الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عن العبدِ، أن يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فيَحْمَدَه عليها، أو يَشْربَ الشَّرْبَةَ، فَيحْمَدَهُ عليها».


رواه مسلم برقم: (2734)، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.


غريب الحديث


«لَيَرْضَى»:
الرِّضا مقصور: ضد السَّخط، وفي حديث الدُّعاء: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك». لسان العرب، لابن منظور (14/ 323).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
رضيتُ الشَّيء، ورضيتُ به رضًا: اخترتُه، وارتضيتُه مثله، ورضيتُ عن زيد ورضيتُ عليه لغة لأهل الحجاز، والرضوان بكسر الرَّاء وضمِّها لغة قيس وتميم، بمعنى الرِّضا، وهو خلاف السَّخط. المصباح المنير (1/ 229).

«الأَكْلَة»:
والأَكْلَةُ: المَرَّةُ الواحدةُ حتى يَشْبَعَ. والأَكْلَةُ: اسمٌ لِلُّقْمَةِ. وقال اللِّحياني: الأَكْلَةُ والأُكْلَةُ كاللُّقْمَةِ واللُّقْمَةِ، يُعْنَى بهما جميعًا المأكول. لسان العرب(11/ 19).

«الشَّرْبَة»:
من الماء ما يُشرب مرّةً، وهي ‌المَرّة ‌من الشُّرْب أيضًا. مختار الصحاح، للرازي (ص:163).

«فَيَحْمَدَهُ»:
حمدتُه على شجاعته وإحسانه حمدًا: أِثنيتُ عليه، ومن هنا كان الحمد غير الشُّكر؛ لأنه يُستعمل لصفة في الشخص، وفيه معنى التَّعجُّب، ويكون فيه معنى التَّعظيم للممدوح، وخضوع المادح. المصباح المنير، للفيومي (1/ 149).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
والحمد: الرِّضَا، حمدتُ الشيء: إذا رضيتُه، والحمد لله: الرِّضا بقضائه وأفعاله، ومنه الحمد لله الذي لا يحمد على المكروه غيره، الحمد لله على كُلِّ حال. مشارق الأنوار (1/ 200).
وقال النووي -رحمه الله-:
الحمد: هو الثَّناء على المحمود بجميل صفاته وأفعاله، والشُّكر: الثَّناء عليه بإنعامه على الشَّاكر، ونقيض الحمد: الذَّمُّ، ونقيض الشُّكر: الكفر، والحمد أعمُّ. تهذيب الأسماء واللغات (3/ 70).


شرح الحديث


قوله: «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عن العبدِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«العبد» اللَّام للجنس، أو للاستغراق. مرقاة المفاتيح (7/ 2709).
قال الشيخ محمد عبد الوهاب -رحمه الله-:
وفي هذا الحديثِ يُثبِتُ الرسولُ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- لربِّه سبحانه وتعالى صفةَ الرِّضى، وأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يُثبِتون هذه الصِّفةَ للهِ سبحانه وتعالى من غيرِ تكييفٍ ولا تمثيلٍ، على حدِّ قولِه تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى: 11، فنُثبِتُ صفةَ الفرحِ، فرحًا يليقُ بجلالِ وجهِ اللهِ عزَّ وجلَّ وعظيمِ سلطانِه. أصول الإيمان(ص: 44).
قال ابن تيمية -رحمه الله-:
القولُ الشاملُ في جميعِ هذا البابِ: أن يُوصَفَ اللهُ بما وصفَ به نفسَه، أو وصفَه به رسولُه، وبما وصفَه به السَّابقون الأوَّلون، لا يُتجاوَزُ القرآنَ والحديثَ.
قال الإمامُ أحمدُ رضي اللهُ عنه: لا يُوصَفُ اللهُ إلَّا بما وصفَ به نفسَه، أو وصفَه به رسولُه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-، لا يُتجاوَزُ القرآنَ والحديثَ.
ومذهبُ السَّلَفِ: أنَّهم يَصِفون اللهَ بما وصفَ به نفسَه، وبما وصفَه به رسولُه، من غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غيرِ تكييفٍ ولا تمثيلٍ. ونعلَمُ أنَّ ما وصفَ اللهُ به نفسَه من ذلك فهو حقٌّ، ليس فيه لغزٌ ولا أُحاجي، بل معناُه يُعرَفُ من حيثُ يُعرَفُ مقصودُ المتكلِّمِ بكلامِه، لا سيَّما إذا كان المتكلِّمُ أعلَمَ الخلقِ بما يقول، وأفصحَ الخلقِ في البيانِ والتعريفِ والدلالةِ والإرشاد.
وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثلِه شيءٌ، لا في نفسِه المقدَّسةِ المذكورةِ بأسمائِه وصفاتِه، ولا في أفعالِه؛ فكما نتيقَّنُ أنَّ اللهَ سبحانه له ذاتٌ حقيقيَّة، وله أفعالٌ حقيقيَّة، فكذلك له صفاتٌ حقيقيَّة، وهو ليس كمثلِه شيءٌ، لا في ذاتِه، ولا في صفاتِه، ولا في أفعالِه. مجموع الفتاوى(5/ 26).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فالرِّضا منه تعالى يتسبَّب عن حمده المُتسبِّب عن الأَكلة والشَّربة، سبحانه ما أكرمه، أعطى المأكول، وأقدر على أكله، وجعله سائغًا، وساقه إلى عبده، وأوجده من العدم، ثم أقدره على حمده، وألهمه قوله، وعلَّمه النطق به، ثم كان سببًا لرضائه، اللهم لك الحمد حمدًا يدوم بدوامك على جميع نعمائك. التنوير (3/ 343).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«إنَّ الله ليرضى عن العبد» فيه: إثبات صِفة الرّضَا لله -سبحانه وتعالى- على ما يليق بجلاله، ولا يُؤوَّل. البحر المحيط الثجاج (42/ 448).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فكان هذا الجزاء العظيم الذي هو أكبر أنواع الجزاء، كما قال تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} التوبة: 72، في مقابلة شكره بالحمد. عدة الصابرين (1/ 225).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
إنَّ الله يرضَى الشُّكْر لعباده، وإذا رَضِيَ الله عن العبد، كان ذلك سببًا في إرضاء العَبْد، ودليل ذلك قوله تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} المائدة: 119، فيرضى الله عليهم بعبادتهم إيَّاه، ويرضون عنه بما أثابهم، نسأل الله -عَزَّ وَجَلَّ- أنْ يَجْعَلني وإيَّاكم منهم؛ أنَّ الإنسان يَرضى عن ربِّه، ويرضى الله عنه، قال تعالى: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} الزمر: 7. تفسير العثيمين: الزمر (ص:77).

قوله: «أنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أنْ يأكل» أي: بسببِ أنْ يأكل، أو لأجل أنْ يأكل، أو وقت أنْ يأكل، أو مفعول به لـ«يرضى» يعني: يُحِبُّ منه أنْ يأكل. مرقاة المفاتيح (7/ 2709).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فإنه لو قال: الأُكلة -بضمِّ الألف- كانت اللُّقمة، فقد رضي بالحمد، وهي كلمة على الأَكلة التي هي مرَّة، وهي تتضمَّن لقماتٍ كثيرة.
وفي النِّعم في الأكل: أنْ جعل المأكول، وأنْ كان حلالًا، وأنْ ساغ تناوله، وأنْ جعل له مخرجًا...، وأنْ أودعه لك عند تناوله، وأعقب عنه قوة عند انهضامه، وراحة عند خروج أثقاله، وغيره في أثناء ذلك مما كان عند تناوله وهضمه والخلاص منه إلى غير ذلك، فرضي الله عن عبده في النِّعم الكثيرة بالمرَّة الواحدة من الحمد. الإفصاح (5/ 400).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «الأَكلة» بفتح الهمزة، المرَّة من الأكل، كالفطور أو الغداء أو العَشاء أو ما بين ذلك، وأمَّا التي بمعنى اللقمة، فهي بضمِّ الهمزة، وكذلك الفرق بين الشَّربة والشُّربة بالفتح والضَّمِّ، والتي في هذا الحديث هي بالفتح. منة المنعم (4/ 258).
وقال عبد اللطيف بن الملك -رحمه الله-:
إنَّما أتى بالمرَّة؛ إشعارًا بأنَّ الأكل أو الشُّرب وإنْ كان قليلًا، يستحِقُّ الشُّكر عليه. مبارق الأزهار (1/253).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أو أنَّه يتعيّنُ علينا ألَّا نحتقرَ من الله شيئًا وإنْ قلَّ. فيض القدير (2/ 262).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ولكن هل نقول: إذا فرغ من جميع الأكل، أو من كُلِّ أكلة، ومن كُلِّ شربة؟
الظَّاهر: الأوَّل؛ لأن الأكلات، وإن تتابعت فهي أكلة واحدة، فإذا فرغ من أكله فليحمد الله، مثال ذلك: رجل أمامه رز يأكله، فهل نقول: كُلَّما أكلت لقمة قل: الحمد الله، أو السُّنَّة أنْ تحمد الله إذا فرغت نهائيًا؟ الجواب: الثاني.
كذلك أيضًا رجل يأكل تمرًا، فلا تقول له: احمد الله كُلَّما أكلتَ تمرةً، فما دامت أكلة واحدة، سمِّ عند أوِّلِها، واحمد عند آخرها. الشرح الممتع (12/ 360).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
الحمد لله: السُّنَّة أنْ تقول إذا انتهيت نهائيًا، وذُكِرَ أنَّ الإمام أحمد -رحمه الله- كان يأكل ويحمد على كُلِّ لقمة، فقيل له في ذلك فقال: أكلٌ وحمدٌ، خير من أكل وسكوت، ولكن لا شكَّ أنَّ خير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأنَّ الإنسان إذا حمد الله في آخر أكله أو آخر شربه كفى، ولكن إنْ رأى مصلحة مثلًا في الحمد؛ يذكر غيره، أو ما أشبه ذلك، فأرجو ألَّا يكون في هذا بأس، كما فعله الإمام أحمد -رحمه الله-، والله الموفِّق. شرح رياض الصالحين (2/ 206).

قوله: «فيَحْمَدهُ عليها»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فيحمدَه» بالنَّصب، وهو ظاهر، وفي نسخة بالرَّفع، أي: فهو -أي: العبد- يحمده، وفي رواية: «فيحمد الله»، «عليها» أي: على الأكلة. مرقاة المفاتيح (7/ 2709).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فيحمده» بالرَّفع «عليها» أي: لأجلها، فـ(على) هنا مثلها في قوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} البقرة: 185، في كونها للتَّعليل. دليل الفالحين (7/ 189).
وقال ابن علان -رحمه الله- أيضًا:
«فيحمده» أي: أنه يرضى أكْله المتعقَّب بالحمد، مع أنَّ نفعه لنفسه، فكيف بالحمد على ما لا نفع له فيه؟ الفتوحات الربانية (5/ 228).

قوله: «أو يَشْربَ الشَّرْبَةَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أو يشرب الشَّربة» أي: على الشَّربة، و«أو» للتَّنويع، وأغرب الحنفي وقال: لعلَّ هذا شكُّ راوٍ. مرقاة المفاتيح (7/ 2709).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«أو يشرب الشَّربة» يعني: يرضى عنه؛ لأجل أحد هذين الفعلين أيًّا كان، وليس هو بشكٍّ من راوٍ خلافًا لزاعمه. فيض القدير (2/ 262).

قوله: «فيَحْمدَهُ عليها»:
قال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
«فيحمدَه» بالنصب، وهو ظاهر، ويجوز الرَّفع، أي: فهو أي العبد يحمده «عليها» أي: على كُلِّ واحدة من الأكلة والشربة. تحفة الأحوذي (5/ 437).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فيحمده عليها» هذا من فضله، يقال: أطعم، وسقى، وغفر لعبده بحمده له على ما أعطى. التحبير (4/ 257).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: استحباب حمد الله تعالى عقِب الأكل والشُّرب، وقد جاء في البخاري صفة التَّحميد: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفيٍّ ولا مودَّعٍ، ولا مستغنًى عنه ربَّنا»، وجاء غير ذلك، ولو اقتصر على: الحمد لله، حصَّل أصل السُّنَّة. المنهاج (17/ 51).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي-حفظه الله-:
في هذا الحديث: استحباب حمدِ الله عزَّ وجلَّ عند الأكل والشُّرب، ‌وبعد ‌الأكل، ‌والشُّرب، ‌وأنه ‌من ‌أسباب رضى الله عزَّ وجلَّ.
وفيه: إثبات صفة الرِّضا لله عزَّ وجلَّ، وهي من الصفات الفعلية.
وفيه: الرد على من أنكرها من الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم. توفيق الرب المنعم(7/٥٦٨).
وقال الشيخ عبد الرزاق البدر-حفظه الله-:
قد جاء في السُّنَّة صيغ عديدة للحمدِ بعد الطعام، فإنْ تمكَّن المسلم من حِفظها والإتيان بها؛ هذا مرَّة، وهذا مرَّة، فهو لا شكَّ أكمل في حقِّه، وأبلغ في متابعته لنبيه -صلى الله عليه وسلم-، وإنْ لم يتمكَّن من ذلك فلا يدعْ أن يقول عقب طعامه: «الحمد لله» فهي كلمة عظيمة مباركة، حبيبة إلى الله -عزَّ وجلَّ-. فقه الأدعية والأذكار(3/ 275).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
ثم من السُّنَّة ألَّا يرفَعَ صوتَه بالحمد عند الفراغ من الأكل إذا لم يفرغ جلساؤه؛ كي لا يكونَ منعًا لهم. شرح المصابيح (4/ 557).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فيه: دلالة على أنَّ شكر النِّعمة -وإنْ قلَّت- سبب نيل رضا الله تعالى، الذي هو أشرف أحوال أهل الجنة...، وإنما كان الشُكر سببًا لذلك الإكرام العظيم؛ لأنَّه يتضمَّن معرفة المنعم، وانفراده بخلق تلك النِّعمة، وبإيصالها إلى المنعم عليه، تفضُّلًا من المنعم، وكرمًا ومِنَّةً، وأنَّ المُنعَم عليه فقير محتاج إلى تلك النِّعم، ولا غنى به عنها، فقد تضمَّن ذلك معرفة حقِّ الله وفضله، وحقَّ العبد وفاقته وفقره، فجعل الله تعالى جزاء تلك المعرفة تلك الكرامة الشَّريفة. المفهم (7/ 61).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-:
في هذا الحديث يثبت الرسول -صَلَّى اللَّه عليه وسَلَّم- لرَبِّه -سبحانه وتعالى- صفة الرِّضا، وأهل السُّنة والجماعة يثبتون هذه الصِّفة لله -سبحانه وتعالى- من غير تكييف ولا تمثيل على حدِّ قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى :11. أصول الإيمان (ص:44).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا (الحديث): دليل على أنَّ رِضا الله -عزَّ وجلَّ- قد يُنال بأدنى سبب، قد ينال بهذا السَّبب اليسير، ولله الحمد. شرح رياض الصالحين (2/ 204).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: غاية الكرم من المولى -سبحانه وتعالى-، أنْ يتفضَّل على عبده بالرِّزق، فإذا حمده رضي عنه. تطريز رياض الصالحين (ص: 295).


إبلاغ عن خطأ