«أُمرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، ويُقيموا الصلاةَ، ويُؤتوا الزكاةَ، فإذا فعلوا ذلك عصَموا مني دماءَهم وأموالَهم إلا بحقِّ الإسلامِ، وحسابُهم على اللهِ».
رواه البخاري برقم: (25) ومسلم برقم: (22)، من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-.
غريب الحديث
«عَصَمُوا»:
أي: منعوا، والعِصْمة من الله دفع الشر. مجمع بحار الأنوار، للفتني (3/ 608).
شرح الحديث
قوله: «أُمرتُ أن أقاتلَ الناسَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أُمرتُ»: لم يَذكر الآمر للعلم به، أي: أمرني ربي بالوحي الجلي أو الخفي «أن أقاتل الناس» أي: بأن أجاهدهم وأحاربهم. فـ«أن» مصدرية، أو مفسرة لما في الأمر من معنى القول. مرقاة المفاتيح (1/ 80).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
وحذف الفاعل هنا تعظيمًا، من قولهم: أُمر بكذا، ولا يذكرون الآمر تعظيمًا له وتفخيمًا، «أن» أي: بأن؛ لأن الأصل في «أَمَرَ» أن يتعدى لمفعولين، ثانيهما بحرف الجر، فـ"أمرتك الخير". الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 259).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
إذا قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «أُمرتُ» فُهم منه أن الله تعالى أمره، وإذا قاله الصحابي فُهم منه أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمره، فإنَّ مَن اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فُهم منه أن الرئيس أمره. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 46).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «أمرتُ» الآمر له هو الله -عز وجل-، وفي هذا دليل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عبد مأمور مكلَّف يؤمر وينهى كما يؤمر وينهى سائر الناس؛ لأنه عبد من عباد الله -عليه الصلاة والسلام- ليس ربًّا ولا يملك شيئًا من حقوق الربوبية بل هو عبد يؤمر وينهى... فمَن زعم أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- له شيء من الربوبية وأنه ينفع ويضر ويجيب الدعوة ويكشف السوء فقد أشرك بالله وكفر بمحمد -صلى الله عليه وسلم-. شرح رياض الصالحين (5/ 246).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وحكى البيهقي عن الشافعي أنه قال: ليس القتال من القتل بسبيل، فقد يحل قتال الرجل ولا يحل قتله. فتح الباري (1/ 76).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فالمراد بالناس إذًا عبدة الأوثان، والذي يذاق من لفظ «الناس» العموم والاستغراق، كما في قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} الأعراف: 158، وبيانه من وجوه:
أولها: أنه من العام الذي خُص منه البعض؛ وذلك لأن القصد الأَولى من هذا الأمر حصول هذا المطلوب، كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات: 56 فإذا تخلَّف منه في بعض الصور لعارض لا يقدح في عمومه، ألا ترى أن عبدة الأوثان إذا وقعت المهادنة معهم تسقط عنهم المقاتلة وتثبت العصمة.
وثانيهما: أن يعبر بمجموع الشهادتين وفعل الصلاة والزكاة عن إعلاء كلمة الله وإظهار دينه وإذعان المخالفين، فيحصل ذلك في بعضهم بالقول والفعل، وفي بعضهم بإعطاء الجزية، وفي الآخرين بالمهانة، ألا ترى أن المنافق إذا أظهر الإيمان سقط عنه القتل، ودخل تحت العصمة، وهو أغلظ كفرًا من الكتابي؟ وسبيل هذا الأسلوب سبيل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الأحزاب: 57، وإيذاء الله محال، فجعل عبارة عما يكرهانه، ولا يرضيان به ليعم.
وثالثهما: أن الغرض من الجزية وإنزال الصغار والهوان على الذمي اضطرارهم إلى الإسلام، وإبدالهم العزة بالذلة، وسبب السبب سبب؛ فيكون المقاتلة سببًا للقول والفعل، ويظهره قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} الزمر: 6 الْمُنْزَلُ هو المطر، وهو سبب لإنبات الشِّعب وهو سبب لتكثير الحيوان، فعلى هذا غلب في الحديث السبب الأول -أي: المقاتلة- على السبب الثاني -أخذ الجزية- كما غلب العم على أحد الأبوين، على أن الاحتمال قائم في أن ضرب الجزية كان هذا بعد القول. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 452- 453).
قوله: «حتى يشهدوا أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«حتى» هل هي للتعليل بمعنى: أن أقاتل ليشهدوا، أو هي للغاية بمعنى: أقاتلهم إلى أن يشهدوا؟
والجواب: هي تحتمل أن تكون للتعليل ولكن الثاني أظهر، يعني: أقاتلهم إلى أن يشهدوا. شرح الأربعين النووية (ص: 126).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حتى يشهدوا» وفي رواية: «حتى يقولوا»، «أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله». مرقاة المفاتيح (1/ 80).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «حتى يشهدوا» كلمة «حتى» ها هنا للغاية، بمعنى "إلى"... قوله: «يشهدوا» منصوب بأن المقدرة؛ إذ أصله: أن يشهدوا، وعلامة النصب سقوط النون؛ لأن أصله: يشهدون، قوله: «أن لا إله إلا الله» أصله بأن لا إله إلا الله، والدليل عليه ما جاء في الرواية الأخرى: «حتى يقولوا»، قوله: «وأن محمدًا» عطف على «أن لا إله إلا الله»، والتقدير: وحتى يشهدوا أن محمدًا رسول الله. عمدة القاري (1/ 180).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
و«حتى» هي غاية للقتال، ويحتمل أن تكون غاية للأمر به، فإن قلتَ: إذا شهد وأقام وآتى فمقتضى الحديث أن يترك القتال وإن كفر بسائر ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- لكنه ليس كذلك، قلتُ: الشهادة برسالته تتضمن التصديق بما جاء به مع أنه يحتمل أنه ما جاء بسائر الأشياء إلا بعد صدور هذا الحديث، أو عُلم ذلك من دليل آخر خارجي كما جاء في الرواية الأخرى: «ويؤمنوا بي وبما جئتُ به». الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (1/ 122).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«حتى يشهدوا أن» أي: أنه «لا إله» أي: لا مُستغني بذاته عما سواه ومفتقر إليه كل ما عداه موجود «إلا الله، و» يشهدوا «أن محمدًا رسول الله» وفي رواية: «حتى يقولوا: لا إله إلا الله» اكتفاء بها عن أختها مع إرادتها كما في: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} النحل: 81 أي: والبرد، أي: حتى يؤمنوا بأنه تعالى واحد لا شريك له وأن محمدًا رسول الله. دليل الفالحين (3/ 269).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وقوله -عليه الصلاة والسلام-: «حتى يشهدوا» وإن كان غاية ففيه معنى الشرط، وحكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فكفُّ القتال عنهم مشروط بالشهادتين والصلاة والزكاة، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط، وإذا انتفى فعل الصلاة والزكاة انتفى كفُّ القتال والقتل، وصار التقدير: إن صلوا وزكوا كُفَّ عنهم القتال، ويشهد له قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا} التوبة: 5، وفي الأخرى: {فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} التوبة: 11. المعين على تفهم الأربعين (ص: 176).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«حتى يقولوا: لا إله إلا الله» الاحتمال قائم على أن ضرب الجزية كان بعد هذا القول، والغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام، فكأنه قال: حتى يقولوا: لا إله إلا الله، أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام، والمراد حتى يُسْلِمُوا أو يعطوا الجزية، واكتفى بما هو المقصود الأصلي من خلق الخلائق. شرح سنن أبي داود (7/ 424).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال الطبري: فإن قال قائل: ما وجه هذا الحديث وقد علمتَ أن أجناسًا من أهل الكفر أُمرنا بقتالهم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله؟
قيل: قد جاء في بعض طرق هذا الحديث: «أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، وحديث هذا الباب إنما قاله -عليه السلام- في حال قتاله لأهل الأوثان الذين كانوا لا يقرون بتوحيد الله، وكانوا {إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} الصافات: 35، فدعاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الإقرار بالوحدانية وخلع ما دونه من الأوثان، فمَن أقر بذلك منهم كان في الظاهر داخلًا في صبغة الإسلام، وقاتل آخرين من أهل الكفر كانوا يوحدون الله غير أنهم كانوا ينكرون نبوة محمد فقال: «أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، وذلك أن كفرهم كان جحدًا بالنبوة فمَن أقر بما عليه قوتل، فقد حرم دمه وماله إلا بظهور نقض شرائط ما أقرَّ به بعد الإقرار بجملته. شرح صحيح البخاري (2/ 53).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «حتى يشهدوا» جُعلت غاية المقاتلة وجود ما ذُكر فمقتضاه أن مَن شهد وأقام وآتى عُصم دمه ولو جحد باقي الأحكام، والجواب: أن الشهادة بالرسالة تتضمن التصديق بما جاء به مع أن نص الحديث وهو قوله: «إلا بحق الإسلام» يدخل فيه جميع ذلك، فإن قيل: فلمَ لم يكتفِ به ونصَّ على الصلاة والزكاة؟
فالجواب: أن ذلك لعظمهما والاهتمام بأمرهما؛ لأنهما أُمَّا العبادات البدنية والمالية. فتح الباري (1/ 76).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «حتى يشهدوا» أو يأتوا بما في حكم الشهادة؛ كقبول الجزية من أهل الكتاب، والمهادنة من عبدة الأوثان، والاستئمان في الكل، أو يكون ورود هذا القول قبل هذه الأحكام. لمعات التنقيح (1/ 232).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» أي: حتى يشهدوا بألسنتهم وبقلوبهم، لكن مَن شهد بلسانه عَصم دمه وماله، وقلبه إلى الله -عز وجل-، «أن لا إله إلا الله» أي: لا معبود حق إلا الله -عز وجل-، فهو الذي عبادته حق، وما سواه فعبادته باطلة.
«وأن محمدًا رسول الله» محمد: هو ابن عبد الله، وأبرز اسمه ولم يقل: وأني رسول الله للتفخيم والتعظيم، ورسول الله: يعني مرسله. شرح الأربعين النووية (ص: 127).
قوله: «ويُقيموا الصلاةَ، ويُؤتوا الزكاةَ»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
وإنما خَصَّ الصلاة والزكاة بالذكر والمقاتلة عليهما أيضًا بحق الإسلام؛ لأنهما أُمَّا العبادات البدنية والمالية، والعيار على غيرهما والعنوان له، ولذلك سمى الصلاة «عماد الدين» والزكاة: «قنطرة الإسلام»، وأكثر الله -سبحانه- ذكرهما مقترنتين في القرآن. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 46).
وقال المظهري -رحمه الله-:
فإن قيل: لَمَّا لم يذكر الصوم والحج ها هنا، فينبغي ألا يقاتِل أحدًا ممن لا يصوم ولا يحج!
قلنا: قيل: لهذا جوابان:
أحدهما: أن النبي -عليه السلام- إنما خص هذه الأركان الثلاثة لعظم شأنهما؛ لأن الشهادة أفضل شُعب الإيمان وأولها، والصلاة واجبة في كل يوم خمس مرات، وهي مَجْمَعُ جميع العبادات؛ لأن فيها تلاوة القرآن والقيام والركوع والسجود والتسبيح والتكبير وترك الأكل والشرب الذي هو نوع من الصوم وما أشبه ذلك من الخضوع والتذلل، وأما الزكاة فهي حقوق الفقراء وسبب معاشهم وقيامهم بعبادة الله تعالى والقوة على الجهاد، وأيضًا الزكاة أشد شيء على النفس؛ لأن النفس مجبولة على حب المال، فأوجب الله تعالى الزكاة؛ ليخالف الرجل نفسه، ويختار أمر الله تعالى على ما أحبته نفسه.
بخلاف الصوم والحج؛ فإن الحج مؤخر إلى آخر عمر الرجل، فإذا كان للرجل التأخير في أداء الحج إلى آخر عمره، فكيف يقاتله أحد على ترك أداء الحج؟
وأما الصوم فمُسْقِطَاته كثيرة، وهي: المرض والكِبَرُ الذي يضعف به عن الصوم والسفر وإن كان يجب القضاء، وهذه الأشياء ليست بمسقطات الصلاة والزكاة، فإذا كان كذلك لم يكن الصوم مثل الصلاة والزكاة في التأكيد.
ويجوز أن يخصص ما هو الأكمل بالذكر، وتخصيص هذه الأشياء بالذكر لا يدل على نفي وجوب غيرها، بل يُعلم وجوب غير هذه من حديث آخر، وإذا ثبت وجوب غير هذه الأركان بحديث آخر، فتكون كهذه الأركان في توجه المطالبة إلى تاركه. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 78).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «ويقيموا» معنى إقامة الصلاة: إما تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها؛ مِن أقام العود: إذا قوّمه، وإما الدوام عليها مِن قامَت السوق: إذا نفَقَتْ، وإما التجلد والتشمُّر في أدائها مِن قام الحرب على ساقِها، وإما أداؤها تعبيرًا عن الأداء بالإقامة؛ لأن القيام بعض أركانها، والصلاة: هي العبادة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، والزكاة: هي القدر الْمُخْرَجُ من النصاب للمستحق، فإن قلتَ: تارك الصلاة يُقتل ويُقاتَل كما ذكر في الفقهيات، فما حكم تارك الزكاة؟
قلتُ: حكم الزكاة حكمها، ولهذا قاتَل الصِّدِّيق مانعي الزكاة... فإن قلتَ: إذا شهدوا عصموا وإن لم يقيموا ولم يؤتوا؛ إذ بعد الشهادة لا بد من الانكفاف عن القتال في الحال ولا تنتظر الإقامة ولا الإيتاء ولا غيرهما وكان حق الظاهر أن يكتفي بقوله: «إلا بحق الإسلام»؛ فإن الإقامة والإيتاء من حقه، قلتُ: ذكرهما تعظيمًا لهما واهتمامًا بشأنهما وإشعارًا بأنهما في حكم الشهادة، أو المراد ترك القتال مطلقًا مستمرًّا لا ترك القتال في الحال الممكن إعادته بترك الصلاة والزكاة، وذلك لا يحصل إلا بالشهادة وإتيان الواجبات كلها. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (1/ 122- 123).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وقوله: «ويؤتوا الزكاة» لا بد من تقدير مفعول محذوف؛ أي: ويؤتونكم الزكاة، أو: يؤتوا الإمام، ونحو ذلك. المعين على تفهم الأربعين (ص: 177).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» وإنما خصهما بالذكر: إما لأن هذا الحديث ورد قبل وجوب الصوم والحج، وإما لعظم شأنهما وصعوبة موقعهما على الطباع لتكرارهما، مع أن النفس مجبولة على حب المال فكانتا مظنَّتَي التفريط. شرح المصابيح (1/ 36).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
وقوله: «يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» القتال ينتهي بالشهادة، وهذا إشارة إلى تمامها وكمالها بإتيان الإسلام وأركانها إلا أن يقال بثبوت القتال على ترك الواجبات والإصرار عليه بتأويل باطل، كما قاتل الصدِّيق أمير المؤمنين -رضي اللَّه عنه- مانعي الزكاة، فيكون المراد بحق الإسلام قتل النفس المعصومة والخيانة في أموال الناس وترك الفرائض بتأويل باطل، فافهم. لمعات التنقيح (1/ 232- 233).
قوله: «فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءَهم وأموالَهم»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فإذا» للظرف، لكنه يتضمن معنى الشرط، قوله: «ذلك» في محل النصب على أنه مفعول «فَعَلُوا»، وهو إشارة إلى ما ذكر من شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتذكير الإشارة باعتبار المذكور، قوله: «عصموا» جملة من الفعل والفاعل جواب لـ«إذا»، قوله: «دِماءهم» مفعول الجملة و«أموالهم» عطف عليه. عمدة القاري (1/ 180).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«فإذا» آثرها على «إن» مع أن المقام لها؛ لأن فعلهم متوقع؛ لأنه عَلِمَ إجابة بعضهم فغلَّبهم لشرفهم، أو تفاؤلًا، نحو: غفر الله لك، «فعلوا ذلك» جميعه أي: أتوا به، قولًا كان وهو الشهادتان، أو فعلًا وقولًا وهو الصلاة، أو فعلًا محضًا وهو الزكاة، «عصموا»: منعوا وحفظوا، ومنه: اعتصمتُ بالله أي: امتنعتُ بلطفه من معصيته، والعِصَامُ: ما يُربط به فم القربة لمنعه سيلان مائها، «مني دماءهم وأموالهم» وهي: كل ما صح إيراد نحو البيع عليه، وأريد بها هنا ما هو أعم من ذلك حتى يشمل الاختصاصات، ولا ينافي ما تقرر من توقف العصمة على هؤلاء الثلاثة ما هو معلوم بالضرورة أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يعصم الدم بالشهادتين، ومن ثَم اشتد نكيره على أسامة؛ لقتله مَن قالهما، ولم يشترط على مريد الإسلام التزام صلاة ولا زكاة، بل روى أحمد: أنه قبل إسلام مَن اشترط أن لا زكاة ولا جهاد، ومَن اشترط ألا يصلي إلا صلاتين، ومَن اشترط أن يسجد من غير ركوع، ومِن ثم قال أحمد: يصح الإسلام على الشرط الفاسد، ثم يؤمر بشرائع الإسلام كلها. الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 261).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فإذا فعلوا ذلك» المذكور من الشهادة والصلاة والزكاة، «عصموا» أي: حفظوا «مِنِّي دماءهم» من السفك، «وأموالهم» من النهب. شرح المصابيح (1/ 36).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فإذا فعلوا ذلك» فيه التعبير بالفعل عما بعضه قول إما على سبيل التغليب، وإما على إرادة المعنى الأعم؛ إذ القول فعل اللسان، قوله: «عصموا» أي: منعوا، وأصل العصمة من العِصام وهو الخيط الذي يُشد به فم القربة ليمنع سيلان الماء. فتح الباري (1/ 76).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ومعنى «عصموا»: منعوا، قال الله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} المائدة: 67، و{لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} هود: 43، و{يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} هود: 43، وقد فسَّره بعدُ في الحديث الآخر بقوله: «حَرُم مالُه ودمه»، واختصاصه ذلك بمن قال: لا إله إلا الله، تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا مشركو العرب وأهل الأوثان ومَن لا يُقِرُّ بالصانع ولا يُوحده، وهم كانوا أول مَن دُعي إلى الإسلام وقُوتِل عليه، فأما غيره ممن يُقر بالتوحيد والصانع فلا يُكتَفى في عصمة دَمِه بقوله ذلك؛ إذ كان يقولها في كُفره، وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الآخر: «وأني رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة». إكمال المعلم (1/ 246).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وعصمة المال والدم بأمرين:
أحدهما: لا إله إلا الله، والثاني: حقها أو حق الدماء والأموال على كلا التقديرين، والحكم إذا تعلق بوجود شرطين لا يقع دون استكمال وقوعهما. الشافي في شرح مسند الشافعي (5/ 142).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
معنى «عصموا»: منعوا، والعَصْمُ: المنع، والعِصَام: الخيط الذي يشد به فم القربة، سمي به لمنعه الماء من السيلان، والمال: يقع على العين وغيرها من ماشية وعَرَضٍ وغير ذلك، وذلك إشارة إلى كل ما تقدم، وكأنه غلَّب القول على الفعل، وموضوع «إذا» للمحقَّق بخلاف "إِنْ" فإنها للمشكوك فيه، فكأنه جاء على طريق التفاؤل بتحقيق الفعل منهم. المعين على تفهم الأربعين (ص: 177).
قوله: «إلا بحقِّ الإسلامِ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«إلا بحق الإسلام» استثناء مفرَّغ أي: إذا فعلوا ذلك عصموهما، ولا يجوز لنا تعرضهما بسبب من الأسباب، إلا بسبب حق الإسلام من استيفاء قصاص نفس أو طرفي إذا قتل أو قطع، ومَن أخذ مال إذا غصب، وإلى غير ذلك من الحقوق الإسلامية، أو استثناء من الدماء والأموال بحذف موصوف؛ أي: إلا دماءً ومالًا ملتبسين بحق الإسلام. شرح المصابيح (1/ 36- 37).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«بحق الإسلام» الإضافة فيه إما بمعنى اللام، أو بمعنى مِن، أو بمعنى في، والحق الذي يتعلق بالدم هو كالقصاص وبالمال كالضمان. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (1/ 123).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال -صلى الله عليه وسلم-: «إلا بحقها»، ولو أن أهل الأوثان وَحَّدَ بعضهم وشهد أن لا إله إلا الله، وحُكم له بحكم الإسلام في منع نفسه وماله، ثم عُرضت عليه شرائع الإسلام بعد ذلك فامتنع من الإقرار برسول الله كان لا شك بالله كافرًا، وعاد حربيًّا، وكذلك الذي أقر بنبوة محمد لو أنكر شيئًا من الفرائض حلّ دمه وعاد حربيًّا كافرًا. شرح صحيح البخاري (2/ 53).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وقوله: «إلا بحقها» راجعة إلى أحد أمرين:
الأول: أن تكون راجعة إلى الدماء والأموال، يريد: أن دماءهم وأموالهم معصومة على مَن يريدها إلا عن حق يجب فيها، أما الدماء: فالقصاص والردة والحد ونحو ذلك، وأما الأموال: فالزكاة وحقوق الآدميين ونحو ذلك.
وتكون الباء بمعنى "عن" أو بمعنى "من" أي: فقد عصموها إلا عن حقها أو من حقها.
والأمر الثاني: أن تكون راجعة إلى قوله: «لا إله إلا الله» أي: فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق كلمة التوحيد، وحقها هو ما يتبعها من الأقوال والأفعال الواجبة التي بها يتم الإسلام، فأما القول: فهو قول: أن محمدًا رسول الله، والألفاظ التي لا تتم الصلاة إلا بها: كالتكبير والقراءة وغير ذلك، وأما الأفعال: فكالصلاة والزكاة والصوم والحج، وهذه كلها وما يجري مجراها من فروض الإسلام هي من حق لا إله إلا الله، فالمتلفظ بلا إله إلا الله يُحكم له بالإسلام إذا أتى بالإقرار برسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- ثم بعد ذلك يطالَب بهذه الفروض المذكورة، ويدل على ذلك ما جاء في حديث عبد الله بن عمر -أخرجه البخاري ومسلم- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» ألا ترى كيف صرح بالصلاة والزكاة وبحق الإسلام؟ الشافي في شرح مسند الشافعي (5/ 140- 141).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«إلا بحق الإسلام» يعني: إذا فعلوا هذه الثلاثة لا أقتلهم ولا آخذ أموالهم إلا بحق الإسلام، مثل أن يقتل مسلم مسلمًا عمدًا عدوانًا فأقتله بالقصاص، أو يقطع الطريق ويقتل أحدًا فأقتله، أو زنى وهو محصن فأرجمه، وما أشبه ذلك من الأحكام الشرعية. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 77- 78).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
أقول: قوله: «إلا بحق الإسلام» استثناء من أعم عام الجار والمجرور، فمعنى الحديث: أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا شهدوا عصموا مني دماءهم وأموالهم، فلا يجوز إهدار دمائهم واستباحة أموالهم بسبب من الأسباب، إلا بحق الإسلام: مِن قَتْلِ النفس المحرمة، وترك الصلاة والزكاة بتأويل باطل، وغير ذلك، وأما تقديم قوله: «تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة» وإزالتهما عن مقرهما هذا وعطفهما على الشهادتين فللدلالة على أنهما بمنزلتهما في كونهما غاية للمقاتلة، إيذانًا بأنهما أُمّ العبادات وأساسها، قريب منه في العطف قوله تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ} آل عمران: 181 في سالف عهده في العِظَمِ والقِدَمِ، وإليه أشار صاحب الكشاف، حيث قال: إيذانًا بأنهما في العِظَم أخوان، وبأن هذا ليس بأول ما ركبوه من العظام، ويؤيد هذا التأويل رواية أبي هريرة -رضي الله عنه- فإنه لم يذكر فيها الصلاة والزكاة. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 453).
قوله: «وحسابُهم على اللهِ»:
قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
ثم الحكم عليهم بما ذكر إنما هو باعتبار الظاهر «و» أما باعتبار البواطن والسر فأمرهم ليس إلى الخلق؛ إذ «حسابهم» أي: حساب بواطنهم وسرائرهم «على الله»؛ إذ هو المطَّلع وحده على ما فيها من إيمان وكفر ونفاق وغير ذلك. الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 263- 264).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «وحسابهم على الله» أي: في أمر سرائرهم، ولفظة «على» مُشعرة بالإيجاب، وظاهرها غير مراد فإما أن تكون بمعنى اللام، أو على سبيل التشبيه أي: هو كالواجب على الله في تحقق الوقوع. فتح الباري (1/ 77).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
ومعنى قوله: «وحسابهم على الله» أي: فيما يستسرُّون به دون ما يُخِلُّون به من الأحكام الواجبة عليهم في الظاهر. أعلام الحديث (1/ 159).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«وحسابهم على الله» يريد: أتى بما بُعثت وكُلِّفت أداء الرسالة واستماع الإقرار بالشهادة وحقها، فإذا قالوا بألسنتهم وباشروا الأفعال بجوارحهم قنعت منهم بذلك، ولم أُومر بالنقب عن قلوبهم، والتفتيش عن ضمائرهم، والاطلاع على عقائدهم هل قالوا أو فعلوا ذلك بانعقاد الناطق مع الظاهر أم لا؟ ولا في وسع البشر علم ذلك ومعرفته، فأنا أقنع بظواهرهم وأَكِلُ بواطنهم وسرائرهم إلى الله وهو يحاسبهم عليها ويجازيهم بمودعاتها. الشافي في شرح مسند الشافعي (5/ 142).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «وحسابهم على الله» أي: حساب سرائرهم على الله؛ لأنه تعالى هو المطَّلع عليها؛ فمَن أخلص في إيمانه وأعماله جازاه الله عليها جزاء المخلصين، ومَن لم يخلص في ذلك كان من المنافقين، يحكم له في الدنيا بأحكام المسلمين، وهو عند الله من أسوأ الكافرين. المفهم (1/ 189).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «على الله» لفظ على الله مُشعر بالإيجاب في عرف الاستعمال فهو على سبيل التشبيه أي: هو كالواجب على الله تعالى في تحقق الوقوع، وإلا فالأصل فيه أن يقال: حسابهم لله أو إلى الله، أو هو واجب عليه شرعًا بحسب وعده، وأما عند المعتزلة فهو ظاهر؛ لأنهم يقولون بوجوب الحساب عقلًا، ومعناه: هو أن أمور سرائرهم إلى الله، وأما نحن فنحكم بالظاهر فنعاملهم بمقتضى ظاهر أقوالهم وأفعالهم، أو معناه: هذا القتال وهذه العصمة إنما هو من الأحكام الدنيوية وهو ما يتعلق بنا، وأما الأمور الأخروية من دخول الجنة والنار والثواب والعقاب وكميتها وكيفيتها فهو مفوض إلى الله تعالى لا دخل لنا فيه. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (1/ 123- 124).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وفيه دليل أن الكافر المستتر بكفره لا يُتعرض له إذا كان ظاهره الإسلام، وتُقبل توبته إذا أظهر الإنابة مِن كفرٍ عُلم بإقراره أنه كان يستتر به وهو قول أكثر العلماء، وذهب مالك بن أنس إلى أن توبة الزنديق لا تُقبل، ويحكى ذلك أيضًا عن أحمد بن حنبل. معالم السنن (2/ 11).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق وهو الذي ينكر الشرع جملة، فذكروا فيه خمسة أوجه لأصحابنا (الشافعية): أصحها والأصوب منها: قبولها مطلقًا؛ للأحاديث الصحيحة المطلقة. شرح صحيح مسلم (1/ 207).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
ما صححه النووي -رحمه الله تعالى- من قبول توبة الزنديق مطلقًا هو الأرجح عندي؛ لما ذكره، ولإطلاق قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} الأنفال: 38، والزنديق كافر تعمُّه هذه الآية، ولحديث عمرو بن العاص -رضي الله عنه- مرفوعًا: «أما علمتَ أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟» أخرجه مسلم، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (1/ 461).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: مَن أبى قبول الفرائض فحكمه مختلف، فمَن أبى من أداء الزكاة وهو مقرّ بوجوبها، فإن كان بين ظهراني المسلمين، ولم ينصب الحرب، ولا امتنع بالسيف؛ فإنه يؤخذ من ماله جبرًا، ويدفع إلى المساكين ولا يُقتل، وقال مالك في الموطأ: الأمر عندنا فيمَن منع فريضة من فرائض الله، فلم يستطع المسلمون أخذها منه كان حقًّا عليهم جهاده حتى يأخذوها منه، ومعناه: إذا أقر بوجوبها، لا خلاف في ذلك، قال المهلب: وإنما قاتل أبو بكر الصديق الذين منعوا الزكاة؛ لأنهم امتنعوا بالسيف، ونصبوا الحرب للأمَّة، وأجمع العلماء أن مَن نصب الحرب في منع فريضة، أو منع حقًّا يجب عليه لآدمي أنه يجب قتاله، فإن أبى القتل على نفسه فدمه هدر، قال ابن القصار: وأما الصلاة فإن مذهب الجماعة أن مَن تركها عامدًا جاحدًا لها فحكمه حكم المرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل، وكذلك جحد سائر الفرائض، وإنما اختلفوا فيمَن تركها لغير عذر غير جاحد لها، وقال: لستُ أفعلها؛ فمذهب مالك: أن يقال له: صلِّ ما دام الوقت باقيًا من الوقت الذي ظهر عليه، فإن صلى تُرك، وإن امتنع حتى خرج الوقت قُتل، قال ابن القصار: واختلف أصحابنا، فقال بعضهم: يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل، وقال بعضهم: يقتل؛ لأن هذا حد لله يقام عليه، لا تسقطه التوبة بفعل الصلاة وهو بذلك فاسق كالزاني والقاتل، وليس بكافر، وبهذا قال الشافعي، قال الثوري وأبو حنيفة والمزني: لا يقتل بوجه، ويخلى بينه وبين الله تعالى، والمعروف من مذهب الكوفيين أن الإمام يعزره حتى يصلي، وقال أحمد بن حنبل: تارك الصلاة مرتد كافر، وماله فيء لا يُورث ويدفن في مقابر المشركين، وسواء ترك الصلاة جاحدًا لها أو تكاسلًا، ووافق الجماعة في سائر الفرائض أنه إذا تركها لا يكفر. شرح صحيح البخاري (8/ 576- 578).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
واختلف العلماء في قتل تارك غير الشهادتين، فأكثرهم على أن ذلك حدٌّ لا كفرٌ، وهو الصحيح، وقيل: كفر، والقول بهذا في تارك الصلاة أكثر، وعليه تأولوا سبي أبي بكر لنساء مانعي الزكاة وأموالهم؛ لاعتقاده كفرهم، ولقوله: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} الآية التوبة: 5، وللحديث المتقدم، وحَكَم فيهم حكم الناقض للعهد، فلما توفى ووَلي عمر ردَّ عليهم ذريَّتِهم وحكم فيهم حكم المرتدين. إكمال المعلم (1/ 243).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
ووجه الدلالة منه: أنه وقف العصمة على مجموع الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والمرتب على أشياء لا يحصل إلا بحصول مجموعها وينتفي بانتفاء بعضها، وهذا إن قصد به الاستدلال بالمنطوق -وهو قوله -عليه السلام-: «أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى» إلخ فإنه يقتضي بمنطوقه: الأمر بالقتال إلى هذه الغاية، فقد وهل وسها؛ لأنه فرَّق بين المقاتلة على الشيء والقتل عليه؛ فإن المقاتلة مفاعلة، تقتضي الحصول من الجانبين، ولا يلزم من إباحة المقاتلة على الصلاة إذا قوتل عليها إباحة القتل عليها من الممتنع عن فعلها إذا لم يقاتل، ولا إشكال بأن قومًا لو تركوا الصلاة ونصبوا القتال عليها: أنهم يقاتَلون، إنما النظر والخلاف: فيما إذا تركوا إنسانًا من غير نصب قتال: هل يقتل أم لا؟ فتأمل الفرق بين المقاتلة على الصلاة والقتل عليها، وأنه لا يلزم من إباحة المقاتلة عليها إباحة القتل عليها، وإن كان أخذ هذا من لفظ آخرِ الحديث وهو ترتيب العصمة على فعل ذلك: فإنه يدل بمفهومه على أنها لا تترتب بفعل بعضه: هان الخطب؛ لأنها دلالة مفهوم، والخلاف فيها معروف مشهور، وبعض مَن ينازعه في هذه المسألة لا يقول بدلالة المفهوم، ولو قال بها فقد رجح عليها دلالة المنطوق في هذا الحديث. إحكام الأحكام (2/ 219- 220).
وقال الطوفي -رحمه الله-:
فيه دليل على قتل تارك الصلاة والزكاة غير جاحد لهما؛ لأن غاية الأمر بالقتال فعل الصلاة والزكاة، فما لم يفعلا لا يبلغ القتال غايته، فيكون قتال تاركهما جائزًا بل واجبًا بموجب الأمر الإلهي، ثم القتال ينتهي إلى القتل غالبًا ولو لم يكن إلا جواز إفضائه إليه، وذلك يدل على جواز بل وجوب قتل تاركهما.
فإن قيل: الحديث إنما دل على قتال الكافر الأصلي حتى يؤمن ويصلي ويزكي، فلم قلتم: إن المسلم إذا تركهما يجوز قتاله؟
قلنا: لوجهين:
أحدهما: أن الكافر الأصلي إذا قُوتِل على تركهما مع أنه لا يعتقد وجوبهما، فالمسلم المعتقد لوجوبهما أولى بالقتال عليهما.
ولمثل هذا قال أهل العلم: إن المرتد يقضي بعد إسلامه ما تركه في حال ردته، بخلاف الكافر الأصلي.
الوجه الثاني: أن قوله -عليه الصلاة والسلام-: «حتى يشهدوا» إلى آخره وإن كان غاية ففيه معنى الشرط، ولهذا قيل: إنَّ حُكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فصار كفُّ القتال عنهم مشروطًا بالشهادتين والصلاة والزكاة، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط، فإذا انتفى فعل الصلاة والزكاة انتفى كفُّ القتال والقتل، وصار التقدير: إن صلوا وزكوا كُفَّ عنهم القتالُ، ويشهد لهذا قوله -عزَّ وجلَّ-: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} التوبة: 11، {فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} التوبة: 5...
إذا ثبت أن في الحديث دليلًا على قتله فيشبه أن فيه دليلًا على كفره؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام» مفهومه إن لم يفعلوا ذلك لم يعصموا مني دماءهم، يعني بحق الكفر؛ لأن حق الإسلام قد ذكره بعد "إلا"، وما بعدها مخالف لما قبلها، والذي بعدها هو حق الإسلام، والذي قبلها وهو عدم العصمة، لعدم الفعل، يكون بحق الكفر. التعيين في شرح الأربعين (1/ 107- 108).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفيه: دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم، خلافًا لمن أوجب تعلم الأدلة وقد تقدم ما فيه، ويؤخذ منه ترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع وقبول توبة الكافر من كفره من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن، فإن قيل: مقتضى الحديث قتال كل مَن امتنع من التوحيد فكيف ترك قتال مؤدي الجزية والْمُعَاهد؟ فالجواب من أوجه:
أحدها: دعوى النسخ بأن يكون الإذن بأخذ الجزية والمعاهدة متأخرًا عن هذه الأحاديث؛ بدليل أنه متأخر عن قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} التوبة: 5.
ثانيها: أن يكون من العام الذي خص منه البعض؛ لأن المقصود من الأمر حصول المطلوب فإذا تخلف البعض لدليل لم يقدح في العموم.
ثالثها: أن يكون من العام الذي أريد به الخاص فيكون المراد بالناس في قوله: «أقاتل الناس» أي: المشركين من غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النسائي بلفظ: «أُمرتُ أن أقاتل المشركين»، فإن قيل: إذا تم هذا في أهل الجزية لم يتم في المعاهدين ولا فيمَن منع الجزية، أجيب: بأن الممتنع في ترك المقاتلة رفعها لا تأخيرها مدةً كما في الهدنة ومقاتلة مَن امتنع من أداء الجزية بدليل الآية.
رابعها: أن يكون المراد بما ذكر من الشهادة وغيرها التعبير عن إعلاء كلمة الله وإذعان المخالفين فيحصل في بعضٍ بالقتل وفي بعضٍ بالجزية وفي بعض بالمعاهدة.
خامسها: أن يكون المراد بالقتال هو أو ما يقوم مقامه من جزية أو غيرها.
سادسها: أن يقال: الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام وسبب السبب سبب فكأنه قال: حتى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام، وهذا أحسن ويأتي فيه ما في الثالث، وهو آخر الأجوبة، والله أعلم. فتح الباري (1/ 77).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
ومن فوائد الحديث: أن الحُكمَ إنما يكون بحسب الظاهر، والله يتولّى السرائر.
ومنها: جواز مناظرة المفضول للفاضل إذا لم يَظْهر له وجهُ الصواب.
ومنها: أن الإقرار شرطٌ في الإيمان إذا طُولب به الإنسان.
ومنها: وجوب قتال مانعي الزكاة إذا لم يقدر الإمام على الأخذ قهرًا، وهذا هو الفارق للشافعي في قتل تارك الصلاة دون مانع الزكاة، قيل: استدلالُهُ بهذا الحديث لا يتمّ؛ لأن المقاتلةَ لا تستلزم القتلَ، وهذا ليس بشيءٍ؛ للاتفاق على أن مانع الزكاة لو لم يقدر على الأخذ منه قهرًا يقاتل عليه، وإن قُتل فهو هدرٌ، فكذا تارك الصلاة إن أبى لا يُترك سدًّا. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (1/ 79- 80).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
فيه: أن تارك الصلاة كسلًا ومانع الزكاة لا يمتنع قتالهما، وهو مذهب إمامنا الشافعي، فيُقتل بإخراج الصلاة عن وقت الضرورة إن لم يتب، ويقاتل الإمام تاركي الزكاة إذا توقف أخذها منهم عليه. دليل الفالحين (7/ 10).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد هذا الحديث:
- وجوب مقاتلة الناس حتى يقوموا بهذه الأعمال، فإذا قال قائل: لماذا لا يكون الأمر للاستحباب؟
والجواب: لا يكون للاستحباب؛ لأن هذا فيه استباحة محرم، واستباحة المحرم لا تكون إلا لإقامة واجب، ولهذا استدل بعض الفقهاء -رحمهم الله- على وجوب الختان بأن الختان قطع شيء من الإنسان محترم، والأصل التحريم فلا يجوز قطع أي عضو أو جلدة من بدنك، فلما استبيح هذا القطع دل على وجوب الختان؛ إذ لا يستباح المحرم إلا لأداء واجب، وعلى هذا فنقول: الأمر هنا للوجوب. شرح الأربعين النووية (ص: 128- 131).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
منها: أن فيه دليلًا على قبول الأعمال الظاهرة، والحكم بما يقتضيه الظاهر، والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم، خلافًا لمن أوجب تعلم الأدلة...
ومنها: أنه يؤخذ منه ترك تكفير أهل البدع المقرِّين بالتوحيد الملتزمين للشرائع، وقبول توبة الكافر من كفره من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن.
ومنها: ما قاله الإمام ابن حبان -رحمه الله تعالى-: فيه بيان واضح بأن الإيمان أجزاء وشُعب تتباين أحوال المخاطبين فيها. البحر المحيط الثجاج (1/ 499- 500).
وللفائدة يُنظر:
ما العلامات الظاهرة التي تثبت ذمّة المسلم؟