«صلَّى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الصبح بالحُديبية في إِثر السماء كانت من الليل، فلمَّا انصرف أَقبل على الناس، فقال: هل تدرون ماذا قال ربُّكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر، فأمَّا من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مُؤمن بي كافرٌ بالكوكب، وأمَّا من قال: مُطرنا بِنَوْءِ كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكواكب».
رواه البخاري برقم: (846) ومسلم برقم: (71)، من حديث زيد بن خالد -رضي الله عنه-.
غريب الحديث
«بِنَوْءِ»:
النَّوْءُ: مِن أنواء النجوم، وهو: سُقوط نجم بالغداة مع طلوع الفجر، وطلوع آخر في حياله في تلك الساعة، وناء الشَّيء يَنُوءُ: أي: مال إلى السُّقوط. المحيط في اللغة، للصاحب بن عباد (10/ 419).
قال الأزهري -رحمه الله-:
معنى: مُطرنا بِنَوْء كذا، أي: مُطرنا بطلوع نجم، وسقوط آخر. تهذيب اللغة (15/ 387).
شرح الحديث
قوله: «صلَّى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الصبح بالحديبية»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال: صلى بنا» أي: صلى إمامًا ونحن مقتدون به. البحر المحيط الثجاج (2/ 477).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
الحديبية موضع من الأرض في أول الحرم، منه حِلٌّ ومنه حرمٌ، بينه وبين مكة نحو عشرة أميال أو خمسة عشر ميلًا، وهو وادٍ قريب من بَلْدَحٍ على طريق جدة، ومنزل النبي -صلى الله عليه وسلم- بها معروف ومشهور، بين الحل والحرم، نزله -صلى الله عليه وسلم- واضطرب به بناؤه حين صده المشركون عن البيت. التمهيد (12/ 147).
وقال محمد الخضر الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «بالحديبية» بالمهملة والتصغير، وتخفيف يائها وتُثقَّل، وقال ابن المديني: الحجازيون يخففون الياء، والعراقيون يشددونها، وأكثر المحدثين يشددونها...، قيل: سُميت ببيرٍ هناك، وقيل: سميت بشجرة هناك حدباء. كوثر المعاني الدراري (9/ 428).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى مكة معتمرًا ومعه الإبل الهدي فلما وصل إلى الحديبية وهي أرض بين الحلِّ والحرم منعَتْهُ قريش أن يدخل مكة، وجرى بينهم وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- ما هو معروف من المصالحة. شرح رياض الصالحين (6/ 474).
قوله: «في إثر السماء كانت من الليل»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «على أثر سماء» يريد على أثر مطر، وسُمي المطر سماء؛ لنزوله من السماء، على مذهبهم في استعارة اسم الشيء لغيره إذا كان مجاورًا له، أو بسبب منه. أعلام الحديث (1/ 553).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
الإثر: أي: بعده. الكوثر الجاري (3/ 132).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «في إثر سماء» السماء: المطر، وجمعه أسميَة، وسُمى، والسماء: السحاب، وأصل السماء: كل ما ارتفع فأظلَّ وعلا، وسماء كل شيء ما علا منه، وبه سميت السماء والسحاب، ثم سُمي المطرُ به؛ لمجيء السحاب به، كما سُمي مُزْنًا، والْمُزْنُ: السحاب. إكمال المعلم (1/ 330).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كانت» أي: كان المطر، وتأنيثه باعتبار معنى الرحمة، أو لفظ السماء، والجملة صفة سماء، وقوله: «من الليل» ظرف لها أي: في بعض أجزائه وأوقاته. مرقاة المفاتيح (7/ 2906).
قوله: «فلمَّا انصرف أقبل على الناس»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فلما انصرف» أي: مِن صلاته أو من مكانه. فتح الباري (2/ 523).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أقبل على الناس» أي: اتَّجَه إليهم بوجهه بعد أن كانوا خلفه في الصلاة، والمراد من الناس: الصحابة الذين كانوا معه. فتح المنعم (1/ 244).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فلما انصرف، أقبل على الناس»... ظاهره: أنه لم يكن يثبت في مكان صلاته بعد سلامه؛ بل كان ينتقل عنه، ويتغير عن حالته، وهذا الذي يستحبه مالك للإمام في المسجد. المفهم (1/ 258).
وقال العيني -رحمه الله-:
الحكمة في استقبال المأمومين: أن يعلِّمهم ما كانوا يحتاجون إليه، كذا قيل، قلت: فعلى هذا كان ينبغي أن يفعل هذا مَن كان حاله مثل حال النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن قصد التعليم والموعظة.
وقيل: الحكمة فيه: تعريف الداخل أن الصلاة انقضت؛ إذ لو استمر الإمام على حاله لأوهم أنه في التشهد مثلًا. عمدة القاري (6/ 136).
قوله: «فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«هل تدرون ماذا» أي: أيّ شيء «قال ربكم؟» أي: في هذا الوقت. مرقاة المفاتيح (7/ 2906).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«هل تدرون» أي: تعلمون. دليل الفالحين (8/ 548).
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «هل تدرون» لفظ استفهام، معناه التنبيه، ووقع في رواية سفيان، عن صالح عند النسائي: «ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟». فتح الباري (2/ 523).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
التعبير بلفظ: الرب وإضافته لضمير المخاطَبين؛ للإشعار بالفضل والمنة، كأنه يقول: ماذا يقول مربِّيكم، وصاحب الفضل عليكم بالمطر؟ فتح المنعم (1/ 244).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
قوله: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» هذا من باب التشويق، حيث أخرج الموعظة مخرج السؤال. توفيق الرب المنعم (1/ 160).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «ألم تروا إلى ما قال ربُّكُم؟» يعني: أن القول لله تعالى لفظًا ومعنى، فالحديث القُدسي من الله لفظًا ومعنى. توفيق الرب المنعم (1/ 161).
قوله: «قالوا: الله ورسوله أعلم»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«قالوا: الله ورسوله أعلم» ردُّوا ذلك لهما لزومًا للأدب، ووقوفًا عند حد العلم، وخروجًا عن مجاوزته. دليل الفالحين (8/ 548).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«قالوا: الله ورسوله أعلم» وهكذا كل إنسان يجب عليه إذا سُئل عما لا يعلم أن يقول: الله ورسوله أعلم، في الأمور الشرعية، أما الأمور الكونية القدرية فهذا لا يقول: ورسوله أعلم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يعلم الغيب، كما لو قال قائل: أتظن المطر ينزل غدًا؟ تقول: الله أعلم، ولا تقل: الله ورسوله أعلم؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يعلم مثل هذه الأمور، لكن لو قال لك: هل هذا حرام أم حلال؟ تقول: الله ورسوله أعلم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- عنده علم الشريعة. شرح رياض الصالحين (6/ 475).
قوله: «قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«أصبح مِن عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ» «مِن» هنا: للتبعيض، أي: أصبح بعضُ عبادي مؤمنًا بي وكافرًا بالكواكب، وبعضُهم كافرًا بي ومؤمنًا بالكواكب؛ بسبب نزول المطر. المفاتيح (5/ 99).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أصبح من عبادي» هذه إضافة عموم، بدليل التقسيم إلى مؤمن وكافر، بخلاف قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطَانٌ} الحجر: 42، فإنها إضافة تشريف. فتح الباري (2/ 523).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«قال الله تعالى: أصبح من عبادي» الإضافة للملك فتفيد العموم؛ بدليل التقسيم في قوله: «مؤمن بي وكافر». منحة الباري (2/ 562).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«مؤمن بي وكافر» أي: بي، وحُذف؛ اكتفاءً بدلالة ما قبله عليه، وإيماءً إلى أن القبيح لا ينبغي أن يؤتى معه بنسبته إليه، مبالغة في أدب الخطاب معه. دليل الفالحين (8/ 548).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
«أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر» فمعناه عندي على وجهين:
أَمَّا أحدهما: فإن المعتقد أن النوءَ هو الموجِب لنزول الماء، وهو المنشئ للسحاب، دون الله -عز وجل-، فذلك كافر كفرًا صريحًا، يجب استتابته عليه وقتله؛ لنبذ الإسلام، وردِّه القرآن.
والوجه الآخر: أن يعتقد أن النوء يُنزل الله به الماء، وأنه سبب الماء على ما قدره الله، وسبق في علمه، فهذا وإن كان وجهًا مباحًا فإن فيه أيضًا كفرًا بنعمة الله -عز وجل-، وجهلًا بلطيف حكمته؛ لأنه يُنزل الماء متى شاء، مرة بنوء كذا، ومرة دون النوء، وكثيرًا ما يَخْوَى النوء، فلا ينزل معه شيء من الماء، وذلك من الله، لا من النوء...، وروي عن الحسن البصري أنه سمع رجلًا يقول: طلع سهيل، وبرد الليل، فكره ذلك، وقال: إن سهيلًا لم يأت قط بحرٍّ ولا بردٍ.
وكره مالك بن أنس أن يقول الرجل للغيم والسحابة: ما أخلقها للمطر. التمهيد (10/315، 316).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
«أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر» قال علماؤنا: إذا اعتقد المرء أن المطر من الأنواء، وأنها فاعلة له من دون الله فهو كافر، ومن اعتقد أنها فاعلة لكن بما جعل الله فيها، فهو أيضًا كافر؛ لأنه لا يصح أن يكون الخلق والأمر إلا لله، كما قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} الأعراف: 54، ومن انتظرها وتوكف المطر منها، على أنها عادة أجراها الله فلا شيء عليه، فإن الله قد أجرى العوائد في السحاب والرياح والأمطار بمعاني ترتبت في الخلقة، وجاءت على نسق في العادة. المسالك (3/ 328).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فأما من اعتقد أن الله تعالى هو الذي خلق المطر...، فليس بكافر؛ ولكنه مخطئ من وجهين:
أحدهما: أنه خالف الشرع؛ فإنه قد حذر من ذلك الإطلاق.
وثانيهما: أنه قد تشبَّه بأهل الكفر في قولهم، وذلك لا يجوز؛ لأنا قد أُمرنا بمخالفتهم؛ فقال: «خَالِفُوا المشركين» و «خالفوا اليهود»، ونُهِيْنَا عن التشبه بهم؛ وذلك يقتضي الأمر بمخالفتهم في الأفعال والأقوال. المفهم (1/259، 260).
قال الشيخ سليمان بن محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-:
اختلفَ العلماءُ في كُفرِ مَن قال: مُطِرنا بِنَوْءِ كذا وكذا على قولين.
(أحدُهما): هو كُفرٌ باللهِ سبحانهُ وتعالى، سالِبٌ لأصلِ الإيمانِ، مُخرِجٌ عن مِلَّةِ الإسلام. قالوا: وهذا فيمَن قال ذلك مُعتقِدًا أنَّ الكوكبَ له سببٌ ومَدخَلٌ في إنشاءِ المطرِ، كما كان أهلُ الجاهليةِ يزعُمون، ومَن اعتقَد هذا فلا شَكَّ في كُفرِه. وهذا القولُ هو الذي إليه جماهيرُ العلماء، والشافعيُّ منهم، وهو ظاهرُ الحديث.
قالوا: وعلى هذا لو قال: مُطِرْنا بِنوْءِ كذا معتقدًا أنَّه من اللهِ وبرحمتِه، وأنَّ النَّوْءَ ميقاتٌ له وعلامةٌ اعتِبارًا بالعُرف، فكأنَّه قال: مُطِرْنا في وقتِ كذا، فهذا لا يَكفُر. واختَلَفوا في كراهتِه، والأظهرُ كراهةُ تنزيهِ لا إثمَ فيها، وسببُ الكراهة أنَّها كلمةٌ مُتردِّدةٌ بين الكُفرِ وغيرِه فيُساءُ الظنُّ بصاحبِها؛ ولأنَّها شِعارُ الجاهليةِ ومَن سلَك مسلَكَهُم.
والقولُ الثاني: في أصلِ تأويلِ الحديث أنَّ المرادَ كُفرُ نعمةِ اللهِ لاقتِصارِه على إضافةِ الغيثِ إلى الكوكبِ، قالوا: وهذا فيمَن لا يعتقِدُ تسبُّبَ الكوكبِ وإنشاءَه المطر، وإلَّا فلا شَكَّ في كُفرِه. التوضيح عن توحيد الخلاق (ص: 183).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر»؟ قلت: فيه تأنيب وتعيير لهم، أي: كونهم من عبادي منافٍ لكفران النعمة واختلافهم في ذلك، كقوله تعالى: {وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} الواقعة: 82. الكاشف (9/ 2990).
قوله: «فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«مُطرنا» أي: رزقنا المطر «بفضل الله» سبحانه وتعالى، أي: بتفضله وتكرمه علينا «ورحمته» وإحسانه لنا... «كافر بالكوكب» أي: جاحد بتأثير الكوكب، وإنشائه للمطر. الكوكب الوهاج (2/ 545).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
المؤمن ها هنا: يجوز أن يُراد به الإيمان الذي هو ضد الكفر، وأن يراد به الإيمان الذي هو التصديق. الشافي (2/ 343).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب» أي: مصدِّق بأن المطر خَلْقِي لا خلق الكوكب، أرحمُ به عبادي، وأتفضل عليهم به، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيثَ مِن بَعدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحمَتَهُۥ وَهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ} الشورى: 28. المفهم (1/ 260).
قوله: «وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
في مغازي الواقدي: أن الذي قال في ذلك الوقت: مطرنا بنوء الشِّعْرَى، هو عبد الله بن أُبي، المعروف بابن سلول، أخرجه من حديث أبي قتادة. فتح الباري (2/ 524).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
النَّوْءُ: واحد الأنواء، وهي الكواكب الثمانية والعشرون التي هي منازل القمر، كانوا يزعمون أن القمر إذا نزل بعض تلك الكواكب مطروا، فأبطل -صلى الله عليه وسلم- قولهم، وجعل سقوط المطر مِن فعل الله سبحانه دون فعل غيره. معالم السنن (4/ 231).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
النَّوْءُ: الكوكب؛ ولذلك سَمَّوا منازل القمر الأنواء، وإنما سمي النجم نوءًا؛ لأنه ينوء طالعًا عند مغيب رقيبه من ناحية المغرب، وكان من عادتهم في الجاهلية أن يقولوا: مطرنا بنوء كذا، فيضيفون النعمة في ذلك إلى غير الله -عز وجل، وينسون الشكر له على ذلك، وهو المنعِم عليهم بالغيث والسقيا، فزجرهم عن هذا القول فسماه كفرًا؛ إذ كان ذلك يفضي بصاحبه إلى الكفر إذا اعتقد أن الفعل للكوكب، وهو فعل الله -عز وجل- لا شريك له. أعلام الحديث (1/ 553، 554).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
النوء لغة: النهوض بثقل، يقال: ناء بكذا: إذا نهض به متثاقلًا، ومنه: {لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} القصص: 76، أي: لَتُثْقِلَهُم عند النهوض بها، وكانت العرب إذا طلع نجم من المشرق، وسقط آخر من المغرب، فحدث عند ذلك مطر أو ريح: فمنهم من ينسبه إلى الطالع، ومنهم من ينسبه إلى الغارب الساقط نسبةَ إيجاد واختراع، ويطلقون ذلك القول المذكور في الحديث، فنهى الشرع عن إطلاق ذلك؛ لئلا يعتقد أحد اعتقادهم، ولا يتشبه بهم في نطقهم، والله أعلم. المفهم (1/ 260).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال الطبري: فإن قال قائل: إن كان كما وصفت من نهي الله ورسوله عن نسبة الغيوث إلى الأنواء، فما أنت قائل فيما رُوي عن عمر بن الخطاب: أنه حين استسقى قال للعباس: يا عمِّ كم بقي من نوء الثريا؟ فقال: العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق بعد سقوطها سبعًا، قال: فما مضت سابعة حتى مطروا، قيل: إن ذلك من عمر لم يكن على المعنى المنهي عنه، وذلك أن المعنى المنهى عنه: إضافة ذلك إلى أنه من فعل النوء لا من فعل الله، فكان ذلك منهم بالله كفرًا، وأما ما كان من عمر فإنه كان منه أنه مِن قِبَلِ الله تعالى عند نوء النجوم، كما يقول القائل: إذا كان الصيف كان الحر، وإذا كان الشتاء كان البرد، لا على أن الشتاء والصيف يفعل شيئًا من ذلك؛ بل الذي يأتي بالشتاء والصيف والحر والبرد الله خالق كل ذلك، ولكن ذلك من الناس على ما جرت عادتهم فيه، وتعارفوا معاني ذلك في خطابهم ومرادهم، لا على أن النجوم تُحدث نفعًا أو ضرًا بغير إذن الله لها بذلك. شرح صحيح البخاري (3/28، 29).
وقال النووي -رحمه الله-:
لو قال: مُطرنا بنوء كذا معتقدًا أنه من الله تعالى، وبرحمته، وأن النوء ميقات له وعلامة اعتبارًا بالعادة، فكأنه قال: مطرنا في وقت كذا، فهذا لا يكفر، واختلفوا في كراهته، والأظهر كراهته لكنها كراهة تنزيه لا إثم فيها، وسبب الكراهة: أنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره فيُسَاء الظن بصاحبها؛ ولأنها شعار الجاهلية ومَن سلك مسلكهم. شرح مسلم (2/ 60، 61).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«مطرنا بنوء كذا وكذا» أي: بطلوع الكوكب أو بمغيبه، أو بالكوكب نفسه، فالإضافة في الأوليين على أصلها، وعلى الثالث من إضافة العام إلى الخاص، يقال: ناء الكوكب نوءًا إذا طلع، أو غاب، فالنوء مصْدر لا كوكب، فتسمية الكوكب به من تسمية الفاعل بالمصدر. منحة الباري (2/ 562).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
لا تأثير للنجوم في الكون أصلًا إلا في الحرارة والبرودة، فهي من الآثار الطبيعية، أمَّا السعادةُ والنحوسة، فلا تأثير لها فيها، ولا يقتضيها العقلُ، ولا تَشْهَدُ بها التجربة، ثم لو سلَّمنا أن للنجوم تأثيرًا في المطر، فهو كحال المواسم. فيض الباري (2/ 403).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
كان العرب يعيشون في الصحراء، يستضيؤون في ليلهم بقمرها ويسترشدون في أسفارهم وأحوالهم بنجومها، كما حكى عنهم القرآن الكريم بقوله: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} النحل: 16...، وثبت لهم من تجاربهم وملاحظاتهم أن المطر كثيرًا ما يغيثهم إذا غاب نجم كذا، أو طلع نجم كذا، وارتبط في نفوسهم نزول المطر بمطالع بعض النجوم وبمرور الزمن، وبزحفٍ من الوثنية على معتقداتهم، ظنوا أن هذه النجوم هي التي تُسقط المطر، ونسبوا الفضل في المطر إليها، ونسوا الله تعالى صاحب النعمة، فقالوا: مطرنا بنجم كذا، والفضل في المطر لكوكب كذا...
وكان من الحِكمة أن تبلغ التشريعات الإلهية للأمَّة في مناسبات؛ لتربط الأحكام بالوقائع، فتستقر في النفس وتتمكن منها، ولا يسهل نسيانها؛ لهذا ساق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا الحديث في ليلة من ليالي القحط، وفي صحراء الحديبية حين اشتد العطش بالمسلمين وبدوابهم، وحين ساق الله تعالى إليهم سحابة مليئة، أمطرت عليهم غيثًا مغيثًا، فشربوا وسقوا، وأصبحوا فرحين مستبشرين، وصلُّوا الصبح مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما سلَّم من الصلاة أقبل عليهم يذكرهم بنعمة الله، ويوجههم إلى شكرها. المنهل الحديث (1/ 185).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفوائد: طرح الإمام المسألة على أصحابه وإن كانت لا تُدرَك إلا بدقة النظر. فتح الباري(2/ 524).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- حديث: «ثلاثٌ أخافُ عَلِى أُمَّتي: الاستِسْقَاءُ بِالأنْوَاءِ ...».
- وحديث: «أربعٌ في أمتي مِن أمرِ الجاهليةِ لا يتركونهنَّ: الفخرُ في الأحسابِ... والاستسقاءُ بالنجومِ».
- فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- هل القول بأن الأمطار ناتجة عن تبخر البحار كالقول مطرنا بنوء كذا؟