الإثنين 22 ذو الحجة 1447 | 2026-06-08

A a

«سألَ رجلٌ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا نركبُ البحرَ، ونحملُ معنا القليلَ مِن الماءِ، فإنْ توضَّأْنَا به عَطِشْنَا، أفنتوضَّأُ بماءِ البحرِ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: هو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ».


رواه أحمد برقم: (8735)، وأبو داود برقم: (83)، والترمذي برقم: (69)، والنسائي برقم: (59) و(332)، وابن ماجه برقم: (386)، والدارمي برقم: (756)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ورُوي نحوه عن جابر، وابن الفراسي، وعلي -رضي الله عنهم-.
صحيح الجامع برقم: (7048)، صحيح أبي داود برقم: (76).


غريب الحديث


«الطَّهُورُ»:
الطَّهُور (بفتح الطاء) في اللُّغة هو: الطَّاهر المطهِّر؛ لأنَّه لا يكون طَهورًا إلا وهو يُتطهَّر به، كالوَضُوءِ: الماءُ الذي يُتَوضّأ به. تهذيب اللغة، للأزهري (6/ 100).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «سألَ رجلٌ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال النووي -رحمه الله-:
اسم السائل عن ماء البحر: عبيد، وقيل: عبد، وأما قول السمعاني في الأنساب: اسمه العَرَكي، ففيه إيهام أنَّ العركي اسم عَلَم له، وليس كذلك، بل العَرَكي وصفٌ له، وهو ملَّاح السفينة. المجموع (1/ 82).

قوله: «فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا نركبُ البحرَ»:
قال السيوطي -رحمه الله-:
«إنَّا نركب البحر» زاد الحاكم «نريد الصيد». قوت المغتذي (1/ 74).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقال: يا رسولَ الله، إنَّا نَرْكَبُ البحرَ» ورواية ابن ماجه عن ابن الفراسي: قال: «كنتُ أصيدُ، وكانت لي قربة أجعَل فيها ماء، وإنّي تَوضَّأت بماءِ البحْر، فذكرتُ ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-». شرح سنن أبي داود (1/ 585-586).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
و"أل" فيه للعهد الذهني؛ أي: نركب البحر المعهود، وهو الْمَلِح؛ أي: نركبه وهو ملحٌ ومُرٌّ، وريحه منتن. مرشد ذوي الحجا والحاجة (3/ 375).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إنَّا نركب البحر» أي: مراكبه من السفن. مرقاة المفاتيح (2/ 452).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
«إنَّا نركبُ البحرَ» فيه: دليلٌ على جواز ركوب البحر في الجملة، وقد ورد في بعض الروايات ركوبُه للصيد، فيدل دلالة خاصة على ركوبه في طلب المعيشة، وقد ورد ما يعارض ذلك، وهو حديث رواه أبو داودَ من طريق عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: «لا تركب البحر إلَّا حاجًّا أو مُعتمرًا أو غازيًا في سبيلِ اللهِ» الحديث، وذُكِرَ عن عبد الله بن عمر أيضًا ما يناسب هذا، وطعن بعضُهم في صحة هذا عنه....
ثم قسم ركوبَ البحر على ثلاثة أقسام، وجعل ما أطلقه (أي: مالك) من الكراهة مُنَزَّلًا على أحدها، فقال: ركوبُ البحر على ثلاثة أوجه:
• جائزٌ: وهو إذا كان يعلم من شأنه أنه يقدرُ على صلاته قائمًا، ولا يَمِيد.
• ومكروهٌ: وهو ما إذا لم يتقدم له عادةٌ بركوبه، ولا يعلم إذا ركبه هل يَميد وتتعطل صلاتُه أم لا؟ ولا يقال في هذا القسم: إنه ممنوع؛ لأنَّ الغالبَ السلامة.
• وممنوعٌ: وهو ما إذا كان يعلم من شأنه أنه يميدُ، ولا يقدر على أداء الصَّلاة، أو كان لا يقدر على أداء الصَّلاة؛ لكثرة الراكب، ولا يقدر على السجود. وقال مالك في سماع أشهب: إذا لم يقدرْ أحدكم على أنْ يركع أو يسجدَ إلَّا على ظهر أخيه، فلا تركبوا لحج ولا لعمرة، أيركب حيث لا يصلِّي؟! ويلٌ لمن ترك الصَّلاة! ويكره أيضًا إذا كان لا يقدر على الصَّلاة إلَّا جالسًا. شرح الإلمام (1/ 85-88).

قوله: «ونحملُ معنا القليلَ مِن الماءِ»:
قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«ونحمل معنا القليل من الماء» أي: العذب. فتح الإله (2/350).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ونحمِلُ معنا القليلَ مِن الماءِ» يُستدَلُّ به على أنَّ إعدَاد الماء الكافي للطهَارة مع القدرة عليه غير واجب على ما تقدم، وهو ترك الاستفسار والإقرار على السؤال؛ لأنَّهم أخبروه أنَّهم يحملون القليل من الماء، وهو كالعَامِّ في حَالات حَملهم، فيُمكن أن يكونَ مع القدرة على حَمله، ويمكن أنْ يكون بسَبَب العَجز عن حَمله، بسَبَب ضيق مراكبهم عن حَمل البَاقي، فإذا جَعلناهُ كالعَامِّ، فيتناول حَال القُدرة، ولم ينكر عليهم، فدلَّ ذلك على جَواز هذِه الحالة. شرح سنن أبي داود (1/ 588-589).
وقال الباجي -رحمه الله-:
«ونحمل معنا القليل من الماء» يحتمل أنْ ما يركبونه لا يحمل أكثر من ذلك، ويحتمل أنْ يكون ذلك لغير هذا الوجه، فيكون اقتصارهم على قليل الماء لهذا الوجه؛ لأنَّ ذلك مباح، ويكون على الوجه الأول للضرورة. المنتقى شرح الموطأ (1/ 55).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«ونحمل معنا القليل من الماء» وقد يستدرجهم الصيد إلى الإبحار (و) البعد في عمق البحر، ثم ينفذ هذا الماء الذي معهم. شرح سنن الترمذي (16/ 27).

قوله: «فإنْ توضَّأْنَا به عَطِشْنَا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإنْ توضأنا به عَطِشنا» بكسر الطاء. مرقاة المفاتيح (2/ 452).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإن توضأنا به عطشنا» لِقِلَّته، يستغرقه الوضوء. التحبير (7/ 42).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله: «فإنْ توضأنا به عطشنا» دليل على أنَّ العطش له تأثير في ترك استعمال الماء الْمُعَدِّ للشرب؛ ولذلك أقرَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- على التعلُّق به. المنتقى شرح الموطأ (1/ 55).

قوله: «أفنتوضَّأُ بماءِ البحرِ؟»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أفنتوضأ بماء البحر؟» وهو ضد البر، يعني: أو نتيمم؟ مرقاة المفاتيح (2/ 452).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أفنتوضأُ بماءِ البحرِ؟» فيه: حَذف الصِّفةِ، مع بقاء الموصوف، تقديرهُ: أفنتوضأ بماء البحر المَلِح؟ فحذف الصفة، كقوله تعالى: {الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} البقرة: 71، أي: الوَاضِح، وإنَّما يصح الحَذف إذا فهم المعنى؛ طلبًا للاختصار مَع حُصُول المقصُود. شرح سنن أبي داود (1/ 590).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: «أفنتوضا بماء البحر؟» توقفوا عنه لأحد وجهين: إما لأنَّه لا يُشرَب، وإما لأنَّه طبق جهنم، كما رُوِيَ عن عبد الله بن عمرو، وما كان طريق سَخطة، لا يكون طريق طهارة ورحمة. عارضة الأحوذي (1/77).

قوله: «فقالَ رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: هو الطَّهُورُ ماؤُهُ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: هو» أي: البحر. شرح المصابيح (1/ 309).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«الطَّهور» بفتح الطاء «ماؤه» أي: البالغ في التطهير ماؤه. التنوير (4/ 580).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
وضمير «ماؤه» يقتضي أنَّه أُريد بالبحر مكانه، وإلا لما احتيج إلى قوله: «ماؤه». التحبير (7/ 42).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
قوله: «الطَّهور ماؤه» أي: المطهِّر؛ لأنَّهم سألوه عن تطهير مائه، لا عن طهارته، وهذا يدل على أنَّ التوضؤ بماء البحر جائز، مع تغير طعمه ولونه. شرح المصابيح (1/ 309).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وفيه: أنَّ طعمه ولونه جِبِلِّيان؛ لا أنَّهما متغيران على ما هو الظاهر، مع أنَّ التغير باللُّبْث (طول المكث) لا يضر. مرقاة المفاتيح (2/ 452).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
وإنَّما قال: «هو الطهور ماؤه» ولم يقل: بلى، لجوابه، ولو قال: "بلى" أو "نعم" لكفاه؛ لأنَّهم كانوا سألوا عن الضرورة، فلو قال: "بلى" أو "نعم" لم يستفيدوا من ذلك حال الرفاهية، فأخبر أنَّه طهور في كل حالٍ. الأزهار، مخطوط، لوح (108).
وقال الباجي -رحمه الله-:
ولا خلاف في جواز التطهير بماء البحر، إلا ما يُروى عن عبد الله بن عمر، وقد أنكر القاضي أبو الحسن (ابن القصار) أنْ يكون ذلك قولًا لأحدٍ، والأصل في جواز التطهير به هذا الحديث، وهو نصٌّ في الحُكْم. المنتقى شرح الموطأ (1/ 55).
وقال ابن عبد البر -حمه الله-:
وقد جاء عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص: كراهية الوضوء بماء البحر، وليس في أحدٍ حجة مع خلاف السُّنة. الاستذكار (1/ 159).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
وقد كانت الصحابة تسافر في البحر فتتوضأ به، وما تيممت ولا حملت ماء لطهورها غيره، وإنما كانت تحمل للشقة خاصة. عارضة الأحوذي (1/77).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله- مُعلِّقًا:
قلتُ: وفيه وجه آخر: أنَّه لو قال: نعم، لم يُستفَد منه -من حيث اللفظُ- إلا جوازُ الوضوءِ به، الذي وقع عنه السؤال، وإذا قال: «هو الطهور» أفاد جوازَ دفعِ الأحداث أصغرِها وأكبرِها، وإزالةِ الأنجاس به لفظًا، فكان أعمَّ فائدةً. شرح الإلمام (1/ 111).

قوله: «الحِلُّ مَيْتَتُهُ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«الْحِلُّ» بكسْر الحَاء، بمعنى: الحَلال، كالحرم بمعنى: الحَرام «مَيتَتُهُ» بفتح الميم؛ لأن المراد العَين الميتة. شرح سنن أبي داود (1/ 601).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «الحل ميتته» التقدير: هو الحل ميتته. شرح أبي داود (1/ 232).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
ولما سُئِلَ النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ماء البحر، وعَلِمَ جهلَهُم بحكم مائه، قاسَ جهلهم بحلّ صيده، مع عموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} المائدة: 3، فزاد في الجواب: «والحل مِيْتَتُهُ». شرح المصابيح (1/ 309).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: «الحلُّ ميتته» وكأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فهم من السائل استنكافًا من البحر، فأراد النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أنْ يُبيِّن له أنَّه بركة كله، ماؤه طهور، وميتته حلال. القبس (ص: 143).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: «الحل ميتته» زيادة على الجواب؛ وذلك من محاسن الفتوى، بأنْ يخلف السائل بأكثر مما سأل عنه تتميمًا للفائدة، وإفادة لعلم آخر غير المسؤول عنه. عارضة الأحوذي (1/77-78).
وقال ابن سيد الناس -رحمه الله- معلقًا:
وقد يؤكد هذا بظهور الحاجة إلى هذا الحكم؛ لأنَّ من توقَّف في طهورية ماء البحر، فهو عن العلم بحل ميتته، مع تقدم تحريم الميتة أشد توقفًا، فالسؤال عن الحكم الأول يظهر الحاجة إلى معرفة الحكم الثاني. النفح الشذي (2/ 173-174).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
إنَّما أجاب عن الميتة، ولم يُسأل عن ذلك؛ لوجوه:
أحدهما: أنَّه -صلى الله عليه وسلم- منصب الشرع ومظهره ومُبَيِّنُه؛ فلذلك يبتدئ بالنصب والبيان من غير أنْ يُسأل عنه.
والثاني: أنه -صلى الله عليه وسلم- لما رآهم جاهلين بأمر الماء مع ظهوره، عرف أنهم بطهارة ميتته وحلها، مع قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} المائدة: 3، أجهل، فأجاب عن المسؤول، وعما عرف أنهم يجهلونه...
والثالث: أنه -صلى الله عليه وسلم- لما أعلمهم طهارة ماء البحر، وقد علم أنَّ في البحر حيوانًا قد يموت فيه، والميتة نجسة احتاج أن يعلمهم أن هذا النوع من الميتة حلال طاهر حيًّا وميتًا، ولا يُنجِّس الماء، بخلاف سائر الميتات. الأزهار، مخطوط، لوح (108).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
زاده في البيان بقوله: «والحل ميتته» لعلمه أنَّه قد يعوزهم الزاد فيه، كما يعوزهم الماء، فلما جمعتهما الحاجة، انتظم الجواب بهما، والمراد بـ«ميتته» أي: من دوابه المنسوبة إليه، لا غيرها. التنوير(4/ 580).
وقال الصنعاني -رحمه الله-أيضًا:
ثم المراد: ما مات فيه من دوابه، مما لا يعيش إلا فيه، لا ما مات فيه مطلقًا، فإنَّه وإنْ صدق عليه لغةً أنه ميتة بحر، فمعلوم أنه لا يراد إلا ما ذكرناه، وظاهره حل كل ما مات فيه، ولو كان كالكلب والخنزير. سبل السلام (1/ 21).
وقال المظهري -رحمه الله-:
فالحوتُ حلالٌ بالاتفاق، والضفدع حرامٌ بالاتفاق، والسرطان حرام أيضًا في أصح القولين، وكذلك ما يعيش في الماء والبر، فأما ما لا يعيش في البر، ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ جميعه حلال.
والثاني: حرام.
والثالث: ما يؤكل شبهُه في البر يؤكل، وما لا يؤكل شبهه في البر، لا يؤكل. المفاتيح (1/ 430).
وقال العيني -رحمه الله-:
واحتج مالك والشافعي وأحمد بهذا الحديث على أنَّ جميع ما في البحر حلال إلا الضفدع في رواية عن أحمد، وقول الشافعي، وعنهم: لا يحل في البحر ما لا يحل مثله في البر.
وقال أصحابنا (الأحناف): لا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك بأنواعه؛ لقوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} الأعراف: 157، وما سوى السمك خبث، والجواب عن الحديث: أنَّ الميتة فيه محمولة على السمك، بدليل قوله -عليه السلام-: «أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان: فالسمك والجراد» الحديث. شرح أبي داود (1/ 232-233).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الحل ميتته»...، فإنَّ العلماء اختلفوا في ذلك، فقال مالك: يؤكل ما في البحر من السمك والدواب وسائر ما في البحر من الحيوان، وسواء اصطيد أو وجد ميتًا طافيًا، وغير طاف، قال: وليس شيء من ذلك يحتاج إلى ذكاة؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» وكره مالك خنزير الماء من جهة اسمه، ولم يحرمه، وقال: أنتم تقولون: خنزير، قال ابن القاسم: أنا أتقيه ولا أراه حرامًا، وقال ابن أبي ليلى: لا بأس بأكل كل شيء يكون في البحر من الضفدع والسرطان وحية الماء وغير ذلك، وهو قول الثوري في رواية الأشجعي، وروى عنه أبو إسحاق الفزاري أنه قال: لا يؤكل من صيد البحر إلا السمك، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يؤكل السمك الطافي، ويؤكل ما سواه من السمك، ولا يؤكل شيء من حيوان البحر إلا السمك، وقال الأوزاعي: صيد البحر كله حلال، ورواه عن مجاهد، وكره الحسن بن حي أكل الطافي من السمك، وقال الليث بن سعد: ليس بميتة البحر بأس، قال: وكذلك كلب الماء، وترس الماء، قال: ولا يؤكل إنسان الماء، ولا خنزير الماء، وقال الشافعي: ما يعيش في الماء فلا بأس بأكله، وأخذه ذكاته، ولا بأس بخنزير الماء.
قال أبو عمر (ابن عبد البر): قال الله -عز وجل: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُم} المائدة: 96، فروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وأبي هريرة قالوا: طعامه ما ألقى وقذف، وروي عن ابن عباس أنه قال: طعامه ميتته، وهو في ذلك المعنى، وروي عنه أنه قال: طعامه مليحه، وروي عن أبي بكر الصديق قال: كل دابة في البحر فقد ذبحها الله لكم. التمهيد (16/ 223-224).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
اختلفوا في أكلِ التّمْساح: فمنعه الشافعيُّ، وأباحه مالكٌ وأصحابُه -رحمة الله عليهم أجمعين-. شرح الإلمام (1/ 148-149).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث أصل من أصول الإسلام تلقته الأمة بالقبول، وتداوله فقهاء الأمصار في سائر الأعصار، في جميع الأقطار، ورواه الأئمة الكبار مالك والشافعي وأحمد والأربعة، وغيرهم، في عدة طرق. التنوير (4/ 580).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
في هذا الحديث أنواع من العلم: منها: أن المعقول من الطهور والغسول المضمنين في قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوْا وُجُوْهَكُمْ} المائدة: 6، الآية، إنما كان عند السامعين له والمخاطبين به، الماء المفطور على خلقته، السليم في نفسه، الخلي من الأعراض المؤثرة فيه، ألا تراهم كيف ارتابوا بماء البحر لما رأوا تغيره في اللون، وملوحة الطعم، حتى سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واستفتوه عن جواز التطهير به.
وفيه: أن العالم والمفتي إذا سُئل عن شيء وهو يعلم أن بالسائل حاجة إلى معرفة ما وراءه من الأمور التي يتضمنها مسألته أو تتصل بمسألته كان مستحبًا له تعليمه إياه، والزيادة في الجواب عن مسألته، ولم يكن ذلك عدوانًا في القول، ولا تكلُّفًا لما لا يَعني من الكلام، ألا تراهم سألوه عن ماء البحر فحسْب، فأجابهم عن مائه وعن طعامه؛ لعلمه بأنه قد يعوزهم الزاد في البحر كما يعوزهم الماء العذب، فلما جمعتهم الحاجة منهم، انتظمهما الجواب منه لهم، وأيضًا فإن علم طهارة الماء مستفيض عند الخاصة والعامة، وعلم ميتة البحر وكونها حلالًا مشكل في الأصل، فلما رأى السائل جاهلًا بأظهر الأمرين، غير مستبين للحكم فيه، علم أن أخفاهما أولاهما بالبيان...، وفيه وجه آخر: وهو أنه لما أعلمهم بطهارة ماء البحر، وقد علم أن في البحر حيوانًا قد يموت فيه، والميتة نجس، احتاج إلى أن يعلمهم أن حكم هذا النوع من الميتة حلال بخلاف سائر الميتات لئلا يتوهَّموا أن ماءه ينجس بحلولها إياه، وفيه: دليل على أن السمك الطافي حلال، وأنه لا فرق بين ما كان موته في الماء وبين ما كان موته خارج الماء من حيوانه، وفيه: مُسْتَدَلٌّ لمن ذهب إلى أن حكم جميع أنواع الحيوان التي تسكن البحر إذا ماتت فيه الطهارة، وذلك بقضية العموم، إذ لم يستثن نوعًا منها دون نوع. معالم السنن (1/43، 44).
وقال النووي -رحمه الله-:
في فوائد الحديث: أنه أصلٌ عظيم من أصول الطهارة ذكر صاحب الحاوي عن الحميدي شيخ البخاري وصاحب الشافعي قال: قال الشافعي هذا ‌الحديث ‌نصف ‌عِلِم ‌الطهارة. مجموع (1/ ٨٤).
وقال ابن سيد الناس -رحمه الله-:
وفيه: جواز التطهر بماء البحر، وهو المقصود بالذات من الحديث، وإليه ذهب الجمهور. النفح الشذي (2/ 168).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وفيه: دليل على جواز ركوب البحَر في الجملة. شرح سنن أبي داود (1/ 586).
وقال البغوي -رحمه الله-:
وفيه: دليل على أن الطهور هو المطهر؛ لأنهم سألوا عن تطهير ماء البحر، لا عن طهارته، ولولا أنهم عرفوا من الطهور المطهر، لكان لا يزول إشكالهم بقوله: «هو الطهور ماؤه» وذهب أصحاب الرأي إلى أن الطهور هو الطاهر في قوله سبحانه وتعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِن السَّمَاءِ مَاءً طَهُوْرًا} الفرقان: 48، حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة، مثل الخل وماء الورد والريق، ونحوها، وجوز الأصم الوضوء بها، وعند بعضهم: الطهور: ما يتكرر منه التطهير، كالصبور: اسم لمن يتكرر منه الصبر، وكالشكور: اسم لمن يتكرر منه الشكر والصبر، وهو قول مالك؛ ولهذا جوز الوضوء بالماء المستعمل.
وفيه: دليل على أنَّ حكم جميع أنواع حيوان البحر إذا ماتت سواء في الحل، وهو ظاهر القرآن، قال الله -سبحانه وتعالى-: {أُحِلَّ لَكُم صَيْدُ البَحْرِ} المائدة: 96. شرح السنة (2/ 56-57).
وقال العيني -رحمه الله-:
يستفاد من هذا الحديث فوائد:
يجب على كل أحد أن يسأل أهل العلم عما لا يعلمه، أو يتردد فيه.
فيه دليل على أنَّ السمك لا ذبح فيه؛ لإطلاق اسم الميتة عليه. شرح أبي داود (1/ 233-231).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الحديث فوائد:
ومنها: أنَّ الماء إذا خالطه ما أزال عنه اسم الماء المطلق لم تَجُزْ الطهارة به، هذا مذهب الشافعي والجمهور، وجوَّزه أبو حنيفة، وموضع الدلالة للجمهور أنه شكّوا في جواز الطهارة بماء البحر من أجل ملوحته، فسألوا عنه؛ فلو لم يكن التغير في الجملة مؤثِّرًا لم يسألوا. الإيجاز (ص: 348- 353).
وقال الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله-:
يُستفاد من الحديث: حرص الصحابة -رضي الله عنهم- على العِلم والفتوى. شرح كتاب الطهارة من بلوغ المرام(ص: 3).


إبلاغ عن خطأ