«نَهَى رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عنِ الشِّراءِ والبيعِ في المسجدِ، وأنْ تُنْشَدَ فيه الأشعَارُ، وأنْ تُنْشَدَ فيه الضَّالَّةُ، وعنِ الحِلَق يومَ الجُمعة قبلَ الصلاةِ».
رواه أحمد برقم: (6676) واللفظ له، وأبو داود برقم: (1079)، والترمذي برقم: (322)، والنسائي برقم: (714) ورقم: (715)، وابن ماجه برقم: (749) ورقم: (766(، ورقم: (1133)، بدون ذكر: «إنشاد الضَّالة»، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (6885)، صحيح أبي داود برقم: (991).
غريب الحديث
«تُنْشَد»:
المنشِد هو الْمُعَرِّف، والطالب هُوَ الناشد، يُقال منهُ: نشَدتُّ الضَّالة أَنشُدها نِشْدانًا إذا طلبتُها، فأنا ناشِد، ومن التعرِيف: أنشُدها إنشَادًا فأنا مُنْشِد. غريب الحديث، لأبي عبيد القاسم بن سلام (2/ 133).
وقال الحريري -رحمه الله-:
مِن أوهامهم في غير المضاعف من المضَارع: أنَّهم لا يُفرِّقُون بينَ يُنْشِد (بضم الياء وخفض الشين) ويَنْشُد (بفتح الياء وضم الشين).
فالأول: من أنْشد القصيدة يُنْشِدُها إنشادًا: إذا رفع صوته في إلقائها.
والثَّاني: من نَشد ضالَّته يَنْشُدها نِشدانًا: إذا طلبها وبحث عنها. درة الغواص في أوهام الخواص (ص: 285-286).
«الضَّالَّةُ»:
ضَلَّ الشيءُ: إذا ضَاع، وضلَّ عنِ الطَّريق إذا حارَ، وهي في الأصْل: فاعِلةٌ، ثُمَّ اتُّسِع فيها فصارت مِن الصِّفات الغالِبة، وتقعُ على الذَّكر والأنثى، والِاثْنَيْنِ والجَمْع، وتُجمع على ضَوالّ. النهاية، لابن الأثير (3/ 98).
«الحِلَق»:
الحِلَق -بكسرِ الحاء، وفَتْحِ اللَّامِ-: جَمْعُ الحَلْقَة، مثل قَصْعة وقِصَع، وهي الجماعةُ مِن الناسِ مُسْتَدِيرُونَ كحَلْقة البابِ وغيرِهِ. النهاية، لابن الأثير (1/ 426).
«يُستقاد»:
القَوَدُ بفتحتين: القصاص، وأقَاد القاتل بالقتيل: قتله به. مختار الصحاح (ص: 560)
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «نَهَى رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عنِ الشِّراءِ والبيعِ في المسجدِ»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الشراء و» عن «البيع» الكائنين «في المسجد» لأنها لم تُبْنَ لذلك. دليل الفالحين (8/ 521).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«نهى عن الشراء والبيع في المسجد» لأنه إنما بني لطاعةٍ مِن ذِكر وتلاوة وصلاة. التنوير (10/ 546).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
إذ نهي عن البيع والشراء في المسجد؛ ففي معناه أبواب المكاسب كلها، كان أحمد وإسحاق يكرهان للخياطين الخياطة في المسجد، وسهّل أحمد في الكتابة في المسجد.
قال أبو بكر (ابن المنذر): لا فرق بين كسب الخياط، وكسب الورّاق. الأوسط (5/ 114).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
لا بأس بالشيء الخفيف من ذلك فيها، ولا بأس بالصدقة فيها على المتعرِّض، ولا بأس بوضع الصدقة فيها ليأكل منها كل فقير؛ كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- حين علق القِنْو فيه، ولا بأس بقسم مال المشركين فيه؛ كما وضع النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه المال الذي قُدِم به من البحرين وقسمه بين الناس فيه، ولا بأس بكون الناس فيه حِلَقًا في غير يوم الجمعة. عارضة الأحوذي (2/ 119).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الشراء والبيع في المسجد» يدل على منع عمل الصنائع فيه، كالخياطة وشبهها، وقد منع بعضُ أهل العلم تعليم الصبيان في المساجد، فإن كان منعوا ذلك لأجل أخذ الإجارة (الأجرة) على ذلك التعليم، فيكون ضربًا من البيع في المسجد، يجري ذلك أيضًا في غير الصبيان إذا كان بإجارة، وإن كان لمضرة المسجد بالصبيان لم يشركهم في ذلك إِلا من شاركهم في هذه العلة.
قال القاضي (عياض): قال بعض شيوخنا: إنما يمنع في المساجد مِن عمل الصنائع ما يخص نفعُه آحادَ الناس مما يَكْتَسِبُ به، فلا يتخذ المسجدُ متجرًا، فأما إن كانت لما يشمل منفعةَ المسلمين في دينهم، مثل: المثاقفة (أي: الملاعبة بالسيف ونحوه) وإصلاح آلات الجهاد مما لا مهنة (امتهان) في عمله للمسجد؛ فلا بأس به، وحكى بعضُهم اختلافًا في تعليم الصبيان فيها. إكمال المعلم (2/ 503).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
القول بمنع تعليم الصبيان في المسجد إذا لم يترتب عليه ضرر غير صحيح؛ لأن تعليم النبي -صلى الله عليه وسلم- للكبار والصغار كان في المسجد، وكذلك في عهد الصحابة -رضي الله عنهم-، ولم تُبْنَ المدارس المعروفة إلا متأخرة، فتبصَّر -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (12/ 512).
وقال ابن كثير -رحمه الله-:
أما أنَّه لا يُتَّخذُ سوقًا؛ فلِما تقدم من النهي عن البيع والشراء فيه، فإنه إنما بُني لذكر الله، والصلاة فيه، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- لذلك الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد: «إنَّ المساجد لم تُبْنَ لهذا؛ إنما بُنيت لذكر الله، والصلاة فيها». تفسير القرآن العظيم (10/ 245).
وقال العيني -رحمه الله-:
ويتعلَّق به ما في معناه من نحو: الإجارة، وعقد المضاربة، والمزارعة، ونحو ذلك من العقود. نخب الأفكار (16/ 489).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
أما البيع والشراء فذهب جمهور العلماء إلى أنَّ النهي محمول على الكراهة، قال العراقي: وقد أجمع العلماء على أنَّ ما عُقِد من البيع في المسجد لا يجوز نقضه، وهكذا قال الماوردي، وأنت خبير بأنّ حمل النهي على الكراهة يحتاج إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي الذي هو التحريم عند القائلين بأنَّ النهي حقيقةٌ في التحريم وهو الحق، وإجماعهم على عدم جواز النقض، وصحة العقد لا منافاة بينه وبين التحريم، فلا يصح جعله قرينة لحمل النهي على الكراهة، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه لا يكره البيع والشراء في المسجد، والأحاديث ترُدُّ عليه، وفرَّق أصحاب أبي حنيفة بين أنْ يغلب ذلك ويكثر فيُكره، أو يَقِل فلا كراهة، وهو فرْقٌ لا دليل عليه. نيل الأوطار (2/ 182).
قوله: «وأنْ تُنْشَدَ فيه الأشْعَارُ»:
قال عبد الحق الدِّهلوي -رحمه الله-:
قوله: «عن تناشد الأشعار» أنشد الشعر: قرأه، وتناشد: أنشد بعضهم بعضًا، والنِّشْدَةُ بالكسر: الصوت، والنشيد: رفع الصوت، والشعر المتناشد كالأنشودة. لمعات التنقيح (2/ 485).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف العلماء في إنشاد الشعر في المسجد: فأجازته طائفة إذا كان الشعر مما لا بأس بروايته، قال ابن حبيب: رأيتُ ابن الماجشون ومحمد بن سلام ينشدان فيه الشعر، ويذكران أيام العرب وقد كان اليربوع، والضحاك بن عثمان ينشدان مالكًا ويحدثانه بأخبار العرب، فيصغي إليهما، وخالفهم في ذلك آخرون، فكرهوا إنشاد الشعر في المسجد، واحتجوا بما رواه الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن الرسول كرِه أن يُنْشَد الشعر في المسجد، وأن تُباع فيه السلع، وأن يُتَحلَّق فيه قبل الصلاة» قال الطحاوي: وحجة أهل المقالة الأولى: ما ذكره البخاري في بدء الخلق، أن عمر مرّ في المسجد وحسان ينشد فيه، فزجره، فقال: «كنتُ أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، وكان ذلك بحضرة أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فلم ينكره أحد منهم، ولا أنكره عمر أيضًا، فكأن الشعر الذي نُهِيَ عن إنشاده في المسجد: الشعر الذي فيه الخَنَا (الفُحْش والكلام القبيح) والزور، ويجوز أن يكون الشعر الذي يغلب على المسجد حتى يكون كل مَن في المسجد متشاغلًا به، كما تأول أبو عبيد في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لأن يمتلئ جوفُ أحدكم قيحًا حتى يَرِيَهُ (أي: حتى يصيب رئته)؛ خير له من أن يمتلئ شعرًا» أنه الذي يغلب على صاحبه. شرح صحيح البخاري (2/ 103).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان في مدح الدين، وإقامة الشرع، وإن كانت فيه الخمر ممدوحة بصفاتها الخبيثة؛ من طيب رائحة، وحسن لون، إلى غير ذلك مما يُذكر ممن يعرفها؛ فقد مدح فيه كعبُ بن زهير رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال:
"بانت سعادُ فقلبي اليوم متبولُ" إلى قوله في صفة ريقها: "كأنه منهلٌ بالرَّاح معلول". عارضة الأحوذي (2/ 119).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وأن ينشد فيه شعر» وهذا للتنزيه، وإلا فقد ورد أنه أنشد حسان، وكذلك كعب بن زهير. التنوير (10/ 546).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فالجمع بينها (أي: الأحاديث التي تنهى عن إنشاد الشعر في المسجد) وبين حديث الباب (أي: قول حسان لأبي هريرة: «أنشدك الله، هل سمعتَ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: يا حسان، أجب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، اللهم أيده بروح القدس؟») أنْ يُحمل النهي على تناشُد أشعار الجاهلية والمبطلين، والمأذون فيه ما سلِم من ذلك، وقيل: المنهي عنه ما إذا كان التَّناشد غالبًا على المسجد حتى يتشاغل به من فيه، وأبعد أبو عبد الملك البوني فأعملَ أحاديث النهي، وادَّعى النسخ في حديث الإذن، ولم يوافق على ذلك، حكاه ابن التِّين عنه، وذكر أيضًا أنه طرد هذه الدعوى فيما سيأتي من دخول أصحاب الحراب المسجد، وكذا دخول المشرك. فتح الباري (1/ 549).
قوله: «وأنْ تُنْشدَ فيه الضَّالَّةُ»:
قال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «يَنشُد» بفتح الياء، وضم الشين يقال: نشدت الضالة بمعنى طلبتها، وأنشدتها عرّفتها.
الضالة: تطلق على الذكر والأنثى، والجمع: ضوَال، كدابة ودوابّ، وهي مختصة بالحيوان، ويقال لغير الحيوان: ضائع ولقيط. نيل الأوطار (2/ 182).
وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية في المشهور عندهم إلى كراهة نُشدان الضالة في المسجد؛ فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الشراء والبيع في المسجد أو يُنشد فيه ضالة أو يُنشد فيه شعر.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا: لا ردَّها الله عليك»، وعنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من سمع رجلا يُنشِد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا». الموسوعة الفقهية(37/٢١٥)
وقال الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله-:
لا يجوز أن ينشد الضَّالة في المسجد؛ بل هو حرام. تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (5/ 277).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ذهب مالك في جماعة من أهل العلم إلى كراهة رفع الصُّوت في المسجد في العِلم وغيره، وقال: ما للعلم ترفع فيه الأصوات، وأجاز أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن مسلمة من أصحابنا رفع الصوت فيه في الخصومة والعلم، وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس؛ لأنه مجتمعهم ولا بد لهم منه. إكمال المعلم (2/ 502).
قوله: «وعنِ الحِلَق يومَ الجمعة قبلَ الصلاةِ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
«الحِلَق» مكسورة الحاء، مفتوحة اللام: جماعة الحَلْقة، وكان بعض مشايخنا يرونه أنه: «نهى عن الحَلْق» بسكون اللام! وأخبرني أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة يوم الجمعة، فقلتُ له: إنما هو الحِلَق: جمع الحَلْقة؛ وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة، وأمر أنْ يشتغل بالصلاة، وينصت للخطبة والذكر، فإذا فرغ منها كان الاجتماع والتَّحلق بعد ذلك، فقال: قد فرّجتَ عنّي، وجزاني خيرًا، وكان من الصالحين -رحمه الله-. معالم السنن (1/ 247).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
وإنما نهى عنه لمعنيين:
أحدهما: أنَّ تلك الهيئة تخالف اجتماع المصلين، كما نهى عن تشبيك الأصابع عند الخروج إلى الصلاة؛ وذلك في حديث كعب بن عُجْرة- رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه فإنه في الصلاة» كره -صلى الله عليه وسلم- أنْ يخالف هيئته هيئة المصلين.
والآخر: أنَّ الاجتماع للجمعة خطبٌ جليل لا يسع من حضرها أن يهتم بما سِواها حتى يفرغ منها، وتحلق الناس قبل الصلاة مُوهم بالغفلة عن الأمر الذي نُدبوا إليه، والاهتمام بما سِوى ذلك، وفي هذا توهين لأمر الدِّين، وتعرُّض لِسوء الظن. الميسر في شرح مصابيح السنة(1/ 216).
وقال عبد الحق الدِّهلوي -رحمه الله-:
قوله: «أنْ يتحلَّق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة في المسجد» وهو أن يجلسوا متحلقين حلقةً واحدةً أو أكثر وإنْ كان لمذاكرة عِلم، وذكروا في ذلك وجوهًا:
أحدها: أنَّ التحلُّق يخالف هيئة اجتماع المصلِّين.
وثانيها: أنَّ اجتماع الجمعة خطب جليل، لا يسع من حضرها أن يهتم بما سواها حتى يفرغ منها، والتحلُّق قبل الصلاة يوهم غفلتهم عن الأمر الذي نُدِبوا إليه، وعلى هذين الوجهين لا ينبغي التحلق عند الخطبة وقبلها.
وثالثها: أنَّ الوقت وقت الاشتغال بالإنصات للخطبة، وهذا الوجه يختص بالنهي عن التحلُّق عند الخطبة، وفي رواية: «نهى عن الحِلَق قبل الصلاة» بكسر حاء وفتحها وفتح اللام؛ جمع: حَلْقة. لمعات التنقيح (2/ 485).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
إنما نهى عنه يوم الجمعة لأنهم ينبغي لهم أن يكونوا صفوفًا يستقبلون الإمام في الخطبة، ويعتدلون خلفه في الصلاة. عارضة الأحوذي (2/ 119).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وإنَّما نهاهم -عليه الصلاة والسلام- عن التَّحلق؛ لأن القومَ إذا تحلَّقوا فالغالبُ عليهم التكلمُ ورفع الصوت، وإذا كانوا كذلك لا يستمعون الخطبة، والناسُ مأمورون باستماع الخطبة والسكوت، بحيثُ لا يسلِّمُ من دخل وقت الخُطبة، ولو سلَّم أحدٌ لا يُجاب. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 84).
وقال العيني -رحمه الله-:
النهي عن التحلُّق فيها قبل الصلاة؛ وذلك حتى يتأهبوا للصلاة، وسواء كان التحلُّق للعلم والمذاكرة أو غير ذلك، ولا يكره التحلُّق بعد الفراغ من الصلاة، ومورد الحديث في التحليق قبل الصلاة يوم الجمعة؛ ولهذا بوَّب أبو داود -رحمة الله عليه- قال: باب: "التحليق يوم الجمعة قبل الصلاة" ثم روى الحديث المذكور. نخب الأفكار (16/ 489).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«وأنْ يتحلَّق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة» حمله الجمهُور على الكراهة؛ وذلك لأنه ربما قطع الصفوف مع كونهم مأمورين بالتبكير يوم الجمعة، والتراصّ في الصفوف، الأول فالأول. قوت المغتذي (1/ 145).
وقال الشيخ عبد المحسن العبّاد -حفظه الله-:
«والتَّحلُّق» هو وجود حلقَات يكون فيها عِلم قبل الصلاة؛ وذلك أنَّ على الإنسان عندما يأتي إلى المسجد أن يشتغل بذكر الله -عزَّ وجل-، وبقراءة القرآن، وبالصلاة، أما كونه يجلس ويعلِّم العلم في ذلك الوقت ففيه شغل للناس عن الاشتغال بالصلاة، وعن ذِكر الله -عز وجل-، وقد كان أصحاب رسول الله -عليه الصلاة والسلام- و -رضي الله عنهم وأرضاهم- إذا جاؤوا المسجد مُبكرين يصلون ما كتب الله لهم أن يصلوا، ثم يجلسون ولا يقومون إلا للصلاة، وحصول الحلقَات العلمية قبل صلاة الجمعة فيها شُغل عن الصلاة وعن الذكر، وأيضًا فيها قطع للصفوف وعدم وصل لها، حيث يمنعون الناس أن يتموا الصف الأول فالأول...، فلهذا نهى رسول الله -عليه الصلاة والسلام- عن ذلك، ولكن النهي مُقيدٌ بما قبل الصلاة، أما بعد الصلاة فلا بأس به. شرح سنن أبي داود (136/ 11).
قوله: «وأن تُقام فيه الحدود»:
قال الرازي -رحمه الله-:
(حده) أقام عليه الحد ... وإنما سمي حدًا؛ لأنه يمنع من المعاودة. مختار الصحاح (ص: 68).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
ولا يقام الحد في المسجد عندنا؛ لأنه لا يؤمن أن ينفصل من المجلود نجاسة. الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (2/ 151).
وقال الدسوقي -رحمه الله-:
ولا يقام عليه الحد في المسجد؛ لئلا يؤدي إلى تنجيسه. الشرح الكبير، للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (4/ 261).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
والكراهة في إقامة الحد في المسجد أشد؛ لخوف التلويث مع رفع الصوت. العزيز شرح الوجيز (12/ 460).
وقال ابن مفلح -رحمه الله-:
قال ابن تميم: ولا يجوز أن يقام في المسجد حد. وقال في الرعاية الكبرى في باب مواضع الصلاة: ويسن أن يُصان عن إقامة حدٍّ فيه، وكذا قال في الصغرى. وقال في الحاوي الكبير: ويُجَنَّب المسجد إقامة الحدود، وكذا قال في المستوعب. وقال في المقنع في كتاب الحدود: ولا تقام الحدود في المساجد، وكذا قال في المحرر والوجيز والمنور وغيرهم، وذكر ابن عقيل في الفصول أنه لا تجوز إقامة الحدود في المساجد، وقد قال في رواية ابن منصور: لا تقام الحدود في المساجد. انتهى.
قلت: الصواب التحريم، للنهي عن ذلك -والله أعلم-. الفروع وتصحيح الفروع (7/ 401).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
ويدخل في هذا كل أمر لم يُبْنَ له المسجدُ مِن أمور معاملات الناس واقتضاء حقوقهم، وقد كره بعضُ السلف المسألةَ في المسجد، وكان بعضُهم لا يَرى أن يُتَصدَّق على السائل المتعرِّض في المسجد. معالم السنن (1/ 143).
وقال النووي -رحمه الله-:
تُكره الخُصومة في المسجد، ورفع الصوت فيه، ونشد الضَّالة، وكذا البيع والشراء والإجارة ونحوها من العقود، هذا هو الصحيح المشهور، وللشافعي قولٌ ضعيفٌ أنَّه لا يكره البيع والشراء. المجموع (2/ 175).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فيه دلالة على النهي من رفع الصوت في المسجد بأمر دنيوي، كالبيع والشراء...
ومنها: أنَّ المازري استنبط من الحديث: منع السؤال في المسجد.
قال الجامع -عفا الله عنه-: السائل في المسجد، قيل: يحرم إعطاؤه، وقيل: لا، وقيل: إنْ كان يتضرر به أهلُ المسجد، بأن يرفع صوته، ويشوش على المصلين، أو يمر بين يدي مصلٍّ، أو يسأل بإلحاف؛ حَرُم إعطاؤه؛ لكونه إعانة على ممنوع، وإلا جاز إعطاؤه، وهذا التفصيل هو الصواب؛ لثبوت أدلته في الأحاديث الصحيحة. البحر المحيط الثجاج (12/ 512).
ولمزيد من الفائدة ينظر: