«إن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- كانَ يتحَرَّى صِيامَ الاِثنينِ والخَمِيسِ».
رواه أحمد برقم: (24509)، والترمذي برقم: (745)، والنسائي برقم: (2360)، وابن ماجه، برقم: (1739)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وفي رواية عند أحمد برقم: (24509)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-: «كان يتحرَّى صوم شعبان، وصوم الاثنين والخميس».
صحيح الجامع برقم: (4897)، صحيح سنن النسائي برقم: (2067).
غريب الحديث
«يَتحرَّى»:
التَّحرِّي في الأشياء ونحوها: طلبُ ما هو أَحْرَى بالاستعمال في غالب الظّن...وفلان يَتَحَرَّى كذا أي: يتوَخَّاه ويقصدُه. وقوله تعالى: {فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا} الجن: 14. أي توَخَّوا وعَمَدوا. مختار الصحاح، للرازي(ص:71).
شرح الحديث
قوله: «إن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- كانَ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«كان» تفيدُ الاستمرارَ غالبًا لا دائمًا. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 573).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«كان» هذا يدل على الاستمرار؛ لأن التَّعبير بـ "كان" في الغالب يدل على الاستمرار، وأنه كان هذا من هديه، وهذا من طريقته. شرح المحرر في الحديث (ص:64).
قوله «يتحرَّى صيامَ الاثنينِ والخمِيسِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يتحرَّى» التَّحرِّي طلب الأحرَى والأَولى، وقيل: التحرِّي طلب الصّواب والمبالغة في طلب شيء. مرقاة المفاتيح (4/ 1411)
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
والتَّحري: طلب الأحرى والأَولى، وقيل: التحري: طلب الثواب والأجر، والمبالغة في طلب الشيء، وبذل الجهد في تحصيله. مرشد ذوي الحجا والحاجة (10/ 274).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«كان يتحَرَّى صِيام» لفظ رواية الترمذي: «صوم الاثنين والخَمِيس» أي يتعمَّد صومهما، أو يجتهد في إيقاع الصَّوم فيهما؛ لأن الأعمال تعرض فيهما كما علَّله به في خبر آخر رواه الترمذي؛ ولأنه تعالى «يغفر فيهما لكل مسلم إلا المتهاجِرَين» كما رواه أحمد.
واستشكل استعمال الاثنين بالياء والنون مع تصريحهم بأن المثنى والملحق به يلزم الألف إذا جُعِل عَلَمًا وأُعرب بالحركة، وأجيب بأن عائشة من أهل اللسان فيُستدل بنطقها به على أنه لغة.
وفيه: ندب صوم الاثنين والخَمِيس، وتحَرِّي صومهما وهو حجةٌ على مالك في كراهته لتحرِّي شيء من أيام الأسبوع للصِيام. فيض القدير (5/ 200).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال أهل اللغة سُمِّي يوم الاثنين لأنه ثانِي الأيَّام، قال أبو جعفر النحاس سبيله أن لا يُثنَّى ولا يُجمَع، بل يقال مضت أيام الاثنين ... وذكر الفراء أن جمعه الأثانين والأثان ...وأما يوم الخمِيس فسُمِّي بذلك لأنه خامِس الأسبوع، قال النَّحاس جمعه أخمِسة وخمس وخمسان كرغيف ورغف ورغفان وأخمساء كأنصباء وأخامس حكاه الفراء والله أعلم. المجموع شرح المهذب (6/ 386).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
هذان اليومان- الاثنين والخَمِيس- يُستحب صومُهما من بين أيام الأسبوع؛ لأن أعمال العباد تُعرض فيها؛ كما استُحِبَّ صوم شَعبان؛ لأن أعمال العباد تعرض فيه. شرح عمدة الفقه (2/ 596).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وقد روي أن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - «كان يتحَرَّى صِيام يوم الاثنين ويوم الخَمِيس» روي ذلك عنه من حديث عائشة، وأبي هريرة، وأسامة بن زيد، وفي حديث أسامة أنه سأله عن ذلك، فقال - صلَّى الله عليه وسلم -: «إنهما يومان تُعرضُ فيهما الأعمال على رب العالمين، فأُحبّ أن يُعرض عملي وأنا صائم»، وفي حديث أبي هريرة أنه سئل عن ذلك، فقال: «إنه يُغفر فيهما لكل مسلمٍ، إلا مهتجرين، يقول: دعهما حتى يصطلحا». تفسير ابن رجب الحنبلي (1/ 223).
وقال النووي -رحمه الله-:
اتّفق أصحابُنا وغيرهم على استحباب صوم الاثنين والخمِيس، والله أعلم. المجموع شرح المهذب (6/ 386).
وقال الشيخ المعلمي -رحمه الله-:
شرعَ الله -تعالى- للمسلمين صِيام يوم الاثنين؛ شُكرًا على هاتين النِّعمتين العظيمتين: ولادة رسوله -صلَّى الله عليه وآله وسلم-، وإنزال القرآن عليه... وقد شرع الله -عز وجل- لنا أقرب الأمثال لذلك اليوم، وهو مثله من كل أسبوع؛ أن نقوم بشكره -عز وجل- على تَيْنِكَ النِّعمتين العظيمتين؛ بعبادة خالصة عن حظ النفس، وهي الصِّيام الذي يناسب السرور الديني، فإن السرور الديني يبعث على الرغبة عن الدنيا... ولكن المسلمين ــ ويا للأسف ــ نسُوا صوم يوم الاثنين وما في صومه من شُكر الله -عز وجل-، وما يتضمن ذلك من محبته -صلَّى الله عليه وآله وسلَّم-. فلسفة الأعياد وحكمة الإسلام - ضمن آثار المعلمي (17/ 536 - 538).
قوله في الرواية الأخرى: «يتحرَّى صيام شعبان»:
قال الشيخ سليمان الحربي-حفظه الله-:
اختلف العلماء -رحمهم الله- في حرص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على صيام شهر شعبان:
القول الأول: لأنه شهر تُعرض فيه الأعمال. الدليل: ما رواه أحمد من حديث أسامة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- سئل عن صيام شعبان؟ فقال: «ذاك شهر تعرض فيه الأعمال فأحب أن يعرض عمل وأنا صائم» وإسناده جيد.
القول الثاني: لأنه شهر تُكتب فيه الآجال. الدليل: ما رواه الترمذي من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يكتب الآجال في شهر شعبان» غير أن الحديث ضعيف.
القول الثالث: من أجل تعظيم رمضان. الدليل: ما رواه الترمذي من طريق صَدَقة بن موسى عن ثابت البناني عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سئل: أي الصوم أفضل بعد رمضان فقال: «شهر شعبان؛ تعظيم لرمضان» والحديث ضعيف. فإن الفريضة إذا تُهيئ لها بمثلها فهذا تعظيم لها كما في ست شوال.
القول الرابع: أنه شهر يغفل فيه الناس. الدليل: حديث أسامة: «ذاك شهر بين رجب ورمضان يَغفل فيه الناس»؛ وذلك لأن شهر رجب محرَّم والناس يعظمونه، وكذا رمضان معظَّم، وشعبان ليس فيه شيء من ذلك، ولذلك لما كان الناس غافلون فيه كانت العبادة فيه أفضل؛ كما جاء عن مسلم من حديث معقل بن يسار أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «العبادة في الهَرْجِ كهِجرة إليّ».
وفي السنن أن الله -عز وجل- عَجِبَ مِن عمل رجل كان ثالث أصحابه؛ حيث ساروا ليلاً حتى تعبوا فتوقفوا فناموا إلا رجلًا قام يصلي، فتميز بعمله دونهم.
القول الخامس: أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان إذا عمل شيئاً أدامه، فقد كان -صلَّى الله عليه وسلَّم- يترك بعض الأشياء لانشغاله فيقضيها (كالاثنين مثلًا ونحوها من الأيام الفاضلة) فينشغل إلى أن يأتي شعبان فيصوم فيه، ويوافقه حديث عائشة -رضي الله عنها-: "أنها كانت لا تستطيع قضاء صيامها من رمضان إلا في شعبان"، وهذا تشبه في صيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شعبان. الصيام من المحرر (ص: 65).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يُسن صِيام الاثنين والخَمِيس، وصوم الاثنين أوكد من الخَمِيس، فيُسنُّ للإنسان أن يصوم يومي الاثنين والخَمِيس من كل أسبوع، وقد علّل النبي -صلَّى الله عليه وسلم- ذلك: «بأنهما يومان تُعرض فيهما الأعمال على الله -عز وجل- قال: فأُحبُّ أن يُعرض عملي وأنا صائم». الشرح الممتع (6/ 461).
وللمزيد من الفائدة يُنظر:
حديث: «تُعْرَضُ الأعمالُ يومَ الاثنينِ والخميسِ...».