ عن الشرائع قبل إرسال الرسل، فهو على حدِّ: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} الضحى:7، أي: غافلًا عما سيوحيه إليك، فهداك إليه بالوحي. الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 418).
وقال السندي -رحمه الله-:
«كلكم ضال» عن طريق الهدى، لا تهتدون إليها بأنفسكم «إلا من هديته» سبيل الهدى، وعرَّفته طريق الردى. شرح السندي للأربعين النووية (ص: 26).
وقال المازري -رحمه الله-:
كأن ظاهره أن الناس على الضلال يخلقون إلا مَن هداه سبحانه، وقد ذكر في الحديث الآخر أنهم على الفطرة يولدون، وقد يُراد بهذا ها هنا وصفهم بما كانوا عليه قبل بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- إليهم، أو أنهم إن تُركوا وما في طباعهم من إيثار الراحة وإهمال النظر ضلُّوا إلا من هداه الله سبحانه. المعلم بفوائد مسلم (3/ 291).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا دليل لمذهب أصحابنا وسائر أهل السنة أن المهتدي هو من هداه الله، وبهدي الله اهتدى، وبإرادة الله تعالى ذلك، وأنه -سبحانه وتعالى- إنما أراد هداية بعض عباده وهم المهتدون، ولم يرد هداية الآخرين، ولو أرادها لاهتدوا، خلافًا للمعتزلة في قولهم الفاسد: إنه -سبحانه وتعالى- أراد هداية الجميع، جلَّ الله أن يريد ما لا يقع، أو يقع ما لا يريد. شرح صحيح مسلم (16/ 132-133).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قد ظن بعضهم أنه معارض لحديث عياض بن حمار، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يقول الله -عزَّ وجلَّ-: خَلَقتُ عبادي حُنفاء»، وفي رواية: «مسلمين فاجتالتهم الشياطين» وليس كذلك، فإن الله خلق بني آدم، وفَطَرهم على قبول الإسلام، والميل إليه دون غيره، والتهيؤ لذلك، والاستعداد له بالقوة، لكن لا بد للعبد من تعليم الإسلام بالفعل، فإنه قبل التعليم جاهل لا يعلم شيئًا، كما قال -عزَّ وجلَّ-: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} النحل: 78، وقال لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} الضحى:7، والمراد: وجدك غير عالم بما علَّمك من الكتاب والحكمة، كما قال تعالى: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} الشورى: 52، فالإنسان يولد مفطورًا على قبول الحق، فإنْ هداه الله سبَّبَ له من يعلِّمه الهدى، فصار مهتديًا بالفعل بعد أن كان مهتديًا بالقول، وإن خذله الله قيَّض له من يعلِّمه ما يغير فطرته كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه وينصرانه ويمجِّسانه». جامع العلوم والحكم (2/ 662-663).
قوله: «إلا من هديتُه»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إلا من هديته» إي: إلا مَن دَلَلْتُه على طريق الهدى. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (24/ 344).
قوله: «فاستهدوني»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
معنى «فاستهدوني»: سَلُوني الهداية، واعتقدوا أنها لا تكون إلا مِن فضلي وبأمري «أهدكم». المعين على تفهم الأربعين (ص: 294).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فمتى طَلبت الهداية من الله بصدق وافتقار إليه، وإلحاحٍ، فإن الله يهديك. شرح رياض الصالحين (2/ 124).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
المراد: طلبُ الهداية منه تعالى لفظًا وفعلًا، فإنَّ الذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم، ولما كانت الهداية إذا نالها العبد شاملة لما ينفعه في معاده ومعاشه اقتصر عليها في الحديث كما اقتصر على طلبها في الفاتحة التي تُقرأ في كل صلاة، وأثنى على رسوله بها في قوله: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} الضحى:7. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 594).
وقال الشيخ البراك -حفظه الله-:
والهداية من الله نوعان:
هداية البيان والإرشاد: وهي عامة لسائر المكلَّفين، وهي مقدورة للخلق كما قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} الشورى: 52.
وهداية التوفيق لقبول الحق والعمل به، وهي هداية خاصة، ولا يقدر عليها إلا الله -عزَّ وجلَّ-، قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} القصص: 56، والهداية في هذا الحديث يحتمل: أن تكون هي الهداية الخاصة، ويحتمل: أن تكون شاملة للنوعين، وهو أظهر؛ لقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} الفاتحة: 6. الفوائد المستنبطة من الأربعين النووية (ص: 38).
قوله: «أهدكم»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أهدكم» أي: أُوَفِّقكم طريق الهداية. الكوكب الوهاج (24/ 345).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أهدكم» إذ لا هادي إلا الله، ولولا الله ما اهتدينا. مرقاة المفاتيح (4/ 1612).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
وحكمة طلبه تعالى منا سؤاله الهداية: إظهار الافتقار والإذعان، والإعلام بأنه لو هداه قبل أن يسأله لربما قال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} القصص: 78، فيضلّ بذلك، فإذا سأل ربه فقد اعترف على نفسه بالعبودية، ولمولاه بالربوبية، وهذا مقامٌ شريفٌ، وشهودٌ منيف، لا يتفطَّن له إلا الموفَّقون، ولا يعلم قدر عظمته إلا العارفون. الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 421).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
وهذا البيان طريق حصول النفع الديني، ودفع الضرر من ذلك، وقدَّمه اهتمامًا واحتفالًا بشأنه. دليل الفالحين (2/ 333).
قوله: «يا عبادي، كلُّكم جائع إلا مَن أطْعَمْتُه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
لما فرغ من الامتنان بالأمور الدينية شرع في الأمور الدنيوية؛ تكميلًا للمرتبتين، مقتصرًا على الأمرين الأهمَّين منها، وهو الأكل واللبس كقوله تعالى في وصف الجنة: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} طه: 118 – 119، ولعل ترك الظمأ اكتفاء بدلالة المقابلة نحو قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} النحل: 81 أي: والبرد، وترك المأوى لشمول الكسوة التي هي السترة له إيماء أو إشارة. مرقاة المفاتيح (4/ 1612).
وقال السندي -رحمه الله-:
«كلكم جائع» إذ لا تقدرون على ما تدفعون به الجوع مع أنكم مجبولون عليه «إلا من أطعمته». شرح السندي للأربعين النووية (ص: 27).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كلكم جائع» أي: محتاج إلى الطعام «إلا من أطعمته». مرقاة المفاتيح (4/ 1612).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
وذلك لأن الناس كلهم عبيدٌ لا مُلك لهم في الحقيقة، وخزائن الرزق بيده تعالى، فمَن لا يُطعمه بفضله بقي جائعًا بعدله؛ إذ ليس عليه إطعام أحدٍ، فقولُه تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} هود: 6، التزامٌ منه تفضلًا، لا أنه عليه واجبٌ بالأصالة، فهو نظير: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ} الآيةَ النساء: 17؛ أي: قبولها واجبٌ منه تفضلًا التزامًا، لا عليه لزومًا. الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 421).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
أما قوله: «كلُّكم جائع إلا من أطعمتُه..» فيقتضي أصلين عظيمين: أحدهما: وجوب التوكل على الله في الرزق المتضمن جلب المنفعة كالطعام ودفع المضرة كاللباس، وأنه لا يقدِر غير الله على الإطعام والكسوة قدرة مطلقة، وإنما القدرة التي تحصل لبعض العباد تكون على بعض أسباب ذلك، ولهذا قال: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} البقرة: 233...، وقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} يس: 47، فذمَّ مَن يترك المأمور به اكتفاء بما يجري به القَدَر، ومن هنا يُعرف أن السبب المأمور به أو المباح لا ينافي وجوب التوكل على الله في وجود السبب، بل الحاجة والفقر إلى الله ثابتة مع فعل السبب؛ إذ ليس في المخلوقات ما هو وحده سبب تام لحصول المطلوب، ولهذا لا يجب أن تَقترن الحوادث بما قد يجعل سببًا إلا بمشيئة الله تعالى، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فمن ظن الاستغناء بالسبب عن التوكل فقد ترك ما أوجب الله عليه من التوكل، وأخلَّ بواجب التوحيد، ولهذا يُخذل أمثال هؤلاء. مجموع الفتاوى (18/ 178-179).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فإن قلتَ: ما معنى الاستثناء في قوله: «إلا مَن أطعمتُه» و«إلا من كسوته»؛ إذ ليس أحد من الناس محرومًا عنهما؟
قلتُ: الإطعام والكسوة لما كانا مُعَبِّرَين عن النفع التام والبسط في الرزق، وعدمها من التقتير والضيق، كما قال تعالى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} الرعد: 26، سَهُلَ التقصي عن الجواب، فظهر من هذا أن ليس المراد من إثبات الجوع والعري في المستثنى منه نفي الشبع والكسوة بالكلية، وليس في المستثنى إثبات الشبع والكسوة مطلقًا، بل المراد بسطهما وتكثيرهما. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1838).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
ولا يمنع نسبة الإطعام إليه تعالى ما يشاهَد من ترتب الأرزاق على أسبابها الظاهرة، كالحِرَف، والصنائع، وأنواع الاكتساب؛ لأنه تعالى المقدّر لتلك الأسباب الظاهرة بقدرته وحكمته الباطنة، فالجاهل محجوبٌ بالظاهر عن الباطن، والعارف الكامل لا يحجبه ظاهرٌ عن باطنٍ، ولا باطنٌ عن ظاهرٍ، بل يعطي كل مقامٍ حقه، وكل حالٍ وَفْقَه. الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 421).
قوله: «فاستطعموني»:
قال السندي -رحمه الله-:
«فاستطعموني» فاطلبوا مني الطعام «أُطْعِمْكم» ولا تطلبوه من غيري، فإن الغني الجواد لا يرضى أن يَسأل عبيدُه غيرَه. شرح السندي للأربعين النووية (ص: 27).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«فاستطعموني» أي: سلوني واطلبوا مني الطعام، ولا يغرَّنَّ ذا الكثرة ما في يده، فإنه ليس بحوله وقوَّته، بل اللَّه تعالى هو المتفضِّل به عليه، فينبغي له مع ذلك ألَّا يغفل عن سؤال اللَّه تعالى إدامةَ نعمته عليه؛ لئلَّا تَنفر عنه فلا تعود إليه. الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 422).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «استطعموني» يَشْمل سؤال الله -عزَّ وجلَّ- الطعام، ويشمل السعي في الرزق وابتغاء فضل الله -عزَّ وجلَّ- كما قال تعالى في سورة الجمعة: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} الجمعة: 10. شرح الأربعين النووية (ص: 247).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وفيه: تأديب للفقراء، أي: اطلبوا مني، فأنا الذي أطعمهم: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} الذاريات: 58، فالرب -جلَّ جلاله- يسخِّر السحاب، ويسقي البلاد، ويحرك القلوب للإعطاء، ويحوج بعضًا إلى بعض للنفع، وتصرُّفه في عالَمِه عجيب يعجز عنه الفَطِنُ اللبيب. المعين على تفهم الأربعين (ص: 296).
قوله: «أطْعِمْكُم»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«أطعمكم» هذا جواب شرط مقدر، أو جواب الأمر الذي كان في الشرط، يعني: أنك إذا استطعمت الله فإن الله يطعمك، ولكن استطعام الله -عزَّ وجلَّ- يحتاج إلى أمر مهم، وهو حسن الظن بالله -جلَّ وعلا-، أي: أن تُحسن الظن بربك أنك إذا استطعمتَه أطعمَك، أما أن تدعو الله وأنت غافل لاهٍ، أو تفعل الأسباب وأنت معتمد على قوَّتك لا على ربك؛ فإنك قد تكون مخذولًا، والعياذ بالله، لكن استَطْعِمِ الله وحده وأَخْلِص له وحده في ذلك. شرح رياض الصالحين (2/ 128).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
«أطعمكم» بتقدير أسبابه وتيسير طلابه: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} النساء: 32. المعين على تفهم الأربعين (ص: 296).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
لأن العالَمَ جمادَه وحيوانَه مطيعٌ للَّه تعالى طاعةَ العبد لسيده، فيُسخِّر السحابَ لبعض الأماكن، ويحرِّك قلبَ فلانٍ لإعطاء فلان، ويحوج فلانًا لفلانٍ بوجهٍ من الوجوه؛ لينال منه نفعًا، فتصرفاته تعالى في هذا العالم عجيبةٌ لمن تدبرها: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} الذاريات: 58. الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 422).
قوله: «يا عبادي، كلكم عَار إلا من كَسَوْتُه»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «كلكم عار إلا مَن كسوتُه» فيه من الفقه: أن الكِسَا من الله تعالى متنوعة، فقد يكسو من عري جسدًا، وقد يكسو بالستر الجميل. الإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 187).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فمن كسوتُه لباسَ التقوى فلا قُدرة لأحد على نزعه. المعين على تفهم الأربعين (ص: 296).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فمن حِكمته تعالى: أنَ جَعَلنا نخرج باديةً أبشارنا، باديةً جلودنا، حتى نعرف أننا محتاجون إلى كسوة تستر عورتنا حسًّا، كما أننا محتاجون إلى عملٍ صالح يستر عورتنا معنى؛ لأن التقوى لباس، كما قال تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} الأعراف: 26، فأنت انظر في نفسك تجد أنك محتاج إلى الكسوة الحسية؛ لأنك عارٍ، كذلك أيضًا محتاج إلى الكسوة المعنوية -وهي العمل الصالح-؛ حتى لا تكون عاريًا، ولهذا ذَكَر بعض العابرين للرؤيا أن الإنسان إذا رأى نفسه في المنام عاريًا فإنه يحتاج إلى كثرة الاستغفار؛ لأن هذا دليل على نقصان تقواه؛ فإن التقوى لباس. شرح رياض الصالحين (2/ 128-129).
قوله: «فاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُم»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «فاستكسوني» أي: اطلبوا مني الكسوة الجميلة الطاهرة، فإنَّ مَن كساه الله تعالى لباس التقوى لم يقدر أحد أن ينزعه عنه. الإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 186).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وهذا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في جلب مصالحهم، ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم، وأنَّ العباد لا يملكون لأنفسهم شيئًا من ذلك كله، وأنَّ من لم يتفضل الله عليه بالهدى والرزق فإنه يحرمهما في الدنيا، ومن لم يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه أوبقته خطاياه في الآخرة.
قال الله تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} الكهف: 17، ومثل هذا كثير في القرآن. جامع العلوم والحكم (2/ 660).
قوله: «يا عبادي، إنكم تُخْطِئُونَ»:
قال النووي -رحمه الله-:
«تخطئون بالليل والنهار» الرواية المشهورة: «تُخطئون» بضم التاء، وروي بفتحها، وفتح الطاء، يقال: خطئ يُخْطِئ، إذا فعل ما يأثم به، فهو خاطئ، ومنه قوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} يوسف: 97، ويقال في الإثم أيضًا: أخطأ، فهما صحيحان. شرح صحيح مسلم (16/ 133-134).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
أوجب الله -عزَّ وجلَّ- على العباد امتثال الأوامر واجتناب المنهيات، والعباد يحصل منهم التقصير في أداء ما وَجَب عليهم، والوقوع في شيء مِمَّا نُهوا عنه، وطريق السلامة من ذلك: رجوعهم إلى الله، وتوبتهم من ذنوبهم، وسؤال الله -عزَّ وجلَّ- أن يغفرها لهم، وفي الحديث: «كلُّ بني آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوَّابون» حديث حسن، أخرجه ابن ماجه وغيرُه. فتح القوي المتين (ص: 85).
قوله: «بالليل والنهار»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «بالليل» الباء هنا بمعنى: (في) كما هي في قول الله تعالى: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ* وَبِاللَّيْلِ} الصافات: 137-138، أي: وفي الليل. شرح الأربعين النووية (ص: 240).
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «بالليل والنهار» وهو من باب مقابلة الجمع بالجمع؛ أي: تَصْدُر منكم الخطيئات ليلًا ونهارًا، من بعضكم ليلًا، ومن بعضكم نهارًا؛ إذ الغالب أن العبد لا يستغرق الزمن كله في الخطايا. المعين على تفهم الأربعين (ص: 298).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«بالليل والنهار» أي: في هذين الزمانين، وأما تخصيص النهار في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} الأنعام: 60 لغلبة الذنب فيه. مرقاة المفاتيح (4/ 1612).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «بالليل والنهار» أي في ساعاتهما، وأوقاتهما، وقدَّم الليل على النهار؛ لأن الليل ظُلمة، وهي الأصل، والنور طارئ عليها يسترها؛ ولأن المقام يقتضي تقديمه، إذا أكثر المعاصي والآثام تُعمل في الليل. النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية (ص: 56).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الكلام الشريف من التأنيب والتوبيخ ما يَستحي منه كل مؤمن، وذلك أنه إذا لمح العبد الفطن أن الله تعالى خلق الليل ليُطاع فيه سرًّا، ويُعبد بالإخلاص في خلوة من الناس؛ حيث تسلم الأعمال غالبًا من الرياء والنفاق، ومشاهدة الخلق، ولا يستحي المؤمن ألا ينفق الليل فيما خُلق له من الطاعة حتى يخطئ فيه، ويعصي الله تعالى في مطاويه، فأما النهار فإنه جعل مشهودًا من الناس يقتضي مِن كل فَطِنٍ أن يطيع الله تعالى فيه، ولا يتظاهر بين الناس بالمخالفة، فيكون مُجَرِّئًا لغيره على مثل ذلك، فكيف يحسن بمؤمن أن يُخْطِئ جهرًا يشهد به عليه خلق الله -عزَّ وجلَّ- في نهار يكشف الأغطية، ويبدي الوجوه والألوان؟! إلا أنه -سبحانه وتعالى- قال بعد ذلك كله: «وأنا أغفر الذنوب جميعًا» وذَكَرَ «الذنوب» بالألف واللام اللتين للتعريف، وإنما قال سبحانه: «جميعًا» ها هنا قبل أمره إيانا باستغفاره حتى لا يقنط أحد من رحمة الله لعظيم ذنب احْتَقَبَه، ولا لشديد وِزْرٍ قد ارْتَكَبَه. الإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 187).
قوله: «وأنا أغفر الذنوب جميعًا»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وأنا أغفر الذنوب جميعًا» أي: أَسْتُرها، وأتجاوز عنها مهما كثرت، ومهما عَظُمت، ولكن تحتاج إلى الاستغفار. شرح الأربعين النووية (ص: 240).
وقال الصرصري -رحمه الله-:
قوله: «وأنا أغفر الذنوب جميعًا» هو كقوله -عزَّ وجلَّ-: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} الزمر: 53، وهو عام مخصوص بالشرك وما شاء الله -عزَّ وجلَّ- ألا يغفره؛ لقوله -سبحانه وتعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} النساء: 48. التعيين في شرح الأربعين (1/ 188).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
المغفرة العامة لجميع الذنوب نوعان:
أحدهما: المغفرة لمن تاب كما في قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} إلى قوله: {ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} الزمر: 53-54، فهذا السياق مع سبب نزول الآية يبين أن المعنى لا ييأس مُذْنِب مِن مغفرة الله ولو كانت ذنوبه ما كانت، فإن الله سبحانه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لعبده التائب، وقد دخل في هذا العموم الشرك وغيره من الذنوب؛ فإن الله تعالى يغفر ذلك لمن تاب منه.
النوع الثاني من المغفرة العامة التي دل عليها قوله: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا»: المغفرة بمعنى تخفيف العذاب، أو بمعنى تأخيره إلى أجل مسمى، وهذا عام مطلقًا، ولهذا شفع النبي -صلى الله عليه وسلم- في أبي طالب مع موته على الشرك، فنُقل مِن غمرةٍ من نار حتى جُعل في ضَحْضَاح من نار، في قدميه نعلان من نار يغلي منهما دماغه. مجموع الفتاوى، باختصار (18/ 185-192).
قوله: «فاستغفروني أغْفِرْ لكم»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «فاستغفروني» أي: اطلبوا مني المغفرة «أغفر لكم» وفي الحديث «لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يُذنبون ويستغفرون فيُغفر لهم».
وأصل الغَفْرِ: الستر، وغَفَرْتُ المتاع: سَتَرْتُه، والْمِغْفَرة والْمِغفر لسترة الرأس، وغَفْرُ الذنب: سَتْرُه ومَحْوُ أثره. المعين على تفهم الأربعين (ص: 298).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
وحكمة التوطئة لما بعد الفاء بما قبلها: بيان أن غير المعصوم والمحفوظ لا ينفك غالبًا عن المعصية، فحينئذٍ يلزمه أن يجدِّد لكل ذنب ولو صغيرة توبة، وهي المرادة هنا من الاستغفار؛ إذ ليس فيه مع عدمها كبير فائدة، وشتان بين ما يمحوه بالكلية وهو التوبة النصوح، وبين ما يخفف عقوبته أو يؤخرها إلى أجل، وهو مجرد الاستغفار. دليل الفالحين (2/ 334).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«فاستغفروني أغْفِر لكم» أي: اطلبوا مغفرتي، إما بطلبِ المغفرة كأن يقول: اللهم اغفر لي، أو: أَسْتَغفر الله وأتوب إليه، وإما بفعل ما تكون به المغفرة، فمن قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة غُفرت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر. شرح الأربعين النووية (ص: 240).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
طلب المغفرة ليس مجرد أن يقول الإنسان: اللهم اغفر لي، بل لا بد مِن توبة صادقة يتوب بها الإنسان إلى الله -عزَّ وجلَّ-، والتوبة الصادقة هي التي تَجمع خمسة شروط:
الشرط الأول: أن يكون الإنسان مخلصًا فيها لله -عزَّ وجلَّ¬- لا يحمله على التوبة مراءاة الناس، ولا تسميعهم، ولا أن يتقرب إليهم بشيء، وإنما يقصد بالتوبة الرجوع إلى الله حقيقة.
الشرط الثاني: أن يندم الإنسان على ما وقع منه من الذنب.
الشرط الثالث: أن يُقلع عن الذنب فلا توبة مع الإصرار على الذنوب.
الشرط الرابع: أن يعزم على ألا يعود في المستقبل.
ومن التخلي عن الذنب والإقلاع عنه: أن يرد المظالم إلى أهلها إذا كانت المعصية في حقوق العباد، هذه خمسة شروط للتوبة، لا تُقبل إلا بها. شرح رياض الصالحين، باختصار (2/ 130-134).
قوله: «يا عبادي، إِنكم لن تبلغوا ضَرِّي فتَضُرُّوني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «لن تبلغوا ضرِّي فتضروني» أي: فلن تضروني، يعني: لن تقدروا أن تُوصِلوا إليَّ ضرًّا، ولن تقدروا أن تُوصِلوا إليَّ نفعًا، يعني: إن أحسنتم يحصل نفعها لكم، ولا نفع لي مِن عبادتكم، وإن أسأتم فعلى أنفسكم إثم سيئاتكم، ولا يلحقني ضرر سيئاتكم. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 173).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضَرِّي ...» إلى آخره، أي: لا يتعلق بي ضُرُّ ولا نفع فتضروني أو تنفعوني، ولأن العبد فقير مطلق، والرب -جلَّ جلاله- غني مطلق، والفقير المطلق لا يملك ضرًّا ولا نفعًا، خصوصًا للغني المطلق، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} فاطر: 15، وقام الإجماع على تنزيه الباري تعالى وتقديسه، وأنه غني بذاته، لا يلحقه ضرٌّ ولا نفع، ولا يحتاج إلى ذلك. المعين على تفهم الأربعين (ص: 298).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
بيَّنَ بذلك أنه ليس هو فيما يحسن به إليهم من إجابة الدعوات، وغُفران الزلات، بالمستعيض بذلك منهم جلب منفعة، أو دفع مضرة، كما هي عادة المخلوق الذي يُعطي غيره نفعًا؛ ليكافئه عليه بنفع، أو يدفع عنه ضررًّا؛ ليتَّقِي بذلك ضرره، فقال: «إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني» فلست إذا أَخَصُّكم بهداية المُستهدي وكفاية المستكفي المُستطعم والمستكسي بالذي أطلب أن تنفعوني، ولا أنا إذا غَفَرت خطاياكم بالليل والنهار أَتَّقِي بذلك أن تضروني، فإنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني؛ إذ هم عاجزون عن ذلك، بل ما يَقْدِرون عليه من الفعل لا يقدرون عليه إلا بتقديره وتدبيره، فكيف بما لا يَقدرون عليه؟ فكيف بالغني الصمد الذي يمتنع عليه أن يستحق من غيره نفعًا أو ضرًّا؟ مجموع الفتاوى (18/ 192-193).
وقال السندي -رحمه الله-:
«ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني» لأنكم عاجزون، وأنا لا أحتاج إلى شيء، ولا أنتفع به؛ إذ أمري أعلى من ذلك وأعظم، سبحانه ما أعظم شأنه. شرح السندي للأربعين النووية (ص: 27).
قوله: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«لو أن أوَّلكم» أي: من الأموات، «وآخركم» أي: من الأحياء. شرح المصابيح (3/ 134).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لو أن أولكم» أي: من الموجودين «وآخركم» ممن سيوجد. مرقاة المفاتيح (4/ 1613).
قوله: «وإِنْسَكُم وجِنَّكم»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«وإنْسَكُم وجِنَّكم» عطف التفاصيل على المجمل، فإن الكل عباده تعالى. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 595).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وإنسكم» سُموا بذلك لظهورهم أو أنهم يؤنسون، «وجنكم» سموا به لاجتنانهم أي: اختفائهم. دليل الفالحين (2/ 335).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
الخِطاب مع الثقلين خاصة؛ لاختصاص التكليف، وتَعَاقب التقوى والفجور بهم، ولذلك فصَّل المخاطبين بالإنس والجن. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/ 70).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
إنما خصهما لاختصاص التكليف بهما، وتعاقب الفجور والتقوى عليهما. شرح المصابيح (3/ 134).
قوله: «كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «كانوا على أتقى قلب رجل» يعني: كانوا على غاية التقوى، لا تزيد تقواكم في ملكي شيئًا. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 174).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
تقديره: على تقوى أتقى، أو: على أتقى أحوال رَجُل. تحفة الأبرار 2/ 70).
وقال السندي -رحمه الله-:
«كانوا على أتقى قلبِ رجل واحد منكم» كمحمد -صلى الله عليه وسلم-. شرح السندي للأربعين النووية (ص: 27).
قوله: «ما زاد ذلك في مُلْكِي شيئًا»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«ما زاد ذلك في مُلكي شيئًا» أي: لا يعود نفع ذلك إلى الله بأن يزيد في مُلكه، بل نَفْعُه قاصر على فاعله. دليل الفالحين (2/ 335).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
أي: تقواهم لا يزيد في مُلكه شيئًا، ولا فجورهم ينقصه؛ لأن مُلكه مرتبط بقدرته وإرادته، وهما دائمان لا انقطاع لهما، فكذا ما ارتبط بهما، وإنما غائلة الفجور على أهله تعود، فالتقوى رحمة لهم وسعادة، والفجور نقمة وشقاوة. المعين على تفهم الأربعين (ص: 299).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
هو إشارة إلى أن مُلكه لا يزيد بطاعة الخلق، ولو كانوا كلهم بَررة أتقياء، قلوبهم على قلب أتقى رجل منهم، ولا ينقص ملكه بمعصية العاصين. جامع العلوم والحكم (2/ 671).
قوله: «يا عبادي، لو أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم كانوا على أَفْجَرِ قلب رجل واحد»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «كانوا على أفجر قلب رجل» يعني: على غاية الكفر والفجور لا يُنقص كفْرُهم وفجورهم مِن مُلكي شيئًا. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 174).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«أفجر قلب رجل واحد» أي: على صورته؛ لما قيل: إن المراد إبليس لعنه الله، وفي ترك الخطاب هنا تنبيه على أن الأدب فيه ألا يضاف المكروه للمخاطب. دليل الفالحين (2/ 335).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
ولو كان الجن والإنس كلهم عصاة فجرة قلوبهم على قلب أفجر رجل منهم، فإنه سبحانه الغني بذاته عمن سواه، وله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، فملكه ملك كامل لا نقص فيه بوجه من الوجوه على أي وجه كان. جامع العلوم والحكم (2/ 671).
قوله: «ما نقص ذلك من مُلكي شيئًا»:
قال السندي -رحمه الله-:
«ما نقص ذلك من ملكي شيئًا»؛ لأن الكمال ذاتي لا يَنقص بكونكم كذلك. شرح السندي للأربعين النووية (ص: 27).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«ما نقص ذلك من ملكي شيئًا»؛ لأنه مرتبطٌ بقدرته وإرادته، وهما دائمان لا انقطاع لهما، فكذا ما ارتبط بهما، وإنما غاية التقوى والفجور عَود نفعٍ أو ضرٍّ على أهلهما، وفي ذلك كلَّه إشارةٌ إلى أن ملكه تعالى على غاية الكمال، لا يزيد بطاعة جميع الخلق وكونهم على أكمل صفة البِرِّ والتقوى، ولا ينقص بمعصيتهم؛ لأنه تعالى الغني المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، فمُلكه كاملٌ لا نقدس فيه بوجهٍ، بل لا يتصور وجود أكملَ منه. الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 425).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ووجه ذلك: أن الفاجر عدو لله -عزَّ وجلَّ- فلا يَنصر الله، ومع هذا لا ينقص من ملكه شيئًا؛ لأن الله تعالى غني عنه. شرح الأربعين النووية (ص: 241).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
قوله: «لم ينقص مما عندي» فيه قولان:
أحدهما: أنه يدل على أن عنده أمورًا موجودة يعطيهم منها ما سألوه إياه، وعلى هذا، فيقال: لفظ النقص على حاله؛ لأن الإعطاء من الكثير، وإن كان قليلًا فلا بد أن يَنقصه شيئًا ما...
والقول الثاني: أن لفظ النقص هنا كلفظ النقص في حديث موسى والخضر الذي في الصحيحين من حديث ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن النبي -صلي الله عليه وسلم-، وفيه: «أن الخضر قال لموسى لما وقع عصفور على قارب السفينة، فنقر في البحر، فقال: يا موسى ما نَقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر»، ومن المعلوم أن نفس علم الله القائم بنفسه لا يزول منه شيء بتعلم العباد، وإنما المقصود أن نسبة علمي وعلمك إلى علم الله كنسبة ما عَلِقَ بمنقار العصفور إلى البحر. مجموع الفتاوى (18/ 196-197).
قوله: «يا عبادي، لو أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم قاموا في صعيد واحد»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«قاموا» انتصَبُوا وتصدوا، لا القيام حقيقة. التنوير (7/ 596).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
الصعيد: وجه الأرض، والمراد بقوله: «في صعيد واحد»: في مقام واحد، قيَّد السؤال بالاجتماع لأن تزاحم السؤال وازدحامهم مما يدهش المسؤول عنه ويبهته، ويعسر عليه إنجاح مآربهم، والإسعاف إلى مطالبهم. تحفة الأبرار (2/ 70).
قوله: «فسألوني»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«فسألوني» أطلقه ليشمل أي شيء يسألونه. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 596).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا التنبيه للخلق على أن يعظِّموا المسألة، ويوسِّعوا الطلب، ولا يقتصر طالب ولا يختصر سائل؛ فإن ما عند الله لا ينقص. الإفصاح (2/ 188).
قوله: «فأعطيتُ كل إنسان مسألته»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«فأعطيت كل إنسان مسألته» الخاصة به، كما يقتضيه إضافتها إليه، خَصَّ الصعيد الواحد، وأُتِيَ بالفاء في السؤال والإعطاء إشارة إلى أنه لو اجتمع الخلائق كلهم في مقام واحد، في خبر واحد، وعقَّب الاجتماع بسؤالهم له تعالى لأي مطلوب كان، وعقَّبه الإعطاء لكل ما سُئل، وفي قوله: «مسألته» إشارة إلى أنها مسألة خاصة لكل سائل، وأنهم لم يجتمعوا على مطلوب واحد. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 596).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
المراد بهذا: ذكر كمال قُدرته سبحانه، وكمال مُلكه، وأنَّ مُلكه وخزائنه لا تنفد، ولا تَنقص بالعطاء، ولو أعطى الأولين والآخرين من الجن والإنس جميع ما سألوه في مقام واحد، وفي ذلك حث للخلق على سؤاله وإنزال حوائجهم به، وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: «يد الله ملأى، لا تغيضها نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، أفرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه». جامع العلوم والحكم (2/ 673).
قوله: «ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ البحر»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «ما نقص ...» إلى آخره، سببه: أنَّ مُلكه بين الكاف والنون، إذا أراد شيئًا قال له: كن، فكان. المعين على تفهم الأربعين (ص: 299).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
هو في رأي العين لا يُنقص من البحر شيئًا، فكذلك الإعطاء من الخزائن الإلهية لا يَنقُصها شيئًا ألبتة؛ إذ لا نهاية لها، والنقص مما لا يتناهى محال، بخلافه مما يتناهى كالبحر، وإن جلَّ وعظم وكان أكبر المرئيات في الأرض، بل قد يوجد العطاء الكثير من المتناهي ولا يَنْقُصه؛ كالنار والعِلْم يُقتبَس منهما ما شاء اللَّه تعالى ولا ينقص منهما شيء، بل قد يزيد العلم على الإعطاء. الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 426).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: هذا تقريب إلى الأفهام. شرح صحيح مسلم (16/ 133).
وقال الصرصري -رحمه الله-:
فإن قيل: هل يُعقل مُلك يعطى منه هذا العطاء العظيم ولا ينقص؟
قلنا: نعم كالنار والعلم يُقتبس منهما ما شاء الله ولا ينقصان، بل يزيد العلمُ على البَذْل. التعيين في شرح الأربعين (1/ 190).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
المِخْيَط: بكسر الميم وسكون الخاء: الإبرة، وغمسها في البحر وإن لم يخلُ عن نقص ما، لكنه لَمَّا لم يظهر ما ينقصه للحس، ولم يعتد به العقل، وكان أقرب المحسوسات نظيرًا ومثالًا، شبه به صرف ملتمسات السائلين مما عنده، فإنه لا يغيضه مثل ذلك، ولا أقل منه. تحفة الأبرار (2/ 70).
وقال النووي -رحمه الله-:
ضَرَب المثل بالمخيط في البحر؛ لأنه غاية ما يُضرب به المثل في القِلَّة. شرح صحيح مسلم (16/ 133).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
(وهذا) غاية في باب التمثيل في هذا، ويقرِّب لك أفهام بما يشاهد، فإن ماء البحر من أعظم المرئيات عيانًا وأكثرها، ودخول المخيط فيه، وهي الإبرة التي يُخَاط بها، وخروجها لا ينقص شيئًا؛ إذ لا يعْلَق بها من ماء البحر شيء لصقالتها. إكمال المعلم (8/ 47-48).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فضرب ذلك مثلًا لخزائن رحمة الله تعالى وفضله؛ فإنها لا تنحصر ولا تتناهى، وأن ما أعطي منها من أول خَلْق المخلوقات، وما يعطي منها إلى يوم القيامة لا يُنقص منها شيئًا، وهذا نحو قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الآخر: «يمين الله ملأى سحاء الليل والنهار، لا يغيضها شيء، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، لم يغض ما في يمينه»، وسر ذلك: أن قدرته صالحة للإيجاد دائمًا، لا يجوز عليها العجز والقصور، والممكنات لا تنحصر ولا تتناهى، فما وجد منها لا ينقص شيئًا منها. المفهم (6/ 555-556).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
وحكمة ضرب المثل هنا بما ذُكر: أنه غاية ما يُضرب به المثل في القلَّة؛ إذ البحر من أعظم ما يُعَايَن، والإبرة من أصغره، مع أنها صقيلةٌ لا يتعلَّق بها ماءٌ إلا ما لا يمكن إدراكه كمًّا، وفي هذا تنبيهٌ أيُّ تنبيهٍ للخلق على إدامتهم لسؤاله تعالى مع إعظام الرغبة وتوسيع المسألة، فلا يختصر سائلٌ، ولا يقتصر طالبٌ؛ لما تقرر أن خزائن الرحمة سحَّاء الليل والنهار، لا يَغيضها الإعطاء وإن جلَّ وعظم.
وقيل: إن ذلك إشارة للنعمة المخلوقة، وهي يُتصوَّر فيها النقص كالبحر. الفتح المبين (ص: 427-428).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وهذا بظاهره مخالِف لقول الخضر: «ما نَقَص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور» فإنَّ نقر العصفور من البحر لا بد أن يُنقصه شيئًا -وإن قلَّ- بخلاف الإبرة؛ لكن ليس المراد أن علمهما نقص من علم الله قليلًا أو كثيرًا؛ إنما المراد: تقريب أنه لم ينقص من علم الله أصلًا. المعين على تفهم الأربعين (ص: 300).
قوله: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم»:
قال المناوي -رحمه الله-:
لما بيَّن الله -جلَّ جلاله- كمال قُدرته، وتمام مُلكه، وسِعة نعمائه، وقوة نُفوذه، أراد أن يبين لخلقه: أنه تعالى ذكره مع كونه موصوفًا بهذه الصفات الفائقة الحد والحصر، فلا يَترك لعبد من عباده عملًا من الأعمال قلَّ أو كثر، صغر أو عَظُم، خيرًا أو شرًّا إلا أحصاه، وكتبه عليه، ثم يرد عليه جزاء ذلك، ويوفِّيه له على حسبه تامًا لا يُنقص منه شيئًا. النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية (ص: 62).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«إنما هي» أي: إنما الأمر والقصة، «أعمالكم» أي: جزاء أعمالكم. شرح المصابيح (3/ 135).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
معنى «أحصيها لكم»: بعلمي وملائكتي الحَفَظة، لِأُوَفِّيكم جزاءها وثوابها، فحذف المضاف فانقلب الضمير المخفوض منصوبًا منفصلاً كالمفعول المحذوف.
وفائدة الحَفَظة مع العلم: الشهادة على العبد المسكين: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} الإسراء: 14. المعين على تفهم الأربعين (ص: 301).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قوله: «إنما هي أعمالكم أحصيها لكم» يعني: أنه سبحانه يحصي أعمال عباده، ثم يوفيهم إياها بالجزاء عليها، وهذا كقوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} الزلزلة: 7-8. جامع العلوم والحكم (2/ 677).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
أي: هي جزاء أعمالكم، فأحفظها عليكم، ثم أُؤَديها إليكم تامًّا وافيًا، إنْ خيرًا فخير وإنْ شرًّا فشر. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/ 71).
وقال الصرصري -رحمه الله-:
فإن قلتَ: قوله: «إنما هي أعمالكم» إلى آخره، يقتضي انحصار فائدة الناس في معادهم في ثواب أعمالهم، ونفي المزيد مِن فضل الله -عزَّ وجلَّ-، لكن بالنص والإجماع يثبت المزيد نحو {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} ق: 35، {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} يونس: 26.
فالجواب: أن الحصر إنما هو للجزاء في سببية الأعمال، أي: لا جزاء إلا عن عمل يكون سببًا له، أما الجزاء وزيادته وتضعيفه فالجميع من فضل الله -عزَّ وجلَّ-؛ إذ العبد وعمله مِلكٌ لسيده، لا يستحق عليه ثوابًا إلا تفضلًا، والله -عزَّ وجلَّ- أعلم. التعيين في شرح الأربعين (1/ 193).
قوله: «ثم أُوَفِّيكم إياها»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«ثم أُوَفِّيكم إياها» أي: أعطيكم جزاء أعمالكم تامًا وافيًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. شرح المصابيح (3/ 134).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
الظاهر: أن المراد توفيتها يوم القيامة، كما قال تعالى: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} آل عمران: 185، ويحتمل: أن المراد: أنه يوفي عباده جزاء أعمالهم في الدنيا والآخرة كما في قوله: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} النساء: 123، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه فسر ذلك بأن المؤمنين يُجازون بسيئاتهم في الدنيا، وتُدَّخر لهم حسناتهم في الآخرة، فيُوَفَّون أجورها.
وأما الكافر فإنه يعجَّل له في الدنيا ثواب حسناته، وتُدخر له سيئاته، فيعاقب بها في الآخرة، وتوفية الأعمال هي توفية جزائها من خير أو شر، فالشر يجازى به مثله من غير زيادة، إلا أنْ يعفو الله عنه، والخير تُضاعف الحسنة منه بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا يعلم قدرها إلا الله، كما قال -عزَّ وجلَّ-: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} الزمر: 10. جامع العلوم والحكم (2/ 678).
قوله: «فمن وجد خيرًا»:
قال السندي -رحمه الله-:
«فمن وجد» في أعماله «خيرًا» ووُفِّق له «فليحمد الله». شرح السندي للأربعين النووية (ص: 27).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«فمن وجد خيرًا» أي: ثوابًا ونعيمًا، بأن وُفِّق لأسبابهما، أو حياةً طيبةً هنيئةً مريئةً؛ كما قال اللَّه تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} النحل: 97، «فليحمد اللَّه». الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 429).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
إشارة إلى أن الخير كله من الله فضل منه على عبده، من غير استحقاق له، والشر كله من عند ابن آدم من اتباع هوى نفسه، كما قال -عزَّ وجلَّ-: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} النساء: 79. جامع العلوم والحكم (2/ 678).
وقال ابن رجب -رحمه الله- أيضًا:
إن كان المراد: مَن وجد ذلك في الدنيا فإنه يكون حينئذٍ مأمورًا بالحمد لله على ما وجده من جزاء الأعمال الصالحة الذي عجل له في الدنيا، كما قال: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} النحل: 97، ويكون مأمورًا بلوم نفسه على ما فعلت من الذنوب التي وَجد عاقبتها في الدنيا، كما قال تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} السجدة: 21، فالمؤمن إذا أصابه في الدنيا بلاء رجع على نفسه باللوم، ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار، وفي المسند وسنن أبي داود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن المؤمن إذا أصابه سَقَم، ثم عافاه الله منه، كان كفارة لما مضى مِن ذنوبه، وموعظة له فيما يُستقبل مِن عمره، وإن المنافق إذا مرض وعُوفي، كان كالبعير عَقَلَهُ أهله، وأطلقوه، لا يدري لِمَ عقلوه ولا لِمَ أطلقوه». جامع العلوم والحكم (2/ 679-680).
قوله: «فليحمد الله»:
قال السندي -رحمه الله-:
«فليحمد الله» الذي قَدَّر له ذلك وأراده وسهَّله له، وجعله سببًا للثواب، ولا يَحمد نفسه، فإنها أحقر من أن تَقدر على شيء. شرح السندي للأربعين النووية (ص: 27).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«فليحمد اللَّه» تعالى على توفيقه للطاعات التي تَرَتَّب عليها ذلك الخير والثواب فضلًا منه تعالى ورحمة، وعلى إسدائه ما وصل إليه من عظيم المبرَّات؛ إذ لا يجب عليه شيءٌ لأحدٍ من خلقه، فعُلم أنه إن أُريد بذلك الآخرة فقط كان الأمر بذلك بمعنى الإخبار بأنَّ من وجد خيرًا فيها حمد اللَّه تعالى عليه، ومن وجد غيره لام نفسه حين لا ينفعها اللوم، وجاء في آياتٍ الإخبارُ عن أهل الجنة بأنهم يحمدون: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} الأعراف: 43، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَه} الزمر: 74، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} فاطر: 34 الآيات. الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 429).
قوله: «ومن وجد غير ذلك»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«ومن وجد غير ذلك» أي: وجد غير الخير، أي: شرًا. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 174).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
ولم يذكره (أي: الشر) بلفظه؛ تعليمًا لنا كيفيةَ الأدب في النطق بالكناية عمَّا يؤذي، ومثله ما يُستقبح أو يُسْتَحْيَا مِن ذِكْرِه، أو إشارةً إلى أنه إذا اجتنب لفظه، فَكيف بالوقوع فيه؟! أو إلى أنه -سبحانه وتعالى- حييٌّ كريمٌ يحب الستر ويغفر الذنب، فلا يعاجل بالعقوبة، ولا يهتك الستر. الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 429).
قوله: «فلا يلومنَّ إلا نفسه»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«فلا يلومن إلا نفسه» لأنه لم يُظلم، واللوم: أن يَشعر الإنسان بقلبه بأن هذا فعلٌ غير لائق وغير مناسب، وربما ينطق بذلك بلسانه. شرح الأربعين النووية (ص: 242).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فقد بيَّن هذا الحديث أنَّ من وجد خيرًا بالعمل الصالح فليحمد الله؛ فإنه هو الذي أنعم بذلك، وإن وجد غير ذلك: إما شرًّا له عقاب وإما عبثًا لا فائدة فيه فلا يلومنَّ إلا نفسه، فإنه هو الذي ظلم نفسه، وكل حادث فبقدرة الله ومشيئته. مجموع الفتاوى (8/ 443-444).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-أيضًا:
بيَّن أنه محسن إلى عباده في الجزاء على أعمالهم الصالحة إحسانًا يستحق به الحمد؛ لأنه هو المنعِم بالأمر بها، والإرشاد إليها والإعانة عليها، ثم إحصائها ثم توفية جزائها، فكل ذلك فضل منه وإحسان؛ إذ كلُّ نعمة منه فضل، وكلُّ نقمةٍ منه عدل، وهو وإن كان قد كَتَبَ على نفسه الرحمة وكان حقًّا عليه نصر المؤمنين -كما تقدم بيانه- فليس وجوب ذلك كوجوب حقوق الناس بعضهم على بعض الذي يكون عدلًا لا فضلًا؛ لأن ذلك إنما يكون لكون بعض الناس أحسن إلى البعض فاستحق المعاوضة، وكان إحسانه إليه بقدرة المحسِن دون المحسَن إليه، ولهذا لم يكن المتعاوضان ليخص أحدهما بالتفضل على الآخر لتكافئهما، وهو قد بيَّن في الحديث أن العباد لن يبلغوا ضره فيضروه، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه، فامتنع حينئذٍ أن يكون لأحد من جهة نفسه عليه حق، بل هو الذي أحقَّ الحق على نفسه بكلماته، فهو المحسن بالإحسان وبإحقاقه وكتابته على نفسه، فهو في كتابة الرحمة على نفسه، وإحقاقه نصر عباده المؤمنين ونحو ذلك محسن إحسانًا مع إحسان، فليَتدبر اللبيب هذه التفاصيل التي يتبين بها فصل الخطاب في هذه المواضع التي عظم فيها الاضطراب. مجموع الفتاوى (18/ 202-203).
وقال المناوي -رحمه الله-:
هذا الحديث شريف القدر، عظيم المنزلة، جليل الموقع، جامع لفوائد شتى، قد تضمن من قواعد الدين العظيمة: من العلوم، والأعمال، والأصول، والفروع، وغير ذلك مما لا يحصره قلم، ولا يحصيه عاد. النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية (ص: 49).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وفي الحديث: دليل على أن الله يحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم ودنياهم، من الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك، كما يسألونه الهداية والمغفرة، وفي الحديث: «لِيَسْأَلْ أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شِسْعَ نعله إذا انقطع».
وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كل حوائجه حتى ملح عجينِه وعلف شاته...، فإن كل ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله فقد أظهر حاجته فيه، وافتقاره إلى الله، وذلك يحبه الله، وكان بعض السلف يستحيي من الله أن يسأله شيئًا من مصالح الدنيا، والاقتداء بالسنة أولى. جامع العلوم والحكم (2/ 662).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد هذا الحديث:
1- رواية النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ربه -عزَّ وجلَّ-، وهذا أعلى مراتب السند.
2- إثبات القول لله -عزَّ وجلَّ-، وهذا كثير في القرآن الكريم، وهو دليل على ما ذهب إليه أهل السنة من أن كلام الله يكون بصوت؛ إذ لا يطلق القول إلا على المسموع.
3- أن محل التقوى والفجور القلب؛ لقوله: «على أتقى قلب رجل واحد منكم» «على أفجر قلب رجل واحد منكم»، ويشهد لهذا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله».
4- كمال غنى الله -عزَّ وجلَّ- وسعة غناه؛ لقوله: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد ...» فهذا يدل على سعة غنى الله -عزَّ وجلَّ- وسعة كرمه وجوده.
4- أنه يظهر أن اجتماع الناس في مكان واحد أقرب إلى الإجابة مِن تفرقهم، ولهذا أُمروا أن يجتمعوا في مسجد واحد في الجمعة، وأن يجتمعوا في مصلى العيد، وفي الاستسقاء، وأن يجتمعوا في عرفات في مكان واحد؛ لأن ذلك أقرب إلى الإجابة.
5- جواز المبالغة بالقول؛ لقوله: «إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر» وهذا له نظير كما في قوله تعالى: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} الأعراف:40. شرح الأربعين النووية، باختصار (ص: 244-250).
قال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وفي هذا الحديث: الأمر بسؤال الله الهداية، وهي تشمل هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والتسديد، وحاجة العباد إلى الهداية أشدُّ من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وقد جاء في سورة الفاتحة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} الفاتحة: 6، فهم يسألون الله -عزَّ وجلَّ- أن يُثبِّتَهم على الهداية الحاصلة، وأن يزيدهم هدى على هدى. فتح القوي المتين (ص: 84).
وقال المناوي -رحمه الله-:
في الحديث: إشارة إلى أن الخير كله فضل من الله على عبده من غير استحقاق، والشر كله من عند ابن آدم؛ من اتِّباع هوى نفسه، كما قال -عزَّ وجلَّ-: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} النساء: 79، فالله -سبحانه وتعالى- إذا أراد توفيق عبد وهدايته أعانه، ووفقه لطاعته، وكان ذلك فضلًا منه ورحمة؛ وإذا أراد خذلان عبد وَكَلَهُ إلى نفسه، وخلَّى بينه وبينها، فأغواه الشيطان؛ لغفلته عن ذكر الله فاتَّبَع هواه، وكان أمره فرطًا، وكان ذلك عدلًا منه، فإن الحُجة قائمة على العبد بإنزال الكتب، وإرسال الرسل، فما بقي لأحد من الناس على الله حجة بعد الرسل. النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية (ص: 64).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ومن فوائد الحديث: تحريم ظلم الكفار؛ لأنهم داخلون في عباد الله في العبادة الكونية فظلمهم حرام. فتح ذي الجلال والإكرام، باختصار (6/ 376-378).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك -حفظه الله-:
فيه فوائد منها:
1- أن الدعاء سبب لهداية الله.
2- الرد على القدرية في قولهم باستقلال العبد في إيمانه وكفره وهداه وضلاله.
3- مشروعية الدعاء في مطالب الدنيا والآخرة، وهو لا ينافي الأخذ بالأسباب الأخرى حسب السنن الكونية كالتجارة والزراعة والصناعة.
4- دفع القدر بالقدر، ومنه دفع الجوع بالدعاء وبالأكل.
5- دفع القَدر بالقَدر، ومن ذلك دفع العُري بالدعاء وبما يَسَّر الله من اللباس.
6- أنه تعالى لا يلحقه ضرر في ذاته وأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، ولا في مُلكه، بل الضرر ممتنع في حقه بخلاف الأذى فإنه جائز عليه سبحانه، وواقع من بعض العباد بما يقولون أو يفعلون مما يكرهه سبحانه، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} الأحزاب:57، وقال تعالى في الحديث القدسي: «يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر وأنا الدهر».
7- أن من بلاغة الكلام التصريح بالمحبوب الممدوح والإبهام في المكروه، لقوله: «فمن وجد خيرًا» و«ومن وجد غير ذلك». الفوائد المستنبطة من الأربعين النووية باختصار يسير (ص: 37-42).