الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«البركة تنزلُ وسْط الطعامِ، فكُلُوا من حافَتَيْهِ، ولا تأْكلوا من وسطه».


رواه أحمد برقم: (3438)، والترمذي برقم: (1805)، واللفظ له، والنسائي في الكبرى برقم: (6729)، وابن ماجه برقم: (3277)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
وفي رواية عند أحمد برقم: (17678)، وأبي داود برقم: (3773) وابن ماجه برقم: (3275)، من حديث عبد اللَّهِ بن بُسْرٍ -رضي الله عنه -: «كُلُوا من حواليها، ودَعُوا ذِرْوَتَها؛ يُباركْ فيها».
وفي رواية عند أبي داود برقم: (3772)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: «إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يأكل مِن أعلى الصَّحفة، ولكن لِيَأْكُل مِن أسفلها؛ فإنَّ البركة تنزل من أعلاها».
وفي رواية عند أحمد بلفظ: «لا تأكلوا الطعام مِن فَوقِه، وكُلوا مِن جوانبه؛ فإن البركة تنزل مِن فوقه».
صحيح الجامع برقم: (1591)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2123).


غريب الحديث


«وسْطَ»:
الوسَط بالتحريك: المعتدل، يقال: شيء وسَط، أي: بين الجيد والرديء...، وأما وسْط بالسكون: فهو بمعنى بَيْن، نحو: جلستُ وسْط القوم، أي: بينهم. المصباح المنير، للفيومي (2/ 658).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الوسْط بالسكون، يقال فيما كان متفرق الأجزاء غير متصل، كالناس والدواب وغير ذلك، فإذا كان متصل الأجزاء كالدار والرأس فهو بالفتح.
وقيل: كل ما يصلح فيه بَيْنٌ فهو بالسكون، وما لا يصلح فيه بين فهو بالفتح، وقيل: كل منهما يقع موقع الآخر، وكأنه الأشبه. النهاية (5/ 183).

«حافَتَيْهِ»:
بتخفيف الفاء، أي: من ناحيتيه. دليل الفالحين، لابن علان (5/ 230).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الحَافَةُ: ناحية الموضع وجانبه. النهاية (1/ 462).

«ذِرْوَتَهَا»:
الذِّروة: بالكسر، والضم: مِن كل شيء أعلاه. المصباح المنير (1/ 208).

«الصَّحْفَةِ»:
شِبه قَصْعة مُسْلَنْطَحة عريضة، وهي تُشبع الخمسة ونحوهم، والجمع صِحَاف، وفي التنزيل: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ} الزخرف: 71.، والصحيفة: أقل منها، وهي تُشبع الرَّجل، وكأنه مصغَّر لا مكبر له. المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده (3/ 160).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
قال الكسائي: أعظم القِصَاع الجَفْنَة، ثم القَصْعَة تليها تُشْبَع العشرة، ثم الصحفة تُشْبِع الخمسة ونحوهم، ثم المِئْكَلَة تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحيفة تشبع الرجل. لسان العرب (9/ 187).

«البَرَكَةَ»:
البركة: النماء والزيادة. المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده (7/ 22).


شرح الحديث


قوله: «البَرَكَةُ»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«البركة» التي أَوْدَعَها الله في الطعام. دليل الفالحين (5/ 230).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«البركة» أي: النمو والزيادة للخير. السراج المنير(1/ 181).
وقال المناوي -رحمه الله-:
المراد بالبركة هنا: الإمداد من الله. فيض القدير (5/ 45).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وأصل البركة: الزيادة والاتساع في الشيء، ويكون بمعنى الثبات واللزوم. إكمال المعلم (6/ 501).
وقال النووي -رحمه الله-:
والمراد هنا -والله أعلم-: ما يحصل به التغذية، وتَسْلَم عاقبته من أذى، ويقوي على طاعة الله تعالى، وغير ذلك. شرح صحيح مسلم (13/ 206).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قال ابن بزيزة -في المطامح-: تحقيق هذه البركة وكيفية نزولها: أمر إيماني لا يُطَّلع على حقيقته. فيض القدير (5/ 46).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
البركة في الطعام تكون بمعاني كثيرة:
منها: استمراء الطعام.
ومنها: صيانته عن مرور الأيدي عليه، فتتقزز النفس منه.
ومنها: أنَّ زُبدة المرقة هنالك، فهي إذا أُخذ الطعام من الحواشي تَيَسَّر عليه شيئًا فشيئًا، فإذا أخذ الطعام من أعلاه كان ما بقي بعده دونه في الطِّيب.
ومنها: ما يخلق الله من الأجزاء الزائدة فيه؛ وذلك يكون آية للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، أو كرامة للولي، كأبي بكر في إطعام الضيف، أو عائشة في شعير الرَّفِّ. عارضة الأحوذي (7/ 311).

قوله: «تنزل وسْط الطعام»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«وسْط الطعام» بسكون السين. فيض القدير (2/ 324).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«تنزل وسَط الطعام» بفتح السين. قوت المغتذي (1/ 451).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
بسكون السين، ويفتح. مرقاة المفاتيح (7/ 2715).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
الوسط: أعدل المواضع، فكان أحق بنزول البركة فيه. مرقاة المفاتيح (7/ 2715).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«تنزل وسط الطعام» فلا يأكل وسط الصحن، جامدًا كان كالثريد، أو مائعًا كالأمراق. دليل الفالحين (5/ 230).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
ظاهره عموم كل طعام يؤكل، فيدخل فيه القُرْص. التنوير(3/ 434).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
أي: تكون في وسط القصعة، وتصل من وسطها إلى حافتها. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (7/ 151).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أي: وسط الطعام ورأسه. مرشد ذوي الحجا والحاجة (19/ 233).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
المراد بنزول البركة: فيَضَان الخير، وزيادة النعمة من فضل الله ورحمته. لمعات التنقيح (7/ 259).
وقال السندي -رحمه الله-:
اللائق إبقاؤه (أي: الوسط) إلى آخر الطعام؛ لبقاء البركة واستمرارها، ولا يحسن إفناؤه وإزالته، وهذا هو الموافق لرواية الترمذي: «البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه». فتح الودود (3/ 724).

قوله: «فكلوا من حافَتَيْهِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فكلوا» ندبًا «من حافاته» (بالجمع كما في لفظ) أي: جوانبه وأطرافه، كلٌّ يأكل مما يليه. فيض القدير (2/ 324).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
الأمر للإرشاد، أو الندب، بل قيل: للوجوب. فيض القدير (5/ 45).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فكلوا من حافَتَيه» بتخفيف الفاء، أي: من ناحيَتَيْهِ...، والمراد من التثنية هنا: ما فوق الواحد، فيعم سائر الجوانب. دليل الفالحين (5/ 230).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «كلوا من جوانبه» هذا يتضمن أمرين:
الأول: إباحة الأكل منها.
والثاني: أنْ يكون الأكل من الجوانب، وكل إنسان يأكل من الجانب الذي يليه. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 619).
وقال المناوي -رحمه الله-:
الخطاب للجماعة، أما المنفرد فيأكل من الحافة التي تليه، وعليه تنزل رواية: «حافته» بالإفراد. التيسير(1/ 280).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
ليس المراد هنا خصوص التثنية، ففي المشكاة: «أنه أُتي بقصعة من ثريد، فقال: كلوا من جوانبها»، وفي الجامع الصغير للسيوطي: «فكلوا من حافاته»، وفي رواية ابن ماجه: «فخذوا مِن حافته». تحفة الأحوذي (5/ 427).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
الإنسان يأكل شيئًا فشيئًا من أطرافها، فإنَّ ذلك من أسباب البركة، ومن أسباب النفع، وأما الأكل من الوسط فهو مخالف للأدب؛ لأن كون الإنسان تَطِيْشُ يده، وتتجاوز إلى مكان غير الذي يليه، يجعل الناس يَشْمَئِزُّون وينفرون منه. شرح سنن أبي داود (426/ 31).

قوله: «ولا تأْكُلُوا مِن وسَطِهِ»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
أي: اتركوا الأخذ من وسطه أولًا، وعلل ذلك بقوله: «فإن البركة تنزل في وسطه». السراج المنير (1/ 181).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولا تأكلوا من وسطه»؛ محافظة على بقاء محل البركة؛ لأنه إذا أكل من وسطه لم يبقَ في بقيته بركة. التنوير(3/ 434).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
لا يأكل من ذروة القَصعة، ولا من وسط الطعام، بل يأكل من استدارة الرغيف، إلا إذا قلَّ الخبز فيكسر الخبز. إحياء علوم الدين (ص: 3).
وقال الشوكاني -رحمه الله- مُعلِّقًا:
والعلة في ذلك: ما في الحديث من كون البركة تنزل في وسط الطعام. نيل الأوطار (8/ 184).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ولا تأكلوا من وسطه» ندبًا؛ لكونه محل تنزلات البركة. فيض القدير (2/ 324).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الكراهة للتنزيه، وحملها جماعة على التحريم، وهو عام في كل طعام، غير الفواكه. التنوير (8/ 623).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قال أهل العلم: إلا إذا كان الطعام أنواعًا، وكان نوع منه في الوسط، وأراد أن يأخذ منه شيئًا فلا بأس، مثل: أنْ يوضع اللحم في وسط الصحفة، فإنه لا بأس أنْ تأكل من اللحم، ولو كان في وسطها؛ لأنه ليس له نظير في جوانبها، فلا حرج، كما أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتَتَبَّع الدباء يلتقطها من الصحفة كلها. شرح رياض الصالحين (4/ 221).

قوله في رواية: «كُلُوا مِن حَوَاليها»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«كلوا مِن حواليها» يعني: القَصْعَة التي فيها الطعام. فيض القدير (5/ 45).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«كلوا من حواليها» مقابلة الجمع بالجمع، أي: ليأكل كل واحد مما يليه من أطراف القَصْعَة. عون المعبود (10/ 178).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«كلوا من حواليها» أي: من جوانبها، بدليل رواية ابن ماجه: «كلوا من جوانبها». شرح سنن أبي داود (15/ 365).

قوله في رواية: «ودَعُوا»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ودعوا» أي: اتركوا. شرح سنن أبي داود (15/ 365).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أي: اتركوا أعلاها ووسطها ندبًا لا وجوبًا، وبَيَّن وجه ذلك بقوله: «يبارك فيها». فيض القدير (5/ 45).

قوله في رواية: «ذِرْوَتَهَا»:
قال العظيم آبادي -رحمه الله-:
«ذروتها» بتثليث، بضم الذال المعجمة، والكسر أصح، أي: وسطها وأعلاها. عون المعبود (10/ 178).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وذِرْوَة كل شيء أعلاه، وفيه: ينبغي أن تكون الثَّردة وسطها مرتفعًا، ذا ذروة، كما تكون ذِرْوَة الجبل، وذِرْوَة سَنَام البعير، وارتفاع وسط الثريد من مكارم الأخلاق، ومحاسن الأجواد. شرح سنن أبي داود (15/ 365).
قال ابن رسلان -رحمه الله- أيضًا:
في رواية أخرى لابن ماجه عن واثلة بن الأسقع: «أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- برأس الثريد، وقال: كُلوا -باسم الله- مِن حواليها، وأعفوا رأسها؛ فإن البركة تأتيها من فوقها». شرح سنن أبي داود (15/ 365).

قوله في رواية: «يُبارَكْ فيها»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«يُبارك» بالجزم: أي: يكن دليل ذلك مع ذكر الله تعالى سبب حصول البركة «فيها» أي: في جميع ما فيها من الأعلى والأسفل. دليل الفالحين (5/ 231-232).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«يبارَك فيها» فإنكم إذا فعلتم ذلك يبارك فيها، وليس المراد ترك الأكل من الأعلى والوسط، بل إنه يبدأ بالأكل من حواليها حتى ينتهي إلى الوسط فيأكل، ثم يلحسها، فإنها تستغفر له (اعتمد في استغفار الصحفة على حديث ضعفه الألباني الأرنؤوط وغيرهما). فيض القدير (5/ 45).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فيها» أي: في جميع ما فيها من الأعلى والأسفل. شرح سنن أبي داود (15/ 366).

قوله في رواية: «إذا أكلَ أحدكم طعامًا، فلا يأكل من أعلى الصَّحفة»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فلا يأكل من أعلى الصَّحْفَة» أي: من وسط القصعة. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 515).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فلا يأكل من أعلى الصَّحْفَة» يعني: أنه لا يمد يده إلى وسط الطعام ويأكل منه، وإنما يأكل مما يليه، كما قال -عليه الصلاة والسلام- لـعمر بن أبي سلمة: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». شرح سنن أبي داود (426/ 31).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
الظاهر أن المراد بـ«أعلى الصَّحْفَة»: الوسط أيضًا، وبـ«الأسفل»: الأطراف، والاختلاف إنما هو في العبارة. لمعات التنقيح (7/ 259).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فلا يأكل من أعلى الصَّحْفَة» أي: من أعلى ثَرِيْد الصَّحْفَة ونحوه كالكُسْكُسو (طعام للمغاربة يُتَّخَذ من الدقيق) والفَتِيْت (الخبز الـمَفْتُوت)، وغير ذلك من الجوامد، وأما الأَمْرَاق فلا يأكل من وسطها، فإنه في معنى أعلى الثريد، وفي معنى الأعلى والوسط ما يلي الأكيل إن كان معه أحد. شرح سنن أبي داود (15/ 361-362).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «الصَّحْفَة» بفتح الصاد، وسكون الحاء المهملتين. البحر المحيط الثجاج (34/ 212).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
الصَّحْفَة: هي التي يكون فيها طعام، وغالبًا يكون الطعام أعلاها في وسطها، ويكون فيه انسياب لجهة الأطراف، فالإنسان يأكل مما يليه، ولا يأكل من وسط الصَّحْفَة. شرح سنن أبي داود (426/ 31).

قوله: «ولكنْ ليأكلْ مِن أسفَلِهَا»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«ولكن يأكل من أسفلها» أي: مِن جانبها الذي يليه. شرح المصابيح (4/ 561).

قوله: «تَنْزِلُ مِن أعلَاهَا»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«تنزل مِن أعلاها» أي: إلى أسفلها، فإن البركة تنزل أولًا على أعلاها، ثم تَنْصَب إلى الأسفل، فإذا أخذ مِن أعلاها تنقطع البركة، وأما إذا أخذ من الأسافل لا تنقطع؛ لأنها تَنْصَب من الأعلى. بذل المجهود (11/ 499).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «تنزل من أعلاها» يعني: الذي هو وسطها. شرح سنن أبي داود (426/ 31).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
شبَّه ما يزيد في الطعام بما ينزل من الأعالي من المائع وما يشبهه، فهو يَنْصَب إلى الوسط، ثم يَنْبَث منه إلى الأطراف، فكل ما أُخذ من الطرف يجيء من الأعلى بدله، فإذا أُخذ من الأعلى انقطع. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2855).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- معلقًا:
قلتُ: ولعل السر فيه أنَّ الأعلى قدرٌ مشترَك بينه وبين غيره، فإذا حمله الحرص على الأكل منه، فينقطع الخير والبركة من شآمته، فإنَّ الحرص شؤم، والحريص محروم، وفي رواية أبي داود وابن ماجه عن عبد الله بن بُسر: «كلوا من حواليها، وذروا ذِروتها؛ يُبارَك فيها» وفي رواية لابن ماجه عن واثلة: «كلوا باسم الله من حواليها، وأَعْفُوا رأسها؛ فإنَّ البركة تأتيها مِن فوقها». مرقاة المفاتيح (7/ 2715).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
يُكره أن يأكل الإنسان مُتَّكِئًا، وأن يأكل مما يلي أَكِيْله، وأن يأكل من وسط القصعة، وأعلى الثريد ونحوه، ولا بأس بذلك في الفواكه. العزيز شرح الوجيز (8/ 353).
وقال الإسنوي -رحمه الله- متعقبًا الرافعي:
ما ذكره من كراهة هذه الأمور تابعه (النووي) عليه في الروضة، وقد نصَّ الشافعي -رحمه الله- على التحريم، فقال في الأم: فإنْ أكل مما لا يليه، أو من رأس الطعام، أو عَرَّسَ (أي: نام) على قارعة الطريق أثم بالفعل الذي فعله إذا كان عالـمًا بنهي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- انتهى هذا لفظه بحروفه...
واعلم أنَّ الأَكِيلَ الواقع في لفظ الرافعي، وهو بالهمزة المفتوحة، وبالياء قبل اللام: هو الجالس مع الشخص ليأكل. المهمات(7/ 234).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قد ذكر في هذا الحديث أنَّ النهي إنما كان عن ذلك من أجل أنَّ البركة إنما تنزل من أعلاها، وقد يحتمل أيضًا وجهًا آخر: وهو أنْ يكون النهي إنما وقع عنه إذا أكل مع غيره؛ وذلك أن وجه الطعام هو أطيبه وأفضله، فإذا قصده بالأكل كان مُسْتَأثرًا به على أصحابه، وفيه مِن ترك الأدب وسوء العشرة ما لا خفاء به، فأما إذا أكل وحده فلا بأس به، والله أعلم. معالم السنن (4/ 243).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله- متعقبًا الخطابي:
قلتُ: هذا وجهٌ ضعيف لا يُقبل، والله أعلم. عون المعبود (10/ 177).
وقال المناوي -رحمه الله- متعقبًا الخطابي:
سواء أكل الآكل وحده أو مع غيره على ما اقتضاه إطلاقه، وتخصيصه بالأكل مع غيره يحتاج لدليل. التيسير (1/ 133).
وقال العزيزي -رحمه الله- ناقلًا التعقب على الخطابي أيضًا:
قال الدميري: وما قاله فيه نظر، فإن الظاهر العموم، ففي الإحياء (للغزالي) في القسم الثاني من آداب الأكل: لا يأكل مِن ذروة القصعة، ولا من وسط الطعام، بل لا يأكل من استدارة الرغيف إلا إذا قلَّ الخُبز فليكسر الخبز. السراج المنير(1/ 181).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
يكره الأكل من ذروة الطعام، ومن وسطه، بل يأكل من أسفله، وكذلك الكيل. كشف اللثام (6/ 577).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
فيه (الحديث): الحرص على إبقاء ما فيه البركة والخير، وعدم إزالته، فبحصولها يحصل الخير الكثير، وجاء في الحديث: «من بورك له في شيء فليلزمه» (لم أجده بهذا اللفظ، بل بلفظ: «إذا فُتح لأحدكم رزق من باب فليلزمه»، وضعفه الألباني). دليل الفالحين (5/ 231-232).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه: مشروعية الأكل من جوانب الطعام قبل وسطه. نيل الأوطار (8/ 183).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وفيه: الاحتراص على إبقاء ما فيه البركة والخير، وعدم إزالته، فبحصولها يحصل الخير الكثير، وعلى هذا فيحترص الآدمي على عدم الإسراف في الماء، وألا يستعمله في الطهارات وغيرها إلا برفق؛ لأن الله تعالى قد صرح بوجود البركة فيه بقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} ق: 9، وأضافه إلى نفسه تشريفًا له بأنه الذي أنزله نفعًا لكم. شرح سنن أبي داود (15/ 366).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد الحديث: الإشارة بل مشروعية الأكل من جوانب القصعة؛ لقوله: «كلوا من جوانبها» وهل الأمر للوجوب؟ نقول: ظاهر التعليل أنَّ الأمر للوجوب؛ لأنه قال: «فإن البركة تنزل في وسطها».
ومن فوائد الحديث: أنَّ من الأمور التي جاء بها الوحي ما لا تدركه العقول، وهو أنَّ البركة تكون في وسط الصحفة؛ لأن هذا لا ندري عنه، لولا أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبرنا بذلك، لكنا لا نعلم عن هذا شيئًا.
ومن فوائد الحديث: أن الأكل والشرب وإن كانا من مُقتضى الطبيعة والجبلة أنَّ لهما آدابًا.
ومن فوائد الحديث: أنَّه ينبغي استجلاب البركة واستبقاؤها، وأنه لا ينبغي فعل ما يزيلها، ومن ذلك: كيل الطعام عند استنفاقه، فإنه (أي: الكيل من الوسط) مما يزيل البركة. فتح ذي الجلال والإكرام، باختصار (4/ 622-623).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
يدل (الحديث) على أن الإنسان إذا أكل من أعلاه -أي: من الوسط- نزعت البركة من الطعام. شرح رياض الصالحين (4/ 221).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:
ــ أنَّ البركة إذا نزلت على الطعام بدأت بوسطه. فقه الإسلام (7/ 152).

ويُنظر: آداب الطعام وطلب البركة فيه.

وينظر آداب الأكل والشرب في موسوعة الفتاوى



إبلاغ عن خطأ