«لا يزال مِن أمَّتي أُمَّة قائمة بأمر الله، لا يضُرُّهم من خَذَلَهم، ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك»، قال عُمَير: فقال مالك بن يُخَامِر: قال معاذ: وهم بالشأم، فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذًا يقول: وهم بالشأم.
رواه البخاري برقم: (3641)، ورقم: (7460)، من حديث معاوية -رضي الله عنه-.
وفي رواية لمسلم برقم: (1920)، من حديث ثوبان -رضي الله عنه-: «لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهُم كذلك».
غريب الحديث
«طائفة»:
أي: جماعة، ويجوز أن يقال للواحد: طائفة، يراد بها أنفس طائفة. الغريبين في القرآن والحديث، للهروي (4/ 1186).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الطائفة: الجماعة من الناس، وتقع على الواحد، كأنه أراد نفسًا طائفة، وسُئِل إسحاق بن راهويه عنه فقال: الطائفة دون الألف. النهاية (3/ 153).
شرح الحديث
قوله: «لا يزال مِن أمَّتي أُمَّة»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «لا يزال» أي: أبدًا. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 262).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من أمَّتي» أي: من جملة أمَّتي بالإجابة. مرقاة المفاتيح (9/ 4047).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
المراد بـالأمَّة: أمة الإجابة. تحفة الأبرار (1/ 132).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«أمة» أي: طائفة. شرح المصابيح (1/ 164).
قوله: «لا تزال طائفة من أمتي»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«أمَّتي» يريد: أُمَّة الإجابة. شرح المصابيح (1/ 164).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «طائفة من أمَّتي» أي: جماعة منهم. البحر المحيط الثجاج (33/ 18).
وقال السندي -رحمه الله-:
الطائفة الجماعة من الناس، والتنكير للتقليل أو التعظيم؛ لعظم قدرهم ووفور فضلهم.
ويحتمل: التكثير أيضًا، فإنهم وإن قلُّوا فهم الكثيرون، فإن الواحد لا يساويه الألف بل هم الناس كلهم. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 7).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الطائفة: الجماعة، وهم العصابة في الحديث الآخر، وهم الذين قال الله تعالى في حقهم: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} الأعراف: 181.
والطائفة في الأصل: هي القطعة من الشيء، يقال: طائفة من كذا، أي: قطعة منه، وهي من الناس: الجماعة، قال مجاهد: هم من الواحد إلى الألف، وكذلك قال النخعي، وقال عطاء: أقله رجلان فصاعدًا، وقال الزهري: ثلاثة فصاعدًا، والطائفة هي الفِرقة التي يمكن أن تكون حلقة، وكأنها الجماعة الحافة حول الشيء، أقلُّها ثلاثة أو أربعة. المفهم (3/ 761-762).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقد اختلف في من هذه الطائفة؟ وأين هم؟
فقال علي بن المديني: هم العرب، واستدل برواية مَن روى: «وهم أهل الغَرْبِ»، وفسر «الغرب» بالدلو العظيمة.
وقيل: أراد بالغرب: أهل القوة، والشدة، والحد، وغرب كل شيء حده.
وقيل: أراد به: غرب الأرض، وهو ظاهر حديث سعد بن أبي وقاص.
وقال فيه: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق في المغرب حتى تقوم الساعة»، ورواه عبد بن حميد، وقال فيه: «لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة، أو يأتي أمر الله»، ورواه بقي بن مخلد في مسنده كذلك: «لا يزال أهل المغرب» كذلك.
قلتُ: وهذه الروايات تدل على بطلان التأويلات المتقدمة، وعلى أن المراد به أهل المغرب في الأرض، لكن أول المغرب بالنسبة إلى المدينة -مدينة النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما هو الشام، وآخره حيث تنقطع الأرض من المغرب الأقصى وما بينهما، كل ذلك يقال عليه: مغرب، فهل أراد المغرب كله، أو أوله؟ كل ذلك محتمل لا جرم.
قال معاذ في الحديث الآخر: «هم أهل الشام»، ورواه الطبري، وقال: «هم ببيت المقدس»، وقال أبو بكر الطرطوشي في رسالة بعث بها إلى أقصى المغرب، بعد أن أورد حديثًا في هذا المعنى، قال -والله تعالى أعلم-: هل أرادكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو أراد بذلك جملة أهل المغرب؛ لِمَا هم عليه من التمسك بالسنة والجماعة، وطهارتهم من البدع والإحداث في الدين، والاقتفاء لآثار من مضى من السلف الصالح؟ والله تعالى أعلم. المفهم (3/ 763-764).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
الطائفة: هم المجتهدون في الأحكام الشرعية، والعقائد الدينية، أو المرابطون في سبيل الله، والمجاهدون لإعلاء دينه.
قيل: أراد بهم الفئة المقاتلة المرابطين بثغور الشام؛ إذ جاء في بعض طرقه: «وهم بالشام»، ولعل المراد منه: أن شوكة أهل الإسلام لا تُزَال بالكلية، فإنْ ضعف أمره في قُطر قام وعلا في قُطر آخر، وقام بإعلائه طائفة من المسلمين حتى يقاتل آخرهم الدجال. تحفة الأبرار (3/ 132-583).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
الأمَّة القائمة بأمر الله وإن اختُلف فيها، فإن المعتد به من الأقاويل أنها الفئة المرابطة بثغور الشام، نضَّر الله بهم وجه الإسلام؛ لما في بعض طرق هذا الحديث: «وهم بالشام»، وفي بعضها: «حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال»، وفي بعضها: «قيل: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: ببيت المقدس». الميسر في شرح مصابيح السنة (4/ 1360).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قيل: هذه الطائفة هم المرابطة بثغور الشام؛ لأنه في بعض طرق هذا الحديث: «وهم بالشام»، وفي بعضها: «حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال»، وفي بعضها: «قيل: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: في بيت المقدس». المفاتيح في شرح المصابيح (6/366).
وقال البغوي -رحمه الله-:
وحَمَلَ بعضهم مطلق هذا الحديث على القيام بتعلُّم العلم، وحفظ الحديث لإقامة الدين، قال أحمد بن حنبل: إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث، فلا أدري من هم؟ شرح السنة (14/ 213).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقد قال أحمد بن حنبل في هذه الطائفة: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدرى من هم؟ وإنما أراد أهل السُّنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث، وقال البخاري: هُم أهل العلم. إكمال المعلم (6/ 350).
وقال النووي -رحمه الله-:
ويحتمل: أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدِّثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض. شرح صحيح مسلم (13/ 67).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا:
ونظير ما نبه عليه (أي: النووي) ما حَمَل عليه بعض الأئمة حديث: «إن الله يبعث لهذه الأمَّة على رأس كل مائة سنة من يجدِّد لها دِينها» أنه لا يلزم أن يكون في رأس كل مائة سنة واحد فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة، وهو متَّجه؛ فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يُدَّعى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير، وتقدمه فيها، ومِن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأما من جاء بعده فالشافعي، وإن كان متصفًا بالصفات الجميلة إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد، والحكم بالعدل، فعلى هذا كل من كان متصفًا بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد، سواء تعدد أم لا. فتح الباري (13/ 295).
قوله: «ظاهرين على الحق»:
قال المازري -رحمه الله-:
«ظاهرين على الحق» أي: عالين. المعلم بفوائد مسلم (1/ 427).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«ظاهرين» أي: غالبون عالون، قال الله تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} التوبة: 33. إكمال المعلم (1/ 474).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«ظاهرين»: منصورين غالبين، كما قال في الحديث الآخر: «يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خذلهم»؛ أي: من لم ينصرهم من الخلق. المفهم (3/ 762).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«ظاهرين» مِن ظهرت، أي عَلَوْتُ وغَلَبْتُ، واحتج الحنابلة به على أنه لا يجوز خلوُّ الزمان من مجتهد. الكواكب الدراري (14/ 194).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ظاهرين» أي: غالبين على سائر الناس بالبرهان، أو به، أو بالسّنان (أي: بالسيف). عمدة القاري (25/ 141).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«ظاهرين» أي: مُعْلِنين. اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (17/ 253).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«ظاهرين» أي: غالبين؛ يعني: أبدًا يكون الجهاد موجودًا، ويكون الثابتون على الحق، والمظهِرون لدِين الله تعالى موجودين. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 262).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أي: على مَن خالفهم، أي: غالبون، أو المراد بالظهور: أنهم غير مستترين، بل مشهورون، والأول أَولى، وقد وقع عند مسلم من حديث جابر بن سمرة: «لن يبرح هذا الدين قائمًا تقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة»، وله في حديث عقبة بن عامر: «لا تزال عصابة من أمَّتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة». فتح الباري (13/ 294).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«ظاهرين» أي: قائمين بالحق غالبين على من خالفهم. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (6/ 422).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
وهذا من فضل الله تعالى أنْ جعل الحق باقيًا، لا يذهب ولا يضمحل وإنْ كثر محاربوه وأعداؤه، كما هو الواقع، والحمد لله على ذلك. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 237).
قوله: «قائمة بأمر الله»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
المراد بالأمر الأول: الشريعة والدين، وقيل: الجهاد، وبالقيام به: المحافظة والمواظبة عليه، وبالأمر الثاني: القيامة، كما في قوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} النحل:1. تحفة الأبرار، بتصرف يسير جدًا (1/ 132).
وقال البغوي -رحمه الله-:
قوله: «قائمة بأمر الله» أي متمسِّكة بدينها، وقوله سبحانه وتعالى: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} آل عمران: 113، أي: متمسكة بدينها وهم قوم آمنوا بموسى، وعيسى، ومحمد -عليهم السلام-. شرح السنة (14/ 213).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قيل: الأمة القائمة بأمر الدين: هم المقيمون على الإسلام، الدائمون له، مِن قام الشيء: إذا دام، وقام الماء: وقف.
وقوله تعالى: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ} آل عمران: 113، أراد به: مَن انتقل من اليهودية والنصرانية إلى الإسلام، فآمن بجميع الكتب، وواظب على العمل بمضمون القرآن، وقيل: أراد: أرباب الأحاديث؛ لأنهم قائمون بنقل الأحاديث وإحيائها. المفاتيح في شرح المصابيح (6/ 367).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قال شارح: قائمة بأمر الله، أي: متمسكة بدينه.
قيل: هم الأمة القائمة بتعليم العلم، وحفظ الحديث؛ لإقامة الدين.
وقيل: هم المقيمون على الإسلام المديمون له، مِن قام الشيء دام، والباء في «بأمر الله» بمعنى (مع) أو للتعدية، أي: دائمة مع أمر الله أو مديمة إياه. مرقاة المفاتيح (9/ 4047).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قائمة بأمر الله» أي: بأمر دِينه وأحكام شريعته مِن حفظ الكتاب وعلم السنة، والاستنباط منهما، والجهاد في سبيله، والنصيحة لخلقه، وسائر فروض الكفاية، كما يشير إليه قوله تعالى {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} آل عمران: 104. مرقاة المفاتيح (9/ 4047).
قوله: «لا يضرهم من خَذَلَهم»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«لا يضرهم» كل الضرر «من خذلهم». إرشاد الساري (6/ 75).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا يضرهم» أي: لا يضر دِينهم وأمرهم. مرقاة المفاتيح (9/ 4047).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لا يضرهم من خذلهم» أي: مَن عاداهم، أي: أراد خذلانهم ومعاداتهم. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (20/ 286).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من خذلهم» أي: مَن ترك عونهم ونصرهم، بل ضر نفسه، وظلم عليها بإساءتها. مرقاة المفاتيح (9/ 4047).
قال المظهري -رحمه الله-:
خذل: إذا ترك أحدًا عن المعاونة، يعني: لا يتفاوت عندهم إنْ ترك الناس معاونتهم ولا أن يحاربوهم، بل لو اجتمع أهل الأرض على أن يمنعوهم عن دين الله تعالى لم يقدروا؛ لأن الله تعالى حافظهم وناصرهم، وهذا إشارة إلى أن وجه الأرض لا يخلو من الصلحاء. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 262).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
يحمل الخذلان على ترك المعاونة لهم على المبتدعة، فيكون هنا مجازًا وهنالك حقيقة. الكاشف عن حقائق السنن (12/ 3972).
قوله: «ولا مَن خالفهم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولا من خالفهم» أي: لم يوافقهم على أمرهم. مرقاة المفاتيح (9/ 4047).
قوله: «حتى يأتيهم أمر الله»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أمر الله» أي: موتهم، أو انقضاء عهدهم. مرقاة المفاتيح (9/ 4047).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«أمر الله»: الساعة كما قد جاء مفسرًا في الرواية الأخرى. المفهم (3/ 762).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: ما المراد بأمر الله؟
قلتُ: أحد أشراط الساعة، وذلك أن آخر ما يكون الإسلام بالحجاز، دلت عليه النصوص. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (6/ 422).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
قوله: «حتى يأتيهم أمر الله» أي: حُكْمه وقضاؤه، إما بقيام الساعة كما في حديث جابر: «إلى يوم القيامة»، أو بالريح التي يموتون منها. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 234).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
وهذا إشارة إلى أن وجه الأرض لا يخلو من الصلحاء الثابتين على أوامر الله، متباعدين عن المناهي، حافظين أمور الشريعة، يستوي عندهم معاونة الناس ومخالفتهم، أو المجاهدين في سبيل الله. شرح المصابيح (1/ 164).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ولا يعارضه (أي: حديث الباب) قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تقوم الساعة حتى لا يقول أحد: الله، الله»، و «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق»، وما جانسه من الأحاديث، وقد قال الطبري: إنه لا تعارض بينهما؛ لأن المراد بهذا الخصوص، ومعناه: لا تقوم الساعة على أحد يوحِّد الله إلا في موضع كذا، التي بها الطائفة المذكورة، وقيل: بل هذا في وقت دون وقت، وأن هذه الطائفة تبقى إلى حين قيام الساعة التي تَقبض روح كل مؤمن، كما جاء في الحديث في الباب في كتاب مسلم: «ثم يبعث الله ريحًا فلا تترك نفسًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة»، فقد فسر في الحديث نفسه القصة، وجمع الحديثين، وأن أولئك يموتون بين يديها، فلا تقوم حينئذٍ إلا على شرار الخلق، ومن لا يؤمن بالله. إكمال المعلم (6/ 348-349).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
إن قيل: إن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين» لفظه لفظ الخصوص في بعض الناس دون بعض، وقال في حديث معاوية: «لن يزال أمر هذه الأمَّة مستقيمًا حتى تقوم الساعة» فعم الأمَّة، وهذا معارض للحديث الأول، مع ما يقوي ذلك مما رواه محمد بن بشار قال: ثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله» وما رواه شعبة، عن علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس» وهذه أخبار معارضة لحديث معاوية، قال الطبري: ولا معارضة بين شيء منها، بل بعضها يدل على صحة بعض، ولكن بعضها خرج على العموم، والمراد به الخصوص، فقوله: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله»، و «لا تقوم إلا على شرار الناس» يعنى: في موضع كذا، فإن به طائفة من أمتي لا يضرهم من خالفهم، وهم الذين عنى بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لن يزال أمر هذه الأمَّة مستقيمًا» يريد: في موضع دون موضع.
فإن قيل: وما الدليل على ذلك؟
قيل: هو أنه لا يجوز، وأن يكون في الخبر ناسخ ولا منسوخ، وإذا ورد منه القولان من أن أمته طائفة على الحق، وأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق بالأسانيد الصحاح، وكان غير جائز أن توصف الطائفة التي على الحق بأنها شرار الناس، وأنها لا توحد الله، على أن الموصوفين بأنهم شرار الناس غير هؤلاء الموصوفين بأنهم على الحق، وقد بين ذلك أبو أمامة في حديثه (وساق الإسناد) أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لعدوهم قاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قيل: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس»، فثبت أنه ليس أحد هذه الأخبار معارضًا لصاحبه. شرح صحيح البخاري (10/ 358-359).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
يحتمل: أن يكون المراد بأمر الله: ما ذكر مِن قبض من بقي من المؤمنين، وظواهر الأخبار تقتضي أن الموصوفين بكونهم ببيت المقدس أن آخرهم من كان مع عيسى -عليه السلام-، ثم إذا بعث الله الريح الطيبة فقبضت روح كل مؤمن لم يبق إلا شرار الناس، وقد أخرج مسلم من حديث ابن مسعود رفعه: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس»، وذلك إنما يقع بعد طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وسائر الآيات العظام، وقد ثبت أن الآيات العِظام مثل السلك إذا انقطع تناثر الخرز بسرعة، وهو عند أحمد، وفي مرسل أبي العالية: «الآيات كلها في ستة أشهر»، وعن أبي هريرة: «في ثمانية أشهر»، وقد أورد مسلم عقب حديث أبي هريرة من حديث عائشة ما يشير إلى بيان الزمان الذي يقع فيه ذلك، ولفظه: «لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى، وفيه يبعث الله ريحًا طيبة، فَتَوَفَّى كل من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دِين آبائهم»، وعنده في حديث عبد الله بن عمرو رفعه: «يخرج الدَّجال في أمَّتي» الحديث، وفيه: «فيبعث الله عيسى ابن مريم فيطلبه فيُهْلِكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قِبَلِ الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال حبة من خير أو إيمان إلا قبضته»، وفيه: «فيبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيأمرهم بعبادة الأوثان، ثم ينفخ في الصور»، فظهر بذلك أن المراد بأمر الله في حديث: «لا تزال طائفة» وقوع الآيات العظام التي يعقبها قيام الساعة، ولا يتخلف عنها إلا شيئًا يسيرًا، ويؤيده حديث عمران بن حصين رفعه: «لا تزال طائفة من أمَّتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم الدجال» أخرجه أبو داود والحاكم، ويؤخذ منه صحة ما تأولته؛ فإن الذين يقاتلون الدجال يكونون بعد قتله مع عيسى، ثم يرسل عليهم الريح الطيبة، فلا يبقى بعدهم إلا الشرار كما تقدم، ووجدتُ في هذا مناظرة لعقبة بن عامر ومحمد بن مسلمة، فأخرج الحاكم من رواية عبد الرحمن بن شماسة أن عبد الله بن عمرو قال: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شرٌّ مِن أهل الجاهلية» فقال عقبة بن عامر: عبد الله أعلم ما يقول، وأما أنا فسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا تزال عصابة من أمَّتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك»، فقال عبد الله: أجل، ويبعث الله ريحًا ريحها ريح المسك، ومَسُّها مسُّ الحرير، فلا تترك أحدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، فعلى هذا فالمراد بقوله في حديث عقبة: «حتى تأتيهم الساعة»: ساعتهم هم، وهي وقت موتهم بهبوب الريح، والله أعلم. فتح الباري (13/ 77).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
المراد بـ«أمر الله»: هبوب تلك الريح، وأن المراد «بقيام الساعة»: ساعتهم، وأن المراد بالذين يكونون ببيت المقدس الذين يحصرهم الدجال إذا خرج، فينزل عيسى إليهم، فيقتل الدجال، ويظهر الدِّين في زمن عيسى، ثم بعد موت عيسى تهب الريح المذكورة، فهذا هو المعتمد في الجمع، والعلم عند الله تعالى. فتح الباري (13/ 294).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
قد تبين بما ذكر أن الأرجح في المراد بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «حتى تقوم الساعة»، وبقوله: «حتى يأتي أمر الله»: علامة الساعة التي هي هبوب الريح المذكورة، فلا يوجد بعده نفس مؤمنة، بل يبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، وبهذا يحصل الجمع بين حديث الباب، وحديث: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس»، والله تعالى أعلم. مشارق الأنوار الوهاجة (1/ 127-128).
قوله: «وهُم على ذلك»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وهُم على ذلك» أي: على القيام بأمره. مرقاة المفاتيح (9/ 4047).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
وقوله: «وهم على ذلك» أي: على الجهاد والنصر والغلبة على العدو، وسواء أكان الجهاد بالقول من العلماء، أو بالفعل من الجيوش، والله أعلم. الفتح الرباني (1/ 188).
قوله: «قال عمير: فقال مالك بن يخامر: قال معاذ: وهم بالشأم»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«عُمير» مصغر عمر، ابن هانئ، ... قيل: إنه صحابي، و «معاذ» هو ابن جبل الصحابي الكبير الخزرجي، و «هم» أي: الأمة القائمة بأمر الله مستقرون «بالشام». الكواكب الدراري (14/ 194).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
وقول معاذ: «وهم بالشام»، معناه: في آخر الزمان عند فساد الخلق يكونون بالشام، وإلا حين أخبر معاذ بهذا كان الإسلام قائمًا في كل البلاد لا سيما الحجاز. الكوثر الجاري (6/ 422).
قوله: «فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذًا يقول: وهم بالشأم»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«معاوية» أي: ابن أبي سفيان، «قال مُعاذ» أي: ابن جبل، «وهم بالشام» أي: والأُمة القائمة بأمر الله مُقيمون بالشام. منحة الباري بشرح صحيح البخاري (6/ 661).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
لا يلزم ذلك في كل وقت، والآن في الشام النصيرية (وعدّد شيخنا القارات ثم قال: فيها من يدعو إلى الحق). الحلل الإبريزية (4/ 471).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: معجزة ظاهرة؛ فإن هذا الوصف ما زال -بحمد الله تعالى- من زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث.
وفيه: دليل لكون الإجماع حُجَّة، وهو أصح ما استدل به له من الحديث، وأما حديث: «لا تجتمع أمَّتي على ضلالة» فضعيف، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (13/ 67).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: دلالة على صحة الإجماع؛ لأن الأمَّة إذا أجمعت فقد دخلت فيهم هذه العصابة المختصة، فكل الأمَّة محق فإجماعهم حق، ويفيد هذا المعنى أيضًا قوله تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} الأعراف: 181. المفهم (3/ 764).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
وفيه: بشارة للمؤمنين، وأن الحق لا يذهب ويضيع، بل لا بد أن يبقى إلى أن تقوم الساعة، ولا بد أن تبقى طائفة من هذه الأمَّة على الحق منصورة، كما في اللفظ الآخر: «لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله»، وهذه بشارة للمؤمنين، وأن الحق لا يضيع، ولا تزال طائفة على الحق منصورة، وهم أهل السنة والجماعة، وهم أهل الحق، وهم الصحابة والتابعون والأئمة ومن بعدهم، وفي مقدمتهم العلماء، وكل من عمل بالسنة، والتزمها فهو منهم، منهم المزارع والنجار والتاجر، وأصحاب المهن، مثل الجزار قد يكون من أهل السنة، ومن أهل الحق، وهو جزار أو صانع، أو حداد، أو خرَّاز، أو تاجر، هذه الطائفة تقل وتكثر، وقد تكون متفرقة.
هذا فيه بشارة بأنه لا يزال الحق باق حتى يأتي أمر الله، وأمر الله هو الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات في آخر الزمان قبيل قيام الساعة. شرح سنن ابن ماجة (1/ 4).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وفيه: مُعجزة بيِّنة فإن أهل السُّنة لم يزالوا ظاهرين في كل عصر إلى الآن، فمِن حين ظهرت البدع على اختلاف صنوفها من الخوارج والمعتزلة والرافضة وغيرهم لم يقم لأحد منهم دولة، ولم تستمر لهم شوكة، بل {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} المائدة: 64 بنور الكتاب والسنة، فلله الحمد والمنة، وزعمت المتصوفة أن الإشارة إليهم؛ لأنهم لزموا الاتباع بالأحوال وأغناهم الاتباع عن الابتداع. فيض القدير (6/ 395).