الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

أخذَ الحسنُ بنُ عليٍّ تمرةً مِن تمرِ الصَّدقةِ، فَجَعَلَهَا في فيه، فقال رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «كِخْ كِخْ، ارْمِ بها؛ أما عَلِمْتَ أنَّا لا نأكلُ الصَّدقةَ؟».


رواه البخاري برقم: (1491) ومسلم برقم: (1069) واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ولفظ البخاري: «لِيَطْرَحَها، ثم قال: أما شَعَرْتَ أنَّا لا نأكلُ الصَّدقةَ؟».
وفي لفظ لمسلم: «أنَّا لا تَحِلُّ لنا الصَّدقةُ؟».


غريب الحديث


«كِخْ كِخْ»:
هي كلمة تُقال للصبي إذا زُجِرَ عن تناول شيءٍ، وعن التقذُّر من الشيء أيضًا. الفائق، للزمخشري (3/ 248).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وتُكْسَر الكافُ، وتُفتح، وتُسَكَّن الخاءُ، وتُكْسَر، بتنوينٍ وغير تنوينٍ، قيل: هي أعجمية عُرِّبت. النهاية (4/ 154).


شرح الحديث


قوله: «أخذَ الحسنُ بنُ عليٍّ»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«أَخَذَ الحسنُ بن علي» بن أبي طالب. دليل الفالحين (3/ 129).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «الحسن» سِبط رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كان شبيهًا به -صلى الله عليه وسلم-، وقاسَم اللهَ ماله ثلاث مرات، فيتصدَّق بنصفه، حتى كان يُؤثِر بنعلٍ، ويمسك نعلًا، وخرج من ماله كله مرتين، وكان غاية في الورع، حتى ترك الدنيا والخلافة لله تعالى، كان سبعة أشهر خليفة للمسلمين، فترك الأمر لمعاوية، وظهر بذلك معجزة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما قال: «إنَّ ابني هذا سيد، لعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»، وفضائله لا تُعد، ومناقبه لا تُحد، ولد سنة ثلاث (للهجرة) ومات سنة خمسين. الكواكب الدراري (8/ 36).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
في رواية لأحمد عن أبي هريرة قال: «كُنَّا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو يقسم تمرًا من تمر الصدقة، والحسن في حِجره» فهذه الرواية تُبيِّن أنَّ الحسن كان طفلًا، كما تُبيِّن ظروف أخذ التمرة. فتح المنعم (4/ 467).

قوله: «تمرةً مِن تمرِ الصَّدقةِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«تمرةً من تمر الصدقة» أي: الزكاة. مرقاة المفاتيح (4/ 1301).

قوله: «فَجَعَلَهَا في فيه»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فجعلها في فيه» زاد أبو مسلم الكجي من طريق الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد: «فلم يفطن له النبي -صلى الله عليه وسلم-، حتى قام، ولعابه يسيل، فضرب النبي -صلى الله عليه وسلم- شِدقه» وفي رواية معمر: «فلما فرغ حمله على عاتقه، فسال لعابه، فرفع رأسه، فإذا تمرة في فيه». فتح الباري (3/ 355).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فجعلها» أي: فجعل الحسنُ التمرة «في فيه» أي: في فمه؛ ليأكلها. الكوكب الوهاج (12/ 293).

قوله: «فقال رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «كِخْ كِخْ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «كِخْ» بفتح الكاف، وكسرها، وسكون المعجمة، مثقَّلًا ومخفَّفًا، وبكسر الخاء منوَّنة وغير منوَّنة، فيخرج من ذلك ست لغات، والثانية توكيد للأولى، وهي كلمة تُقال لردع الصبي عند تناوله ما يُستقذر، قيل: عربية، وقيل: أعجمية، وزعم الداودي أنَّها معربة، وقد أوردها البخاري في باب مَن تكلَّم بالفارسية. فتح الباري (3/ 355).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كِخْ كِخْ»...، بمعنى: اترك وارمِ، والتكرير للتأكيد (أي: التأكيد اللفظي). مرقاة المفاتيح (4/ 1301).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفي الحديث: أنَّ الصغير من أبناء المسلمين يُوقَّى كما يُوقَّى الكبير من المحاذير والخبائث، وإنْ كان غير مخاطَب، فوليه مخاطب بحراسته من ذلك. إكمال المعلم (3/ 624).
وقال العيني -رحمة الله- مُعلِّقًا:
قلتُ: فعلى هذا لا ينبغي للوالدين أنْ يُلبِسَا ولدهما الصغير حريرًا، ونحوه، مما يحرم على الذكور، حتى لو فعلا ذلك أثِمَا. نخب الأفكار (7/ 523).

قوله: «ارْمِ بها» وفي رواية: «لِيَطْرَحَهَا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ارمِ بها» أي: بالتمرة من فَمِكَ. الكوكب الوهاج (12/ 293).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ارمِ بها» بين تمر الصدقة. التنوير (8/ 133).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ليطرحها» زاد مسلم «ارمِ بها» وفي رواية حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عند أحمد: «فنظر إليه، فإذا هو يلوك تمرةً، فحرَّك خدَّه» وقال: «ألْقِهَا يا بُني، ألْقِهَا يا بُني» ويُجمع بين هذا وبين قوله: «كِخْ كِخْ» بأنه كلَّمه أولًا بهذا، فلما تمادى قال له: «كِخْ كِخْ» إشارة إلى استقذار ذلك له، ويحتمل العكس، بأنْ يكون كلَّمه أولًا بذلك، فلما تمادى نزعها من فيه. فتح الباري (3/ 355).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«ليطرحها» فيه حُجَّة لقول أئمتنا (الشافعية): يجب على الولي أنْ ينهى موليه المميِّز، ويمنعه عن فعل المحرمات، كما يلزمه أمره بالواجبات؛ ليألف ترك المحرم، وفَطْمِ النفس عنه، وفعل الواجب، وحمل النفس عليه إذا بلغ، وفائدته: إعلام الحاضرين بالحُكم؛ ليذيع ويشتهر. فتح الإله (6/264).

قوله: «أما عَلِمْتَ أنَّا لا نأكلُ الصَّدقةَ؟» وفي رواية: «أما شَعَرْتَ؟» وفي رواية: «أنَّا لا تَحِلُّ لنا الصَّدقةُ؟»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أما علمتَ؟» همزة الاستفهام دخلت على «ما» النافية، والاستفهام إنكاري، بمعنى النفي، ونفي النفي إثبات، أي: علمتَ، أي: اعلم. المنهل الحديث (2/ 172).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«أنَّا» معشر بني هاشم «لا نأكل الصدقة؟» أي: المفروضة؛ لما يأتي أنْ الذي حُرِمَ عليهم فرضها لا غير. فتح الإله (6/264).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أما علمتَ أنَّا لا نأكلُ الصدقة؟» هذه اللفظة تُقال في الشيء الواضح التحريم، ونحوه، وإنْ لم يكن المخاطَب عالمًا به، وتقديره: عَجَبٌ كيف خَفِيَ عليك هذا، مع ظهور تحريم الزكاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله؟...
وأما صدقة التطوع، فللشافعي فيها ثلاثة أقوال:
أصحها: أنَّها تحرم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتحل لآله.
والثاني: تحرم عليه وعليهم.
والثالث: تحل له ولهم.
وأما موالي بني هاشم، وبني المطلب، فهل تحرم عليهم الزكاة؟
فيه وجهان لأصحابنا (الشافعية): أصحهما: تحرم؛ للحديث الذي ذكره مسلم بعد هذا حديث أبي رافع، والثاني: تحلُّ، وبالتحريم قال أبو حنيفة، وسائر الكوفيين، وبعض المالكية، وبالإباحة قال مالك، وادعى ابن بطال المالكي: أنَّ الخلاف إنما هو في موالي بني هاشم، وأما موالي غيرهم فتباح لهم بالإجماع، وليس كما قال، بل الأصح عند أصحابنا تحريمها على موالي بني هاشم، وبني المطلب، ولا فرق بينهما، والله أعلم. شرح مسلم (7/ 175-176).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله (في الرواية الثانية): «أَمَا» مخفَّفة «شعرتَ» فطِنتَ «أنَّا» آل محمَّد الذي أنت أحدهم «لا نأكل الصدقة؟» لحرمتها علينا، وظاهرها يعمُّ النفل، قيل: إلا أنَّ السياق خصها بالفرض.
قلتُ: والعامُّ لا يقتصر على سببه، إلا أنْ يُدَّعَى أنَّ لفظ الصدقة حقيقة عُرفية في الزكاة، لم يشمل النفل أصلًا. التنوير (8/ 133).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«أما شَعرت؟» أي: أعلمتَ؟ وهذه الصيغة جرت عادتهم باستعمالها في الأمر الواضح، وإنْ لم يعلمه المخاطَب، أي: كيف خفي عليك هذا مع ظهوره؟ فهو أبلغ في الزجر من "لا تفعل"، وفيه مخاطبة من لا تمييز له كما يدل عليه: «كِخْ كِخْ»؛ إذ لا يُستعمل إلا في غير المميِّز. فتح الإله (6/264).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«أما شعرتَ؟» هو مِن خطاب مَن لا يميز؛ لقصد إسماع مَن يميز. التوشيح (3/ 1203).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «أما شعرتَ أنا لا نأكل الصدقة؟» يُشعِر سبق علم بهذا الحكم للحسن -رضي اللَّه عنه-، فكأنه كان صغيرًا يعقل، وقد تحمَّل الإمامان (الحسن والحسين) أحاديث من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في صغرهما. لمعات التنقيح (4/ 289-290).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذه الأحاديث كلها مع قوله: «إنَّ الصدقة لا تنبغي لمحمد، ولا لآل محمد» تدل على أنَّ الصدقة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله محرّمة، وهل يعمّ التحريم الواجبات وغيرها أو يخص الواجبة؟
اختُلف فيه: فذهب مالك وأبو حنيفة في أحد قوليه: إلى أنَّ المحرّم الواجبة فقط، وحكى ابن القصار عن بعض أصحابنا: أنَّ المحرّم صدقة التطوع دون الفريضة؛ لأنها لا مِنَّةَ فيها.
وقال أبو حنيفة أيضًا: إنها كلّها حلال لبني هاشم وغيرهم، وإنَّما كان ذلك محرمًا عليهم إذ كانوا يأخذون سهم ذي القربى، فلما قطع عنهم حلَّت لهم، ونحوه عن الأبهري من شيوخنا، وروي عن أبي يوسف: أنها حرام عليهم من غيرهم، حلال لهم صدقة بعضهم على بعض.
قلتُ: والظاهر من هذه الأحاديث أنها محرَّمة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله، فرضُها ونفلُها؛ تمسُّكًا بالعمومات، ومن جهةِ المعنى: بأنَّ الصدقة أوساخ الناس، وبأنَّ اليد العليا خير من اليد السفلى، ولا يد أعلى من يدِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا أيدي آله، فقد أكرمهم الله وأعلى مقاديرهم، وجعل أيديهم فوق كل يد، وسهم ذي القربى واجب إخراجه وإيصاله إليهم على كل مَن ولي شيئًا من أمور المسلمين إلى يوم القيامة، فلو مُنعوا ولم يقدروا على إيصالهم إلى حقوقهم وجب سدّ خلاتهم، والقيام بحاجاتهم على أهل القُدرة من المسلمين لا على وجه الصدقة، بل على جهة القيام بالحقوق الواجبة في الأموال، ويكون حكمهم كحكم الحقوق المرتبة على بيت مال المسلمين، فلا يوصل إليها لفكاك الأسارى، ونفقة اللقطاء، وسدّ خلَّات الضعفاء والفقراء إذا لم يوصل إلى أخذ ذلك من بيت المال. المفهم (3/124- 125).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
قال (الخرقي): "ولا لمواليهم" (كما في لفظ) يعني: أنَّ موالي بني هاشم -وهم مَن أعتقهم هاشمي- لا يُعطون من الزكاة، وقال أكثر العلماء: يجوز؛ لأنهم ليسوا بقرابة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلم يمنعوا الصدقة كسائر الناس؛ ولأنهم لم يُعوضوا عنها بخُمس الخُمس؛ فإنَّهم لا يُعطون منه، فلم يجز أن يُحرموها كسائر الناس.
ولنا: ما روى أبو رافع أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث رجلًا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: أصحبني كيما تصيب منها، فقال: لا، حتى آتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأسأله، فانطلق إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فسأله، فقال: « إنَّا لا تحل لنا الصدقة، وإنَّ موالي القوم منهم» أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح؛ ولأنهم ممن يرثهم بنو هاشم بالتعصيب، فلم يجز دفع الصدقة إليهم كبني هاشم، وقولهم: إنهم ليسوا بقرابة، قلنا: هم بمنزلة القرابة، بدليل قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الولاء لُحْمَةٌ كلُحْمَةِ النسب» وقوله: «موالي القوم منهم» وثبت فيهم حكم القرابة من الإرث والعقل (الدية) والنفقة، فلا يمتنع ثبوت حكم تحريم الصدقة فيهم. المغني (2/ 517).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
اعلم أنَّ الصدقات النافلة يجوز دفعها إلى آل النبي -صلى الله عليه وسلم، وإنْ تردد ابن الهمام والزيلعي في النافلة أيضًا...، ونقل الطحاوي عن "أمالي أبي يوسف": أنَّه جاز دفع الزكاة إلى آل النبي -صلى الله عليه وسلم- عند فُقدان الخُمس؛ فإنَّ في الخمس حقهم، فإذا لم يوجد صح صرفها إليهم...، قلتُ: وأخذ الزكاة عندي أسهل من السؤال، فأفتي به أيضًا. فيض الباري (3/ 156-157).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف العلماء في آل النبي -صلى الله عليه وسلم- من هم؟ فقال مالك: هم بنو هاشم خاصة، قال ابن حبيب: ولا يدخل في آل محمد من كان فوق بني هاشم من بني عبد مناف، أو بني قُصي، أو غيرهم، وهكذا فسر ابن الماجشون ومطرف، وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة، وذكر عبد الرزاق عن الثوري، عن يزيد بن حيان التيمي، قال: سمعتُ زيد بن أرقم، وقيل له: مَن آل محمد الذين لا تحل لهم الصدقة؟ قال: آل علي بن أبي طالب، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس.
وقال الشافعي: آل محمد بنو هاشم، وبنو عبد المطلب، أخي هاشم أيضًا ممن لا تحل لهم الصدقة، وقال أصبغ بن الفرج: آل محمد الذين لا تحل لهم الصدقة: عشيرته الأقربون، الذين ناداهم حين أُنزل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} الشعراء: 214، وهم آل عبد المطلب وآل هاشم وآل عبد مناف وقصي، وقال أصبغ: وقد قيل: قريش كلها. شرح صحيح البخاري (3/542- 543).
وقال النووي -رحمه الله-:
مذهب الشافعي وموافقيه: أنَّ آله -صلى الله عليه وسلم- هم بنو هاشم وبنو المطلب، وبه قال بعض المالكية، وقال أبو حنيفة ومالك: هم بنو هاشم خاصة، قال القاضي (عياض): وقال بعض العلماء: هم قريش كلها، وقال أصبغ المالكي: هم بنو قُصي.
دليل الشافعي: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ بني هاشم وبني المطلب شيء واحد» وقسَّم بينهم سهم ذوي القربى. شرح مسلم (7/ 175-176).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
المراد بالآل هنا: بنو هاشم وبنو المطلب على الأرجح من أقوال العلماء. فتح الباري (3/ 354).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وقد نص النبي -صلى الله عليه وسلم- (أي: في قوله: «اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته») على الصلاة عليهن؛ ولهذا كان القول الصحيح، وهو منصوص الإمام أحمد -رحمه الله-: أنَّ الصدقة تحرم عليهن؛ لأنَّها أوساخ الناس، وقد صان الله سبحانه ذلك الجناب الرفيع وآله من كل أوساخ بني آدم، ويا لله العجب كيف يدخل أزواجه في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا» وقوله في الأضحية: «اللهم هذا عن محمد وآل محمد» وفي قول عائشة -رضي الله عنها-: «ما شبع آل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من خبز برٍّ» وفي قول المصلي: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد» ولا يدخلن في قوله: «إنَّ الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» مع كونها من أوساخ الناس؟! فأزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أولى بالصيانة عنها، والبُعد منها.
فإنْ قيل: لو كانت الصدقة حرامًا عليهن لحرمت على مواليهن، كما أنها لما حرمت على بني هاشم (و) على مواليهم، وقد ثبت في الصحيح أنَّ بريرة تُصُدِّق عليها بلحم فأكَلَتْهُ، ولم يحرِّمه النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي مولاة لعائشة -رضي الله عنها-.
قيل: هذا هو شبهة من أباحها لأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، وجواب هذه الشبهة: أنَّ تحريم الصدقة على أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- ليس بطريق الأصالة، وإنَّما هو تبع لتحريمها عليه -صلى الله عليه وسلم-، وإلا فالصدقة حلال لهن قبل اتصالهن به، فهن فرع في هذا التحريم على المولى فرع التحريم على سيده، فلما كان التحريم على بني هاشم أصلًا استَتبع ذلك مواليهم؛ ولما كان التحريم على أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- تبعًا لم يقوَ ذلك على استتباع مواليهن؛ لأنه فرع عن فرع. جلاء الأفهام (4/ 68-69).
وقال النووي -رحمه الله-:
في الحديث: أنَّ الصبيان يُوَقَّوْنَ ما يُوَقَّاهُ الكبار، وتُمْنَعُ من تعاطيه، وهذا واجب على الولي. شرح مسلم (7/ 175).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وفيه: مخاطبة من لا يميز بقصد إسماع من يميز. التنوير (8/ 133).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
وفيه: أنَّ الحرام يُؤثِّر في تسويد القلب وتشوهه وإنْ جهل الآكل به.
وفيه: أمر الولي بمنع الصبي عن الحرام، وعن صورة المعصية، (وبالأمر) بالحلال والطيب.
وفيه: إشعارٌ بأنَّ الصبي قد يَعلم شيئًا، كطفل جريج، ونحوه. الأزهار مخطوط لوح (206).


إبلاغ عن خطأ