«كنَّا نُخْرِج إذ كان فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر عن كُل صغير وكبير، حُرٍّ أو مملوك، صاعًا من طعام، أو صاعًا من أَقِطٍ، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، فلم نزل نُخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجًا، أو معتمرًا فكلَّم الناس على المنبر، فكان فيما كلَّم به الناس أن قال: إني أرى أن مُدَّين من سمراء الشام، تعدل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك، قال: أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه، كما كنت أخرجه أبدًا ما عِشت».
رواه البخاري برقم: (1508)، ومسلم برقم: (985)، واللفظ له، من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه-.
ولفظ البخاري: «كُنا نعطيها في زمان النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، فلمَّا جاء معاوية، وجاءت السمراء، قال: أرى مُدًّا من هذا يعدل مُدَّين».
غريب الحديث
«صاعًا»:
الصَّاعُ: الذي يُكالُ به، وهو أربعة أمدادٍ، والجمع: أَصْوُعٌ. الصحاح، للجوهري(ص2915).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الصَّاع: هو مكيال يسع أربعة أمداد، والْمُد مختلف فيه، فقيل: هو رطل وثلث بالعراقي، وبه يقول الشافعي وفقهاء الحجاز، وقيل: هو رطلان، وبه أخذ أبو حنيفة وفقهاء العراق، فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثًا، أو ثمانية أرطال. النهاية (3/ 60).
«أقط»:
الأقط: من اللبن المخيض، يطبخ ثم يترك حتى يمصل. مقاييس اللغة، لابن فارس (1/ 121).
«سمراء»:
السَّمراء: الحِنطة. النهاية، لابن الأثير (2/ 399).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «كنَّا نُخْرِج إذ كان فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر عن كُل صغير، وكبير، حر أو مملوك»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «إذ كان» أي: حين كان فينا رسول الله -عليه السلام-. شرح سنن أبي داود (6/ 330).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كنا نُخرج إذ كان فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر» من رمضان، بالنصب مفعول، نخرج «عن كل صغير» ولو طفلًا إذا أدرك شمس آخر يوم من رمضان «وكبير، حر أو مملوك صاعًا» بدل من زكاة الفطر، أو عطف بيان له. الكوكب الوهاج (11/ 321).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«كُنَّا نُخرج إذ كان فينا رسول الله زكاة الفطر» هذا حُكمه الرفع؛ لإضافته للوقت الذي كان فيه رسول الله فيهم، وفيه: إشعار باطلاعه -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، وتقريره عليه، ولا سيما في هذِه الصورة التي كانت توضع عنده، وتجمع بأمره، وهو الآمر بقبضها وتفريقها. شرح سنن أبي داود (7/ 606).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فأما الصغير: فلا خلاف عند من يقول: إنها تخرج بسببه؛ أن وليه هو الذي يخاطب بإخراجها؛ إذ الصبي لم يَجْرِ عليه بعدُ قلم التكليف.
وأما العبد: فذهب الجمهور: إلى أنه ليس مخاطبًا بها؛ لأنه لا شيء له، ولو كان له مال، فسيِّدُه قادر على انتزاعه خلافًا لداود، فإنه أوجبها على العبد؛ تمسكًا بلفظ العبد المذكور في الحديث هذا.
وقال على السيد: أن يتركه قبل الفطر فيكتسب ذلك القدر، وليس له منعه من ذلك في تلك المدة، كما لا يمنعه من صلاة الفرض.
ثم إذا تنزلنا على قول الجمهور في أنه لا يجب عليه شيء، فهل يخاطب سيده بإخراجها عنه أم لا؟ جمهورهم أيضًا: على أنه يجب ذلك عليه؛ لأنه تلزمه نفقته ومؤونته، وهذه من جملة الْمُؤَن، فإن المخاطب بإخراجها المكلف الواجد لها حين الوجوب؛ عن نفسه وعن من تلزمه نفقته؛ بدليل ما رواه الدارقطني من حديث ابن عمر -رضي الله عنه- قال: أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بزكاة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد، ممن تمونون. المفهم (3/ 21).
قوله: «صاعًا من طعام»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الطعام هنا: هو القمح، بدليل ذكر الشعير، وقد رواه أبو داود وقال: «أو صاعًا من حنطة» مكان: «من طعام» وهو حجة على من قال: لا تخرج من البر، وهو خلاف شاذ، وهو مسبوق بإجماع السلف، وهو حجة على من يقول: إنه يخرج من البر نصف صاع، وهم جماعة من السلف وأبو حنيفة، واحتجوا بأحاديث لم يصح عند أهل الحديث شيء منها. المفهم (3/ 22).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «صاعًا من طعام» زعم بعض أهل العلم أن الطعام عندهم اسم خاص للبر، قال: ويدل على صحة ما تأوَّلْناه من ذلك: أنه قد ذكر في الخبر الأقط والشعير والتمر والزبيب، وهي أقواتهم التي كانوا يقتاتونها في الحضر والبدو، ولم يذكر الحنطة، وكانت أغلاها وأفضلها كلها، فلولا أنه أرادها بقوله: «صاعًا من طعام» لكان يجري ذكرها عند التفصيل كما جرى ذكر غيرها من سائر الأقوات.
وزعم غيره أن هذا جملة قد فُصِّلت، والتفصيل لا يخالف الجملة، وإنما قال في أول الحديث: «صاعًا من طعام» ثم فصله، فقال: -صاعًا من أقط، أو صاعًا من شعير، أو كذا أو كذا» واسم الطعام شامل لجميع ذلك، وإنما كان يجوز ما قاله من تأول الطعام على البر خاصة لو كان قال: صاعًا من طعام أو صاعًا من كذا، بحرف "أو" الفاصلة بين الشيئين، ثم نسق عليه ما بعده شيئًا شيئًا.
قلت: قد رواه غير أبي داود بحرف "أو" الفاصلة من أول الحديث إلى آخره... قال: «كنا نخرج في زمان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صاعًا من طعام أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من أقط أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر...» وذكر الحديث.
قلت: إن صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أمر أن يُخرَج صاع من قمح، فأخرج عنه نصف صاع على سبيل البدل على ما رواه معاوية، فإنه لا يجزئ لما فيه من الربا؛ لأن حقيقته بيع صاع قمح بنصف صاع منه، ولكنه إذا خرج نصف صاع منه جزى عن نصف الحق، وعليه أن يخرج النصف الآخر. معالم السنن (2/50، 51).
قوله: «أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
وكلتا الروايتين مخرجة في الصحاح وبهذا الاختلاف، أعني: قوله في رواية: «أو صاعًا من أقط» بعد قوله: «صاعًا من طعام» وقوله في الرواية الأخرى: «صاعًا من طعام، وصاعًا من أقط» من غير لفظ "أو" يختلف المعنى؛ لأنه إذا قيل: صاعًا من طعام، أو صاعًا من أقط، كان المراد من الطعام نوعًا آخر، لم يُذْكر في الحديث تفصيلًا؛ ولهذا قيل: إن المراد منه: البر. الميسر (2/ 428).
وقال الحلبي -رحمه الله-:
قوله: «مِنْ أَقِطٍ» الأَقِط -بفتح الهمزة وكسر القاف، ويجوز إسكان القاف مع فتح الهمزة وكسرها، كنظائرها-، وهو لَبَنٌ يابس منزوع الزبد. الحواشي على سنن ابن ماجه (2/ 398).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
اختُلِفَ في النوع الْمُخرَج، فأجمعوا على أنه يجوز البر والزبيب والتمر والشعير، إلا خلافًا في البر لا يُعتَدُّ بخلافه، وخلافًا في الزبيب لبعض المتأخرين، وكلاهما مسبوق بالإجماع، مردودٌ قولُه به.
وأما الأَقِط: فأجازه مالك والجمهور، ومنعه الحسن، واختلف فيه قول الشافعي، وقال أشهب: لا يخرج إلا هذه الخمسة، وقاس مالك على الخمسة كلَّ ما هو عيشُ أهل بلد من القطاني (نزع من الحبوب؛ كالعدس والأرز والدخن، ونحوه)، وعن مالك قول آخر: أنه لا يجزئ غيرُ المنصوص في الحديث، وما في معناه...، وقال الشافعي: جنس الفطرة كل حب وجب فيه العشر، ويجزئ الأقِط على الراجح، وهو المذهب.
والأصح: أنه يتعين غالب قوت بلده، والثاني: يتعين قوت نفسه، والثالث: يتخير بينهما، فإن عدل عن الواجب إلى أعلى منه، أجزأه، وإن عدل إلى ما دونه، لم يجزئه. العدة (2/ 834).
وقال الباجي -رحمه الله-:
هذه الأقوات بعضها أرفع من بعض، فعلى أهل كل بلد أن يخرجوا من غالب قوتهم، وأكثر ما يستعمل في جهتهم، فإن كان رجل يقتات بغير ما يقتات به أهل بلده فينظر: فإن اقتات أفضل من قوتهم، فالأفضل له أن يخرج من قوته، فإن أخرج من قوت بلده أجزأه؛ لأنه هو الذي يلزمه، وما زاد على قوت الناس فإنما هو بمعنى الترفُّهِ والتفكُّهِ، فليس عليه إخراجه، وإن كان يقتات دون قوت الناس فلا يخلو أن يكون ذلك من عسر أو بخل، فإن كان من عسر لم يلزمه غير قوته؛ لأنه غير واجد لأكثر منه، وإخراج الزكاة يتعلق بالوجود؛ لقوله تعالى: {لَاْ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} الطلاق: 7، فإن كان يفعل ذلك لبخل لزمه أن يخرج زكاة الفطر من قوت الناس؛ لأن حق الزكاة يتعلق بذلك، فتقصيره هو في نفسه لا يسقط عنه الزكاة. المنتقى (2/ 189).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
في الحديث: دليل على أن إخراج القيمة لا يجوز؛ وذلك لأنه ذكر أشياء مختلفة القيم، فدل أن المراد بها الأعيان لا قيمتها. معالم السنن (2/ 51).
وقال ابن عطار -رحمه الله-:
لم يُجِزْ عامة العلماء إخراجَ القيمة، وأجازه أبو حنيفة. العدة (2/ 834).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه دليل على أنه لا يجوز إخراج الدقيق والسويق ونحوهما؛ لأن هذه الحبوب كلها أموال كاملة المنفعة، لم يذهب من منافعها شيء، وهذا المعنى غير موجود في الدقيق والسويق ونحوهما. معالم السنن (2/ 52).
وقال الباجي -رحمه الله-:
أما الدقيق فقد قال مالك: لا يجزئ إخراجه، وقال ابن حبيب: إنما ذلك للريع، فإذا أخرج بمقدار ما يريع القمح أجزأ، وقاله أصبغ، ووجه قول مالك: أن زكاة الفطر مقدرة، ومقدار الريع غير مقدر، فلو جوزنا إخراج الدقيق بالريع، لأخرجناها عن التقدير الذي فرضها النبي -صلى الله عليه وسلم- وأوجبه إلى الحزر والتخمين الذي ينافي الزكاة، ولكان لا يطلق على ما يخرج اسم صاع، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد علق حكمها بهذا الاسم، ووجه قول ابن حبيب: أن يكون الصاع قد جرى في الحنطة، ثم يطحن بعد ذلك، فإن هذا لا يخرجه عن التقدير إلى الحزر والتخمين. المنتقى (2/ 189).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «إلا صاعا من دقيق» ذكر الدقيق ثابت في سنن أبي داود من حديث أبي سعيد أيضًا، ولكنه قال أبو داود: إن ذكر الدقيق وهم من ابن عيينة، وقد روى ذلك ابن خزيمة من حديث ابن عباس قال: «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تؤدى زكاة رمضان صاعًا من طعام عن الصغير والكبير والحر والمملوك، من أدى سُلْتًا (السلت: نوع من الشعير أبيض لا قشر له) قُبِل منه، وأحسبه قال: من أدى دقيقًا قُبِل منه، ومن أدى سويقًا قُبِل منه» ورواه الدارقطني، ولكن قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا الحديث فقال: منكر؛ لأن ابن سيرين لم يسمع من ابن عباس، وقد استُدِل بذلك على جواز إخراج الدقيق كما يجوز إخراج السويق، وبه قال أحمد وأبو القاسم الأنماطي؛ لأنه مما يكال وينتفع به الفقير، وقد كفى فيه الفقير مؤنة الطحن.
وقال الشافعي ومالك: إنه لا يجزئ إخراجه؛ لحديث ابن عمر المتقدم؛ ولأن منافعه قد نقصت. نيل الأوطار (4/ 216).
قوله: «فلم نزل نُخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجًا، أو معتمرًا، فكلَّم الناس على المنبر، فكان فيما كلَّم به الناس أن قال: إني أرى أن مُدَّين من سمراء الشام، تعدل صاعًا من تمر»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قول معاوية على المنبر بحضرة الجمّ الغفير من الصحابة وغيرهم -رضى الله عنهم-: «أرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعًا من تمر»، وخلاف من خالفه في ذلك، ولم يذكر هو ولا أحد ممن حضر النص في ذلك عن النبي -عليه السلام- يضعف مذهب رواية الكوفيين، ورواية من نص على نصف الصاع من البر، إذ لو كان لم يَخْفَ على جميعهم.
فإن قيل: وهل يضعف -أيضًا- تأويل الطعام على البر؛ إذ لو كان عندهم ذلك معلومًا لاحتج به الحاضرون على معاوية؟ قيل: قد احتج به أبو سعيد في الحديث نفسه، وهو رواية، وفيه: «صاع من طعام»، ثم قال في آخر الحديث: «أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه» وأيضًا فإن معاوية لم يطلق ذلك على كل البر، إنما قال: «من سمراء الشام» لما فيها من الريع، وقد يكون هذا اجتهاد منه مع معرفته بأصل الحديث المذكور. إكمال المعلم (3/ 483).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «عدله»... أي: نظيره....، قوله: «مُدَّين» تثنية مُدٍّ، وهو ربع الصاع. عمدة القاري (9/ 116).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
ولابن خزيمة: «فكان ذلك أول ما ذكر الناس المدين»، وهذا يدل على وهن ما ذُكر عن عمر وعثمان: أنهما قالا بالمدين، فليس في المسألة إجماع سكوتي، خلافًا للطحاوي. شرح الموطأ (2/ 221).
قوله: «فأخذ الناس بذلك، قال: أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبدًا ما عِشت»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فأخذ الناس بذلك» في صنيع معاوية، وموافقة الناس له: دلالة على جواز الاجتهاد للصحابة ومن بعدهم، وهو محمود، لكنه مع وجود النص فاسد الاعتبار.
«فقال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه أبدًا ما عشت» فيه: فضيلة أبي سعيد، وما كان عليه من شدة الاتباع، والتمسك بالأحاديث النبوية والآثار، وترك الاجتهاد مع وجود النص. شرح سنن أبي داود (7/ 608).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
«فأما أنا فلا أزال أخرجه» أي: لا أزال أخرج من القمح صاعًا كاملًا مدة حياتي، وفي رواية لمسلم: «لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم» يعني به: الصاع كاملًا. المنهل العذب المورود (9/ 231).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- حديث: «فَرَضَ زكاةَ الفِطْرِ مِن رمضانَ على النَّاسِ، صاعًا مِن تمرٍ، أو صاعًا مِن شعيرٍ».
- فتوى اللجنة الدائمة في حديث: لا يرفع صوم رمضان حتى تعطى زكاة الفطر