«مَنْ يُردِ اللهُ به خيرًا يفقِّهْهُ في الدِّينِ، وإنَّما أنا قاسمٌ، واللهُ يُعطي، ولن تزالَ هذه الأُمّةُ قائمةً على أمرِ اللهِ، لا يضُرُّهُم مَن خالَفَهُم، حتى يأتيَ أمرُ اللهِ».
رواه البخاري برقم: (71) واللفظ له، ومسلم برقم: (1037)، من حديث معاوية -رضي الله عنه-.
وفي لفظ للبخاري برقم :(3116) «ولا تزال هذه الأُمَّة ظاهرين على مَن خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون».
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا»:
قال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «مَن يُرد الله» بضم الياء من الإرادة، والمراد بها: الإرادة الشرعية، وهي التي يلزم أنْ يكون المراد فيها محبوبًا لله تعالى، ولا يلزم وقوعه، وأما الكونية فهي التي يلزم فيها وقوع المراد، ولا يلزم أنْ يكون محبوبًا لله تعالى، فالكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة. منحة العلام (10/ 324).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «خيرًا» أي: منفعة، وهو نكرة في سياق الشرط؛ فيفيد العموم، فيشمل القليل والكثير، والتنكير للتعظيم؛ لأنَّ المقام يقتضيه. منحة العلام (10/ 324).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «خيرًا» أي: منفعة، وهي اللذة، أو ما يكون وسيلة إلى اللذة، فإنْ قلتَ: هل في تنكيره فائدة؟
قلتُ: فائدته التعميم؛ لأنَّ النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي، فالمعنى: فمن يُرِد الله به جميع الخيرات، أو (فائدته:) التعظيم؛ إذ المقام يَقتضي ذلك، نحو:
له حاجبٌ عن كل أمرٍ يَشينه. الكواكب الدراري (2/ 37).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«خيرًا» أي: منفعة، وهو ضد الشر، وهو هنا اسم، وليس بأفعل تفضيل، وإنما نكَّره لإفادة التعميم؛ لأن النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي، فالمعنى: مَن يُرِد الله به جميعَ الخيرات. البحر المحيط الثجاج (19/ 602).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
(الحديث) يدل مفهوم الشرط في قوله: «مَن يرد الله به خيرًا» على أنَّ مَن لم يتفقه في دين الله، وأعرض عن العلوم النافعة -مع قدرته على ذلك، واحتياجه إليه- أنَّ الله لم يرد به خيرًا؛ لحرمانه الأسباب التي تُنال بها الخيرات، وتُكتسب بها السعادة. منحة العلام في شرح بلوغ المرام (10/ 324).
قوله: «يُفقِّهْهُ في الدِّينِ»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
«يفقِّهْه في الدين» الفقه: الفَهم والدراية والعلم في الأصل، وقد جعله العُرْف خاصًّا بعلم الشريعة، وخاصة بعلم الفروع، فإذا قيل: (فقيه) عُلِم أنه العالم بعلوم الشرع، وإنْ كان كلُّ عالمٍ بعلمٍ فقيهًا، يقال: فقِه الرجل -بالكسر- إذا عَلِمَ، وفَقُهَ -بالضم- إذا صار فقيهًا، وتفقّه: إذا تعاطى ذلك، وفقَّهه الله، أي: عرّفه وبصّره. جامع الأصول (8/ 4).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «مَن يرد الله به خيرًا يفقِّهه في الدين» هو شرط وجزاؤه، وهما مجزومان، ومَن لا يريد به خيرًا فلا يفقّهه فيه، وأتى بالخير منكَّرًا؛ لأنه أبلغ، فكأنه قال على النفي: لا يريد به خيرًا من الخير، والمراد بـ«الدِّين» الإسلام، ومنهم من فسّر الفقه في الدِّين بالفقه في القواعد الخمس، ويتصل بها الفروع. التوضيح (3/ 346).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «يُفَقِّهه» أي: يفهِّمه كما تقدم، وهي ساكنة الهاء؛ لأنها جواب الشرط، يقال: فَقُه بالضم: إذَا صار الفقه له سَجِية، وفَقَه بالفتح: إِذَا سبق غيره إلى الفهم، وفَقِه بالكسر: إذا فَهِمَ، ومفهوم الحديث: أنَّ مَن لَم يتفقه في الدِّين، أي: يتعلم قواعد الإسلام، وما يتصل بِها من الفروع؛ فقد حُرِم الخير، وفي ذلك بيانٌ ظاهر لفضل العلماء عَلى سائر الناس، ولفضل التفقه في الدِّين على سائر العلوم. فتح الباري (1/ 164).
وقال البهوتي -رحمه الله-:
«يفقهْهُ في الدِّينِ» أي: يفهمه الأحكام الشرعية، إما بتصورها، والحكم عليها، وإما باستنباطها مِن أدلتها، كلٌّ ميسَّر لما وُهِب له، و«الدِّين» ما شرعه الله من الأحكام، ويُطلق على: الملة والإسلام والعادة والسيرة والحساب والقهر والقضاء والحكم والطاعة والحال والجزاء والرأي والسياسة، ودَانَ: عصى وأطاع وذلَّ وعزَّ فهو من الأضداد. كشاف القناع (1/ 7).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«يفقهه في الدين» أي: يفهمه أسرار أمر الشارع ونهيه بنور رباني. السراج المنير (4/ 335).
وقال نجم الدين الغزي -رحمه الله-:
«يفقهه في الدين» أي: يفهمه في الدين، والتفهم أبلغ من الإفهام، وهو يُشعر بتكرار الإفهام، وكأن معناه: يجعل الفقه عادته وديدنه، روى بعض السلف: عوِّدُوا ألسنتكم خيرًا. حسن التنبه لما ورد في التشبه (4/ 331).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «يفقِّهْه»... وإنما خص علم الشريعة بالفقه؛ لأنه عِلْمٌ مستنبط بالقوانين والأدلة والأقيسة والنظر الدقيق، بخلاف اللغة، والنحو، والصرف. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 660).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
«مَن يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدِّين» لازمُ ذلك أنَّ من لم يُفَقِّهْهُ اللهُ في الدِّينِ لم يُرِدْ به خيرًا، فيكونُ التَّفقُّهُ في الدِّينِ فرضًا.
والتفقُّهُ في الدِّينِ: معرفة الأحكامِ الشرعيةِ بأدلتِها السَّمعيةِ.
فمن لم يعرف ذلك لم يكُن متفقِّهًا في الدِّينِ، لكن من الناسِ مَن قد يعجزُ عن معرفةِ الأدلَّةِ التَّفصيليَّةِ في جميعِ أمورِه، فيسقطُ عنه ما يعجزُ عن معرفتِه، لا كلُّ ما يعجزُ عنه من التفقُّه، ويَلزمه ما يقدِرُ عليه.
وأمَّا القادرُ على الاستدلالِ؛ فقيل: يَحرُمُ عليه التَّقليدُ مطلقًا، وقيل: يجوزُ مطلقًا، وقيل: يجوزُ عند الحاجةِ؛ كما إذا ضاقَ الوقتُ عن الاستدلالِ، وهذا القولُ أعدلُ الأقوالِ. مجموع الفتاوى(20/212)
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
والدِّينُ: ما بعثَ اللهُ به رسولَه؛ وهو ما يجبُ على المرءِ التَّصديقُ به والعملُ به.
وعلى كلِّ أحدٍ أن يُصدِّقَ محمَّدًا -صلى الله عليه وسلم- فيما أخبرَ به، ويُطيعه فيما أمرَ، تصديقًا عامًّا وطاعةً عامَّةً، ثم إذا ثبتَ عنه خبرٌ كان عليه أن يُصدِّقَ به مُفصَّلًا، وإذا كان مأمورًا من جهةٍ بأمرٍ معيَّنٍ كان عليه أن يُطيعَه طاعةً مُفصَّلةً.
وكذلك غُسلُ الموتى، وتكفينُهم، والصلاةُ عليهم، ودفنُهم: فرضٌ على الكفاية.
وكذلك الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المُنكرِ: فرضٌ على الكفاية. مجموع الفتاوى(28/80).
قوله: «وإنَّما أنا قاسمٌ، واللهُ يُعطي»:
قال النووي -رحمه الله-:
«وإنما أنا قاسم ويعطي اللهُ» معناه: أنَّ المعطي حقيقةً هو الله تعالى، ولستُ أنا معطيًا، وإنما أنا خازن على ما عندي، ثم أَقسِم ما أُمرتُ بقِسمته على حسب ما أُمرت به، فالأمور كلها بمشيئة الله تعالى وتقديره، والإنسان مصرَّف مربوب. المنهاج شرح مسلم (7/ 128).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «إنما أنا قاسم» أي: أنا قاسم بينكم، فأُلقي إلى كل واحد ما يليق به، والله تعالى يوفق من يشاء منكم لفهمه والتفكر في معناه...
فإن قلتَ: «إنما» مفيد للحصر، فمعناه: ما أنا إلا قاسم، وكيف يصح وله صفات أخرى، مثل كونه رسولًا ومبشرًا ونذيرًا؟
قلتُ: الحصر إنما هو بالنسبة إلى اعتقاد السامع، وهذا ورد في مقامٍ كان السامع معتقدًا كونه معطيًا، فلا ينفي إلا ما اعتقده السامع، لا كل صفة من الصفات، وحينئذٍ إنْ اعتقد أنه معطٍ لا قاسم فيكون من باب قصر القلب، أي: ما أنا إلا قاسم، أي: لا معطٍ، وإنْ اعتقد أنه قاسم ومعطٍ أيضًا فيكون من قصر الإفراد، أي: لا شِركة في الوصفين، بل أنا قاسم فقط. الكواكب الدراري (2/ 37).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «إنما أنا قاسم، والله يعطي» واعلم أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- في النظر المعنوي ليس بقاسم، كما أنه ليس بمعطٍ؛ فإنَّ الأمور كلها إلى الله سبحانه، فمنه الإعطاء، ومنه القسمة، وإنْ نظرتَ نظرًا صوريًّا فهو معطٍ أيضًا كما أنه قاسم، فكيف هذا التقسيم في القسمة والإعطاء بين الله ورسوله، فإنه يؤدي إلى اعتبار جهة الصورة والمعنى معًا، ثم تبين لي أنه راعى جهة الصورة فقط في الجملتين كلتيهما؛ لأن الحديث وارد على طور أهل العرف، وهم لا يعتبرون في الإعطاء الفاعل الحقيقي، بل ينسبونه إلى الناس، فيقولون: زيد أعطى كذا. فيض الباري (1/ 253).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إنما أنا قاسمٌ، واللهُ يُعطي»؛ أي: أقسِمُ بينكم ما أمرني اللهُ بقِسمته، وأُلقي إلى كلِّ واحدٍ ما يليقُ به، و«اللهُ يُعطي» من يشاء؛ فليست قِسمتي كقسمةِ الملوكِ الذين يُعطون من شاؤوا ويَحرِمون من شاؤوا، فلا يكون في قلوبِكم سَخَطٌ وتنَكُّرٌ للتفاضُل؛ فإنَّه بأمرِ الله.
والمرادُ: أنا أُقسِمُ ما أُوحيَ إليَّ، لا أُفَضِّلُ أحدًا من أُمَّتي على الآخر في إبلاغِ الوحي، وإنَّما التفاوُتُ في الفَهم، وهو واقعٌ من طريقِ العطاء.
أو المرادُ: أنا أُقسِمُ العِلمَ بينكم، واللهُ يُعطي الفَهمَ الذي يهتدي به إلى خَفِيَّاتِ العُلوم في كلماتِ الكتابِ والسُّنَّة، والتفكُّرِ في معناها، والتوفيقِ للعملِ بمقتضاها لمن شاء. ذَكَرَه القاضي، وهو بمعنى قولِ الطَّيِّبي: المرادُ أنَّه تعالى يُعطي من شاء أن يُفَقِّهَه استعدادًا لتلقُّفِ المعاني استعدادًا على ما قَدَّره. فيض القدير(1/٢٨٣).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«وإنما أنا قاسم» أي: وإنما أنا مجرد قاسم للعلوم الشرعية، ومبلِّغ لها، أُبَلِّغها وأنقُلها إليكم عن ربكم، «والله -عز وجل- يعطي» أي: والله وحده هو الذي يعطي الحفظ والفهم من يشاء وعلى قَدْرِ ما يشاء. منار القاري (1/ 173).
وقال الشيخ محمد الخضر الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «والله يُعطي» أي: كلَّ واحد منكم من الفهم على قدر ما تعلقت به إرادته تعالى، فالتفاوت في أفهامكم منه سبحانه...، وهذا على أنَّ المراد القَسْم في تبليغ الوحي، ويحتمل أنْ يكون المراد القَسْم للمال، فقد قال الطّيبيّ: الواو في قوله: «وإنما أنا قاسم» للحال من فاعل «يفقهْهُ»...، وقال غيره: المراد القَسم المالي، لكنّ سياق الكلام يدل على الأول؛ إذ إنه أخبر أنَّ مَن أراد به خيرًا يفقهه في الدين، وظاهره يدل على الثاني؛ لأن القسمة حقيقية في الأموال، نعم يتوجه السؤال عن وجه المناسبة بين اللاحق والسابق، وقد يجُاب بأنَّ مَورد الحديث كان عند قسمة مال، وخَصَّ -عليه الصلاة والسلام- بعضهم بزيادة لمقتضى اقتضاه، فتعرَّض بعض من خَفيت عليه الحكمة، فرد عليه -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «مَن يرد الله به خيرًا...» الخ أي: مَن أراد الله به الخير يزيد له في فهمه في أمور الشرع، فلا يتعرَّض لأمر ليس على وفق خاطره؛ إذ الأمر كله لله، وهو الذي يعطي ويمنع، ويزيد ويُنقص، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قاسمٌ بأمر الله، ليس بمعطٍ حتى تُنسب إليه الزيادة والنقصان. كوثر المعاني الدراري (3/ 167).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«والله يعطي» ذلك لمن يشاء من عباده، وإنما لم يقل: معطٍ؛ لأن إعطاء الله تعالى يتجدد كل ساعة. شرح المصابيح (1/ 191).
قوله: «ولن تزالَ هذه الأُمّةُ قائمةً على أمرِ اللهِ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله (في لفظ): «ولن يزال أمر هذه الأمَّة مستقيمًا حتى تقوم الساعة، أو حتى يأتي أمر الله» في رواية عمير بن هانئ: «لا تزال طائفة من أمَّتي قائمة بأمر الله» وتقدم بعد بابين من باب علامات النبوة من هذا الوجه بلفظ: «لا يزال من أمَّتي أمةٌ قائمة بأمر الله لا يضرهم مَن خذلهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك» وزاد قال عمير: فقال مالك بن يخامر: قال معاذ: «وهم بالشام» وفي رواية يزيد بن الأصم: «ولا تزال عصابة من المسلمين ظاهرين على مَن ناوأهم إلى يوم القيامة»، قال صاحب المشارق (عياض) في قوله: «لا يزال أهل الغَرْبِ» -يعني الرواية التي في بعض طُرق مسلم- وهي بفتح الغين المعجمة وسكون الراء، ذكر يعقوب بن شيبة، عن علي بن المديني قال: المراد بالغرب الدَّلْو، أي: العرب بفتح المهملتين؛ لأنهم أصحابها لا يَستقي بها أحد غيرهم، لكن في حديث معاذ: «وهم أهل الشام» فالظاهر أنَّ المراد بالغرب البلد؛ لأن الشام غربي الحجاز، كذا قال، وليس بواضح، ووقع في بعض طرق الحديث: «المغرب» بفتح الميم وسكون المعجمة، وهذا يردُّ تأويل الغرب بالعرب، لكن يحتمل أنْ يكون بعض رواته نقله بالمعنى الذي فهمه أنَّ المراد الإقليم لا صفة بعض أهله، وقيل: المراد بالغرب أهل القوة والاجتهاد في الجهاد، يقال: في لسانه غَرْب -بفتح ثم سكون- أي: حِدَّة، ووقع في حديث أبي أمامة عند أحمد: «أنهم ببيت المقدس» وأضاف بيت إلى المقدس، وللطبراني من حديث النهدي نحوه، وفي حديث أبي هريرة في الأوسط للطبراني: «يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم مَن خذلهم، ظاهرين إلى يوم القيامة» قلتُ: ويمكن الجمع بين الأخبار: بأنَّ المراد قوم يكونون ببيت المقدس، وهي شامية، ويَسقون بالدلو، وتكون لهم قوة في جهاد العدو وحِدَّة وجِدٌّ. فتح الباري (13/ 294).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«ولن تزالَ هذه الأُمَّة» أراد طائفةً من أمّته، كما جاء في سائر الروايات، «قائمة على أمر الله» أي: دِينه الذي شرعه، واستعمل فيه «على» دلالةً على كونهم عالين على الخصم، مُحيطين بجوانب هذا الأمر، بحيث لا يصل إليه كيد الأعداء. الكوثر الجاري (1/ 166).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«ولن تزال هذه الأُمَّةُ»: أنَّ أُمَّتَه آخرُ الأُمَمِ، وأنَّ عليها تقومُ السَّاعةُ، وإنْ ظَهَرَتْ أشراطُها وضَعُفَ الدِّينُ، فلا بُدَّ أن يبقى من أُمَّته مَن يقومُ به.
فإن قيل: قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا تقومُ الساعةُ حتى لا يقولَ أحدٌ: اللهُ اللهُ»، وقال أيضًا: «لا تقومُ الساعةُ إلا على شِرارِ الناس»؛ قلنا: هذه الأحاديثُ لفظُها على العمومِ، والمُرادُ منها الخصوصُ، فمعناه: لا تقومُ الساعةُ على أحدٍ يُوحِّدُ اللهَ إلا بموضعِ كذا؛ فإنَّ به طائفةً قائمةً على الحقِّ، ولا تقومُ إلا على شِرارِ النَّاس بموضعِ كذا؛ إذ لا يجوزُ أن تكونَ الطائفةُ القائمةُ على الحقِّ التي تُوحِّدُ اللهَ هي شِرارَ الخَلْقِ.
وقد جاء ذلك بيِّنًا في حديثِ أبي أُمامةَ الباهليِّ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تزالُ طائفةٌ من أُمَّتي ظاهرين على الحقِّ، لا يضرُّهم مَن خالفهم». قيل: وأين هم يا رسولَ الله؟ قال: «ببيتِ المقدسِ، أو أَكنافِ بيتِ المقدس». الكواكب الدراري (2/ 37).
قوله: «لا يضُرُّهُم مَن خالَفَهُم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا يضرهم مَن خالفهم» أي: لِثَبَاتهم على دِينهم. مرقاة المفاتيح (8/ 3402).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«لا يضرهم مَن خالفهم» أي: لا يثنيهم وعدٌ أو وعيد عن قيامهم على دِين الله، وجهرهم بالحق، وصلابتهم فيه. المنهل الحديث (1/ 47).
وقال محمد الخضر الشنقيطي -رحمه الله-:
«لا يضرُّهم مَن خالفهم، حتى يأتي أمر الله» وفي رواية للمصنف (البخاري) في الاعتصام: «لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» أي: على مَن خالفهم، أي: غالبون، أو المراد بالظهور أنهم غير مستترين، بل مشهورون، والأول أولى، كوثر المعاني الدراري (3/ 167).
قوله في لفظ: «ظاهرين على مَن خالفهم»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
اتفق الشُّراح على أنَّ معنى قوله: «على مَن خالفهم» أنَّ المراد علوّهم عليهم بالغلبة، وأبعد مَن أبدع فردّ على من جعل ذلك منقبة لأهل الغرب أنه مذمة؛ لأن المراد بقوله: «ظاهرين على الحق» أنهم غالبون له، وأن الحق بين أيديهم كالميت، وأن المراد بالحديث ذم الغرب وأهله لا مدحهم! فتح الباري (13/ 294).
قوله: «حتى يأتيَ أمرُ اللهِ»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
«يأتي أمر الله» والمراد بأمر الله: قيل: إنه الريح؛ إذ في الصحيح من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إنَّ الله يبعث ريحًا من اليمن أَلْيَن من الحرير فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال حبَّة إيمان» وأما الحديث الآخر: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله» وحديث: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق» فالمراد حتى يقرب قيامُها، وهو خروج الريح، وجوّز الطبري أن نُضمر في هذين الحديثين بموضع كذا، فالموصوفون بأنهم شرار الخلق غير الموصوفين بأنهم على الحق، ويؤيده أنه جاء في بعض طرق الحديث: «قيل: مَن هم يا رسول الله؟ قال: ببيت المقدس أو أكناف بيت المقدس». التوضيح لشرح (3/ 346).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«حتى يأتي أمر الله» أي: بقيام الساعة، أو قضاؤه، والمحققون على أنَّ أمر الله هنا يراد به الريح الذي يقبض روح كل مؤمن على وجه الأرض، والمعنى: أنَّ قيامهم بأمر الله ينقطع عند قيام الساعة، فإنها لا تقوم إلا على شرار الخلق. الكوثر الجاري (1/ 166).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وهذا الحديثُ مُشتملٌ على ثلاثةِ أحكامٍ:
أحدُها: فضلُ التفقُّهِ في الدِّينِ.
وثانيها: أنَّ المُعطي في الحقيقةِ هو اللهُ.
وثالثُها: أنَّ بعضَ هذه الأُمَّةِ يبقى على الحقِّ أبدًا.
فالأولُ لائقٌ بأبواب العِلمِ، والثاني لائقٌ بقِسمِ الصدقاتِ؛ ولهذا أورده مُسلمٌ في الزكاة، والمؤلف(البخاري) في الخُمُس، والثالثُ لائقٌ بذِكرِ أشراطِ الساعةِ، وقد أورده المؤلِّفُ في الاعتصامِ لالتفاته إلى مسألةِ عدمِ خلوِّ الزمانِ عن مُجتهدٍ. فتح الباري (1/ 164).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
فيه: فضل العِلم والفقه في الدِّين؛ ولأنه يقود إلى خشية الله تعالى وتُقاه، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} فاطر: 28، وهذا يقود إلى الخير في الآخرة، وعظيم الثواب.
وقوله: «إنما أنا قاسم، والله يعطي» وفي الآخر: «خازن» فيه: تفويض الأمور إلى الله تعالى، وكون جميعها بمشيئته وقدرته.
والتصريح بأنَّ الإنسان مصرَّف مسخَّر بحكمه، لا إله غيره.
وأنه لم يستأثر بشيء من الدنيا، وإنما تصرّفه فيها لمصلحة عباده، وأمْرِ ربِّه، لا لنفسه ولا لحوله وقوَّته. إكمال المعلم (3/ 570).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: فضيلة العلم والتفقه في الدين، والحث عليه، وسببُه: أنه قائد إلى تقوى الله تعالى. المنهاج شرح صحيح مسلم (7/ 128).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
الحديث دليل على فضل العلماء على سائر الناس؛ لأنهم الذين يَخشون الله تعالى، فيجتنبون معاصيه، ويديمون طاعته، لمعرفتهم بعِظَم النعمة والوعد والوعيد.
الوجه الرابع: في الحديث دليل على فضل التفقه في الدِّين على سائر العلوم، وأنه من أعظم مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، وأنه لا يُعطى إلا مَن أراد الله به خيرًا، وهذا يفيد أنَّ العلم النافع علامة على سعادة العبد، وأنه يرجى له بذلك حسن الخاتمة؛ لأن العلم النافع يقود إلى خشية الله تعالى وإلى طاعته وتقواه. منحة العلام في شرح بلوغ المرام (10/ 324).