الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«أيُّها الناس، إنَّ الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا، وإنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ ‌كُلُوا ‌مِنَ ‌الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} المؤمنون: 51، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا ‌مِنْ ‌طَيِّبَاتِ ‌مَا ‌رَزَقْنَاكُمْ} البقرة: 172، ثم ذَكر الرَّجل يُطيل السَّفر أَشْعث أَغبر، يمدُّ يديه إلى السماء، يا ربِّ، يا ربِّ، ومَطْعَمُه حرام، ومَشْرَبُه حرام، ومَلْبَسُه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟!».


رواه مسلم برقم: (1015)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


غريب الحديث


«أَشْعَثَ»:
الشَّعَثُ: أن يتفرَّق الشَّعَر، فلا يكون مُتَلَبِّدًا، رَجُلٌ ‌أَشْعثٌ، وامرأة شَعْثَاء. غريب الحديث، للحربي (2/ 589).


شرح الحديث


قوله: «أيها الناس، إنَّ الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أيُّها» بحذف حرف النداء. البحر المحيط الثجاج (19/ 390).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
معنى تسمية الله بـ«الطيِّب» هنا، ولم يأت في حديث الأسماء، أي: الـمُنَزَّه عن النقائص، ‌بمعنى: ‌القدُّوس، وأصل الطِّيب: الزَّكَاء والطهارة والسلامة من الخبث. إكمال المعلم (3/ 535).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله طيب»...، وقيل: طَيِّبُ الثناء، ومستلذ الأسماء عند العارفين بها، وعلى هذا: فـ«طيِّب» من أسمائه الحسنى، ومعدود في جملتها المأخوذة من السنة؛ كالجميل والنظيف؛ على قول من رواه ورآه.
والكسب الطيب في هذا الحديث: الحلال، وهذا كقوله تعالى: {أَنْفِقُوا ‌مِنْ ‌طَيِّبَاتِ ‌مَا ‌كَسَبْتُمْ} البقرة: 267، و{ كُلُوا ‌مِنْ ‌طَيِّبَاتِ ‌مَا ‌رَزَقْنَاكُمْ} البقرة: البقرة: 172، وغيره، وأصل الطَّيِّب: المستلَذُّ بالطبع، ثم أُطلق على المطلق بالشرع، وإنما لا يقبل الله الصدقة من المال الحرام؛ لأنه غير مملوك للمتصدق، وهو ممنوع من التصرف فيه، والتصدق به تصرُّف فيه، فلو قُبِلت منه لزم أن يكون مأمورًا به، منهيًا عنه من وجه واحد، وهو محال؛ ولأن أكل الحرام يُفسد القلوب، فتُحرَم الرقة والإخلاص، فلا تُقبل الأعمال، وإشارة الحديث إلى أنه لم يُقبل؛ لأنه ليس بطيب، فانتفت المناسبة بينه وبين الطيب بذاته. المفهم (3/58، 59).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
معنى الحديث: أنه تعالى منزَّه من العيوب، فلا يُقبل ولا ينبغي أن يُتقرب إليه إلا بما يناسبه في هذا المعنى، وهو خيار أموالكم الحلال، كما قال تعالى: {‌لَنْ ‌تَنَالُوا ‌الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} آل عمران: 92. تحفة الأبرار (2/ 210).
وقال الطوفي -رحمه الله-:
قوله: «إن الله طيِّبٌ لا يَقبل إلا طيبًا» هذا توطئة لباقي الحديث، وهو طيِّب المطعم لإجابة الدعاء، واعلم أن الطيِّب يطلق بمعانٍ:
أحدها: المُستَلَذُّ طبعًا، نحو: هذا طعام طيب، {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} النساء: 3.
والثاني: بمعنى الحلال، ويقابله الخبيث، نحو قوله تعالى: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} المائدة: 100.
والثالث: الطيِّب بمعنى الطاهر، ومنه قوله -عز وجل-: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} النساء: 43، {وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} النور: 26، أي: الطاهرون من العيوب للطاهرات، والله -عز وجل- طيِّب بهذا المعنى، أي: هو طاهر منزَّه عن جميع النقائص، فلا يَقبل من الأعمال إلا طاهرًا من المفسدات كالرياء، والعَجَب ونحوه، ولا من الأموال إلا طاهرًا من الحرام، وفي الحديث: «مَن عَمِلَ عملًا أشرك فيه غيري تركتُه وشِرْكَه». التعيين (1/114، 115).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«لا يقبل إلا طيِّبًا» أي: لا يقبل من الصدقات إلا ما يكون حلالًا. شرح المصابيح (3/ 380).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«لا يَقبل» من الأعمال والأموال «إلا طَيِّبًا» أي: لا يُثيب إلا على ما يعلمه طيبًا؛ أي: خالصًا من المفسدات كلها كالرياء والعُجب، أو حلالًا، سواء أكان بالنسبة لعلمنا أم مشتبهًا، وأما الحرام عنده فلا يُثيب عليه، وإن كان حلالًا عندنا.
نعم؛ القياس أنَّ مَن تصدَّق بما يظنه حلالًا وهو حرامٌ باطنًا أنه يثاب على قصدِهِ الطاعة. الفتح المبين (ص285).
‌‌وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-أيضًا:
انتفاء القبول قد يُؤْذِن بانتفاء الصحة، كما في: «لا يَقبل اللَّه صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، ويفسَّر القبول حينئذٍ بأنه تَرَتُّب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء، وقد لا، كما في الآبق، ومَنْ سخط عليها زوجها، وآتِي العرَّاف، وشاربِ الخمر، لا تُقبل لهم صلاةٌ أربعين يومًا، ويُفسَّر القبول حينئذٍ بالثواب، ومنه خبر أحمد الآتي: «من صلَّى في ثوبٍ قيمته عشرة دراهم فيه درهم حرام، لم يقبل اللَّه له صلاة»، ويميّز بين هذينِ الاستعمالينِ بحسب الأدلة الخارجية.
وأما القبول من حيث ذاته فلا يلزم من نفيه نفي الصحة، وإن لزم من إثباته إثباتُها.
قيل: وللقبول معنًى ثالثٌ؛ وهو الرضا بالعمل، ومدح فاعله، والثناء عليه بين الملائكة، والمباهاة به، انتهى، وفيه نظر؛ لأن مرجع ذلك إلى المعنى الثاني وهو الثواب؛ إذ لا فائدة له إلا إعلام الملائكة بمرتبته ليخصُّوه بمزيد دعاءٍ واستغفار. الفتح المبين (ص286).
وقال الشيخ خلدون نغوي -حفظه الله-:
الطيِّب ضد الخبيث...، وإذا وُصفت به الأعيان، أريد بها: الصلاح وعدم النجاسة، وإذا وصفت به العقائد، أُريد بها: الصحة، وإذا وصف به الطعام، أريد به: اللذة والنظافة وعدم النجاسة، وإذا وصف به الكلام، أريد به: أنه حسن. سبيل المهتدين (ص166).

قوله: «وإنَّ الله أمر المؤمنين بما أَمَرَ به المرسلين»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «إن الله أمر المؤمنين بما أَمَرَ به المرسلين»؛ يعني: أنه سوَّى بينهم في الخطاب بوجوب أكل الحلال. المفهم (3/ 59).
وقال الطوفي -رحمه الله-:
قوله: «وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين» إلى آخره، فيه: دليل على أن الرَّسُل وأُمَمَهم سواء في عبادة الله -عز وجل-، والدخول تحت خطابه إلا ما قام عليه الدليل مِن اختصاصهم على الأمم ببعض الأحكام؛ لأن الجميع عبيد الله، ومأمورون بعبادة الله -عز وجل-، والظاهر أن المراد بالطيبات في الآيتين: الحلال؛ بدليل ما سِيْقَ قبله وما بعده من ذمِّ المطعم الحرام. التعيين (1/ 115).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين» «ما» موصولة، والمراد به أكل الحلال وتحسين الأموال. مرقاة المفاتيح (5/ 1889).

قوله: «فقال: {‌يَا ‌أَيُّهَا ‌الرُّسُلُ ‌كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} المؤمنون: 51»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال» ابتداء بما ختم به؛ رعاية لتقدُّم المرسلين، وتقدمهم على المؤمنين وجودًا ورتبة: {يَاْ أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوْا مِنَ الطِّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوْا صَالِحًا} المؤمنون: 51 الآية، وهذا النداء خطاب لجميع الأنبياء، لا على أنهم خُوطبوا بذلك دفعة واحدة؛ لأنهم أُرسلوا في أزمنة مختلفة، بل على أن كلًّا منهم خُوطب به في زمانه، ويمكن أن يكون هذا النداء يوم الميثاق لخصوص الأنبياء، أو باعتبار أنه تعالى ليس عنده صباح ولا مساء. مرقاة المفاتيح (5/ 1889).
وقال جلال الدين المحلي -رحمه الله-:
{يَا أَيُّهَا الرُّسُل ‌كُلُوا ‌مِنْ ‌الطَّيِّبَات} الحلَالَاتِ {وَاعْمَلُوا صَالِحًا} مِنْ فرض ونفل {إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم} فَأُجَازيكم عليه. تفسير الجلالين (ص451).

قوله: «وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا ‌مِنْ ‌طَيِّبَاتِ ‌مَا ‌رَزَقْنَاكُمْ} البقرة: 172»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
{رزقناكم} هنا بمعنى: ملَّكْنَاكم، وقد يكون في موضع آخر: نَفَعْنَاكم. المفهم (3/ 59).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا كُلُوْا} البقرة: 172، الأمر للإباحة، أو للوجوب كما لو أشرف على الهلاك، أو للندب كموافقة الضيف، والاستعانة به على الطاعة، {مِنْ طَيِّبَاتِ مَاْ رَزَقْنَاْكُمْ} البقرة: 172، أي: حلالاته أو مستلذاته، وتتمته: {وَاشْكُرُوْا لِلهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُوْنَ} البقرة: 172. مرقاة المفاتيح (5/ 1889، 1890).

قوله: «ثم ذكر الرَّجُل يطيل السفر»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«ثم ذكر الرَّجل» لفظ: «ثم» للترتيب في الوجود لا في الرتبة. دليل الفالحين (8/ 676).
وقال الطوفي -رحمه الله-:
قوله: «ثم ذكر الرجل يطيل السفر» هذا من كلام أبي هريرة -رضي الله عنه-، يعني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ما سبق ذِكرُه استطرد الكلام حتى ذكر الرَّجُل يطيل السفر أشعث أغبر، إلى آخره. التعيين (1/115، 116).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «ثم ذَكَرَ الرجل» يريد الراوي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عقَّب كلامه بذكر الرجل الموصوف؛ استبعادًا أن الله تعالى يقبل دعاء آكل الحرام؛ لبغضه الحرام، وبُعد مناسبته عن جنابه الأقدس. الكاشف (7/ 2096).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«ذكر الرجل يطيل السفر»... فيه إشارة إلى أن السفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء، وبه يُصرِّح حديث أبي داود والترمذي وابن ماجه: «ثلاث دعواتٍ مستجاباتٍ لا شك فيهنَّ: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده» وطوله أقرب إلى الإجابة؛ لأنه مظِنَّة انكسار النفس بطول الغربة عن الأوطان، وتحمُّل المشاق، والانكسار من أعظم أسباب الإجابة. الفتح المبين (287،288).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
وفيه: «ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر» أراد بـ«الرجل» ‌الحاج ‌الذي أثَّر به السفر، وأخذ منه الجهد والبلاء، وأصابه الشعث، وعلاه الغَبَرَة، فطفق يدعو الله على هذه الحالة، وعنده أنها مِن مظانِّ الإجابة؛ فلا يستجاب له، ولا يُعْبَأ ببؤسه وشقائه؛ لأنه متلبس بالحرام، صارف النفقة من غير حِلِّها. الميسر (2/ 655).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
المراد بالرجل: إما الحاج، أو مطلق المسافر؛ لكون السفر مظنّةَ الإجابة. لمعات التنقيح (5/ 493).
قال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
«يطيل السفر» في وجوه الطاعات: الحج والجهاد وغير ذلك من وجوه البِرِّ، ومع هذا لا يستجاب له؛ لكون مطعمِهِ ومشربه وملبسه حرامًا، فكيف بمن هو منهمك في الدنيا، أو في مظالم العباد، أو من الغافلين عن أنواع العبادات والخير. شرح الأربعين النووية (ص60).

قوله: «أَشْعَثَ أَغْبَرَ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الشَّعَثُ في الشَّعر، والغَبَرَة في سائر الجسد. المفهم (3/ 59).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«أَشْعَثَ» متفرِّق الرأس من عدم الغسل، كعادة الحُجاج «أَغْبَرَ» الذي أصابه غبار في الطريق. المفاتيح (3/ 385).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«أَشْعَثَ» أي: جعد الرأس «أَغْبَرَ» أي: غيَّر الغبار لونه؛ لطول سفره في الطاعات. الفتح المبين (ص288).

قوله: «يمد يديه إلى السماء»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «يمد يديه إلى السماء» أي: عند الدعاء. المفهم (3/ 59).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله: «يمد يديه» أي: يرفعهما بالدعاء لله مع مخالفته وعصيانه. شرح الأربعين النووية (ص60).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وقوله: «يمدُّ يديه إلى السماء» هو دال على أن ذلك من أدب الدعاء، وكان الشارع (يقصد به: الرسول -صلى الله عليه وسلم-) يرفع يديه في عدة مواضع؛ منها: في الاستسقاء حتى يُرى بياض إبطيه، وقال في حديث آخر: «إن الله حَيِيٌّ كريم، يستحي من عبده أن يرفع إليه كفَّيه ثم يردهما صَفرًا»، وعادة العرب إذا استعظمت أمرًا رفعت أيديها، فالداعي أجدر بذلك؛ إذ هو بين يدي عظيم العظماء كما في التكبير، وهو العادة في سؤال المخلوق؛ ليأخذ في يده؛ ولأنه قِبلة الدعاء. المعين على تفهم الأربعين (187،188).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«يمد يديه» أي: يرفعهما «إلى السماء» سائلًا حوائجه وقائلًا: «يا رب، يا رب» ظانًّا أن هذه الحالات من إطالة السفر وإصابة الشَّعَث وعلاء الغَبَرة من مظانِّ إجابة الدعوات. شرح المصابيح (3/ 381).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في صفة رفع يديه في الدعاء أنواع متعددة: فمنها: أنه كان يشير بإصبعه السبابة فقط...، ومنها: أنه -صلى الله عليه وسلم- رفع يديه وجعل ظهورهما إلى جهة القِبلة، وهو مستقبِلها، وجعل بطونهما مما يلي وجهه...، ومنها: أنه رفع يديه وجعل ظهورهما عكس ذلك...، ومنها: رفع يديه وجعل كفيه إلى السماء، وظهورهما إلى الأرض...، ومنها: عكس ذلك، وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء وبطونهما مما يلي الأرض. جامع العلوم والحكم (1/289، 290).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
حكمته (أي: رفع اليدين): اعتياد العرب رفعَهما عند الخضوع في المسألة والذِّلة بين يدي المسؤول، وعند استعظام الآمر، والداعي جديرٌ بذلك؛ لتوجهه بين يدي أعظم العظماء؛ ومن ثم نُدب الرفع عند تكبيرة الإحرام، والركوع، والرفع منه، والقيام من التشهد الأول؛ إشعارًا للمصلي بأنه ينبغي له أن يستحضر عظمة مَنْ هو بين يديه، حتى يُقْبِل بكلِّيَّته وظاهره وباطنه على ما هو فيه...، وحكمة رفعهما إلى السماء: أنها قِبلة الدعاء. الفتح المبين (288-290).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هل يشرع للإنسان رفع اليدين كلما دعا، أو الأصل عدم مشروعية ذلك؟
...الظاهر لي أن الأصل في الدعاء الرفع إلا ماورد النص بعدمه. فتح ذي الجلال والإكرام (2/468، 470).

قوله: «يا رب، يا رب»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «يا رب، يا رب» يعني: يقول ذاك الرجل عند الدعاء: يا رب. المفاتيح (3/ 385).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «يا رب» حال من فاعل «يمد» أي: يمد يديه قائلًا: يا رب. الكاشف (7/ 2096).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
في تكرير: «يا رب، يا رب» إشارة إلى أن مِن أسباب الإجابة بل مِن أعظمها الإلحاح على اللَّه تعالى بثناءٍ حسن، وذِكر فضل كرمه، وعظيم ربوبيته، ومن ثَمَّ خرَّج البزار مرفوعًا: «إذا قال العبد: يا رب، أربعًا، قال اللَّه سبحانه وتعالى: لبيك عبدي، سَلْ تُعْطَه»، وروى الطبراني وغيره أن قومًا شَكَوْا إليه -صلى الله عليه وسلم- قُحُوط المطر، فقال: «اجثوا على الرُّكَب، وقولوا: يا رب، يا رب» ففعلوا فسُقُوا (حكم عليه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة برقم: (‌‌1813) بالنكارة) ؛ ولأجل ذلك كان غالب أدعية القرآن مفتتحًا بذكر الرب. الفتح المبين (288-290).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يا رب! يا رب!» فيه إشارة إلى أن الدعاء بلفظ الرب مؤثِّر في الإجابة؛ لإيذانه بالاعتراف بأن وجوده فائض عن تربيته وإحسانه وجوده وامتنانه. مرقاة المفاتيح (5/ 1890).
قوله: «ومطعمُه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِيَ بالحرام »:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «ومطعمه» «وملبسه» حالان...، وهما جُملتان اسميتان تدلان على الثبوت والاستمرار، كأنه قيل: يقول: يا رب! وقد قرَّب قوله ذاك بتغذيته بالحرام، وكذا حاله أنه دائم الطُّعم واللبس من الحرام، وخَصَّ من الأزمنة المستمرة زمان حال الدعاء، ومن المذكورين الطُّعم دون اللبس؛ لأن الطعم أبلغ من اللبس، وفي هذا الزمان أشنع، وإنما قلنا: إنه أبلغ؛ لأنه يصير جزء المغتذي؛ ولذلك عَدَل عن الطعم إلى التغذية. الكاشف (7/ 2097).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «ومطعمه حرام» الواو للحال؛ يعني: في حال كونه آكل الطعام الحرام، قوله: «وغُذِيَ بالحرام» أي: رُبِّي بالحرام. المفاتيح (3/ 385).
وقال النووي -رحمه الله-:
«وغُذِيَ بالحرام» هو بضم الغين، وتخفيف الذال المكسورة. شرح صحيح مسلم (7/ 100).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «مطعمه، وملبسه، وغذي»...كل هذه الحالات دالة على غاية استحقاق الداعي للإجابة، ودلَّت تلك الخيبة على أن الصارف قوي، والحاجز مانع شديد. الكاشف (7/ 2096).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
ذكر قوله: «‌وغذي بالحرام» بعد قوله: «ومطعمه حرام» إما لأنه لا يلزم من كون المطعم حرامًا التغذية بها، وإما تنبيهًا به على استواء حالَيْهِ، أعني كونه منفقًا في حال كِبَرِهِ، ومنفقًا عليه في حال صِغَره في وصول الحرام إلى باطنه، فأشار بقوله: «ومطعمه حرام» إلى حال كِبره، وبقوله: «‌وغُذِيَ بالحرام» إلى حال صغره، وهذا دال على أنْ لا ترتيب في الواو، وذهب المظهر إلى الوجه الثاني.
أقول: ولعل العكس أولى؛ لأن قوله: «‌وغذي» وقع حالًا، وهو فعل ماض؛ فلا بد من تقدير «قد»؛ ليقرب التعدية إلى قول المقدر في «يا رب». الكاشف (7/ 2097).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
ولا مانع من الجمع، فيكون إشارة إلى أن عدم إجابة الدعوة إنما هو لكونه مصرًّا على تلبس الحرام، والله تعالى أعلم بالمرام. مرقاة المفاتيح (5/ 1890).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «وغذي» بلفظ المجهول بالتخفيف، وقد يشدَّد من التغذية، والمراد أنه قد غُذِي بالحرام فيما مضى من الزمان إلى الآن. لمعات التنقيح (5/ 494).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
يعني: الحرام محيط به، محدِق به من كل وجه، في باطنه وظاهره. شرح الأربعين النووية (10/ 8).

قوله: «فأنَّى يُستجاب لذلك؟»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فأنَّى يستجاب لذلك؟!» أي: كيف؟! على جهة الاستبعاد، ومعناه: أنه ليس أهلًا لإجابة دعائه، لكن يجوز أن يستجيب الله له تفضلًا ولطفًا وكرمًا. المفهم (3/ 60).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فأنَّى يستجاب لذلك؟» أي: من أين يستجاب لمن هذه صفته؟! وكيف يستجاب له؟!. شرح صحيح مسلم (7/ 100).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «فأنى يستجاب لذلك؟»...، ومعناه: أنه ليس أهلًا لإجابة دعائه، فلا يجيره شَعَثُه وغباره من إثم مطعمه ومشربه. المعين على تفهم الأربعين (ص188).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
«فأنى يستجاب لذلك؟» أي: كيف يستجاب له، ومتى يستجاب له، والقوة التي مد بها يديه نشأت عن مخالفة وعصيان. الإفصاح عن معاني الصحاح (8/ 129).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فأنَّى يُستجاب لذلك؟»...، فيؤخذ من هذا أن التوسع في الحرام والتغذي به مِن جملة موانع الإجابة، وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه، وقد يكون ارتكاب المحرمات الفعلية مانعًا من الإجابة أيضًا، وكذلك ترك الواجبات، كما في الحديث أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع استجابة دعاء الأخيار، وفعل الطاعات يكون موجبًا لاستجابة الدعاء؛ ولهذا لما توسل الذين دخلوا الغار، وانطبقت عليهم الصخرة بأعمالهم الصالحة التي أخلصوا فيها لله تعالى، ودَعَوا الله بها، أُجيبت دعوتهم. جامع العلوم والحكم (257، 258).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فأنَّى يستجاب» هذا استبعاد لاستجابة الدعاء لا بيان لاستحالتها «لذلك» أي: لذلك الرجل، واللام للتعليل؛ أي: لا يستجاب؛ لكون مطعمه وأخواته حرامًا، وهذا يدل على أن حِلَّ المطعم وأخواته مما يتوقف عليه إجابة الدعاء، ولذا قيل: إن للدعاء جناحين: أكل الحلال وصدق المقال. شرح المصابيح (3/ 381).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«فأنَّى يُستجاب لذلك؟»...، سِرُّه: أن مبدأ إرادة الدعاء القلبُ، ثم تفيض تلك الإرادة على اللسان فينطق به، وتناوُلُ الحرام مُفسدٌ للقلب كما هو مُدرَكٌ بالوجدان، فيُحرم الرِّقةَ والإخلاص، وتصير أعماله صورًا لا روح فيها، وبفساده يفسد البدن كلُّه كما مر، فيكون الدعاء فاسدًا؛ لأنه نتيجة فاسد. الفتح المبين بشرح الأربعين (ص290).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«أنَّى» يحتمل أن يكون بمعنى: كيف، أو: من أين، وعلى التقديرين الاستفهام للإنكار، وقوله: «لذلك» إما إشارة إلى الرجل، وقد تتعدى الاستجابة باللام، كقوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُ} يوسف: 34، أو إلى ما ذكر مِن كون مطعمه ومشربه وملبسه وغذائه حرامًا، فيكون اللام للتعليل. لمعات التنقيح (5/ 494).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
«فأنَّى يستجاب له؟!» بمقتضى هذا، فهذه قضية منطقية، أنَّ من غُذي بالحرام، ومَدَّ يديه وألحَّ في الدعاء لا يستجاب له، ويستبعد أن يستجاب له، لكن يجب أن نستثني المظلوم...، والمشركون لما كانوا يركبون البحر، وتأتيهم العواصف، يدفعهم الاضطرار إلى أن يدعوا الله وحده، فيستجيب لهم، لماذا؟ لأنهم في تلك اللحظة كفروا بتلك الآلهة واتجهوا إلى الله وحده، وهكذا المضطر المظلوم، ولو كان كافرًا. شرح الأربعين النووية (32/ 3).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«فأنَّى يستجاب لذلك؟!»...، هو مجرد استبعاد لا استحالة، لا ييأس المسلم من دعاء الله -جل وعلا-؛ لأنه قد يدعو الله -جل وعلا- أن ينفي عنه وأن يبعده عن هذه الموانع، وقد أجاب الله -جل وعلا- دعوة شر الخلق، وهو إبليس، أجاب الله دعوته، فليس هنا استحالة لإجابة الدعاء، وإنما هو استبعاد. شرح الأربعين النووية (10/ 8).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا الحديث أحد الأحاديث التي هي قواعد الإسلام ومباني الأحكام، وقد جَمَعت منها أربعين حديثًا في جزء (واشتهرت باسم الأربعين النووية).
وفيه: الحث على الإنفاق من الحلال والنهي عن الإنفاق من غيره.
وفيه: أن المشروب والمأكول والملبوس ونحو ذلك ينبغي أن يكون حلالًا خالصًا لا شبهة فيه، وأن من أراد الدعاء كان أولى بالاعتناء بذلك من غيره. شرح صحيح مسلم (7/ 100).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
ذَكَرَ من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة:
أحدهما: إطالة السفر، والسفر بمجردِّه يقتضي إجابة الدعاء، كما في حديث أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده»، خرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وعنده: «دعوة الوالد على ولده»...
والثاني: حصول التبذل في اللباس والهيئة بالشعث والاغبرار، وهو -أيضًا- من المقتضيات لإجابة الدعاء، كما في الحديث المشهور عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «رُبَّ أشعث أغبر ذي طِمْرَين، مدفوع بالأبواب، لو أقْسَمَ على الله لأبَرَّه»...
الثالث: مد يديه إلى السماء، وهو من آداب الدعاء التي يرجى بسببها إجابته...
والرابع: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء، وخرَّج البزار من حديث عائشة مرفوعًا: «إذا قال العبد: يا رب أربعًا، قال الله: لبيك عبدي، سَلْ تعطه»...، وأما ما يمنع إجابة الدعاء، فقد أشار -صلى الله عليه وسلم- إلى أنه التوسع في الحرام أكلًا وشربًا ولبسًا وتغذية. جامع العلوم والحكم (250 -257).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
اعلم أن هذا الحديث كثير النفع؛ لأنه تضمَّن بيان حكم الدعاء، وشرطه، ومانعه. فتح القريب المجيب (8/57، 58).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: ما يدل على أن الطيب هو الذي يطيِّبه الشرع لآكله بالإباحة والحل، وإن كان ليس طيِّبًا في الطعم. الإفصاح (8/ 129).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا (الحديث) يدل على مشروعية مدِّ اليدين عند الدعاء إلى السماء. المفهم (3/ 59).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
في هذا الحديث: إشارة إلى أنه لا يُقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وأنَّ أكل الحرام يُفسد العمل، ويمنع قبوله. جامع العلوم والحكم (ص241).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
وفيه: إشارة إلى أن رثاثة الهيئة من أسباب الإجابة...؛ ولأجل هذا نُدِب ذلك في الاستسقاء. الفتح المبين (ص288).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وفيه: تنبيه على أن إباحة الطيبات شَرع قديم...
وفيه: إشارة إلى أن الله تعالى خلق الأشياء كلها لعبيده. مرقاة المفاتيح (5/1889، 1890).
وقال الشيخ إسماعيل الأنصاري -رحمه الله-:
- الأمر بإخلاص العمل لله -عز وجل-.
- الحث على الإنفاق من الحلال.
- النهي عن الإنفاق من غيره.
- أن الأصل استواء الأنبياء مع أُمَمهم في الأحكام الشرعية، إلا ما قام الدليل على أنه مختص بهم. التحفة الربانية (ص28).
‌‌وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد هذا الحديث:
- أن من أسماء الله تعالى الطيّب؛ لقوله: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ» وهذا يشمل طيب ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه...
- كمال الله -عز وجل- في ذاته، وصفاته وأفعاله، وأحكامه...
- أن الله تعالى غنيّ عن الخلق فلا يَقبل إلا الطيِّب...
- تقسيم الأعمال إلى مقبول ومردود...
- أن المؤمنين مأمورون منهيون؛ لقوله: «وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرسَلِينَ».
- استعمال ما يشجع على العمل، وجهه: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ الله أمر المُؤمنين بما أمر به المرسلين» فإذا عَلِمَ المؤمن أن هذا من مأمورات المرسلين فإنه يتقوَّى ويتشجّع على الامتثال...
- أنه يجب شكر نعمة الله -عز وجل- بالعمل الصالح...
- تحريم الخبائث؛ لقوله: {مِنْ الطَيِّبَاتِ} المؤمنون: 51، وقوله في المؤمنين: {مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} البقرة: 172. شرح الأربعين النووية (144 - 152).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في الحديث: دليل على علو الله؛ لقوله: «إلى السماء» إشارة إلى علو المدعو سبحانه وتعالى. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 468).

ويُنظر فتوى الشيخ ابن باز -رحمه الله- في حكم المال الذي اكتسبه المسلم من الحرام ثم تاب.


إبلاغ عن خطأ