الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«قلنا: يا رسول الله، ألا نَبْنِي لك بيتًا يُظِلُّك بمنى؟ قال: لا، ‌منى ‌مُنَاخُ ‌من سَبَق».


رواه أحمد برقم: (25718)، وأبو داود برقم: (2019)، والترمذي برقم: (881)، وابن ماجه برقم: (3006)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
صحيح الجامع برقم: (6620)، تخريج أحاديث إصلاح المساجد من البدع والعوائد (ص202).


غريب الحديث


«‌مُنَاخُ»:
المُناخُ، بالضم: مَبْرَكُ ‌الإبل. القاموس المحيط (ص262).
قال الفتني -رحمه الله-:
هو موضع إناخة البعير. مجمع بحار الأنوار (5/ 649).


شرح الحديث


قوله: «قلنا: يا رسول الله»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قلنا» أي: معشر الصحابة. مرقاة المفاتيح (5/ 1818).

قوله: «ألا نبني لك بيتًا يظلك بمنى؟»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«أَلَا» الهمزة في «ألا» للاستفهام، و«لا» للنفي. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 314).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أَلَا» معناها: الطلب من غير حثٍّ، قال ابن مالك: ولا يليها غالبًا إلا فعل ظاهر. شرح سنن أبي داود (9/ 187).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ألا نبني» بصيغة المتكلم. مرقاة المفاتيح (5/ 1818).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«لك بناءً» أعم من أن يكون مِن لِبْنٍ أو قَصَبٍ أو خيمة. شرح المصابيح (3/ 301).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«يُظِلُّك» أي: يوقع ظله عليك، ويقيك من حر الشمس...، يعني: أفتأذن أن نبني لك بيتًا في منى؛ ليكون ذلك أبدًا تسكن فيه؟. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 314).

قوله: «قال: لا‌، منى ‌مُنَاخ ‌من سبق»:
قال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«قال: لا» أي: لا تبنوا لي بناء بمنى. تحفة الأحوذي (3/ 529).
قال المظهري -رحمه الله-:
لأن منى ليس مختصًا بأحد، وإنما هو موضع العبادة من الرمي وذبح الهدي والحلق وغيرها من العبادات. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 314).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
وإنما هو موضع العبادة من الرمي وذبح الهدي والحلق وغيرها من العبادات، فلو أجاز البناء، لكثرت الأبنية، ويضيق المكان. شرح المصابيح (3/ 302).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«مِنَى» بكسر الميم: البقعة المعروفة من بقاع المناسك. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 434).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «مُنَاخ» بضم الميم، وبالخاء المعجمة، قال أبو حاتم: مُناخ الإبل بضم الميم، ولا يقال بفتحها.
قلتُ: لأنه اسم موضع، مِن أناخ إبله: إذا أبركها. نخب الأفكار (12/ 59).
وقال المظهري -رحمه الله-:
المُناخ: موضع إناخة الإبل، أي: إبراكها. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 314).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«منى مُنَاخ من سبق» من الحاج وغيرهم. فيض القدير (6/ 244).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«مُنَاخ من سبق» إليه، أي: أنها أرض مباحة لا يحل لأحد يحجزها والبناء تملكًا لها، بل هي مناخ من سبق إليها، فهو أولى بها، لا يحل لأحد الاستئثار بها على أحد. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 434-435).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
من سبق إلى مكان من أراضي مكة فهو أحق بالنزول فيه بدوابه ومتاعه من غيره كما في المواضع التي يتعلق بها حقوق المسلمين كالطرق والمواضع التي تصلح لصلاة العيد خارج الأمصار، فلا يصح تملكها لأحد ولا شراؤها ولا إجارتها، ولعل أبا حنيفة إنما منع من بيع دورها لاعتقاده أنها فُتحت عنوة. شرح سنن أبي داود (9/ 188).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
يقتضي بظاهره ألا استحقاق لأحد بمنى إلا بحكم الإناخة بها لقضاء النسك في أيامها، ثم يبني بعد ذلك بها، ولكن في غير موضع النسك، ثم خربت فصارت قفرًا، وكنت أرى بمدينة السلام يوم الجمعة كل أحد يأتي بحصيره وخُمْرَتِه فيفرشها في جامع الخليفة، فإذا دخل الناس إلى الصلاة تحاموها حتى يأتي صاحبها فيصلي عليها، فأنكرت ذلك، وقلت لشيخنا فخر الإسلام أبي بكر الشاشي: أيوطن أحد في المسجد وطنًا، أو يتخذ منه مسكنًا؟ قال: لا، ولكن إذا وضع مصلاه كان أحق بذلك الموضع من غيره، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «منى مُناخ من سبق»، فإذا نزل رجل بمنى ثم خرج لقضاء حوائجه لم يجز لأحد أن ينزع رحله لمغيبه منه، قال ابن العربي: وهذا أصل في جواز كل مباح للانتفاع به خاصة الاستحقاق والتملك. عارضة الأحوذي (4/ 111-112).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قد يحتج بهذا من لا يرى دُور مكة مملوكة لأهلها، ولا يرى بيعها، وعقد الإجارة عليها جائز.
وقد قيل: إن هذا خاص للنبي -صلى الله عليه وسلم- وللمهاجرين من أهل مكة، فإنها دار تركوها لله تعالى، فلم يَرَ أن يعودوا فيها فيتخذوها وطنًا أو يبنوا فيها بناء، والله أعلم. معالم السنن (2/ 221-222).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا الخطابي:
هذا التعليل يخالف تعليله -صلى الله عليه وسلم- مع أن منى ليست دارًا هاجروا منها. مرقاة المفاتيح (5/ 1818).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله- معلقًا:
قلتُ: عدم جواز بيع أرض الحرم وبيوت مكة وإجارتها هو مذهب أبي حنيفة ومحمد والثوري، وإليه ذهب عطاء ومجاهد، ومالك وإسحاق، وأبو عبيد، وذهب أبو يوسف والشافعي وأحمد وطاوس وعمرو بن دينار وابن المنذر إلى الجواز، واحتج الأولون بحديث عائشة هذا، وما أجيب به من اختصاص ذلك بالنبي -صلى الله عليه وسلم- والمهاجرين فلا يخفى ما فيه، فإن الخصوصية لا تثبت بالادعاء. مرعاة المفاتيح (9/ 188).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قال الروياني: يُكره بيع أراضي مكة وإجارتها؛ للخروج من الخلاف، ونازعه المصنف في شرح المهذب، فقال: إنه خلاف الأولى، والأول هو المنصوص، فقد حكى العبادي في طبقاته عن الجندي عن الشافعي: أنه كره شراء أراضي مكة؛ لأن أكثر فصولها وقف.
واعلم أن تبويب المصنف (أبي داود) وكلام الخطابي أن هذا الحديث يَحتج به من لا يرى دور مكة مملوكة لأهلها، يدل على أن هذا الحديث المراد به أرض مكة، وليس في الحديث ما يدل على ذلك.
ويحتمل: أن يكون هذا الحكم في أرض منى، فإن أصحابنا (الشافعية) قالوا: إنَّ منى لا تُملك بالإحياء؛ لاختصاصها بمنافع المسلمين كعرفة، ولا تتهيأ عمارتها ولا بعضها؛ لئلا تضيق على المسلمين، وإن أثبتنا حق الوقوف بها والمبيت والإقامة؛ لأن الوقوف والإقامة سريعَا الزوال، بخلاف البناء، ويدل لذلك ما رواه الترمذي، عن وكيع، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه مسيكة، عن عائشة قالت: «قلنا: يا رسول الله، ألا نبني لك بيتا يظلك بمنى؟ قال: لا، منى مُناخ من سبق»، وقال: حديث حسن، وبوَّب عليه باب: ما جاء أن منى مُناخ من سبق.
وهذا صريح في المراد، ولعل الخطابي إنما ذكر حكم مكة بناء على تبويب المصنف فتبعه في ذلك، والله أعلم. شرح سنن أبي داود (9/ 188-189).
وفي الموسوعة الفقهية الكويتية:
وقِيس على ذلك نمرة؛ لأنه يُسن للحاج أن يستقر بها قبل الزوال من يوم عرفة، كما قِيس بها المحصَّب؛ لأنه يُسَن للحجاج إذا نفروا من منى أن يبيتوا فيه، وعلى هذا فالتصرف في أرض المناسك لا يتأتى؛ لأنها لا تُملك بالإحياء. الموسوعة الفقهية الكويتية (3/ 116).
وقال الرملي -رحمه الله-:
ولا يلحق بهما المحصب كما أفاده الولي العراقي، وإن استحب للحاج بعد نفره المبيت به؛ لأنه ليس من المناسك، ولا يقدح في ذلك كونه تابعًا لها، وقد عمَّت البلوى بالبناء بمنى وصار ذلك مما لا يُنكر، فيجب على ولي الأمر هدم ما فيها من البناء، والمنع من البناء فيها. نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (5/ 338).
وقال محمد علي بن حسين المكي -رحمه الله-:
منى لا ملك لأحد فيها، وليس لأحد أن يحجر فيها موضعًا يحوزه له إلا أن ينزل منها منزلًا فيختص به حتى يفرغ من منسكه ويخرج منها، والأصل في ذلك ما روته عائشة -رضي الله عنها- (وذكر حديث الباب)، وهذا يمنع أن يحجر أحد فيها بنيانًا إلا أن يكون نازلًا بالبنيان الذي بها، ثم وإن كان بها كُرِهَ له أيضًا، قال مالك في الموازية: لأنه تضييق على الناس، وكره إجارة البنيان الذي بها، والله أعلم. تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية (4/ 24).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه: دليل على أنه لا يتحجر أحد منها محلًّا في منى، بل كل من سبق إلى محل فهو أولى به. التحبير لإيضاح معاني التيسير (3/ 492).
وقال السمرقندي –رحمه الله-:
الإحياء: أن يبني ثمة بناء أو يحفر نهرًا أو يجعل للأراضي مُسَنَّاة (ما يُبنى للسيل ليَرُدَّ الماء) ونحو ذلك، أما إذا وضع أحجارًا حولها وجعل ذلك حدًّا فإنه لا تصير ملكًا له، ولكن يكون هو أحق بالانتفاع بها بسبقِ يده على ما روي «منى مُناخ مَن سَبَقَ». تحفة الفقهاء (3/ 322)
وقال العمراني -رحمه الله-:
ويجوز القعود بمقاعد الأسواق، ورِحاب المساجد، والطرق الواسعة للبيع والشراء بإجماع الأمَّة على جواز ذلك.
فإن سبق رجل إلى شيء من هذه المواضع كان أحق به؛ لقوله – صلى الله عليه وسلم-: «منى مناخ من سبق». البيان في مذهب الإمام الشافعي (7/ 490).
وقال ابن قدامه -رحمه الله-:
وما كان من الشوارع والطرقات والرحاب بين العمران فليس لأحد إحياؤه، سواء كان واسعًا أو ضيقًا، وسواء ضيَّق على الناس بذلك أو لم يضيق؛ لأن ذلك يشترك فيه المسلمون، وتتعلق به مصلحتهم، فأشبه مساجدهم. ويجوز الارتفاق بالقعود في الواسع من ذلك للبيع والشراء، على وجه لا يضيق على أحد، ولا يضر بالمارة؛ لاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار على إقرار الناس على ذلك، من غير إنكار، ولأنه ارتفاق مباح من غير إضرار، فلم يمنع منه، كالاجتياز، قال أحمد في السابق إلى دكاكين السوق غدوة: فهو له إلى الليل. وكان هذا في سوق المدينة فيما مضى.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «منى مناخ من سبق». وله أن يظلل على نفسه بما لا ضرر فيه، من بارية، وتابوت، وكساء، ونحوه؛ لأن الحاجة تدعو إليه من غير مضرة فيه. وليس له البناء لا دكَّة ولا غيرها؛ لأنه يضيق على الناس، ويعثر به المارة بالليل، والضرير في الليل والنهار، ويبقى على الدوام، فربما ادعى ملكه بسبب ذلك. والسابق أحق به ما دام فيه، فإن قام وترك متاعه فيه، لم يجز لغيره إزالته؛ لأن يد الأول عليه، وإن نقل متاعه، كان لغيره أن يقعد فيه؛ لأن يده قد زالت.
وإن قعد وأطال مُنع من ذلك؛ لأنه يصير كالمتملك، ويختص بنفعٍ يساويه غيره في استحقاقه. ويحتمل أن لا يزال؛ لأنه سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم. وإن استبق اثنان إليه احتمل أن يقرع بينهما، واحتمل أن يقدم الإمام من يرى منهما. وإن كان الجالس يُضَيِّق على المارة لم يحل له الجلوس فيه، ولا يحل للإمام تمكينه بعوض، ولا غيره. المغني لابن قدامة (5/ 426)
وقال أبو الفرج الحنبلي -رحمه الله-:
قال أحمد: وأما البناء بمكة فإني أكرهه، قال إسحاق: البناء بمكة على وجه الاستخلاص لنفسه لا يحل، وقد روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قيل له: ألا تبني لك بمنى بيتًا؟ فقال: «منى مناخ من سبق». الشرح الكبير على متن المقنع (4/ 21).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
ولم يكن بمنى أحد ساكنًا في زمنه؛ ولهذا قال: «مِنى مناخ من سبق»، ولكن قيل: إنها سُكنت في خلافة عثمان، وإنه بسبب ذلك أتم عثمان الصلاة؛ لأنه كان يرى أن المسافر من يحمل الزاد والمزاد. مجموع الفتاوى (26/ 131)
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فالحرم ومشاعره كالصفا والمروة، والمسعى ومنى، وعرفة، ومزدلفة، لا يختص بها أحد دون أحد، بل هي مشتركة بين الناس؛ إذ هي محل نسكهم ومتعبدهم فهي مسجد من الله، وقفه ووضعه لخلقه، ولهذا امتنع النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُبنى له بيت بمنى، يظلُّه من الحر، وقال: «منى مناخ من سبق»؛ ولهذا ذهب جمهور الأئمة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز بيع أراضي مكة، ولا إجارة بيوتها، هذا مذهب مجاهد وعطاء في أهل مكة، ومالك في أهل المدينة، وأبي حنيفة في أهل العراق، وسفيان الثوري، والإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 382)
وقال الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله-:
لكن إذا رأى ولي الأمر في مثل مِنى اليوم كما هو موجود أنها لا تستقيم بأن يَسبق بعض الناس إليها؛ لأجل ما قد جرى من أن بعض الناس يسبق ويأخذ ما ليس له، وهو لا يريد العبادة، وإنما يريد أشياء أخر، فأمر الناس بشيء آخر موافق للمصلحة العامة، هذا يتبع الاجتهاد الشرعي فيما يجتهد فيه أهل العلم، ويُقِرُّه ولي الأمر بما فيه مصلحة الناس في العبادة لا في الدنيا. شرح البخاري (18/ 579).
وقال ابن عثيمين -رحمه الله-:
(لكن) إذا حجز الناس في مِنى فاحجز؛ لأنه لو لم تفعل ما وجدتَ مكانًا، لو أن الناس كلهم اتقوا الله -عز وجل- وتركوا الحجز وصار مَن سَبَق فهو أحق فهذا هو الخير؛ لكن الآن يحصل العكس؛ إلا أنه بحمد الله في ظني أن ما حصل أخيرًا من الحملات التي تأخذ أرضًا بإذن المسؤولين عن توزيع الأراضي هي أهون بكثير من الحجز؛ لأنه بذلك تكون البقاع منظَّمة، وكل إنسان يعرف مكانه. لقاء الباب المفتوح (3/ 23).


إبلاغ عن خطأ