«الإيمان بِضْعٌ وسبعون -أو بِضع وستون- شُعبة، فأفضلها: قول: لا إله إلا الله، وأدناها إِماطة الأَذى عن الطريق، والحياء شُعبة من الإيمان».
رواه مسلم برقم: (35)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ورواه البخاري برقم: (9)، ومسلم برقم: (35) بلفظ: «الإيمان بِضعٌ وستون شُعبة، والحياء شُعبة من الإيمان».
ولفظ مسلم: «وسبعون».
غريب الحديث
«بِضْعٌ»:
بِضْعٌ في العدد، بكسر الباء، وبعض العرب يفتحها، وهو ما بين الثلاث إلى التسع، تقول: بِضْعُ سنينَ، وبِضْعَةَ عشرَ رجلًا، وبِضْعَ عشرةَ امرأةً، فإذا جاوزتَ لفظ العَشْر، ذهب البِضْعُ، لا تقول: بِضْعٌ وعشرون. الصحاح، للجوهري (3/ 1186).
قال الخليل بن أحمد -رحمه الله-:
البِضْعُ من العدد: ما بين الثلاثة إلى العشرة، ويقال: هو سبعة، قال عرَّام: ما زاد على عقد فهو بِضع، تقول: بِضعة عشر، وبِضعٌ وعشرون، وثلاثون، ونحوه. العين (1/ 286).
«شُعبة»:
الشُّعْبة: الطائفة من كل شيء، والقطعة منه. الغريبين، لأبي عبيد (3/ 1006).
قال نشوان الحميري -رحمه الله-:
الجميع: شُعَب، قال اللّه تعالى: ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَب﴾ المرسلات: 30، وفي حديث النبي -عليه السلام-: «الحياءُ شُعبةٌ من الإِيمان». شمس العلوم (6/ 3474).
شرح الحديث
قوله: «الإيمان»:
قال ابن تيمية –رحمه الله-:
مذهب الصحابة وجماهير السلف من التابعين لهم بإحسان وعلماء المسلمين أن الإيمان قولٌ وعمل؛ أيْ قولُ القلب واللسان وعمل القلب والجوارح. الرد على الشاذلي (ص: 208).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«الإيمان» أي: أبواب الإيمان، وشُعَبُه، وخصاله. مرشد ذوي الحجا والحاجة (1/ 212).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
أصل الإيمان في اللغة: التصديق، وفي عُرف الشرع: تصديق القلب واللسان، وظواهر الشرع تُطلقه على الأعمال، كما وقع هنا: «أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله، وآخرها إماطة الأذى عن الطريق»، وقدمنا أن تمام الإيمان بالأعمال، وكماله بالطاعات، وأن التزام الطاعات، وضمَّ هذه الشُعَب من جملة التصديق ودلائل عليه، وأنها خُلق أهل التصديق، فليست خارجة عن اسم الإيمان الشرعي ولا اللغوي. إكمال المعلم (1/ 272).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «الإيمان...» الإيمان: في هذا الحديث يراد به: الأعمال، بدليل أنه ذَكَرَ فيه أعلى الأعمال، وهو قول: لا إله إلا الله، وأدناها، أي: أقربها، وهو إماطة الأذى، وهما عملان؛ فما بينهما من قبيل الأعمال، وقد قدمنا القول في حقيقة الإيمان شرعًا ولغة، وأن الأعمال الشرعية تسمى إيمانًا مجازًا وتوسعًا؛ لأنها عن الإيمان تكون غالبًا. المفهم (1/ 216).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنيَّة، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان، إلا ما ذُكر عن أبي حنيفة وأصحابه، فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيمانًا، قالوا: إنما الإيمان: الإقرار والتصديق. التمهيد (6/ 376).
قوله: «بِضْع وسبعون -أو بِضع وستون-»:
قال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الإيمان بضع وسبعون شعبة»...، وفي رواية...: «بضع وسبعون، أو بضع وستون» كذا وقع في مسلم من رواية سهيل: «بضع وسبعون أو بضع وستون» على الشك، ورواه البخاري في أول الكتاب من رواية العقدي: «بضع وستون» بلا شك، ورواه أبو داود والترمذي وغيرهما من رواية سهيل: «بضع وسبعون» بلا شك، ورواه الترمذي من طريق آخر وقال فيه: «أربعة وستون بابًا» واختلف العلماء في الراجحة من الروايتين، فقال القاضي عياض: الصواب ما وقع في سائر الأحاديث، ولسائر الرواة: «بضع وستون»، وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح -رحمه الله تعالى-...، واختلفوا في الترجيح، قال: والأشبه بالإتقان والاحتياط ترجيح رواية الأقل، قال: ومنهم من رجح رواية الأكثر، وإياها اختار أبو عبد الله الحليمي؛ فإنَّ الحكم لمن حفظ الزيادة جازمًا بها. شرح صحيح مسلم (2/3، 4).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله -عليه السلام-: «الإيمان بضع وسبعون شعبة» نبه -عليه السلام- على أفضلها بالتوحيد المُتَعَيّن على كل مسلم، والذي لا يصح شيء من هذه الشُّعب إلا بعد صحته، وأدناها ما يتوقع ضرره بالمسلمين من إماطة الأذى عن طريقهم، وإن لم يقع الأذى بعد، وبقي بين هذين الطرفين من أعداد أبواب الإيمان ما لو تُكُلف حصرها بطريق الاجتهاد وتعينها بغلبة الظن إلى حصر عدته لأمكن، وقد أشار إلى نحو هذا بعض من تقدم، وعليه بنى الفقيه إسحاق بن إبراهيم القرطبي كتابه المسمى: بالنصائح، ولكن القطع أنَّ تعيين ما نَقَّحه الاجتهاد وترتيبه على تلك الأبواب هو مراد النبي -عليه السلام- يصعب، ولن يعدم من يُرتِّب ترتيبًا آخر، ويداخل بعض الأبواب في بعض، ويفصِّل بعض الأقسام من بعض -والله عز وجل أعلم-، ولكنه قد جاء في الأحاديث النص على بعض تلك الشُّعب...، ولا يلزم معرفة تعيينها، ولا يقدح جهل ذلك في الإيمان؛ إذ أصول الإيمان وفروعه معلومة محقَّقة، والإيمان بأنها هذا العدد من الحديث واجب على الجملة، وتفصيل تلك الأصول وتعينها على هذا العدد يحتاج إلى توقيف. إكمال المعلم (1/271، 272).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
قوله: «بِضع وسبعون» يحتمل أن يكون المراد به التكثير، دون التعديد، كما في قوله تعالى {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِيْنَ مَرَّةً} التوبة:80، واستعمال لفظة السبعة والسبعين للتكثير كثير...، أو أن يكون المراد: تعداد الخصال وحصرها، وبيانه: أن شُعب الإيمان –وإن كانت متعددة متبددة– إلا أن حاصلها يرجع إلى أصل واحد، وهو تكميل النفس على وجه به يصلح معاشه ويحسن معاده، وذلك بأن يعتقد الحقَّ ويستقيم في العمل، وإليه أشار -صلوات الله عليه- حيث قال لسفيان الثقفي حين سأله في الإسلام قولًا جامعًا: «قل: آمنت بالله ثم استقم». تحفة الأبرار (1/35، 36).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال الإمام الحافظ أبو حاتم ابن حبان بكسر الحاء: تتبعت معنى هذا الحديث مدة، وعددت الطاعات، فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجعت إلى السنن فعددت كل طاعة عدها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فرجعت إلى كتاب الله تعالى فقرأته بالتدبر، وعددت كل طاعة عدها الله تعالى من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممت الكتاب إلى السنن، وأسقطت المعاد، فإذا كل شيء عده الله تعالى ونبيه -صلى الله عليه وسلم- من الإيمان تسع وسبعون شعبة، لا يزيد عليها، ولا تنقص، فعلمت أن مراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن هذا العدد في الكتاب والسنن، وذكر أبو حاتم -رحمه الله- جميع ذلك في كتاب وصف الإيمان وشُعبه، وذكر أن رواية من روى: «بضع وستون شعبة» أيضًا صحيحة؛ فإن العرب قد تذكر للشيء عددًا ولا تريد نفي ما سواه، وله نظائر أوردها في كتابه، منها في أحاديث الإيمان والإسلام والله تعالى أعلم. شرح صحيح مسلم (2/ 5).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ولم يتفق من عد الشُّعب على نمط واحد، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان، لكن لم نقف على بيانها من كلامه، وقد لخَّصتُ مما أوردوه ما أذكره، وهو أن هذه الشُّعب تتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن (ثم ذكر أعمال كلٍّ على حِدة). فتح الباري (1/ 52).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
مقصود هذا الحديث: أن الأعمال الشرعية تسمى إيمانًا على ما ذكرناه آنفًا، وأنها منحصرة في ذلك العدد، غير أن الشرع لم يعيّن ذلك العدد لنا ولا فصَّله، وقد تكلف بعض المتأخرين تعديد ذلك، فتصفح خصال الشريعة وعدَّدها، حتى انتهى بها -في زعمه- إلى ذلك العدد، ولا يصح له ذلك؛ لأنه يمكن الزيادة على ما ذكر، والنقصان مما ذكر؛ ببيان التداخل، والصحيح: ما صار إليه أبو سليمان الخطابي وغيره: أنها منحصرة في علم الله تعالى، وعلم رسوله، وموجودة في الشريعة، مفصَّلة فيها، غير أن الشرع لم يوقفنا على أشخاص تلك الأبواب، ولا عيَّن لنا عددها، ولا كيفية انقسامها، وذلك لا يضرنا في علمنا بتفاصيل ما كلَّفنا به من شريعتنا ولا في عملنا؛ إذ كل ذلك مفصَّل مبيَّن في جملة الشريعة، فما أُمرنا بالعمل به عملناه، وما نُهينا عنه انتهينا، وإن لم نُحط بحصر أعداد ذلك، والله تعالى أعلم. المفهم (1/ 217).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
فإن قيل: فأهل الحديث والسنة عندهم: أن كل طاعة فهي داخلة في الإيمان، سواء كانت من أعمال الجوارح أو القلوب أو من الأقوال، وسواء في ذلك الفرائض والنوافل، هذا قول الجمهور الأعظم منهم، وحينئذ فهذا لا ينحصر في بضع وسبعين، بل يزيد على ذلك زيادة كثيرة، بل هي غير منحصرة، قيل: يمكن أن يجاب عن هذا بأجوبة:
أحدها: أن يقال: إنَّ عدَّ خصال الإيمان عند قول النبي -صلى الله عليه وسلم- كان منحصرًا في هذا العدد، ثم حدثت زيادة فيه بعد ذلك حتى كملت خصال الإيمان في آخر حياة النبي -صلي الله عليه وسلم-.
والثاني: أن تكون خصال الإيمان كلها تنحصر في بضع وسبعين نوعًا، وإن كان أفراد كل نوع تتعدى كثيرًا، وربما كان بعضها لا ينحصر، وهذا أشبه، وإن كان الموقوف على ذلك يعسر أو يتعذر.
والثالث: أن ذكر السبعين على وجه التكثير للعدد، لا على وجه الحصر...
والرابع: أن هذه البضع وسبعين هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها. فتح الباري (1/34، 35).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وقد يقال: إنه -صلى الله عليه وسلم- لم يبين عددها؛ ليحافظ المؤمن على كل خصلة خير ورد فيها الوعد بالإثابة، كما قيل في إخفاء ليلة القدر وساعة الجمعة...، ويحتمل أنَّ كل خصلة تحتها خلال من الخير، فإن مثل بر الوالدين، فيه: إنفاق المال لأجلهما، وصلة أرحامهما، وغير ذلك. التحبير (1/ 180).
وقال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله-:
وقد تكلم العلماء على تعيينها...، ولكن إذا فُهِم المعنى تمكن الإنسان أن يعتدَّ بكل خصلة وردت عن الشارع -قولية أو فعلية، ظاهرة أو باطنة- من الشُّعب، ونصيب العبد من الإيمان بقدر نصيبه من هذه الخصال، قلة وكثرة، وقوة وضعفًا، وتكميلًا وضده، وهي ترجع إلى تصديق خبر الله وخبر رسوله، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما. بهجة قلوب الأبرار (ص180).
قوله: «شُعبة»:
قال الجلال السيوطي -رحمه الله-:
«شُعبة» بضم أوله، أي: خصلة أو جزء. التوشيح (1/ 168).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
الشُّعبة...، المراد بهذه الخصال: أصول الخير، من الأقوال والأفعال، والإيمان إنما هو تصديق القلب، وهذه الخصال تنبعث عنه فسُميت إيمانًا. كشف المشكل (3/ 456).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«شُعبة» هي في الأصل غصن الشجر وفرع كل أصل، وأُريد بها هنا الخصلة الحميدة أي: الإيمان ذو خصال متعددة. مرقاة المفاتيح (1/ 69).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
المراد من الحديثِ: شُعبُ الإيمان الكامل، وهو التَّصديق والإقرار والعمل. منحة الباري (1/ 139).
قوله: «فأفضلها: قول: لا إله إلا الله»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فأفضلها» أي: أفضل تلك الشُّعب قدرًا ودرجة عند الله تعالى، والفاء فصيحية، سميت بذلك؛ لكونها أفصحت عن جواب شرط مقدر، كأنه قيل: إذا كان الإيمان ذا شُعب كثيرة، يلزم منه ثبوت الفاضل والمفضول، فما أفضلها، وأدناها؟ البحر المحيط الثجاج (2/ 27).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وأرفعها» (كما في لفظ) أي: أكثرها أجرًا، وأساسها «قول: لا إله إلا الله» محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والمراد: مجموع الشهادتين، أي: قولهما عن صدق قلب، أو المراد: الشهادة بالتوحيد فقط، كما هو ظاهر اللفظ، لكن عن صدق، على أن الشهادة بالرسالة باب آخر. مرشد ذوي الحجا والحاجة (1/213، 214).
قوله: «وأَدناها إِماطة الأذى عن الطريق»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
«وأدناها» أي: أقربها منزلة، وأدونها مقدارًا، من الدُّنو، بمعنى: القُرْبِ...؛ ولذلك استعمله في مقابلة الأعلى. الكاشف (2/ 438).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وأدناها» أي: أقربها من الدنو، بمعنى: القُرْبِ، وأسهلها فعلًا وأقلها أجرًا. الكوكب الوهاج (2/ 319).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
ووجه كونها أدناها: أنها لدفع أدنى ضرر يتوقع حصوله لأحد من الناس. دليل الفالحين (2/ 364).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» أي: تنحيته وإبعاده، والمراد بالأذى: كل ما يؤذي من حجر أو مدر أو شوك أو غيره. شرح صحيح مسلم (2/ 6).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«عن الطريق» ظاهره: ولو طريق غير المسلمين، إلا أنه يأتي تقييدها بطريق المسلمين. التنوير (4/ 511).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«عن الطريق» المسلوك للناس. مرشد ذوي الحجا والحاجة (1/ 213).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: أقل شُعب الإيمان إبعادُ الأَذى من طريق المسلمين...، ومنه: ألا يفعل ولا يلقي في الطريق ما يتأذَّى به المارُّ، كحَفْرِ حفرةٍ في الطريق، أو إلقاء قشرِ بطيخ، أو التغوط والبول في الطريق...، ومنه: دفع الظُلم والمضرَّة عن المسلمين؛ لا يؤذي أحدًا، ولا يترك أحدًا أن يُؤذيَ أحدًا إن قَدِر. المفاتيح (1/63، 64).
قوله: «والحياء شُعبة من الإيمان»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
«الحياء» بالمدِّ، وهو في اللغةِ: تغيُّرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسانَ من خوفِ ما يُعابُ به، وقد يُطلَقُ على مجرَّدِ تركِ الشيءِ بسببٍ، والتَّركُ إنما هو من لوازمه. وفي الشرعِ: خُلُقٌ يبعثُ على اجتنابِ القبيحِ، ويمنعُ من التَّقصيرِ في حقِّ ذي الحقِّ؛ ولهذا جاء في الحديثِ الآخرِ: «الحياءُ خيرٌ كلُّه». فتح الباري(1/٥٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«الحياء» صفةٌ خُلُقيَّةٌ تَعْتَرِي الإنسانَ، ولا يستطيعُ أن يُعَبِّرَ عنها تعبيرًا يكون تفسيرًا لحقيقتِها، ولكنَّها تُعْرَفُ بآثارِها؛ فهي: خُلُقٌ يَعْتَرِي الإنسانَ يمنعُه أن يتكلَّمَ أو يَفْعَلَ ما يَخْجَلُ منه وما يُوَبَّخُ عليه، وهو من الإيمانِ؛ لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «الإيمانُ بضعٌ وستون شُعْبةً، أعلاها: قولُ لا إلهَ إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريقِ، والحياءُ شُعْبةٌ من الإيمان». فتح ذي الجلال والإكرام(6/٤٢٧).
قال الجلال السيوطي -رحمه الله-:
«الحياء» بالمد، وهو في اللغة: تغيُّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يُعاب به، وفي الشرع: خُلُق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، وإنما أفرده بالذِّكر؛ لأنه كالدَّاعي إلى باقي الشُّعب؛ إذ الحيّ يخاف فضيحة الدنيا والآخرة فيأتمر وينزجر. التوشيح (1/ 170).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
وقيل: معنى إفراد الحياء بالذِّكْر بعد دخوله في الشُّعب: كأنه يقول: هذه شعبة واحدة من شعب الإيمان، فهل يحصى ويعد شعبها؟!! فافهم. لمعات التنقيح (1/ 223).
قال ابن علان -رحمه الله-:
«والحياء... شُعبة» عظيمة، كما يومئ إليه التنكير «من الإيمان»؛ لتكفُّله بحصول سائر الشُّعب. دليل الفالحين (2/363، 364).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
وإنما نبه على كون الحياء شعبةً من الإيمان؛ لكونه أمرًا خُلُقيًا، ربما يذهل الذهن عن كونه من الإيمان، فدل على أن الأخلاق الحسنة أيضًا منه. فيض الباري (1/ 152).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «والحياء شعبة من الإيمان» قال الإمام (المازري): إنما كان الحياء -وهو في الأكثر غريزةٌ- من الإيمان الذى هو اكتسابٌ؛ لأن الحياء يمنع من المعصية كما يمنع الإيمان منها، والحياء هاهنا ممدود، من الاستحياء، قال القاضي: الحياء أحد الشُّعب المحصورة، فهذا من الأعداد المحصورة بالنص، وقد يعدُّ الحياء من الإيمان، بمعنى: التخلق والتزام ما يوافق الشرع ويحمد منه، فرُب حياء مانع من الخير مُجبن عن قول الحق، وفعله مذموم، ورب حياء عن المآثم والرذائل، مأمور به يجازى عليه، كما جاء في الحديث الآخر: «لكل دين خلق، وخُلق الإسلام الحياء» وكان الحياء من خلق نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- وقد يكون الحياءُ في بعض الناس غريزة وطبعًا جُبل عليه، ولكن استعماله على قانون الشريعة وحيث يجب يحتاج إلى اكتساب ونيَّةٍ وعلم، وقد يكتسبه من لم يُجْبَل عليه ويتخلق به؛ ولهذا كله قال: «الحياء لا يأتي إلا بخير». إكمال المعلم (1/ 273).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الحياء: انقباض وحشمة يجدها الإنسان من نفسه عندما يطلع منه على ما يستقبح ويُذم عليه، وأصله غريزي في الفطرة، ومنه مكتسب للإنسان...، وهذا المكتَسب: هو الذي جعله الشرع من الإيمان، وهو الذي يُكلَّف به.
وأما الغريزي فلا يكلَّف به؛ إذ ليس ذلك من كسبنا، ولا في وسعنا، ولم يكلف الله نفسًا إلا وسعها، غير أن هذا الغريزي يُحمل على المكتسب، ويعين عليه...، وأول الحياء وأولاه: الحياء من الله تعالى، وهو ألا يراك حيث نهاك، وذلك لا يكون إلا عن معرفة بالله تعالى كاملة، ومراقبة له حاصلة، وهي المعبر عنها بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»...، وقد يفرط الحياء على بعض الناس حتى يمنعه ذلك من القيام بحق الله تعالى من الأمر بالمعروف وتغيير المنكر، ويحمله على المداهنة في الحق، وكل ذلك حياء مذموم شرعًا وطبعًا، يحرم استعماله، ويجب الانكفاف عنه؛ فإن ذلك الحياء أحق باسم الجبن والخور، وأولى منه باسم الحياء والخفر. المفهم (1/218، 219).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الحياءُ: صفةٌ حميدةٌ، كان خُلُقَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام؛ فكان من خُلُقِه -عليه الصلاة والسلام- الحياءُ، حتى إنَّه كان أشدَّ حياءً من العذراءِ في خِدْرِها، عليه الصلاة والسلام، إلَّا أنَّه لا يستحي من الحقِّ.
فالحياءُ صفةٌ محمودةٌ، لكنَّ الحقَّ لا يُستحيا منه؛ فإنَّ اللهَ يقولُ:
{وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} الأحزاب: 53، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ {لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} البقرة: 26.
فالحقُّ لا يُستحيا منه، ولكن ما سِوى الحقِّ فإنَّ من الأخلاقِ الحميدةِ أن يكون المرءُ حييًّا، وضدُّ ذلك مَن لا يستحي؛ فلا يُبالي بما فعل، ولا يُبالي بما قال. ولهذا جاء في الحديثِ: «إنَّ ممَّا أدركَ الناسُ من كلامِ النبوَّةِ الأولى: إذا لم تستحِ فاصنعْ ما شئتَ». واللهُ الموفِّق. شرح رياض الصالحين(2/١٧٠).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
في هذا الحديث: بيانُ أن الإيمان الشرعي اسم لمعنىً ذي شُعب وأجزاء، له أعلى وأدنى، فالاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبها، وتستوفي جملة أجزائها، كالصلاة الشرعية لها شُعَب وأجزاء، والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها، ويدل على ذلك قوله: «الحياء شعبة من الإيمان» فأخبر أن الحياء إحدى تلك الشُّعب.
وفي هذا الباب: إثباتُ التفاضل في الإيمان، وتباين المؤمنين في درجاته. معالم السنن (4/ 312).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فقه هذا الباب: أن كمال الإيمان بإقامة الفرائض والسنن والرغائب، وأن الإيمان قول وعمل بخلاف قول المرجئة. شرح صحيح البخاري (1/ 61).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا الحديثُ بيَّن فيه الرسولُ -عليه الصلاة والسلام- أنَّ الإيمانَ ليس خصلةً واحدةً، ولا شُعبةً واحدةً، ولكنَّه شُعَبٌ كثيرةٌ؛ بِضْعٌ وسبعون، يعني: من ثلاثٍ وسبعين إلى تسعٍ وسبعين، أو بِضْعٌ وستون شُعبةً، ولكن أفضلُها كلمةٌ واحدةٌ، وهي: لا إلهَ إلا الله.
هذه الكلمةُ لو وُزِنَتْ بها السماواتُ والأرضُ لرجحتْ بها؛ لأنَّها كلمةُ الإخلاصِ، وكلمةُ التوحيدِ، الكلمةُ التي نسألُ اللهَ أن يَخْتِمَ لي ولكم بها، مَن كانتْ آخِرَ كلامِه من الدنيا دخلَ الجنةَ.
هذه الكلمةُ هي أفضلُ شُعَبِ الإيمانِ، «وأدناها إماطة الأذَى عن الطريق»، يعني: إزالةُ الأذى عن الطريقِ، وهو كلُّ ما يُؤذي المارِّين، من حجرٍ، أو شوكٍ، أو زجاجٍ، أو خِرَقٍ، أو غيرِ ذلك؛ فكلُّ ما يُؤذي المارِّين إذا أزلتَه فإنَّ ذلك من الإيمانِ.. شرح رياض الصالحين(2/١٧٠).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
في الحديثِ تشبيهُ الإيمانِ بشجرةٍ ذاتِ أغصانٍ وشُعَبٍ، كما أنَّ في القُرآنِ تشبيهَ الكَلِمةِ الدالَّةِ على حقيقةِ الإيمانِ بشجرةٍ طيِّبةٍ، أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماءِ.مرقاة المفاتيح(1/ 71).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
يؤخذ من الحديث:
- الحث على التخلق بالحياء.
- مسئولية الفرد نحو المجتمع؛ فإن إماطة الأذى من التعاون والتكافل الاجتماعي ودفع الضرر عن أفراده، وحمايته من الوقوع في الخطر والضرر، والله أعلم. فتح المنعم (1/ 136).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
منها (أي: من فوائده):
تشبيه الإيمان بشجرة ذات أَغصان وشُعب، كما شبَّه في حديث: «بني الإسلام على خمس» بخباءٍ ذات أَعمدة وأَطناب. البحر المحيط الثجاج (2/ 32).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- حديث: «دعه فإن الحياء من الإيمان».
- وحديث: «مَن أمَاط أذىً عن طريق المسلمين كُتِب له حَسنة، ومن تُقُبِّلَت له حَسنة دخل الجنة»