الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«يُقالُ لصاحبِ القرآنِ إذا دخلَ الجنَّةَ: اقرأْ واصعدْ، فيقرأُ ويصعدُ بكلِّ آيةٍ درجةً، حتى يقرأَ آخرَ شيءٍ معه».


رواه أحمد برقم: (11360)، وابن ماجه برقم: (3780)، وأبو يعلى برقم: (1094)، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (8121)، صحيح ابن ماجه برقم: (3047).


شرح الحديث


قوله: «يُقالُ لصاحبِ القرآنِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يُقال» من جهة الله تعالى يوم القيامة «لصاحب القرآن» وحافظه. مرشد ذوي الحجا والحاجة (22/ 230).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«لصاحب القرآن» أي: قارئه حق قراءته بتلاوته وتدبُّره. التيسير (1/ 339).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
الصُّحبة للشيء: الملازمة له، إنسانًا كان أو حيوانًا أو مكانًا أو زمانًا، ويكون بالبدن وهو الأصل والأكثر، ويكون بالعناية والهمّة، وصاحبُ القرآن: هو الملازم له بالهِمَّة والعناية، ويكون ذلك تارةً بالحفظ والتلاوة، وتارةً بالتَّدبُّر له والعمل به.
فإن ذهبنا فيه إلى الأول، فالمراد من الدرجات بعضُها دون بعض، والمنزلة التي في الحديث هي ما يناله العبد من الكرامة على حسب منزلته في الحفظ والتلاوة لا غير؛ وذلك لما عرفنا من أصل الدِّين، أنَّ العامل بكتاب الله، المتدبِّر له أفضل من الحافظ والتَّالي إذا لم ينل شأوَهُ في العمل والتَّدبر، وقد كان في الصحابة من هو أحفظ لكتاب الله تعالى من أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وأكثر تلاوةً منه، وكان هو أفضلهم على الإطلاق لسبقه عليهم في العلم بالله وبكتابه وتدبره له وعمله به.
وإن ذهبنا إلى الثاني وهو أحق الوجهين وأتمُهما، فالمراد من الدرجات التي يستحقها بالآيات سائرُها، وحينئذٍ تقدر التلاوة في القيامة على مقدار العمل، فلا يستطيع أحدٌ أن يتلو آيةً إلا وقد أقام ما يجب عليه فيها، واستكمال ذلك إنما يكون للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم الأمة بعده على مراتبهم ومنازلهم في الدين كلٌّ منهم يقرأ على مقدار ملازمته إياه تدبُّرًا وعملًا، وقد ورد في الحديث «إن درجات الجنة على عدد آيات القرآن» وفي هذا دليل على صحة ما ذهبنا إليه. الميسر (2/ 498 - 499).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يُقال» أي: عند دخولِ الجنةِ، وتَوجُّهِ العاملين إلى مراتبهم على حسب مكاسبهم «لصاحب القرآن» أي: مَن يُلازمه بالتلاوة والعمل، لا من يقرؤه وهو (أي: القرآن) يلعنُهُ. مرقاة المفاتيح (4/ 1470).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«يُقالُ» بالبناء للمفعول... «لصاحب القرآن» أي: حافظه عن ظهر قلب، أو حافظ بعضِه الملازم لتلاوته وتدبره، والعمل به، والتأدب بآدابه...، لا يقال هذا الثواب العظيم إلا لـمَن حفظ القرآن وأتقن أداءه وقراءته كما ينبغي له...، وتخصيص الصاحب في الحديث بالحافظ عن ظهر قلب دون التَّالي من المصحف؛ لأن ما في الجنة أصله أن يحكي ما في الدنيا، وفي الدنيا لا يُطلق ذلك إلا على الحافظ له، نظرًا إلى أن القارئ إنما يُطلق على من لا يفارقه القرآن أبدًا، وذلك الحافظ له عن ظهر قلب...، وقيل: إنَّ المراد بالصاحب: العامل بالقرآن، المتدبِّر له، وهو أفضل من الحافظ المرتل بغيرهما، والمراد بالدرجات: ما نالها من علمه، وحينئذٍ فلا يقدر في الجنة أنْ يتلو من الآيات إلا ما هو على مقدار عمله، فلا يستطيع أحد أن يتلو آية إلا وقد أقام ما يجب عليه فيها، وقيل: المراد به الحافظ المرتِّل العالمُ العاملُ، فيكون له درجات لقراءته، ودرجات بعمله، ويرتقي الحافظ له كلَّه، والعامل به المتدبر له إلى ما لا نهاية له، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} الزمر : 10. دليل الفالحين (6/ 483 - 484).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«صاحب القرآن» حافظُه والمواظبُ على قراءته، وقيل: العالِم بمعانيه والمعتني بالتدبر فيه، والمراد من الحديث: المعنى الأول. تحفة الأبرار (1/ 532 - 533).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
سياق هذا الحديث تحريضٌ لصاحب القرآن على التحرِّي في القراءة، والإمعان في النظر فيه، والملازمة له، والعمل بمقتضاه، وكل هذه الفوائد يعطيها معنى الصّاحب استعارةً؛ لأن أصل المصاحبة بالبدن، وقد عُلم أن الصاحب مَن يرافقك بالبدن ويوافقُك بما يهمّك، ويعاونك فيما ينفعك، ويدفع عنك ما يضرُّك، فإذن هو جامعٌ لمعنى القراءة والتدبر والعمل. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1655).
وسُئل ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
مَن المخصوص بهذه الفضيلة، هل هم مَن يحفظ القرآن في الدنيا عن ظهر قلبه ومات كذلك، أم يستوي فيه هو ومن يقرأ في المصحف؟
فأجاب: الخبر المذكور خاصٌّ بمن يحفظه عن ظهر قلبٍ لا بمن يقرأ في المصحف؛ لأن مجرَّد القراءة في الخط لا يختلف الناس فيها، ولا يتفاوتون قلةً وكثرةً، وإنما الذي يتفاوتون فيه كذلك هو الحفظ عن ظهر قلب، فلهذا تفاوتت منازلهم في الجنة بحسب تفاوت حفظهم، ومما يؤيد ذلك أيضًا أن حفظ القرآن عن ظهر قلبٍ فرضُ كفايةٍ على الأمَّة، ومجرد القراءة في المصحف من غير حفظ لا يسقط بها الطّلب؛ فليس لها كبير فضل كفضل الحفظ، فتعيَّن أنَّه -أعني: الحفظ عن ظهر قلب- هو المراد في الخبر، وهذا ظاهرٌ من لفظ الخبر بأدنى تأمل، وقول الملائكة له: «اقرأ وارق» صريحٌ في حفظه عن ظهر قلبٍ كما لا يخفى. الفتاوى الحديثية (ص:113).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله- أيضًا:
يُؤخَذُ من هذا (حديثِ ابنِ عمرو «اقرأْ وارتقِ») أنَّه لا ينالُ هذا الثوابَ الأعظمَ إلَّا من حفِظَ القرآنَ وأتقنَ أداءَه وقراءتَه كما ينبغي له.
فإن قلتَ: ما الدليلُ على أنَّ الصاحبَ هو الحافظُ دونَ الملازمِ للقراءةِ في المصحف؟
قلتُ: الأصلُ فيما في الجنَّة أنَّه يُحاكي ما في الدنيا، وقولُه: «في الدنيا» صريحٌ في ذلك. على أنَّ الملازمَ له نظرًا لا يُقالُ له: صاحبُ القرآنِ على الإطلاق، وإنَّما يُقالُ ذلك لمن لا يُفارِقُ القرآنَ في حالٍ من الأحوال.
وأيضًا ففي روايةٍ عند أحمد: «يُقالُ لصاحبِ القرآنِ إذا دخلَ الجنَّةَ: اقرأْ واصعَدْ، فيقرأُ ويصعَدُ بكلِّ آيةٍ درجةً، حتى يقرأَ آخرَ شيءٍ معه»، فقوله: «معه» صريحٌ في أنَّه حافظُه.
وفي حديثٍ عند الرَّامهرمزي: «فإذا قامَ صاحبُ القرآنِ بقراءتِه آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ ذَكَرَه، وإن لم يقُم به نسيَه»، وهو صريحٌ في أنَّ صاحبَ القرآنِ حافظُه لا غير…
وما ذكرتَه: أنَّ الحديثَ في حفظِ القرآنِ وعدَمِه لا غير، هو الظاهر. فتح الإله (7/126-129).

قوله: «إذا دخلَ الجنَّةَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إذا دخل الجنة» ونجا من أهوال يوم القيامة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (22/ 230).

قوله: «اقرأْ واصعَدْ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«اقرأ» آيةً من القرآن «واصعد» أي: واطلع درجة من درجات الجنة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (22/ 230).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«اقرأ» أمرٌ له في الآخرة بالقراءة التي توصله إلى مصاعد ودرجات...، وهذه القراءة لهم كالتّسبيح للملائكة، لا تشغلهم عن سائر مستلذّاتهم، بل هو المستلذُّ الأعظمُ، ودونه كلُّ مستلذّ. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1655).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «اقرأ واصعد» من صَعِدَ كسمِعَ من الصُّعود، أي: ارتفع في درجات الجنة. كفاية الحاجة (2/ 415).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
من المعلوم أنَّ ذلك مثل التَّسبيح وغيره مما يُلهمُه الناس وليس تعبُّدًا، وإنما يُتعبد بقراءته في الدنيا...، هم في الآخرة يُلهمون التلاوةَ، ويُلهمون التسبيحَ كما يُلهمون النَّفَس. شرح سنن أبي داود (177/ 3).

قوله: «فيقرأُ ويصعدُ بكلِّ آيةٍ درجةً»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فيقرأ» آية منه «ويصعد» درجة من درجاتها، ثم يقال له: «اقرأ واصعد» فيقرأ ويصعد «بكل آية درجةً» من درجاتها. مرشد ذوي الحجا والحاجة (22/ 230).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الدرجة: المنزلة الرفيعة، ويراد بها غُرَف الجنة ومراتبها؛ التي أعلاها الفردوس، كما جاء في الحديث...، في الحديث الآخر: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارقَ، فإن منزلتك عند آخر آيةٍ تقرؤها» فهذا يدل على أن في الجنة درجات على عدد آيِ القرآن، وهي نَيِّف على ستةِ آلاف آية...، وهكذا كلما زادت أعماله زادت درجاته، والله تعالى أعلم. المفهم (3/ 710 - 711).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
جاء في الأثر: «أن عدد آيِ القرآن على قدر درج الجنة، فيقال للقارئ: ارقَ في الدَّرج على قدر ما كنت تقرأ من آيِ القرآن» فمَن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى دَرَجِ الجنة، ومَن قرأ جُزءًا منه، كان رُقيُّه في الدَّرج على قدر ذلك، فيكون منتهى الثّواب عند مُنتهى القراءة. معالم السنن (1/ 290).

قوله: «حتّى يقرأَ آخرَ شيءٍ معه»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«حتى يقرأ آخر شيء» كان «معه» من آيات القرآن، فيصعد آخرِ دَرَجةٍ من درجاتها. مرشد ذوي الحجا والحاجة (22/ 230).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
كما أنَّ قراءته في حالة الاختتام استدعت الافتتاح الذي لا انقطاع له، على ما ورد في حديث: الحال المرتحل (يقصد به حديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُئل: أي العمل أفضل؟ قال: «‌الحال ‌المرتحل». قيل: وما ‌الحال ‌المرتحل؟ قال: «صاحب القرآن يضرب من أول القرآن إلى آخره، ومن آخره إلى أوله، كلما حَلَّ، ارتحل»، ضعفه الألباني وغيره) كذلك لا انقطاع لهذه القراءة ولا للرُّقي ولا للمنازل، فهو كما قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} الزمر: 10. الكاشف عن حقائق السنن(5/1655).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«حتى يقرأَ آخرَ شيءٍ معه» هذا لفظ ابن ماجه، وقوله: «معه» صريحٌ في أنَّ المُراد بصاحب القرآن: حافظه، دون الملازم للقراءة في المصحف. مرعاة المفاتيح (7/ 209).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
«حتى يقرأ آخر شيء معه» وهذا صريحٌ في أن دَرَجَ الجنة تزيد على مائة درجة. حادي الأرواح (ص: 79).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
اعلم أنَّ الأحاديث في فضائل القرآن كثيرةٌ جدًّا، ولا يتم لصاحب القرآن ما يطلبه من الأجر الموعود به في الأحاديث الصحيحة حتى يفهم معانيه، فإنَّ ذلك هو الثمرة من قراءته. فتح القدير (1/ 15).

وينظر فتوى اللجنة الدائمة في بيان متى يُقال لقارئ القرآن: "اقرأ وارتق" وهل هو خاص بالحافظ.


إبلاغ عن خطأ