كَسَفَتِ الشمسُ على عهدِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومَ ماتَ إبراهيمُ، فقال الناس: كَسَفَتِ الشمسُ لموتِ إبراهيمَ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ الشمسَ والقمرَ لا يَنكَسِفَانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِهِ، فإذا رأيتُم فصلُّوا وادْعُوا اللهَ».
رواه البخاري برقم: (1043) واللفظ له، ومسلم برقم: (915)، من حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ لهما: «إن الشمس والقمر آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ...».
وزاد مسلم: «فادعوا الله وصلُّوا حتى تنكشف» وفي رواية له برقم: (904)، من حديث جابر -رضي الله عنه-: «حتى تَنْجِلي».
غريب الحديث
«كَسَفَتِ»:
الكسوف والخسوف: عبارة عن انمحاء ضوء الشمس والقمر. الشافي في شرح مسند الشافعي، لابن الأثير (2/ 310).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
والكسوف لغة: التغير إلى سواد، ومنه كَسَفَ وجهُه وحالُه، وكسفت الشمس: اسودَّت وذهب شعاعها. فتح الباري (2/ 526).
شرح الحديث
قوله: «كَسَفَتِ الشمسُ على عهدِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومَ ماتَ إبراهيمُ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله «إبراهيم» بن النبي -صلى الله عليه وسلم- من مارية القبطية سُرِّيَّته (أَمَتُهُ)، ولد بالمدينة في ذي الحجة سنة ثمان، ومات في ذي الحجة سنة عشر، ودُفن بالبقيع، ويقال: إن وفاته كانت يوم الثلاثاء لعشر ليال خَلَوْنَ من ربيع الأول سَنة عشر. الكواكب الدراري (6/ 129).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «يوم مات إبراهيم» يعني: ابن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة، فقيل: في ربيع الأول، وقيل: في رمضان، وقيل: في ذي الحجة، والأكثر على أنها وقعت في عاشر الشهر، وقيل: في رابعه، وقيل: في رابع عشرة، ولا يصح شيء منها على قول ذي الحجة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذ ذاك بمكة في الحج، وقد ثبت أنه شهد وفاته وكانت بالمدينة بلا خلاف، نعم قيل: إنه مات سنة تسع، فإن ثبت يصح، وجزم النووي بأنها كانت سنة الحديبية، ويجاب بأنه كان يومئذ بالحديبية ورجع منها في آخر الشهر. فتح الباري (2/ 529).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
ولا شك أن مدلول الكسوف لغةً غير مدلول الخسوف؛ لأن الكسوف التغيُّر إلى سواد، والخسوف النقصان أو الذلُّ، ومن الواضح أن ظاهرة الكسوف أو الخسوف للشمس والقمر يجتمع فيها الأمران، التغير إلى سواد ونقصان الضوء أو زواله. لكن العلماء -والفقهاء منهم خاصة- اختلفوا في استعمال كلٍّ من اللفظين، فاشتهر عن كثير منهم استعمال الكسوف للشمس، والخسوف للقمر ويستأنسون بقوله تعالى: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} القيامة: 8...
والتحقيق: استعمال الكسوف والخسوف مع كلٍّ مِن الشمس والقمر، فقد استعمل كلٌّ من اللفظين مع الشمس في أحاديثنا، واستعمال القرآن للخسوف مع القمر لا يمنع من استعماله مع الشمس، ولا يمنع من استعمال الكسوف مع القمر.
وقيل: بالكاف مع ابتداء الظاهر، وبالخاء في انتهائها. وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء، وبالخاء لذهاب بعضه.
وقد ثبت علميًا أن القمر يستمد نورَه مِن ضوء الشمس، كمرآة يقع عليها الضوء فتعكسه، ويخيَّل للناظر أنها مضيئة، والحقيقة أن القمر جسم مظلم، كما أن الأرض كذلك، ولو أن إنسانًا على سطح القمر، على الجزء غير المواجه للشمس، فكان في ليل القمر، لو أنه نظر إلى سطح الأرض المواجه للشمس لرأى الأرض مضيئة، كما يرى أهل الأرض سطح القمر المواجه للشمس.
ولما كان الكل في فلك يسبحون بخلق الله وحكمته وإرادته، ولما كان قانونه الذي أودعه في الكون -جل شأنه- يقضي بأن تقع الأرض أحيانًا بين الشمس والقمر، فتحجب ضوء الشمس عن القمر كله أو بعضه، وبأن يقع القمر أحيانًا بين الشمس والأرض، فيحجب ضوء الشمس عن رؤية أهل بقعة من الأرض، لَمَّا كان الأمر كذلك وقعت ظاهرة كسوف الشمس والقمر لأهل الأرض.
فكسوف القمر حجَبَ ضوء الشمس عنه كلًّا أو بعضًا، فيصبح هذا الجزء من القمر مظلمًا حقيقة.
أما كسوف الشمس فهو الحيلولة بين وصول ضوئها إلى هذه البقعة من الأرض مع بقاء ضوء الشمس فيها، وفيما بينها وبين القمر، فكسوفها ظاهري لا حقيقي. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (4/ 160- 161).
قوله: «فقال الناس: كَسَفَتِ الشمسُ لموتِ إبراهيمَ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفيه أنه ليس في قولهم: «كسفت لموت إبراهيم» ما يوجب تكفير قائله؛ لأنه لم يجعل الفعل في ذلك لغير الله، وإنما قال ذلك القائل: إنهما كالدليل والعلامة، فكذَّب ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأن كسوفهما ليس إلا لما ذكره. إكمال المعلم (3/ 333).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم» بناء على عقيدة سائدة عندهم هي: أن الشمس تنكسف لموت العظيم أو القمر، معلوم أن ابن النبي -عليه الصلاة والسلام- من أعظم الناس فقالوا: كسفت الشمس لموته؛ بناء على هذه العقيدة، واللام في قوله: «لموته» لماذا؟ للتعليل لموت إبراهيم. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 419).
قوله: «فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ الشمسَ والقمرَ لا يَنكَسِفَانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِهِ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
معنى هذا الكلام وتأويله: أنهم كانوا في الجاهلية يزعمون أن كسوف الشمس والقمر يوجب حدوث تغييرات في العالم من موت وضرر ونقص ونحو ذلك من الأمور على ما يذهب إليه أهل التنجيم من إعطائها الأحكام، وزعمهم أن هذه الأجسام السفلية مربوطة بالنجوم، وأن لها فعلًا وتأثيرًا فيها، فأَعْلَمَهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الذي كانوا يتوهمونه من ذلك باطل، وأن خسوف الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى يُريهما خلقه؛ ليعلموا أنهما خلقان مسخران لله -عز وجل- ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما، وأنهما لا يستحقان أن يُعْبَدا، فيُتَّخَذا إلهين، وهو معنى قوله -عز وجل-: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} فصلت: 37، وأمر عند كسوفها أن يُفزع إلى الصلاة والسجود لله الذي يستحق العبادة والسجود دونهما؛ إبطالًا لقول الجهال الذين يعبدونهما، وإفسادًا لمذاهبهم في عبادتها، والله أعلم.
وقد يحتمل أن يكون المعنى في الأمر بالصلاة عند الكسوف: الفزع إلى الله -عز وجل-، والتضرع له في دفع الضرر والآفات التي تتوهمها الأنفس، وتتحدث بها الخواطر؛ تحقيقًا لإضافة الحوادث كلها إلى الله تعالى، ونفيًا لها عن الشمس والقمر، وإبطالًا لأحكامها والله أعلم.
وقد قيل فيه وجه ثالث: وهو أنهما آيتان من آيات الله الدالة على قرب زمان الساعة، وأمارتان من أماراتها وأشراطها المتقدمة لها كما قد قال مخبرًا عن خسوفهما في القيامة: {فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} القيامة: 7- 9، وقد يكون ذلك أيضًا أنه يخوِّف بهما الناس؛ ليفزعوا إلى التوبة والاستغفار من الزلل والخطايا، ودليل ذلك: قوله عز وجل: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} الإسراء: 59. أعلام الحديث (1/ 610- 612).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقوله: «إن الشمس والقمر...»: خصهما بهذا وكل شيء له آية لمعان كثيرة:
منها: نفي ما كان تعتقده الجاهلية فيهما...
وأيضًا: فلما كان كثير من الكفرة يعتقد فيهما من التعظيم؛ لأنهما أعظم الأنوار الظاهرة، حتى ارتقى الحال ببعضهم إلى عبادتهما، وقال جماعة من الضُّلَّال بتأثيرهما في العالم، فأعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهما آيتان على حدوثهما، وتفصيهما عن هذه المرتبة؛ لطروء التغير والنقص عليهما، وإزالة نورهما الذي به عَظُما في النفوس عنهما.
وأيضًا: فلمَّا جاء أن القيامة تكون وهما مكسوفان؛ ولهذا -والله أعلم- جاء في الحديث الآخر: «فقام فزعًا يخشى أن تكون الساعة» فقيل: في هدا آيتان على قيام الساعة إكمال المعلم (3/ 333).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ولا لحياته» استُشكلت هذه الزيادة؛ لأن السياق إنما ورد في حق مَن ظنَّ أن ذلك لموت إبراهيم ولم يذكروا الحياة؟
والجواب: أن فائدة ذكر الحياة دفع توهم من يقول: لا يلزم مِن نفي كونه سببًا للفقد ألا يكون سببًا للإيجاد، فعمَّم الشارع النفي؛ لدفع هذا التوهم. فتح الباري (2/ 528).
قوله: «فإذا رأيتُم فصلُّوا وادْعُوا اللهَ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
والمعنى: إذا رأيتم كسوف كلٍّ منهما لاستحالة وقوع ذلك فيهما معًا في حالة واحدة عادة، وإن كان ذلك جائزًا في القدرة الإلهية. فتح الباري (2/ 528).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«وصلُّوا» وتسويته في ذلك بين الكسوفين، ذهب إلى هذا من رأى أن حكم صلاتهما واحد في الهيئة والتجميع وهو الشافعي وجماعة فقهاء أصحاب الحديث، وروي عن جلة من الصحابة، ووافقهم الليث وعبد العزيز، ولكنهما لم يريا في ذلك تجميعًا، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن الصلاة فيها ركعتان كسائر النوافل، يصليها الناس أفذاذًا، ولا يجمعون، وأجاز أشهب التجميع فيها، واختلف عن مالك في الخروج لصلاتها إلى الجامع، والمعروف عنه أن الناس لا يُلزمون ذلك؛ لما فيه من المشقة وظلمة الليل، وحجتهم في هذا كله: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما جمع وسن صلاة الكسوف للشمس، وبقي أمره بالصلاة لكسوف القمر على المعهود من سائر صلاة النوافل، وقد استدل قوم بعموم قوله: «آيتان من آيات الله، فإذا رأيتم ذلك فصلوا» «وإذا رأيتموهما» على لزوم ذلك من سائر الآيات من الزلازل، والصواعق، والهاد (الريح الخفيفة اللينة)، والرياح الشديدة، والظُّلْمة في الأفق، وشبهه من الآيات، فذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور وأشهب من أصحابنا إلى الصلاة عند ذلك، وروي عن ابن عباس وابن مسعود، وذهب مالك والشافعي إلى أن ذلك لا يلزم، وحجتهما رفع الاحتمال بتخصيص ذلك بالكسوفين في الروايات الأُخر بقوله: «فإذا رأيتم كسوفًا» و«فإذا كَسَفَا»، واستحسن أصحاب الرأي الصلاة في ذلك فرادى. إكمال المعلم (3/ 353- 355).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقوله: «فصلُّوا»... وهذا يدل على أن وقت الكسوف ينبغي أن يكون معمورًا بالصلاة، فإما بتطويل الصلاة، أو بتعديد الركعات كما تقدم، وهذا الأمر على جهة الندب؛ بدليل: أنه قد تقدَّم أنه -صلى الله عليه وسلم- انصرف منها قبل أن تنجلي الشمس. المفهم (2/ 560).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
بماذا ندعو الله؟ بأن يكشف ما بنا، وقد بين الرسول- عليه الصلاة والسلام- أن من جملة ما ندعو به الله الاستغفار، فندعوه بالاستغفار من الذنوب، وندعوه بأن يكشف ما بنا.
وقوله: «صلوا» هذا مطلق، ولكنه محمول على المقيد، ما هو المقيد؟ أن نصلي الصلاة المعهودة المشروعة في صلاة الكسوف. فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (2/ 420).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
العلماء اختلفوا في وقتها: فقال مالك في المدونة: إنها إنما تُصلى ضحوة النهار، ولا تصلى بعد الزوال، وروى علي بن زياد عنه: لا تُصلى بعد العصر، ولكن يجتمع الناس فيدعون ويتصدقون ويرغبون، وروى عنه ابن وهب أنها تُصلى في وقت صلاة، وإن كان بعد الزوال، وقال ابن حبيب: وهكذا أخبرني ابن الماجشون، ومطرف، وأصبغ، وابن عبد الحكم، وأنكروا رواية ابن القاسم، وبهذا قال الكوفيون: لا تُصلى في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها؛ لورود النهي بذلك، وتُصلى في سائر الأوقات، وهو قول ابن أبي مليكة، وعطاء، وجماعة.
وقال الشافعي: تصلى في كل وقت نصف النهار وبعد العصر، وبعد الصبح، وهو قول أبي ثور، وقالوا: نهيه -صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة بعد الصبح والعصر إنما هو عن النافلة المبتدَأة لا عن المكتوبات والمسنونات. وعند أهل المقالة الأولى النهي عن الصلاة المسنونة كنهيه عن النافلة المبتدأة...
وأما صلاة الكسوف في المسجد فهو الذي عليه العلماء، وذكر ابن حبيب أن للإمام إن شاء أن يصليها في المسجد تحت سقفه أو في صحنه، وإن شاء خارجًا في البراز، وقاله أصبغ. شرح صحيح البخاري (3/ 37- 38).
وقال ابن بطال -رحمه الله-أيضًا:
سنة صلاة الكسوف أن تُصلى جماعة في المسجد كما فعل -صلى الله عليه وسلم- وإن تخلف الإمام عنها فليقدموا من يجمع بهم، هذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وقد صلى عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسليمان التيمي كل واحد منهم بأصحابه. وفي المدونة: يصليها أهل القرى والمسافرون بإمام إلا أن يعجِّل بالمسافرين السير، ويصليها المسافر وحده، وتصليها المرأة في بيتها. وقال أشهب: ومن لم يقدر أن يصليها مع الإمام من النساء والضعفاء فإنهم يصلونها أفذاذًا أو بإمام. وكره أبو حنيفة والثوري أن يجمع النساء، وقالا: يصلين وحدانًا، ولا يجمعهن فيها رجل، وقول من استحب الجماعة فيها للنساء وغيرهن أولى؛ لأن سنتها الجماعة لكل من صلاها فكذلك النساء. شرح صحيح البخاري (3/ 40).
وقال المظهري -رحمه الله-:
فعند الشافعي وأكثر أهل العلم: أن الخسوف إذا تمادى جاز أن يركع في كل ركعة ثلاث ركوعات، وخمس ركوعات؛ فإنه قد روي: أن رسول الله -عليه السلام- صلى ركعتين بعشر ركوعات، وأما السجود لا يزيد على السجدتين في كل ركعة؛ فإن أسرع الانجلاء جاز الاقتصار في كل ركعة على ركوع واحد. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 364).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فالجمهور على أنها (أي: صلاة الكسوف) سنة مؤكدة، وصرح أبو عوانة في صحيحه بوجوبها، ولم أره لغيره إلا ما حكي عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة، ونقل الزين بن المنير عن أبي حنيفة أنه أوجبها، وكذا نقل بعض مصنفي الحنفية أنها واجبة...
«فصلوا وادعوا» فدل على أنه إن سلم من الصلاة قبل الانجلاء يتشاغل بالدعاء حتى تنجلي، وقرره ابن دقيق العيد بأنه جعل الغاية لمجموع الأمرين، ولا يلزم من ذلك أن يكون غاية لكل منهما على انفراده، فجاز أن يكون الدعاء ممتدًا إلى غاية الانجلاء بعد الصلاة، فيصير غاية للمجموع، ولا يلزم منه تطويل الصلاة ولا تكريرها...
«فصلُّوا» استدل به على أنه لا وقت لصلاة الكسوف معين؛ لأن الصلاة عُلِّقت برؤيته وهي ممكنة في كل وقت من النهار، وبهذا قال الشافعي ومن تبعه، واستثنى الحنفية أوقات الكراهة، وهو مشهور مذهب أحمد، وعن المالكية وقتها من وقت حل النافلة إلى الزوال، وفي رواية إلى صلاة العصر، ورجح الأول بأن المقصود إيقاع هذه العبادة قبل الانجلاء، وقد اتفقوا على أنها لا تقضى بعد الانجلاء، فلو انحصرت في وقت لأمكن الانجلاء قبله فيفوت المقصود، ولم أقف في شيء من الطرق مع كثرتها على أنه -صلى الله عليه وسلم- صلاها الضحى لكن ذلك وقع اتفاقًا، ولا يدل على منع ما عداه، واتفقت الطرق على أنه بادر إليها. فتح الباري (2/ 527- 528).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
وفيه: دليل على أنه يُسن عند الكسوف الدعاء بكشفه، وصلاة تخصه، وأنها تُسن جماعة، وعلى أن الكواكب لا فعل لها ولا تأثير، خلافًا لمن زعم أنها تؤثر وأن كسوف الشمس والقمر إنما يكون لموت عظيم، ففي الحديث رَدُّ عليهم. فتح العلام (ص: 285).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
ففيه (الكسوف) سبع فوائد:
أحدها: ظهور التصرف في الشمس والقمر.
والثانية: أن يتبين عند شينها قبح شأن من يعبدها.
والثالثة: أن تنزعج القلوب المساكِنة للغفلة عن مسكن الذهول؛ فإن المواعظ تزعج القلب الغافل.
والرابعة: ليرى الناس أنموذج ما سيجري في القيامة من قوله تعالى: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} القيامة: 8- 9.
والخامسة: أنهما يؤخذان على حال التمام فيوكسَان (نقص) ثم يُلطف بها فيعادان إلى ما كانا عليه، فيشار بذلك إلى خوف المكر ورجاء العفو.
والسادسة: أن يفعل بهما صورة عقاب مَن لا ذنب له؛ ليحذر ذو الذنب.
والسابعة: أن الصلوات المفروضات عند كثير من الخلف عادة لا انزعاج لهم فيها ولا وجود هيبة، فأتى بهذه الآية وسُنت لها الصلاة؛ ليفعلوا صلاة على انزعاج وهيبة. كشف المشكل (1/ 406- 407).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه: الدوام على مراقبة الله -تعالى- وطاعته، والخوف منه؛ بحيث لا يخرجه الخوف إلى اليأس من رحمته...
(و) فيه: شرعية صلاة الكسوف للنساء والمسافرين وكل واحد؛ فإنه وإن كان الخطاب للذكور لقوله: «فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره»، وفي الحديث الثاني: «فصلوا وادعوا» فالنساء مُدرَجاَتٌ فيه، كما في قوله -تعالى-: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} المائدة: 6 {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} البقرة: 183 وغير ذلك من خطاب التعبد العام، فإنهن داخلات فيها باتفاق، وكونها مشروعة للنساء وغيرهن هو مذهب الشافعي، ومشهور مذهب مالك، وروي عن مالك أيضًا أن المخاطب بها مَن يخاطب بالجمعة، فيخرج النساء والمسافرون ونحوهم.
وذهب الكوفيون: إلى أنهن يصلين أفرادًا لا جماعة، وقد صح حضورهن لها معه -صلى الله عليه وسلم-، وذلك يدل على أنهن مخاطبات بها في جماعة.
(و) فيه: شرعية الدعاء والذكر والاستغفار عند الكسوف، ولا شك أن كل واحد من المذكورات عبادة مستقلة مطلوبة في جميع الحالات، سواء كان مخوفًا أم لا، لكنه آكد في المخوف. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (4/ 312- 315).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وفيه: إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية مِن اعتقادهم أن الشمس تنكسف لموت الرجل من عظمائهم، فأعلمهم -صلى الله عليه وسلم- أنها لا تنكسف لموت أحد، ولا لحياته وإنما هو تخويف وتحذير.
وفيه: ردٌّ على من زعم أن النجوم تسقط عند موت أحدٍ. شرح صحيح البخاري (3/ 33).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض، وهو نحو قوله في الحديث الماضي في الاستسقاء: «يقولون: مُطرنا بِنَوْءِ كذا»...
وفيه: ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- عليه من الشفقة على أمَّته وشدة الخوف من ربه. فتح الباري (2/ 528).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وفيه: أن من تأول شيئًا يرى أنه صواب وأخطأ ولم يخرج إلى بدعة ليس بآثم.
وفيه: أنه لا ينبغي السكوت عن الخطأ. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (8/ 307).
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يستفاد من هذا الحديث:
أولًا: حكمة الله -عز وجل- حيث وقع الكسوف في اليوم الذي مات فيه إبراهيم، وجه ذلك: لأجل أن يكون القول بإبطال تلك العقيدة في وقته ومحله، وحضور الشيء في وقته ومحله يكون له وقع في النفس أكثر.
وفيه أيضًا: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد يصاب بالمصائب الدنيوية كما حصل بموت ابنه إبراهيم، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: «العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون».
ومن فوائد الحديث: استحباب التسمية بإبراهيم؛ لأن الرسول- عليه الصلاة والسلام- سمَّى به؛ لأجل أن يكون موافقًا لأسماء الأنبياء.
وفي الحديث أيضًا من الفوائد: أن الناس في عهد الرسول -عليه الصلاة والسلام- عندهم من الصراحة ما يقتضي بيان الأمر على حقيقته حين قالوا: «انكسفت الشمس لموت إبراهيم» مع أن هذا الأمر في السنة العاشرة من الهجرة، يعني: بعد أن رسخ الإيمان والتوحيد في قلوبهم، ومع ذلك قالوا هذا القول، ولكن لحكمة؛ أي: لأجل أن يبطله النبي -عليه الصلاة والسلام-.
ويستفاد من الحديث: وجوب رد الباطل وإن أجمع الناس عليه؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- رد هذا الباطل وإن كان الناس كلهم يقولون ذلك.
ومن فوائد الحديث: بيان أن الشمس والقمر من آيات الله -عز وجل-؛ لقوله: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله».
ومن فوائده: أن آيات الله تعالى لا تنحصر في الشمس والقمر؛ لأنه قال: «من آيات الله» وآيات الله كثيرة، لكن أين المتأمل والمتدبر؟ ولهذا قال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} فصلت: 37. والغريب أن بعض أهل العلم استنبط من هذه الآية مشروعية صلاة الكسوف لا كيفيتها، وجه ذلك: يقولون: لأن العابدين لهما إذا كسفا فإنهم يرغبون عن عبادتها؛ لأنهما تغيَّرَا وفسدا فلا يصحان إلهًا، وبعضهم عكس قال: إنهما إذا كسفتا فهو دليل على غضبهما على العابدين لهما، وحينئذ لا يسجدون لهما، فقال الله: لا تسجدوا لهما حين يسجد لهما هؤلاء، واسجدوا لله.
وعلى كل حال: فنحن في غنى عن هذا اللغط البعيد لكن ذكرته على سبيل الاستطراد.
ومن فوائد الحديث: أن الحوادث الأرضية لا تؤثر في الأحوال الفلكية، من أين تؤخذ؟ من قوله: «لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» فالموت والحياة وغيره لا تؤثر في الشمس ولا القمر ولا النجوم، نعم قد تكون سببًا لأشياء أخرى- الحوداث-، مثل المعاصي ممكن أن تكون سببًا لعدم نزول المطر أو سببًا للرياح المدمرة أو الصواعق المهلكة وما أشبه ذلك.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يُعمل بالحساب في صلاة الكسوف؛ «فإذا رأيتموهما»، وعلى هذا فلو أن الحساب أطبق على أن الليلة سيكون كسوفًا وصارت السماء غيمًا ولم يتبين هل نصلي أو لا؟ لا نصلي؛ لأن الرسول- عليه الصلاة والسلام- علق ذلك بالرؤية.
ومن فوائد الحديث: أنه لا بد أن يظهر ذلك الأثر أو يتبين؛ لقوله: «إذا رأيتموهما» فعلى هذا لو كان بالشمس كسوف جزئي ما يُرى إلا بطلبه فإن الظاهر أنه لا تشرع الصلاة؛ لأن هذا ليس فيه تخويف، إذا كان لم يتبين ولم يظهر إلا بطلبه، فإننا نقول: الحمد لله الذي جعله لم يتبين، ولا نصلي حتى لو كنا نتوقع ذلك بسبب قول أهل الهيئة فإننا لا نصلي...
ومن فوائد الحديث: مشروعية الصلاة والدعاء؛ لقوله: «فادعوا الله وصلوا» والمشروعية ثابتة بالاتفاق لم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم، ولكن هل ذلك واجب أو سنة؟ وإذا قلنا بالوجوب فهل هو فرض كفاية أو فرض عين؟
فها هنا ثلاثة احتمالات؛ نقول: أما الدعاء فإنه لا يجب بالاتفاق، وأما الصلاة ففيها خلاف، فمن أهل العلم من قال بوجوبها، وأنها فرض عين؛ لأَمْرِ النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، والأصل في الأمر الوجوب حتى يقوم دليل على أنه لغير الوجوب، وأيضًا فإنها صلاة لتهديد وإنذار، فلو تُركت لكان ذلك عنوانًا على عدم المبالاة بإنذار الله وتخويفه، وهذا أمر ليس بالهين أن الله ينذرنا ونقول: ما يهم، وذهب كل واحد إلى عمله ولا يهتم، فهذا مظهر غير لائق أن الرب العظيم يخوفك ونبيَّه يأمرك، ثم تدع هذا كأنك غير مبالٍ لا بأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا بتخويف الله.
وأما القائلون بأنها فرض كفاية فقالوا: إنه لا يظهر أن الرسول- عليه الصلاة والسلام- أمر كل أحد، وأن الناس كلهم حضروا إلى الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وأننا نلزم جميع المسلمين بأن يصلوا، بل إذا حصل المظهر العام للمسلمين وأنهم قاموا بما ينبغي أن يقوموا به من الإنابة إلى الله -عز وجل- والرجوع إليه فإن هذا كافٍ، وأنا متردد بين كونها فرض كفاية، أو فرض عين، أما الاقتصار على أنها سنة فقط فهذا ضعيف وإن كان جمهور أهل العلم على ذلك، لكن كيف تدفع أمر الرسول- عليه الصلاة والسلام- وقوله: «صلوا حتى ينكشف ما بكم وينجلي»؟...
ومن فوائد الحديث: استمرار الصلاة والدعاء حتى ينكشف؛ لقوله: «حتى تنكشف» «حتى تنجلي» ونحن في الشرح قلنا: «حتى» هنا للغاية أو للتعليل؟ قلنا: إذا كان للغاية فإنها تدل على استمرار ذلك للانجلاء، وإذا كانت للتعليل فإنه يكفي أن يصلي ويقول: عن الرسول- عليه الصلاة والسلام- قال: صلوا لأجل أن تنجلي فإذا صلينا فعلنا السبب، والانجلاء عند الله -عز وجل-، وعلى هذا فإذا صلينا ورأينا الكسوف بدأ ينجلي نقف؛ لأن العلة انتهت، ولكن المشهور عند أهل العلم أنها للغاية، يعني: «صلوا وادعوا إلى كذا» إلا أنهم قالوا: إنها لا تُعاد مرة أخرى على صفتها، ولكن لا حرج إذا انقضت الصلاة من أن تُصلى تطوعًا على صفة التطوع المعهود.
ومن فوائد الحديث: أن الكسوف غُمَّة على العباد؛ ولهذا قال: «حتى تنجلي» وفي لفظ آخر: «وحتى ينكشف ما بكم» فهو غمة؛ لأنه ما دام تخويفًا من الله -عز وجل- فإنه يخشى أن يقع العذاب، وهذا لا نأمنه إلا إذا انجلى. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 420- 423).