«إنَّ أحدَكُم إذا ماتَ عُرِضَ عليه مَقعَدُهُ بالغَدَاةِ والعَشِيِّ، إنْ كان من أهلِ الجَنَّةِ فمِن أهلِ الجنةِ، وإنْ كان مِن أهلِ النارِ فَمِنْ أهلِ النَّارِ، فيُقالُ: هذا مَقعَدُكَ حتى يبعثَكَ اللهُ يومَ القيامةِ».
رواه البخاري برقم: (1379) ومسلم برقم: (2866) واللفظ له، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
غريب الحديث
«مَقْعَدُهُ»:
(المقاعد) مواضع القعود وأحدها (مقعد). مختار الصحاح، للرازي (ص: 257).
«بالغَدَاةِ»:
ما بين صلاة الغداة (الفجر) وطلوع الشمس. الصحاح، للجوهري (6/ 2444).
قال الكوراني -رحمه الله-:
والغدو: من طلوع الفجر إلى الزوال. الكوثر الجاري (3/ 383).
«والعَشِيِّ»:
آخر النهار. العين، للفراهيدي (2/ 188).
قال الأزهري -رحمه الله-:
ويقع العشيُّ على ما بين زوال الشمس إلى وقت غروبها. تهذيب اللغة (3/ 38).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «إنَّ أحدَكُم إذا ماتَ»:
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما قوله: «أحدكم» فإنَّ الخطاب توجَّه إلى أصحابه وإلى المنافقين، والله أعلم، فيُعرض على المؤمن منهم مقعده من الجنة، وعلى المنافق مقعده من النار، على نحو ما جاء في حديث البراء إن شاء الله. التمهيد (9/ 17).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إذا مات أحدكم» أيها المؤمنون الأبرار، والكافرون الفجار، وفي عصاة المؤمنين تردُّد. فيض القدير (1/ 438).
قوله: «عُرِضَ عليه مَقعَدُهُ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«عُرض عليه مقعده» أي: في قبره. فتح المنعم (10/ 479).
وقال الشيخ محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «عُرِضَ عليه مقعده» أي: أظهر له مكانه الخاص من الجنة والنار. تحفة الأحوذي (4/ 157).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله: «عُرِضَ عليه مقعده بالغداة والعشي» العَرْض لا يكون إلا على حيٍّ، ولا يصح العرض على ميت؛ لأنه يحتاج أنْ يَعلم ما يُعرض عليه، ويفهم ما يخاطَب به؛ وذلك لا يصح من الميت...، وهذا يدل على إحياء الميت ومخاطبته، والله أعلم وأحكم...
وقوله: «مقعده» يحتمل أنْ يريد به مقعده من الجنة، فيُعرض عليه من قبره، وقد ورد ذلك مفسرًا في حديث أنس المتقدم، ويكون معنى «حتى يبعثك الله» أي: أنه مقعدك لا تَصِلُ إليه حتى يبعثك. المنتقى شرح الموطأ (2/ 30- 31).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «عُرض عليه مَقعده»...قال علماؤنا: وهذا ضرب من العذاب كبير، وعندنا المثال في الدنيا؛ وذلك كمَن عُرض عليه القتل، أو غيره من آلات العذاب، أو من يُهدد به من غير أنْ يرى الآلة، ونعوذ بالله من عذابه وعقابه بكرمه ورحمته، وجاء في التنزيل في حق الكافرين: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} غافر: 46. فأخبر تعالى أنَّ الكافرين يُعرضون على النار كما أنَّ أهل السعادة يُعرضون على الجِنان بالخبر الصحيح في ذلك، وهل كل مؤمن يُعرض على الجِنان؟ فقيل: ذلك مخصوص بالمؤمن الكامل الإيمان، ومن أراد الله إنجاءه من النار، وأما من أنفذ الله عليه وعيده من الخلطين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا فله مقعدان يراهما جميعًا، كما أنه يرى عمله شخصين في وقتين، أو في وقت واحد قبيحًا وحسنًا، وقد يحتمل أن يراد بأهل الجنة كل من يدخلها كيفما كان، والله أعلم.
ثم قيل: هذا العرض إنما هو على الروح وحده، ويجوز أن يكون مع جزء من البدن، ويجوز أن يكون عليه مع جميع الجسد فيرد إليه الروح كما تُرد عند المسألة حين يُقْعِده الملكان «ويقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة»، وكيفما كان فإن العذاب محسوس، والألم موجود، والأمر شديد، وقد ضرب بعض العلماء لتعذيب الروح مثلًا في النائم، فإن روحه تُعذَّب أو تُنعم والجسد لا يحس بشيء من ذلك، وقال عبد الله بن مسعود: "أرواح آل فرعون في أجواف طير سُود يعرضون على النار كل يوم مرتين، يقال لهم: هذه دراكم، فذلك قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} غافر : 46"، وعنه أيضًا: "أنَّ أرواحهم في جوف طير سود تغدو على جهنم، وتروح كل يوم مرتين، فذلك عَرْضها". التذكرة (ص: 426- 427).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «عُرِضَ عليه مَقعدُه» هذا منه -صلى الله عليه وسلم- إخبارٌ عن غيرِ الشهداءِ؛ فإنَّه قد تقدَّم أنَّ أرواحَهم في حواصلِ طيرٍ تسرح في الجنَّة، وتأكل من ثمارها. وغيرُ الشهداءِ: إمَّا مؤمن، وإمَّا غيرُ مؤمن، فغيرُ المؤمن هو الكافر؛ فهذا يرى مقعدَه من النار غُدوًّا وعشيًّا، وهذا هو المعنيُّ بقوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} غافر: 46.
وأمَّا المؤمن: فإمَّا ألَّا يدخلَ النار، أو يدخلَها بذنوبه؛ فالأوَّل يرى مقعدَه من الجنَّة، لا يرى غيره رؤيةَ خوفٍ. وأمَّا المؤمنُ المؤاخَذ بذنوبه فله مقعدان: مقعدٌ في النار زمنَ تعذيبه، ومقعدٌ في الجنَّة بعد إخراجه. فهذا يقتضي أن يُعرَضا عليه بالغداة والعشي، إلَّا إن قلنا: إنَّه أراد بأهل الجنَّة كلَّ من يدخلها كيف كان، فلا يحتاج إلى ذلك التفسير، والله أعلم.
وهذا الحديثُ وما في معناه يدلُّ على أنَّ الموتَ ليس بعدمٍ، وإنَّما هو انتقالٌ من حالٍ إلى حال، ومفارقةُ الروحِ للبدن. ويجوز أن يكون هذا العرضُ على الروح وحدَها، ويجوز أن يكون عليها مع جزءٍ من البدن، والله أعلم بحقيقة ذلك. المفهم (7/ 144- 145).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
قد بيَّنا أنَّ عَرْض مَقْعد الميت عليه من الجنة والنار لا يدل على أنَّ الروح في القبر، ولا على فنائه دائمًا من جميع الوجوه، بل لها إشراف واتصال بالقبر وفنائه؛ وذلك القَدْر منها يُعرض عليه مقعده، فإنَّ الروح شأنًا آخر، تكون في الرفيق الأعلى في أعلى علِّيِّين، ولها اتصال بالبدن؛ بحيث إذا سلَّم المسلِّم على الميت ردَّ الله عليه روحه، فيردَّ عليه السلام، وهي في الملأ الأعلى، وإنما يغلط أكثر الناس في هذا الموضع؛ حيث يعتقد أن الروح من جنس ما يعهد من الأجسام التي إذا شغلت مكانًا لم يمكن أن تكون في غيره، وهذا غلط محض، بل الروح تكون فوق السماوات في أعلى علِّيِّين وتُرد إلى القبر فترد السلام، وتَعْلَم بالمسلم، وهي في مكانها هناك. الروح (ص: 101).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
يُستدلُّ به مَن ذهب إلى أنَّ الأرواحَ على أفنيةِ القبور، وهو أصحُّ ما ذهب إليه في ذلك، والله أعلم؛ لأنَّ الأحاديثَ بذلك أحسنُ مجيئًا، وأثبتُ نقلًا من غيرها. والمعنى عندي: أنَّها قد تكون على أفنيةِ قبورها، لا على أنَّها لا تَريم ولا تُفارِق أفنيةَ القبور، بل هي كما قال مالكٌ –رحمه الله–: إنَّه بلغه أنَّ الأرواحَ تَسرح حيث شاءت. وعن مجاهدٍ أنَّه قال: الأرواحُ على القبور سبعةَ أيامٍ من يوم دَفن الميِّت، لا تُفارِق ذلك. والله أعلم. الاستذكار (3/ 89).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
ما قاله ابنُ عبدِ البرِّ ومالكٌ في الأرواح ضعيفٌ، مخالفٌ لظاهرِ القرآنِ الكريم، وقد دلَّ ظاهرُ القرآن على أنَّ الأرواحَ مُمْسَكةٌ عند الله سبحانه، وينالها من العذابِ والنعيم ما شاء الله من ذلك. ولا مانعَ من عَرْض العذابِ والنعيم عليها، وإحساسِ البدن، أو ما بقي منه، بما شاء الله من ذلك، كما هو قولُ أهلِ السُّنَّة.
والدليلُ المشارُ إليه قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} الزمر: 42.
وقد دلَّت الأحاديثُ على إعادتها إلى الجسد بعد الدفن عند السؤال، ولا مانعَ من إعادتها إليه فيما يشاء الله من الأوقات، كوقت السلام عليه.
وثبت في الحديث الصحيح: أنَّ أرواحَ المؤمنين في شكلِ طيورٍ تَعْلَق بشجرةِ الجنة، وأرواحَ الشهداءِ في أجوافِ طيرٍ خُضرٍ تَسْرَح في الجنة حيث شاءت. الحديث. والله أعلم. تعليقه على فتح الباري لابن حجر(3/ 243).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
يكون عَرض المقعدين على كل واحد من المؤمن المُخلص، والكافر، والمؤمن المخلط؛ لأنه يدخل الجنة، فيرى مقعده في الجنة، فيقال: هذا مقعدك، وستصير إليه بعد مجازاتك بالعقوبة على ما تستحق. مرشد ذوي الحجا والحاجة (26/ 181- 182).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: المؤمن العاصي ماذا يعرض عليه؟
قلتُ: قيل: له مقعدان يراهما جميعًا.
فإنْ قلتَ: كلمة (أما) التفصيلية تمنع الجمع بينهما؟ قلتُ: قد تكون لمنع الخلو عنهما.
فإن قلتَ: ما فائدة العرض؟
قلتُ: للمؤمن نوع من الفرح، وللكافر نوع من الحزن.
وفيه: إثبات عذاب القبر، والأصح أنه للجسد ولا بد من إعادة الروح فيه؛ لأن الألم لا يكون إلا للحي. الكواكب الدراري (23/ 30).
وقال العراقي -رحمه الله-:
الأمر واضح في الكافر والمؤمن المخلص، أما المخلط الذي له ذنوب هو مؤاخذ بها، غير معفو عنها، فماذا يعرض عليه؟
الذي يظهر أن المعروض عليه مقعده من الجنة، وأما النار فليس له بها مقعد مستقر، وإنما يدخلها لعارض؛ ليُنقَّى ويُطهَّر ويُمحص، ثم يدخل مقعده من الجنة نقيًا مخلَّصًا. طرح التثريب (3/ 305).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
العرض لا يكون إلا على حي، وهو قادر على إحيائه، ومنه: «لَيَسْمَع قرع نعالهم»، وفيه دلالة على بقاء الأرواح؛ لأنها التي يعرض عليها. التوضيح (10/ 162).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فالمؤمن غير الشهيد هو الذي يُعرض عليه مقعده من الجنة، وهو في موضعه من القبر أو الصُّور، أو حيث شاء الله تعالى غير سارح في الجنة، ولا داخل فيها؛ وإنما يُدرك منزلته فيها بخلاف الشهيد؛ فإنه يباشر ذلك ويشاهده وهو فيها، على ما تقدم...، كما أنه يحصل للمؤمن عند عرض الجنة من الفرح والسرور والتنعُّم بانتظار المحبوب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فإذا أُعيدت الأرواح إلى الأجساد استكمل كل فريق منهم ما أعد الله له، وبهذا الذي ذكرناه تلتئم الأحاديث وتتفق، والله الموفق. المفهم (3/ 716).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
إنما عرفوا منازلهم في الجنة بتكرير عرضها عليهم بالغداة والعشي، فقد أخبرنا -عليه السلام- أن المؤمن إذا كان من أهل الجنة عُرض عليه مقعده منها بالغداة والعشي، فيقال له: «هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة». شرح صحيح البخاري (6/ 569).
قوله: «بالغَدَاةِ والعَشِيِّ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله (في لفظ): «غدوة وعشية» أي: أول النهار وآخره، بالنسبة إلى أهل الدنيا. فتح الباري (11/ 366).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قال ابن التين: يحتمل أنْ يريد بالغداة والعشي: غداة واحدة، وعشية واحدة...، ويحتمل أن يريد كل غداة، وكل عشي.
(قلتُ): الاحتمال الثاني هو الأقرب، كما تؤيد الآية المذكورة أحد شِقَّيه، فالشِّقُّ الآخر مثله، فيُعرض على كل فريق مقعده كل غداة، وكل عشي، ولا يعارضه ما تقدم مِن عرض المقعد عند السؤال، فذاك عرض غير هذا، والله تعالى أعلم. ذخيرة العقبى (20/ 118).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: وهل في القبر غداة وعشي وليل ونهار؟
قلتُ: المراد في وقت الغداة والعشي عند الأحياء، ويحتمل أنْ يمثل له وقت الغداة والعشي في حال عرض المقعد عليه، وقد ورد في سؤال الملكين أنه يمثل له وقت صلاة العصر ودنو الشمس للغروب. طرح التثريب (3/ 304-305).
قوله: «إنْ كان من أهلِ الجَنَّةِ فمِن أهلِ الجنةِ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«إنْ كان» أي: الميت «من أهل الجنة، فمن أهل الجنة» أي: فالمعروض عليه من مقاعد أهل الجنة؛ ليزداد شكرًا وفرحًا بطيب المعروض ونزاهته. شرح المصابيح (1/ 133- 134).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة» يعني: إذا كان الميت من أهل الجنة فيعرض عليه مقعده بالغداة والعشي من الجنة؛ حتى يفرح ويجد لذة منه.
قوله: «فمن أهل الجنة» تقدير هذا الكلام: فيعرض عليه مقعده من مقاعد أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فيعرض عليه مقعده من مقاعد أهل النار بالغداة والعشي؛ ليزداد حسرته وحزنه؛ وليصيبه حره وسَمومه. المفاتيح (1/ 222).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«إنْ كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة» أي: فهو من الفائزين الذين بَلَغَك حالهم، فلا يتوهم عدم الفائدة من اتحاد الشرط والجزاء، وقد سبق نظيره في قوله: «من كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله». الكوثر الجاري (3/ 383).
قوله: «وإنْ كان من أهلِ النارِ فَمِنْ أهلِ النَّارِ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«وإنْ كان من أهل النار فمن أهل النار» أي: فالمعروض عليه من مقاعد أهل النار؛ ليزداد حسرة وندامة. شرح المصابيح (1/ 134).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
كذلك أرواح الكفار تشاهِد ما أعدَّ الله لها من العذاب عند عَرض ذلك عليها، كما قال تعالى في آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} غافر: 46، وعند هذا العرض تُدرك روح الكافر من الألم، والتخويف والحزن والعذاب بالانتظار ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فنسأل الله العافية. المفهم (3/ 716).
قوله: «فيُقَالُ: هذا مَقعَدُكَ حتى يبعثكَ الله يومَ القيامةِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم يقال» له: «هذا» المقعد الذي كُنتَ فيه الآن؛ يعني: قبره «مقعدك» ومقرك ومنزلك «حتى تُبعث» وتُنقل «يوم القيامة» إلى مقعدك الأخروي الذي عرضناه عليك؛ أي: هذا القبر مقعدك إلى يوم البعث الذي تنقل فيه إلى ذلك المقعد الأخروي الذي خلق الله لك. مرشد ذوي الحجا والحاجة (26/ 182).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فيقال: هذا» أي: المقعد المعروض عليك «مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة» أو المعنى: القبر مقعدك حتى يبعثك الله منه إلى مقعدك الآخر المعروض عليك. شرح المصابيح (1/ 134).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«يقال: هذا مقعدك» الذي أُعِدَّ لك «حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة» فإنه وعد للمؤمن، ووعيد لغيره، فإن قيل: إذا علم المؤمن مقعده من الجنة، فماذا الإشفاق والخوف في الحشر من العذاب حتى يخاف الرسل، كما ثبت ذلك في أحاديث الشفاعة، وأشار إليه بعض الآل في قوله:
إذا خاف الخليل وخاف موسى *** وآدم والمسيح وخاف نوح
ولم يستشفعوا للخلق طرًا *** فما لي لا أخاف ولا أنوح؟
قلتُ: ذلك لأن هول الموقف يُذهل عن كل شيء، يُذهل المرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، ويجعل الولدان شيبًا، فتعتري البشر من الأهوال، وما يشاهده من جمع الأولين والآخرين، ما لا تبقى معه ذكر لسابقه، وإن ذكره جواز أن مقعده بعد الخروج من النار، ومن العذاب له، ومناقشته في الحساب. التنوير (2/ 209- 210).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإنْ قُلتَ: ما معنى قوله: «هذا مَقعَدُك حتى يبعثك اللهُ يومَ القيامة»؟
قُلتُ: قيل: معناه ترى بعدَ البعث من الكَرامة ما تُنسيك هذا المقعد؛ وليس بشيء، فإنَّ «هذا مقعدك» إشارةٌ إلى منزلِه في الجنَّة.
والصوابُ: أنَّ المعنى هذا حالُك في عَرْضِ منزلِك من غيرِ دخولٍ إلى البعث، فإذا بُعثتَ دخلتَ منزلَك، يدلُّ عليه روايةُ مسلم: «هذا مَقعدُك الذي تُبعثُ إليه يومَ القيامة». الكوثر الجاري (3/ 383).
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
يريد: حتى يبعثك الله إلى ذلك المقعد، وإليه تصير، وهو عندي أشبه بقوله: «عُرض عليه مقعده»؛ لأن معنى «مقعد» عندي -والله أعلم- مُستقره، وما يصير إليه. التمهيد (9/ 13).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «حتى يبعثك الله» أي: لا تَصل إليه إلى يوم البعث. فتح الباري (3/ 243- 244).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيه أنَّ الميِّتَ يُعرَض عليه في قبره بالغداةِ والعشيِّ مَقعدُه من الجنَّة إن كان من أهلها، أو مَقعدُه من النار إن كان من أهلها، ويُقال له: هذا مَقعدُك. وفي هذا تنعيمٌ لمن هو من أهل الجنَّة، وتعذيبٌ لمن هو من أهل النار، بمعاينةِ ما أُعِدَّ له، وانتظارِه ذلك إلى اليوم الموعود.
ويوافق هذا في أحد الشقَّين قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} غافر: 46. طرح التثريب (3/ 304).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
في هذا الحديث: أنَّ الأرواح حساسة عالِمَة مميزة بعد فراقها الأجساد، وأما مَن زعم أن الأرواح تَنقل إلى أجساد أُخر، فهو قول أصحاب التناسخ، وهو كفر عند جميع أهل الإسلام، وبالله تعالى التوفيق. المحلى بالآثار (1/ 45).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
في هذا الحديث: دليل على أنَّ الجنة والنار مخلوقتان، كما يقول أهل السُّنة في ذلك، والله أعلم، ويدل على ذلك أيضًا، قول الله -عز وجل- في آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} غافر: 46...
وفي هذا الحديث: الإقرار بالموت والبعث بعده، والإقرار بالجنة والنار. التمهيد (9/ 14- 17).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيه: إثبات عذاب القبر؛ لأن عَرْضَ مقعده من النار عليه نوع عظيم من العذاب، وهو مذهب أهل السُّنة، وقد تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسُّنة ولا يمتنع في العقل أن يعيد الله تعالى الحياة في جزء من الجسد ويعذبه، وإذا لم يمنعه العقل وورد به الشرع وجب قبوله، وقد خالف في ذلك الخوارج ومعظم المعتزلة وبعض المرجئة ونفوا ذلك، ثم المعذَّب عند أهل السُّنة الجسد بعينه، أو بعضه بعد إعادة الروح إليه، أو إلى جزء منه. طرح التثريب (3/ 306).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث): ومنها: أنَّ الروح لا تفنى بفناء الجسد؛ لأن العَرْضَ لا يمكن إلا على الحي. البحر المحيط الثجاج (44/ 90- 91).