الإثنين 22 ذو الحجة 1447 | 2026-06-08

A a

أنَّ طارق بن سُويد الجُعفي سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الخَمر، فنهاهُ -أو كَرِه- أن يصنعها، فقال: إنَّما أصنعُها للدواء، فقال: «إنه ليس بدواءٍ، ولكنه داء».


رواه مسلم برقم: (1984). 


غريب الحديث


«الخمر»:
في تسميتهم الخمر خمرًا ثلاثة أقوال:
أحدهن: أن تكون سميت خمرًا؛ لأنها تُخَامِرُ العقل، أي: تخالطه، قال الشاعر:
فخامَرَ القلبَ من ترجيع ذِكرتِها رسٌّ لطيفٌ ورَهْنٌ منك مكبول
والقول الثاني: أن تكون سميت خمرًا؛ لأنها تخمِّر العقل، أي: تستره، من قولهم: قد خمّرت المرأة رأسها بالخمار: إذا غطَّته، ويقال للحصير الذي يُسْجَد عليه: خُمْرة؛ لأنه يستر الأرض، ويَقي الوجه من التراب، قالت عائشة: «كنت أناول النبيّ الخُمْرة وأنا حائض».
والقول الثالث: أن تكون سميت خمرًا؛ لأنها تُخمَّر، أي: تُغطَّى؛ لئلا يقع فيها شيء. الزاهر، لأبي بكر الأنباري (1/ 435، 436)


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الخمر»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ‌الخمر» أي: عن شُربها أو ‌صنعها. مرقاة المفاتيح (6/ 2385).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله-:
الخمر وهي ما غلى من عصير العنب، فهذا مما لا اختلاف في تحريمه بين المسلمين، إنما الاختلاف في غيره. غريب الحديث (2/ 176).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وقد أجمع علماء المسلمين في كُل عصرٍ وبكل مصر -فيما بلغنا وصح عندنا- أن عصير العنب إذا رمى بالزبد وهدأ وأسكر الكثير منه أو القليل أنه خمر، وأنه ما دام على حاله تلك حرام، كالميتة والدم ولحم الخنزير...
وكخمر العنب عندهم: نقيع الزبيب إذا غلا وأسكر، قليله وكثيره في التحريم سواء؛ لأنه عندهم ميت أُحْيِيَ.
واختلف العلماء في سائر الأنبذة المسكرة، فقال العراقيون: إنما الحرام منها السكر، وهو فعل الشارب، وأما النبيذ في نفسه فليس بحرام ولا نجس؛ لأن الخمر العنب لا غيره، بدليل قول الله -عز وجل-: {إِنِّي أَرَانِيْ أَعْصِرُ خَمْرًا} يوسف: 36، يعني عنبًا.
قال أبو عمر: ليس في هذا دليل على أن الخمر ما عُصر من العنب لا غير؛ لما قدمنا ذكره من أن الخمر المعروفة عند العرب ما خمر العقل وخامره، وذلك اسم جامع للمسكر من عصير العنب وغيره.
وقال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز وعامة أهل الحديث وأئمتهم: إن كل مُسْكِرٍ خمر، حكمه حكم خمر العنب في التحريم والحد على من شرب شيئًا من ذلك كله، كما هو عند الجميع منهم على شارب خمر العنب، ومِن الحجة لهم: أن القرآن قد ورد بتحريم الخمر مطلقًا، ولم يخص خمر العنب من غيرها، فكل ما وقع عليه اسم خمر من الأشربة فهو داخل في التحريم بظاهر الخطاب، والدليل على ذلك: أن الخمر نزل تحريمها بالمدينة، وليس بها شيء من خمر العنب. التمهيد (1/ 464، 475).
وقال أبو بكر ابن العربي -رحمه الله-:
واختُلف ‌في ‌الخمر هل تطلق على كل شراب مسكر أو مختص بما يُعْصَر من العنب وحده؟
وإني لأعجب ممن قال ذلك من الفقهاء، ومن سلك من علماء من مضى مع أن الصحابة -رضي الله عنهم- لما حُرمت عليهم الخمر أراقوها وكسروا دِنَانها، وبادروا إلى امتثال الأمر فيها، مع أنهم لم يكن عندهم بالمدينة عصير عنب، وإنما كان جميعه نبيذ تمر، وقد روى المصنفون عن النعمان بن بشير، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن مِن العنب خمرًا، وإن من الزبيب خمرًا، وإن من البر خمرًا، وإن من الشعير خمرًا، وإن من العسل خمرًا، والخمر ما خامر العقل». القبس (ص:652).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
كل مسكر حرام، قليله وكثيره، وهو خمر، حكمه حكم عصير العنب في تحريمه، ووجوب الحد على شاربه، وروي تحريم ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وأُبَي بن كعب وأنس وعائشة -رضى الله عنهم-، وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد والقاسم وقتادة وعمر بن عبد العزيز، ومالك والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد وإسحاق، وقال أبو حنيفة في عصير العنب: إذا طبخ فذهب ثلثاه، ونقيع التمر والزبيب إذا طبخ وإن لم يذهب ثلثاه، ونبيذ الحنطة والذرة والشعير، ونحو ذلك نقيعًا كان أو مطبوخًا: كل ذلك حلال، إلا ما بلغ السُّكْرَ، فأما عصير العنب إذا اشتد وقذف زبده، أو طبخ فذهب أقل من ثلثيه، ونقيع التمر والزبيب إذا اشتد بغير طبخ، فهذا محرم، قليله وكثيره؛ لما روى ابن عباس، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «حُرِّمت الخمرة لعينها، والسُّكر من كل شراب»، ولنا ما روى ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام»، وعن جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما أسكر كثيره، فقليله حرام» رواهما أبو داود والأثرم وغيرهما، وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «كل مسكر حرام»، قال: «وما أسكر منه الفَرْقُ، فمِلْءُ الكف منه حرام» رواه أبو داود وغيره، وقال عمر -رضي الله عنه-: "نزل تحريم الخمر وهي من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل"، متفق عليه، ولأنه مسكر فأشبه عصير العنب، فأما حديثهم، فقال أحمد: ليس في الرخصة في المسكر حديث صحيح، وحديث ابن عباس رواه سعيد عن مسعر، عن أبي عون، عن ابن شداد، عن ابن عباس قال: "والمسكر من كل شراب". المغني (12/ 495، 496).

قوله: «فنهاه -أو كره- أن يصنعها»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فنهاه» أي: عنها. مرقاة المفاتيح (6/ 2385).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فنهى» -صلى الله عليه وسلم - «أو كره» «أو» للشك من الراوي، إما علقمة، أو من دونه، قال شيخه: «فنهى»، أو قال: «كره» «أن يصنعها» أي: يعتصر الخمر. البحر المحيط الثجاج (33/ 591).
وقال ابن أبي العز -رحمه الله-:
وحُرمة ‌عصر ‌الخمر واعتصارها وحملها وتحميلها ونحو ذلك بمنزلة دواعي الزنا: من اللمس والقُبْلة والنظر بشهوة، فكما تحرم الدواعي تحرم هذه الدواعي. التنبيه (5/ 801).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
بيع ‌الخمر فاسد بالإجماع، وفي تحريم بيعها تحريم ثمنها. أعلام الحديث (2/ 1106).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
الأمَّة مجمعة على تحريم ‌بيع ‌الخمر، كما أجمعوا على تحريم شربها والانتفاع بها. شرح صحيح البخاري (6/ 348).

قوله: «فقال: إنما أصنعها للدواء»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال: إنما أصنعها» أي: أشتغلها أو أستعملها «للدواء». مرقاة المفاتيح (6/ 2385).
وقال الشيخ محمد بن الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال» طارق: «إنما أصنعها» وأعصرها «للدواء» أي: للتداوي بها وطلب الشفاء بها من مرض. الكوكب الوهاج (21/ 34).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«إنما أصنعها للدواء» أي: لأجل أن أداوي بها المرضى. البحر المحيط الثجاج (33/ 591).

قوله: «إنه ليس بدواء، ولكنه داء»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقوله -صلى الله عليه وسلم- للذي سأله عن الخمر فقال: إنما أصنعها للدواء: «إنها ليست ‌بدواء، ولكنها داء» دليل: على أنه لا يجوز التداوي بالخمر، ولا بما حرمه الله -تعالى- من النجاسات والميتات وغيرهما، أكلًا ولا شربًا، وبه قال كثير من أهل العلم. المفهم (5/ 261، 262).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
فقال -عليه الصلاة والسلام-: «ليس بدواء، ولكنه داء» حجَّة في أنه لا يتعافى بالخمر ولا بما حرم الله. إكمال المعلم (6/ 446).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
«إنه ‌ليس ‌بدواء ولكنه داء» هذا الحديث دليل على أنه لا يجوز شرب الخمر لأجل الضرورة، كالعطش والتداوي، وهو مذهب أحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة: يجوز، وعن الشافعية ثلاثة أوجه: اثنان كالمذهبين، والثالث: يجوز للتداوي دون العطش. كشف المشكل (4/ 222).
وقال النووي -رحمه الله-:
«فقال: إنه ‌ليس ‌بدواء ولكنه داء» هذا دليل لتحريم اتخاذ الخمر وتخليلها، وفيه التصريح بأنها ليست بدواء، فيحرم التداوي بها؛ لأنها ليست بدواء، فكأنه يتناولها بلا سبب، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا: أنه يحرم التداوي بها، وكذا يحرم شربها للعطش، وأما إذا غصَّ بلقمة ولم يجد ما يسيغها به إلا خمرًا فيلزمه الإساغة بها؛ لأن حصول الشفاء بها حينئذ مقطوع به، بخلاف التداوي، والله أعلم. المنهاج شرح صحيح مسلم (13/ 153).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
فقال: «إنه ‌ليس ‌بدواء، ولكنه داء» يحتمل أنه أراد به العموم، وأنه أراد به الخصوص، فلعله علم المرض الذي كان يداوى به، وعلم أن الخمر يزيد فيه ولا يبرئ عنه؛ ومن أجل ذلك اختلف أهل العلم في جواز التداوي بالخمر الصرف، والأكثر على المنع منه. تحفة الأبرار (2/ 537).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «ليس بدواء، ولكنه داء» فيه التصريح بأن الخمر ليست بدواء، فيحرم التداوي بها كما يحرم شربها، وكذلك سائر الأمور النجسة أو المحرمة، وإليه ذهب الجمهور. نيل الأوطار (8/ 234).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
قال: «إنه ‌ليس ‌بدواء، ولكنه داء» في هذا الحديث: دليل على أنه لا يجوز المداواة بالخمر، وأنها ليست دواء، ولكنها داء، وفي الحديث الآخر: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم»، فالخمر محرمة، ولا يجوز استعمالها ولو للدواء، ويجب إزالتها فلا يبقيها لا للدواء ولا للتخلل. توفيق الرب المنعم (6/ 17).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
والتحقيق: أن الأمر باجتناب المنهي على عمومه، ‌ما ‌لم ‌يعارضه ‌إذن في ارتكاب منهي، كأكل الميتة للمضطر. فتح الباري (13/ 261).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
حرم اللَّه ‌الخمر في كتابه، وعلى لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فالخمر لا يجوز شربها للعليل ولا للصحيح، ولا يجوز أن يُسقى ‌الخمر البهائم، وقد روينا عن ابن عمر أن غلامًا له سقى بعيرًا له خمرًا فتواعده، ولا يجوز الامتشاط بالخمر، وقد اختلفوا فيه إن اضطر إليه، فكان مالك بن أنس يقول في ‌الخمر: إذا اضطر إليها لا يشربها، ولن يزيده الخمر إلا شرًّا، وقال أحمد: يقال: إنه لا يروي، وبه قال إسحاق، إلا أن يكون في طمع أن يرويه حتى يجاوز إلى موضع يطمع فيه الماء. الإقناع (2/ 628، 629).
وقال القاضي عبد الوهاب -رحمه الله-:
لا يجوز شرب ‌الخمر عند العطش ولا ‌التداوي من مرض، خلافًا لأبي حنيفة والثوري، أما العطش فإنه يزيد فيه على ما يقوله من يخبر أمرها، فإن صح أنها تروي عنه جاز، وأما ‌التداوي فلقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ما جعل شفاء أمَّتي فيما حُرِّمَ عليها». الإشراف (2/ 923).
وقال السرخسي -رحمه الله-:
أما الاستشفاء بعين ‌الخمر: فقد بيَّنَّا أنه لا يحل عندنا، والشافعي يجوز ذلك إذا أخبره عدلان أن شفاءه في ذلك، ولا حد عليه؛ لشبهة اختلاف العلماء -رحمهم الله- في إباحة هذا الفعل؛ ولحاجته إلى ‌التداوي. المبسوط (24/ 25).
قال الخطابي -رحمه الله-:
«ولكنها داء» إنما سماها داء لِمَا في شربها من الإثم، وقد تستعمل لفظة الداء في الآفات والعيوب ومساوي الأخلاق...
وفي الحديث: بيان أنه لا يجوز التداوي بالخمر، وهو قول أكثر الفقهاء، وقد أباح التداوي بها عند الضرورة بعضهم، واحتج في ذلك بإباحة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للعُرَنيين التداوي بأبوال الإبل وهي محرمة، إلا أنها لما كانت مما يستشفى بها في بعض العلل رخص لهم في تناولها.
قلت: وقد فرق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين الأمرين اللَّذَين جمعهما هذا القائل، فنص على أحدهما بالحظر وهو الخمر، وعلى الآخر بالإباحة وهو بول الإبل، والجمع بين ما فرقه النص غير جائز، وأيضًا فإن الناس كانوا يشربون الخمر قبل تحريمها ويشغفون بها ويبتغون لذتها، فلما حرمت صعب عليهم تركها والنزوع عنها، فغلظ الأمر فيها بإيجاب العقوبة على متناوليها؛ ليرتدعوا عنها وليكفوا عن شربها، وحسم الباب في تحريمها على الوجوه كلها شربًا وتداويًا؛ لئلا يستبيحوها بعلة التساقم والتمارض، وهذا المعنى مأمون في أبوال الإبل؛ لانحسام الدواعي؛ ولما على الطباع من المؤنة في تناولها؛ ولما في النفوس من استقذارها والنكرة لها، فقياس أحدهما على الآخر لا يصح ولا يستقيم، والله أعلم. معالم السنن (4/ 222 - 224).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلفوا في جواز شُرْبِ الخمرِ عند الضرورة، فقال مالك: لا يَشْربُها؛ لأنَّها لا تزيده إلا عطشًا وجوعًا، وأجاز أبو حنيفة أن يشرب منها مِقْدارَ ما يُمْسكُ رَمَقَه، واحتج مَنْ منع شُرْبَها بقولِ ابنِ مسعودٍ: إنَّ اللهَ لم يجعل شفاءَكم فيما حرَّم عليكم، وقد رُوي هذا عن النبيِّ -عليه السلام-، واحتج الكوفيون بأنَّ الضرورةَ أباحَت أكل ما حرَّمه الشرع من الميتةِ والدمِ والبولِ وما لا يَنْقَلِبُ إلى حالةٍ أُخرى، فأن تُبيحَ الخمر أولى؛ لأنَّها قد تُنقَلُ من حالِها إلى حالِ التَّخليل.
قال ابنُ القَصَّار: وكان الشيخُ أبو بكرٍ الأبهريُّ يقول: إنْ دفعَتْه إليها ضرورةٌ يَغْلِبُ على ظنه أنه يَتخلصُ بشُرْبِها جاز؛ لأنَّه لو تَغَصَّصَ بلُقْمَةٍ في حَلْقِه فلم يجد ما يَدْفَعُها به، واضطرَّ أن يَزْرُدَها بالخمر جاز له ذلك، ولم يَجُزْ أن يُمْنَعَ من حالةِ الحال فتصيرَ كالميتةِ عند الضرورة، والأمرُ كما قال -إن شاء الله-. شرح صحيح البخاري (6/70 ، 71).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
فأما شرب ‌الخمر من العطش وللتداوي، فالظاهر من مذهب الشافعي أنه لا يحل شربها من العطش ولا للتداوي، وذهب بعض البغداديين من أصحابه إلى جواز شربها للعطش لا للتداوي؛ ولأن ضرر العطش عاجل، وضرر الداء آجل، وذهب بعض البصريين من أصحابه أن جواز شربها للتداوي دون العطش؛ لأنها متعينة في الدواء وغير متعينة في العطش.
وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري: يجوز شربها في العطش والتداوي.
والدليل على تحريمها في الحالين: ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «‌الخمر داء»؛ ولأنها تزيد في العطش ولا تروي؛ ولأنها تُحدث من السُّكر ما يزيل العقل، وتمنع الفرائض؛ ولأن شربها في أحد الحالين ذريعة إلى شربها مع عدم تلك الحال؛ لأن الشهوة رغيبة عليها؛ ولذلك حرم إمساكها، ووجب الحد على شاربها، وهكذا كل مسكر فهو خمر. الحاوي الكبير (15/ 170).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
واختلفوا هل يجوز شرب ‌الخمر للضرورة كالعطش أو التداوي؟
فقال مالك وأحمد: لا يجوز فيهما شربها بحال، وقال أبو حنيفة: يجوز شربها للعطش فقط دون ‌التداوي، وقال الشافعي في أحد أقواله: لا يجوز فيهما بحال، كمذهب مالك وأحمد، والقول الثاني: يجوز شرب اليسير منها للتداوي فقط، والثالث: للعطش فقط، ولا يشرب إلا ما يقع به الري في حالته تلك، كمذهب أبي حنيفة. اختلاف الأئمة العلماء (2/ 296).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
التداوي بالخمر حرام بنص رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعلى ذلك جماهير أهل العلم، ثبت عنه في الصحيح: أنه سئل عن الخمر تُصنع للدواء، فقال: «إنها داء، وليست بدواء» وفي السنن عنه: «أنه نهى عن الدواء بالخبيث»، وقال ابن مسعود: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم"، وروى ابن حبان في صحيحه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها»، وفي السنن: أنه سئل عن ضفدع تُجعل في دواء، فنهى عن قتلها وقال: «إنَّ نقيقها تسبيح».
وليس هذا مثل أكل المضطر للميتة؛ فإنَّ ذلك يحصل به المقصود قطعًا، وليس له عنه عوض، والأكل منها واجب، فمن اضطر إلى الميتة ولم يأكل حتى مات دخل النار، وهنا لا يعلم حصول الشفاء ولا يتعين هذا الدواء، بل الله -تعالى- يعافي العبد بأسباب متعددة، والتداوي ليس بواجب عند جمهور العلماء، ولا يقاس هذا بهذا، والله أعلم. مجموع الفتاوى (24/ 266، 267).
وقال ابن عقيل -رحمه الله-:
ولا يجوز شرب ‌الخمر في حالة العطش، ويجوز شربه إذا خنقته اللقمة، ولا يجوز ‌التداوي بها؛ لأن ‌التداوي بها لا يتحقق نفعه، وكذلك العطش لا يزول بها، لكن يعطش ويلهب، وأما دفع اللقمة فيتحقق أنه يعمل عمل الماء فيها. التذكرة (ص:311).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أما ما يسكر منها فإنه لا يجوز تعاطيه في التداوي إلا في صورة واحدة، وهو من اضطر إلى ‌إزالة ‌عقله؛ لقطع عضو من الأكلة والعياذ بالله. فتح الباري (10/ 80).
وقال ابن نجيم -رحمه الله-:
التداوي ‌بالخمر إذا أخبره طبيب حاذق أن الشفاء فيه جاز فصار حلالًا، وخرج عن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لم يجعل الله شفاء أمَّتي فيما حرم عليهم»؛ لأنه صار كالمضطر. البحر الرائق (8/ 233).


إبلاغ عن خطأ