«قد عَفَوْتُ عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقَّة، مِن كُل أربعين دِرهمًا دِرهمًا، وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بَلغت مائتين ففيها خمسة دَراهم».
رواه أحمد برقم: (711)، وأبو داود برقم: (1574)، والترمذي برقم: (620)، من حديث علي-رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند أحمد برقم: (913)، والنسائي برقم: (2478) «قد عَفَوتُ عن الخيل والرقيق، وليس فيما دون مائتين زكاة».
وفي لفظ عند أحمد برقم: (1269): «عفَوت عن الخيل والرقيق في الصَّدقة».
وفي لفظ عند النسائي برقم: (2477) «فأَدُّوا زكاة أموالكم من كُل مائتين خمسة».
صحيح سنن أبي داود برقم: (1406)، صحيح سنن النسائي برقم: (2322 ، 2323).
غريب الحديث
«الرَّقيق»:
الرِّق: بالكسر، من المِلْك، وهو العبودية، والرِّق أيضًا: الشيء الرقيق. الصحاح، للجوهري (4/ 1483).
«الرِّقة»:
الرِّقة: الفضة. جمهرة اللغة، لابن دريد (2/ 797).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «قد عَفَوْتُ عن الخيل والرقيق» وفي لفظ: «عفَوتُ عن الخيل والرقيق في الصَّدقة»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«الخيل»... اسم يقع على جماعة الأفراس، لا واحد له من لفظه، ويعم الذَّكَر والأنثى، ويُجمع على خيول. التنوير (9/ 258).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«قد عفوتُ عن الخيل والرقيق» أي: تركتُ أخذ زكاتهما، وتجاوزت عنه. شرح المصابيح (2/ 422).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«قد عفوت عن الخيل والرقيق» أقول: هكذا في عبارة الجامع من دون «لكم»، والمراد بالعفو: أنه لا زكاة في الخيل والمماليك. التحبير (4/ 475).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «الرقيق» اسم يقع على العبيد والإماء. التحبير (4/ 513).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «قد عفوت» يُشعِر بسبقِ ذنب من إمساك المال عن الإنفاق...، وذِكرُ الخيل والرقيق ليس للاختصاص، بل للاستيعاب، كما في قوله تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} مريم: 62. الكاشف (5/ 1493).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
إنما أَسقط الصدقة عن الخيل والرقيق إذا كانت للركوب والخدمة، فأما ما كان منها للتجارة ففيه الزكاة في قيمتها. معالم السنن (2/ 32).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله «إني قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق» أي: تركت لكم أخذ زكاتها، وتجاوزتُ عنه، وهذا لا يقتضي سبق وجوبه ثم نَسْخِه. الحاشية على سنن ابن ماجه (1/ 546).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
اختلف الناس في وجوب الصدقة في الخيل: فذهب أكثر الفقهاء إلى أنه لا صدقة فيها، وقال حماد بن أبي سليمان: فيها صدقة.
وقال أبو حنيفة: في الخيل الإناث والذكور التي يُطلب نسلها، في كل فرس دينار، وإن شئت قوَّمتها دراهم فجعلت في كل مائتي درهم خمسة دراهم.
وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه أخذ من كل فرس دينارًا.
قلت: وإنما هو شيء تطوَّعوا به لم يُلزمهم عمر إياه، وروى مالك عن الزهري عن سليمان بن يسار أن أهل الشام عرضوه على أبي عبيدة، فأبى، ثم كلموه فأبى، ثم كتب إلى عمر في ذلك، فكتب إليه: إنْ أحبوا فخذها منهم، وارددها عليهم، وارزق رقيقهم. معالم السنن (2/ 32).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
لا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار أوجب الزكاة في الخيل إلا أبا حنيفة، فإنه أوجبها في الخيل السائمة، فقال: إذا كانت ذكورًا وإناثًا ففيها الصدقة، في كل فرس، وإن شاء قوَّمها وأعطى من كل مائتي درهم خمسة دراهم، وحجته ما يروى عن عمر في ذلك. الاستذكار (3/ 238).
وقال الكاساني الحنفي -رحمه الله-:
أما حكم الخيل: فجملة الكلام فيه أن الخيل لا تخلو إما أن تكون عَلوفة أو سائمة، فإن كانت علوفة بأن كانت تُعلف للركوب، أو للحمل، أو للجهاد في سبيل الله، فلا زكاة فيها؛ لأنها مشغولة بالحاجة، ومال الزكاة هو المال النامي الفاضل عن الحاجة...، وإن كانت تُعلف للتجارة، ففيها الزكاة بالإجماع؛ لكونها مالًا ناميًا فاضلًا عن الحاجة؛ لأن الإعداد للتجارة دليل النماء والفضل عن الحاجة، وإن كانت سائمة: فإن كانت تُسام للركوب والحمل أو للجهاد والغزو فلا زكاة فيها لما بيَّنا، وإن كانت تُسام للتجارة ففيها الزكاة بلا خلاف، وإن كانت تسام للدرِّ والنَّسل فإن كانت مختلطة ذكورًا وإناثًا فقد قال أبو حنيفة: تجب الزكاة فيها قولًا واحدًا، وصاحبها بالخيار إن شاء أدى من كل فرس دينارًا، وإن شاء قوَّمها وأدَّى من كل مائتي درهم خمسة دراهم، وإن كانت إناثًا منفردة ففيها روايتان عنه، ذكرهما الطحاوي، وإن كانت ذكورًا منفردة، ففيها روايتان عنه أيضًا ذكرهما الطحاوي في الآثار، وقال أبو يوسف ومحمد: لا زكاة فيها كيفما كانت، وبه أخذ الشافعي، احتجوا بما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «عفوتُ لكم عن صدقة الخيل والرقيق إلا أن في الرقيق صدقة الفطر».
وروي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة»، وكُل ذلك نصٌّ في الباب، ولأن زكاة السائمة لا بد لها من نصاب مقدَّر كالإبل والبقر والغنم، والشرع لم يرد بتقدير النصاب في السائمة منها، فلا يجب فيها زكاة السائمة كالحمير. بدائع الصنائع (2/ 34).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أجمع العلماء على أن لا زكاة على أحد في رقيقه إلا أن يكون اشتراهم للتجارة، فإن اشتراهم للقُنية فلا زكاة في شيء منهم. الاستذكار (3/ 236).
وقال العظيم آبادي -رحمه الله-:
استدل به من قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة فيهما مطلقًا ولو كانا للتجارة، وأجيبوا بأن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع، كما نقله ابن المنذر، وغيره، فيُخص به عموم هذا الحديث، والله أعلم. عون المعبود (4/ 339).
قوله: «فهاتوا صدقة الرِّقة، من كل أربعين درهمًا درهمًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فهاتوا» أي: أعطوا، مِن هاتاه مُهَاتاةً، أي: أعطاه، يقال: هات يا رجل: أي: أعط، وهاتي يا امرأة، وما أهاتيك، أي: ما أنا بمعطيك، «صدقة الرِّقَة» بكسر الراء، وتخفيف القاف، أي: زكاة الفضة «من كل أربعين درهمًا درهمًا» أي: إذا بلغت الدراهم النصاب، وقال الخطابي: هذا تفصيل لجملة قد تقدم بيانها في حديث أبي سعيد الخدري، وهو قوله: «ليس فيما دون خمس أواق شيء» وتفصيل الجملة لا يناقض الجملة. مرعاة المفاتيح (6/ 135).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«الرِّقَة» بكسر الراء وتخفيف القاف: الفضة الخالصة، سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة، قيل: أصلها الورِق، فحذفت الواو وعوضت الهاء، وقيل: يطلق على الذهب والفضة بخلاف الورِق. فتح الباري (3/ 321).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فهاتوا» مُؤذِن بالتخفيف، يعني: أن الأصل فيما يملكه الإنسان من الأموال أن يُزكى، وقد عفوتُ عن الأكثر، فهاتوا هذا النزر القليل...، قوله: «من كل أربعين درهمًا درهمًا» معناه: من كان له مال فليزكِّ على هذا النسق. الكاشف (5/ 1493).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
في قوله: «فهاتوا» دون أَخْرِجُوا، أو اصرفوا؛ دلالة على أن ولايتها إلى الأئمة. التنوير (8/ 57).
قوله: «وليس في تسعين ومائة شيء»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «وليس في تسعين ومائة شيء» إلى آخره، بيان للنصاب. الكاشف (5/ 1493).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وليس في تسعين ومائة شيء» ولا في أقل من مائتين ولو بحبة. شرح سنن أبي داود (7/ 498).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وليس في تسعين ومائة شيء» يجب عليكم إخراجه لحكمة يعلمها الله تعالى، وإلا فإنه قد أوجب في الأربعين. التنوير (8/ 57).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فإذا لم تكن» أي: الفضة «إلا تسعين ومائة» يوهم أنها إذا زادت على التسعين ومائة قبل بلوغ المائتين أن فيها صدقة، وليس كذلك، وإنما ذكر التسعين؛ لأنه آخر عقدٍ قبل المائة، والحساب إذا جاوز الآحاد كان تركيبه بالعقود كالعشرات والمئين والألوف، فذِكر التسعين؛ ليدل على أن لا صدقة فيما نقص عن المائتين، ويدل عليه قوله الماضي: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة». فتح الباري (3/ 321).
قوله: «فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإذا بلغت» أي: الرِّقة «مائتين» فقط أي: بعد حول، أي: الواجب «خمسة دراهم». مرقاة المفاتيح (4/ 1288).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم» مذهبنا (الشافعية) ومذهب جمهور العلماء كافة أن الاعتبار في نصاب الذهب والفضة بالوزن لا بالعدد، وحكى صاحب الحاوي وغيره من أصحابنا عن البصري وبشر المريسي المعتزلي أن الاعتبار بمائتي درهم عددًا لا وزنًا، حتى لو كان معه مائة درهم عددًا ووزنها مائتان لا شيء فيها، وإن كانت مائتان عددًا ووزنها مائة وجبت الزكاة، قال الأصحاب: هذا غلط منهما مخالفٌ للنصوص والإجماع. شرح سنن أبي داود (7/ 499).
وقال الشيخ عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«فإذا بلَغَت» أي الرِّقة، وقيل: أي: الدراهم «مائتين ففيها خمسة دراهم» أي: الواجب فيها خمسة دراهم، بعد حولان الحول. مرعاة المفاتيح (6/ 135).
قوله في لفظ: «فأدُّوا زكاة أموالكم من كُل مائتين خمسة»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
أي: من كُلّ مائتي درهم خمسة دراهم. ذخيرة العقبى(22/١٧٥).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
لا يخفى أن هذا الحديث ليس مما اشتركت فيه أنواع الأموال إلا بتأويل الاشتراك نفيًا وإثباتًا؛ لأنه ليس فيه من أنواعها إلا الخيل والرقيق والرِّقة، والأوَّلان أفاد الحديث نفي الزكاة فيهما، والثالث إثباتها فيه. التحبير (4/ 475).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
والحديث دليل على عدم وجوب الزكاة في الخيل والرقيق مطلقًا، لأن "أل" في كلٍّ من "الخيل"، و"الرقيق" للجنس، وهو مذهب الجمهور، وخالف في ذلك حماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، وزفر، وروي عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه-، فقالوا: تجب الزكاة في الخيل على تفصيل فيه. ذخيرة العقبى(22/١٧٥).