الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«أَلَا لا يَبِيتَنَّ رجلٌ عندَ امرأةٍ ثَيِّبٍ إلّا أن يكونَ ناكِحًا أو ذَا مَحْرَمٍ»


رواه مسلم برقم: (2171)، من حديث جابر -رضي الله عنهما -.


غريب الحديث


«يَبِيتَنَّ»:
باتَ يبيتُ بيتوتة ومبيتًا ومباتًا فهو بائت، وتأتي نادرًا بمعنى: نام ليلًا، وفي الأعم الأغلب بمعنى: فعل ذلك الفعل بالليل... وقال الأزهري: قال الفراء: ‌بات الرجل: إذا سهر الليل كُله في طاعة أو معصية... وقد تأتي بمعنى: صار يقال: ‌بات بموضع كذا، أي: صار به سواء كان في ليل أو نهار... والبيت المسكن. المصباح المنير، للفيومي (1/ 67).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
وكلُّ ‌مَن ‌أدركه ‌الليل ‌فقد ‌بات ‌‌يَبِيتُ، ‌نام ‌أو ‌لم ‌يَنمْ. النهاية (1/ 171).

«ثَيِّبٍ»:
الثيِّب: مَن ليس ببِكْرٍ، ويقع على الذكر والأنثى، رجل ‌ثيّب وامرأة ‌ثيّب، وقد يطلق على المرأة البالغة وإن كانت بكرًا، مجازًا واتساعًا...، وأصل الكلمة الواو؛ لأنه من ثاب يثوب إذا رجع، كأن الثيب بصدد العود والرجوع. النهاية، لابن الأثير (1/ 231).


شرح الحديث


قوله: «أَلا لا يَبِيتَنَّ رجلٌ عندَ امرأةٍ ثَيِّبٍ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ألا» أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم. الكوكب الوهاج (22/ 125).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ألا» أداة استفتاح وتنبيه، «لا» ناهية، قوله: «‌يبيتنّ» مجزوم المحل، مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد. البحر المحيط الثجاج (35/ 583).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ألا لا ‌يبيتنّ ‌رجل» أي: في بيت واحد «عند امرأة ‌ثيب» المراد من البيتوتة: الاختلاء بها ليلًا كان أو نهارًا. شرح المصابيح (3/ 546).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ألا لا يبيتنّ رجل» «ألا» أداة استفتاح تفيد تأكيد الجملة، وزيادة الاهتمام بمضمونها، والنهي عن المبيت ليس مقصودًا لذاته، بل المقصود: الدخول والخلوة، نهارًا أو بياتًا، ففي الرواية الثانية: «إياكم والدخول على النساء»، وفي الرواية الثالثة: «لا يدخلنّ رجل على مغيبة»، «عند امرأة ثيب» خصَّ الثيب بالذِّكر؛ لأنها التي يُدخَل إليها غالبًا، وأمَّا البِكر فمصُونة في العادة، مجانبة للرجال كثيرًا فلم يحتج إلى ذِكرها، وهو من باب التنبيه؛ لأنه إذا نهي عن الدخول على الثيب، التي يتساهل الناس في الدخول عليها في العادة، فالبكر أولى. فتح المنعم (8/ 502-503).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
خصّ الثيب دون الأبكار؛ إذ العادة احتجاب الأبكار عن الرجال، فكيف أن يدخل عليهنّ أو يباح عندهنّ. إكمال المعلم (7/ 60).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
إنما خصّ الثيب بالذكر وإن كانت البكر في حكمها أيضًا؛ لأن البكر كالشيء المختوم عليه، ولها زواجر من نفسها: منها: كونها لم تعرف هذا الفنّ ولم تذق لذته، ومنها: شدة الحياء لبعدها عن الرجال، ومنها: حذرها من الألم، ومنها: خوف الفضيحة، وكل هذه الأشياء تقاوم ما تؤثره فترده أو تقفه، وللرجل من جملة زواجره: خوفه الفضيحة بافتضاضها، والثيب قد ارتفعت هذه الموانع في حقها؛ فلذلك خُصَّت بالذكر. كشف المشكل (3/ 107).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا الحديث لا دليل خطاب له بوجه؛ لأن الخلوة بالأجنبية -بكرًا كانت، أو ثيبًا، ليلًا أو نهارًا- محرمة؛ بدليل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يخلونّ ‌رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان»، وبقوله: «لا يدخلنّ ‌رجل على مغيبة إلا ومعه ‌رجل، أو رجلان»، وبقوله: «إياكم والدخول على المغيبات»، وبالجملة: فالخلوة بالأجنبية حرام بالاتفاق في كل الأوقات، وعلى كل الحالات، وإنما خصّ المبيت عند الثيب بالنهي؛ لأن الخلوة بالثيب بالليل هي التي تمكن غالبًا، فإن الأبكار يتعذر الوصول إليهنّ غالبًا للمبالغة في التحرُّز بهنّ، ولنفرتهنّ عن الرجال، ولأنّ الخلوة بالنهار تندر، فخرج النهي على المتيسر غالبًا. المفهم (5/ 500).

قوله: «إلّا أن يكونَ ناكِحًا أو ذا مَحْرَمٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلا أن يكون» أي: ذلك الرجل «ناكحًا» أي: زوجًا «أو ذا محرم» أي: مَن حرُم عليه نكاحها على التأبيد ولو بالرضاع؛ ولذا لم يقل: ذا رحم محرم. مرقاة المفاتيح (5/ 2051).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «إلا أن يكون ناكحًا» أي: زوجًا لها، قوله: «أو ذا محرم» أي: صاحب حُرمة، وذلك بأن تكون المرأة من ذوات محارمه، وهي التي لا يجوز له الزواج بها، وهي مَن حرمت بالنسب؛ أي: بالقرابة كالأم والبنت والأخت، أو حرمت بالرضاع كأمه من الرضاع أو أخته، أو بالمصاهرة كأم زوجته وزوجة أبيه أو نحو ذلك، قوله: «إلا مع ذي محرم» استثناء منقطع؛ لأن وجود المحرم ليس خلوة، أو تسميته خلوة تسامح. منحة العلام (8/ 114).
وقال النووي -رحمه الله-:
معناه: لا يبيتنّ رجل عند امرأة إلا زوجها أو محرم لها، قال العلماء: إنما خصّ الثَّيب لكونها التي يُدخَل إليها غالبًا، وأما البِكر فمصونة متصونة في العادة مجانبة للرجال أشد مجانبة فلم يحتج إلى ذكرها، ولأنه من باب التنبيه؛ لأنه إذا نُهِي عن الثيب التي يتساهل الناس في الدخول عليها في العادة فالبكر أولى، وفي هذا الحديث والأحاديث بعده: تحريم الخلوة بالأجنبية وإباحة الخلوة بمحارمها، وهذان الأمران مجمع عليهما، وقد قدَّمنا أن المحرَم هو كل مَن حَرُم عليه نكاحها على التأبيد لسبب مباح لحرمتها، فقولنا: "على التأبيد" احتراز من أخت امرأته وعمتها وخالتها ونحوهنّ ومن بنتها قبل الدخول بالأم، وقولنا: "لسبب مباح" احتراز من أم الموطوءة بشبهة وبنتها، فإنه حرام على التأبيد؛ لكن لا لسبب مباح، فإن وطء الشبهة لا يوصف بأنه مباح ولا محرم ولا بغيرهما من أحكام الشرع الخمسة؛ لأنه ليس فعل مكلف، وقولنا: "لحرمتها" احتراز من الملاعنة فهي حرام على التأبيد لا لحرمتها بل تغليظًا عليهما -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (14/ 153).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
والمعنى: أنه لا يمكث عندها بالليل خاليًا بها، ومفهومه أنه يجوز له البقاء عندها في النهار خلوة أو غيرها، لكن حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- دَلَّ على المنع من الخلوة مطلقًا ليلًا أو نهارًا. منحة العلام (8/ 113).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
والمحرَم -بفتح فسكون ففتح-: مَن يحرم عليه نكاح المرأة على التأبيد لأجل النسب أو الرضاعة أو المصاهرة. منة المنعم (3/ 441).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
حديث جابر -رضي الله عنه- دليل على أنه لا يجوز للرجل أن يبيت عند امرأة إلا أن يكون زوجًا لها أو ذا محرم منها كأخيها أو عمها ونحو ذلك؛ لأن الشيطان حريص على إغواء الناس وإيقاعهم في الذنوب والمعاصي، ولا سيما في المبيت؛ لأنه محل السكن وانقطاع الاتصال بالناس، ومثل هذا مظنة إيقاع الفاحشة بها، وإذا نهي عن الخلوة بالأجنبية ولو لمدة قصيرة فالمبيت من باب أولى؛ لأن الخطر فيه أكثر، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يخلونّ رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان»، يقول الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-: "لكن في مثل زماننا هذا قد يُتَّهم المحرَم، سواء أكان من النسب أم من الرضاعة، فينبغي للمرأة التوقي ولو كان محرَمًا؛ لأن بعض المحارم لا يؤمن، فلا يبيت عندها إلا إذا كان معها غيرها من النساء، فالحاصل: أن المقام مقام عظيم خطير، والواجب على المرأة أن تتحرى أسباب الأمن وتبتعد عن أسباب الخطر". منحة العلام (8/ 114).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:
1- تحريم الخلوة بالأجنبية، وهي التي ليست لك بزوجة ولستَ من محارمها.
2- إباحة خلوة المرأة بمحارمها.
3- حرص الإسلام على صيانة المجتمع من أسباب الفساد. فقه الإسلام (8/ 54).

ويُنظر حديث: «إيَّاكُمْ والدخولَ على النساءِ ...»


إبلاغ عن خطأ