«غَدَوْتُ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعبد الله بن أبي طلحة ليُحَنِّكَه، فَوَافَيْتُه في يده المِيْسَم، يَسِمُ إبل الصدقة».
رواه البخاري برقم: (1502) واللفظ له، ومسلم برقم: (2119)، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
غريب الحديث
«غَدَوْتُ»:
الغَدوة: المرة من الغُدُو، وهو سير أول النهار، نقيض الرَّواح. النهاية (3/ 346).
وقال نشوان الحميري -رحمه الله-:
الغَدْوَةُ: يقال: أتيته غَدْوَةً، أي: ما بين صلاة الفجر إلى طلوع الشمس. شمس العلوم (8/ 4911).
«ليُحَنِّكَه»:
حنَّكت الصبي تحنيكًا: مضغتُ تمرًا ونحوه ودَلَكْتُ به حَنَكَهُ. المصباح المنير، للفيومي (1/ 154).
«المِيْسَم»:
المِيْسَم: الْمِكْوَاة، أو الشيء الذي يُوسَم به الدواب، والجمع: مواسم، ومَيَاسم. لسان العرب، لابن منظور(12/ 636).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «غَدَوْتُ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «غَدوت» من الغَدو، وهو الرَّواح من أول النهار. عمدة القاري (9/ 106).
وقال حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«غدوت» أي: ذهبت صباحًا. منار القاري (3/ 59).
قوله: «بعبد الله بن أبي طلحة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«بعبد الله بن أبي طلحة» أي: مصحوبًا معه. مرقاة المفاتيح (6/ 2650).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«بعبد الله بن أبي طلحة» هو أخو أنس لأمه، وهو صحابي. إرشاد الساري (3/ 84).
قوله: «ليُحَنِّكَه»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
التَّحْنِيْكُ: هو أن يمضغ التمرة ويجعلها في فم الصبي، ويحكُّ بها في حنكه بسبابته حتى تتحلل في حلقه، والحَنَكُ أعلى داخل الفم. الكواكب الدراري (8/ 47).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
وهذا سُنَّة في الصبيان؛ لتصل إليه بركته -صلى الله عليه وسلم-. شرح المصابيح (4/ 498).
قوله: «فَوَافَيْتُه»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
الموافاة: الإتيان، يقال: وافيته أي: أتيته. الكواكب الدراري (8/ 47).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فوافيته» أي: صادفته حال كونه «في يده الميسم». مرقاة المفاتيح (6/ 2650).
قوله: «في يده المِيْسَم يَسِمُ إبل الصدقة»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
الميسم: الْمِكْوَاة، بكسر الميم. إكمال المعلم (6/ 646).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
الميسم: الحديدة التي يُكوى بها، والوَسْمُ الكَيُّ للعلامة. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2808).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
والوَسْمُ: هو التأثير بعلامة نحو كَيَّه، وقطع الأذن، وأصله من السِّمة، وهي العلامة. الكواكب الدراري (8/ 47).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يسم إبل الصدقة» أي: الزكاة. الكوكب الوهاج (21/ 483).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«إبل الصدقة» أي: الإبل التي تحمل الثقل، يدل على جواز الوسم بالكي. إكمال المعلم (6/ 646).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال الشافعي وأصحابه: يستحب كون ميسم الغنم ألطف من ميسم البقر، وميسم البقر ألطف من ميسم الإبل، وهذا الذي قدمناه من استحباب وسم نَعَمِ الزكاة والجزية هو مذهبنا، ومذهب الصحابة كلهم -رضي الله عنهم- وجماهير العلماء بعدهم. شرح صحيح مسلم (14/ 99-100).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
انفرد أبو حنيفة فقال: إن الوسم مكروه؛ لأنه تعذيب ومُثْلَة، وقد نهي عن ذلك، حجة الجمهور هذا الحديث، وغيره من الأحاديث، وأن الشارع باشر فعله. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (10/ 620).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي حديث الباب حجة على من كره الوسم من الحنفية بالميسم؛ لدخوله في عموم النهي عن المُثلة، وقد ثبت ذلك من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، فدل على أنه مخصوص من العموم المذكور للحاجة كالختان للآدمي. فتح الباري (3/ 367).
وقال النووي -رحمه الله-:
وَسْمُ الآدمي حرام، وأما غير الآدمي فالوسم في وجهه منهي عنه، وأما غير الوجه فمستحب في نِعَمِ الزكاة والجزية، وجائز في غيرها، وإذا وسم فيستحب أن يسم الغنم في آذانها والإبل والبقر في أصول أفخاذها؛ لأنه موضعٌ صَلْبٌ فيَقِلُّ الألم فيه، ويخفُّ شَعره، ويظهر الوسم. شرح صحيح مسلم (14/ 99).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وكونه -صلى الله عليه وسلم- يسم الإبل والغنم بيده يدل على تواضعه -صلى الله عليه وسلم-، وعلى أن الفضل في امتهان الرجل نفسه في الأعمال التي لا تُزْرِي بالإنسان شرعًا، وخصوصًا: إذا كان ذلك في مصلحة عامة، كما وسم -صلى الله عليه وسلم- إبل الصدقة بيده.
ويحتمل: أن تكون مباشرته للكي بيده ليرفق بالبهائم في الوسم، ولا يبالغ في ألمها، والله تعالى أعلم. المفهم (5/ 440).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
والحكمة فيه: تمييزها من الملك، وليردَّها مَن أخذها ولا يلتقطها، وليعرفها متصدِّقها فلا يشتريها بعد؛ لئلا يكون عائدًا في صدقته، والغنم مُلحق بها كما سلف وكذا البقر. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (10/ 619).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
إنما تُوْسَمُ إبل الصدقة؛ لئلا تختلط بالأموال المملوكة، وتُوسم أيضًا لكي يتنزه صاحبها من شرائها؛ لئلا يكون عائدًا في صدقته؛ لأنها شيء أخرجه لله -عزَّ وجلَّ، فلا يعود فيه بحال، كما ترك المهاجرون نزول مساكنهم بمكة بعد الفتح، لأنهم كانوا تركوها لله -عزَّ وجلَّ-، فلم يعودوا فيها حين وصلت أيديهم إليها. أعلام الحديث (2/ 825).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ولم أقف على تصريح بما كان مكتوبًا على مِيْسَم النبي -صلى الله عليه وسلم-، إلا أن ابن الصباغ من الشافعية نقل إجماع الصحابة على أنه يكتب في مِيْسَم الزكاة: زكاة أو صدقة. فتح الباري (3/ 367).
وقال النووي -رحمه الله-:
ويستحب أن يُكتب في ماشية الجزية: جزية أو صَغَارٌ، وفي ماشية الزكاة: زكاة أو صدقة. شرح صحيح مسلم (14/ 99).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
كان الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- يتبركون به -صلى الله عليه وسلم-، فكانوا يأتون إليه من أجل أن يحنِّك أولادهم، وبعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يُذهب إلى أحد ليحنِّك؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ريقه فيه بركة، ولم يكن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعده يذهبون إلى أبي بكر، أو إلى عمر، أو إلى عثمان، أو إلى علي ليحنكوا أطفالهم، وإنما كان الواحد يحنِّك ابنه، والمرأة تحنك ابنها دون أن يحتاج إلى أن يذهب إلى أحد، فقد ذكر الشاطبي في الاعتصام ذلك، وأن الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- ما فعلوا ذلك بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فدل هذا على أنه من خصائصه -عليه الصلاة والسلام-. شرح سنن أبي داود (303/ 20).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث فوائد كثيرة:
منها: جواز الوسم في غير الآدمي، واستحبابه في نَعَم الزكاة والجزية، وأنه ليس في فعله دناءة ولا ترك مروءة، فقد فعله النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ومنها: بيان ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- من التواضع، وفعل الأشغال بيده، ونظره في مصالح المسلمين، والاحتياط في حفظ مواشيهم بالوسم وغيره.
ومنها: استحباب تحنيك المولود. شرح صحيح مسلم، باختصار (14/ 100).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفيه: مباشرة أعمال المهنة، وترك الاستنابة فيها للرغبة في زيادة الأجر، ونفي الكِبْرِ، والله أعلم. فتح الباري (3/ 367).
وينظر فتوى اللجنة الدائمة في جواز وسم الدواب في غير الوجه للمصلحة والتمييز بين الأملاك.