الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«أن زيادًا أو بعضَ الأمراء، بَعَثَ عِمرانَ بن حُصينٍ على الصدقة، فلمَّا رجع قال لعِمران: أينَ المالُ؟ قال: وللمالِ أرْسَلْتَني؟! أخَذْنَاها مِن حيثُ كُنا نأخُذُها على عهدِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، ووضعناها حيثُ كنا نضعُها على عهدِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-».


رواه أبو داود برقم: (‌1625)، واللفظ له، وابن ماجه برقم: (1811).
وعند الحاكم في المستدرك برقم: (5989): «أن زيادًا، أو ابن زياد بعث عِمران بن حُصين ساعيًا، فجاء ولم يرجع معه دِرهم».
صحيح سنن أبي داود برقم: (1437)، صحيح سنن ابن ماجه برقم: (1467).


شرح الحديث


قوله: «أن زيادًا، أو بعضَ الأمراء»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أن زيادًا» يعني: ابن أبيه، ولَّاه معاوية العِراقَين (الكوفة، والبصرة)، ليست له صحبة، ولا رؤية (للنبي -صلى الله عليه وسلم-)، سمع عمر بن الخطاب، وكان أخا أبي بكرة لأمه. شرح سنن أبي داود (7/ 634).
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«أن زيادًا» هو ابن أبي سفيان، وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: زياد ابن أبيه «أو بعض الأمراء، بعث عمرانَ بن حصين على الصدقة». بذل المجهود (6/ 459).

قوله: «بَعَثَ عِمرانَ بن حُصينٍ على الصدقة»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«عِمران بن الحصين» بن عبيد بن خلف الخزاعي، أبا نُجَيد -بنون وجيم، مصغرًا- أسلم عام خيبر، وصحب، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة -رضي الله تعالى عنه-، مات سنة اثنتين وخمسين بالبصرة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (10/ 482).

قوله: «فلما رجع قال لعِمران: أينَ المالُ؟ قال: وللمالِ أرْسَلْتَني؟!»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فلما رجع قال» زياد أو بعض أمراء معاوية «لعمران: أين المال؟» الذي جئت به؟ «قال: وللمال» أي: ولأجل أخذ المال «أرسلتني؟» فيه إرسال العمال لأخذ الزكاة، وسؤالهم إذا رجعوا عنه. شرح سنن أبي داود (7/ 634).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«قال: وللمال» بتقدير همزة الاستفهام «أرسلتني؟» بل أرسلتني عاملًا على الصدقة؛ لأنها تُقسم في بلدها. بذل المجهود (6/ 459).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أين المال؟» الذي أخذتَه من الناس في الزكاة؟ «قال» عمران للأمير: «وللمال» أي: وللإتيان بالمال «أرسلتني؟!». مرشد ذوي الحجا والحاجة (10/ 482).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
سأله عن المال؛ زعمًا منه أن عمران كسائر العمال الذين يجمعون الأموال بحق وبغير حق، ويحملونها إلى من ولَّاهم؛ ليقتسموها بينهم، ويصرفوها في مصالحهم الخاصة بهم، فأنكر عليه عمران، وبيَّن له أنه إنما صنع بها ما كانوا يصنعونه على عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من عدم نقل الزكاة من مكانها، وصرفها في المكان الذي جُمعت فيه، لمستحقيها. المنهل العذب المورود (9/ 246).

قوله: «أخَذْنَاها مِن حيثُ كُنا نأخُذُها على عهدِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، ووضعناها حيثُ كنا نضعُها على عهدِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«أخذناها» أي: الصدقات «من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ووضعناها» أي: صرفناها إلى مستحقيها، حيث كنا نضعها على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. بذل المجهود (6/ 459).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أخذناها» يدل على أنه كان معه من الصحابة من يستعين به في القبض «من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم» أي: أخذنا الزكاة من المكان الذي أخذناها منه، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- حي يرعانا بحسن رعايته، «ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» أي: ودفعناها في المكان الذي كنا نضعها فيه، وجئنا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يطالبنا بها كما تطالبونا بها.
وَرَدَّ عمر بن عبد العزيز زكاةً أُتِيَ بها من خراسان إلى الشام، ولما بَعث معاذ الصدقة من اليمن إلى عمر، أنكر ذلك، وقال: لم أَبعثك جابيًا، بل لتأخذها من أغنيائهم فتردها على فقرائهم. شرح سنن أبي داود (7/634).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أخذناه من حيث كنا نأخذها» أي: من المحل الذي نأخذ منه «على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» أي: في زمن حياته، وذلك المحل هو أرباب الأموال، «ووضعناه» أي: وضعنا ذلك المال... «حيث كنا نضعه» أي: في المحل الذي كنا نضع ذلك المال فيه، في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو الأصناف الثمانية، أي: أخذناه من أرباب الأموال، وقسمناه بين الأصناف الثمانية. مرشد ذوي الحجا والحاجة (10/ 482).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
في قولِه: «وضعْناها حيثُ كنَّا نضعُها» دليلٌ على الحصرِ في أهلِ البلدِ، ويُؤخَذُ منه أنَّ الزكاةَ لا تُنقَلُ إلى غيرِ بلدِ المالِ الذي فيه المالُ.
قال الشافعيُّ في الأم في بابِ: العِلَّةِ في القِسْمِ: فإن أخرجَها من بلدِه إلى بلدٍ غيرِه، كَرِهتُ له، ولم يكن لي أن أجعلَ عليه الإعادةَ من قِبَلِ أنَّه أعطاها أهلَها بالاسمِ. ولفظُه في الأم في موضعٍ آخرَ: فإذا أُخِذَتِ الصدقةُ من قومٍ قُسِمَت على من معهم في دارِهم، ولم يُخرَجْ إلى أحدٍ حتى لا يبقى منهم أحدٌ يستحقُّها.
ولفظُه في مختصرِ البويطي: ويجتهدُ أن يَعدِلَ بينهم على قدرِ حاجتِهم وكثرةِ عيالِهم، وأن يكون أوَّلَ من يقصدُ به جيرانَ المالِ، فإن لم يكن في جيرانِ المالِ من يستغرقُ ذلك نقلَها إلى أقربِ المواضعِ منهم؛ لأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- إذا أوصى بالجارِ في الصدقةِ النافلةِ فمن قَرُبَ جوارُه في الفرضِ أولى.
قال القاضي حسين: لأنَّ الزكاةَ معنى اختصَّت بالمالِ بإيجابِ الله، فوجبَ أن يختصَّ بالمستحقِّ الجارِ كالشفعةِ، وهذا القولُ يُحكَى عن مالكٍ، وللشافعيِّ قولٌ ثانٍ بالجوازِ لقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ...} الآية، التوبة: 60، ولم يُفصِّلْ، وهذا القولُ يُعزَى لأبي حنيفةَ.
والأصحُّ – وإن ثبت الخلافُ كما في تعليقِ القاضي حسين وغيره – أنَّه لا يجوزُ النقلُ، وأنَّه إذا نُقِلَ لا يُجزِئُ، ولا فرقَ في ذلك بين أن يُنقَلَ إلى مسافةِ القصرِ أو دونَها على الصحيحِ، وعبارةُ البندنيجيِّ أنَّه ظاهرُ نصِّ الشافعيِّ في الأم، وقيل: إذا نُقِلَ إلى ما دونَها كان في حكمِ التفرقةِ في البلدِ الكبيرِ. شرح سنن أبي داود (7/634- 636).
وقال العيني -رحمه الله-:
وبالحديث قال العلماء من أصحابنا (الأحناف) وغيرهم: إن نقل الزكاة من بلد إلى بلد مكروه، وإنما يُفرَّق صدقة كل فريق فيهم، إلَّا أن ينقلها الإنسان إلى قرابته، أو إلى قوم هم أحوج من أهل بلده؛ لِمَا فيه من الصلة، أو زيادة دفع الحاجة، ولو نقل إلى غيرهم أجزأت، وإن كان مكروهًا؛ لأن الْمَصرف: مطلق الفقراء بالنص. شرح سنن أبي داود (6/358، 359).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
استُدل بهذه الأحاديث على مشروعية صرف زكاة كل بلد في فقراء أهله، وكراهية صرفها في غيرهم، وقد روي عن مالك والشافعي والثوري: أنه لا يجوز صرفها في غير فقراء البلد.
وقال غيرهم: إنه يجوز مع كراهة؛ لما عُلم بالضرورة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يستدعي الصدقات من الأعراب إلى المدينة، ويصرفها في فقراء المهاجرين والأنصار، كما أخرج النسائي من حديث عبد الله بن هلال الثقفي قال: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: كدت أُقْتَلُ بعدك في عَنَاقٍ أو شاة من الصدقة، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «لولا أنها تُعطى فقراء المهاجرين ما أخذتها»؛ ولما أخرجه البيهقي وعلَقه البخاري عن معاذ أنه قال لأهل اليمن: «ائتوني بكل خميس (ثوب؛ لأن أول من عمله ملك باليمن، يقال له: الخميس، فنُسب إليه)، ولبيس (قد لُبس فأُخلق) آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أرفق بكم، وأنفع للمهاجرين والأنصار بالمدينة»، وفيه انقطاع.
وقال الإسماعيلي: إنه مرسل فلا حجة فيه، لا سيما مع معارضته لحديثه المتفق عليه الذي تقدم، وقد قال فيه بعض الرواة: من الجزية، بدل قوله: الصدقة، أو يحمل على أنه بعد كفاية مَن في اليمن، وإلا فما كان معاذ ليخالف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. نيل الأوطار (8/ 122).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
وقال مالك: يجب تفريقها في موضع الوجوب، أو قربه، إلى ما دون مسافة القصر، إن وجد فيه مستحق، ولا يجوز نقلها لمسافة القصر فأكثر إلا أن يكون المنقول إليهم أحوج، فيندب نقل أكثرها لهم، وإن نُقلت إلى مسافة القصر فأكثر إلى مَن هم أقل منهم في الاحتياج، أجزأت مع الحُرمة، وإن نُقلت إلى مثلهم أجزأت مع الكراهة، وإن لم يوجد بمحل الوجوب أو قُربه مستحق، نُقلت وجوبًا إلى محل فيه مستحق، ولو كان على أزيد من مسافة القصر.
وقالت الحنابلة: يستحب تفرقتها في بلدها، ثم الأقرب فالأقرب من القرى والبلدان، فإن نقلها إلى البعيد لقرابة أو لمن كان أشد حاجة جاز ما لم يبلغ مسافة القصر، فإن بلغها فلا يجوز، وقالت الشافعية: ينبغي تفريقها في بلد المال، فلو نُقلت إلى بلد آخر مع وجود المستحقين، ففيه أربعة أقوال: أصحها: لا يجزئ النقل، ولو لدون مسافة القصر، ولا يجوز إلا إن فقد مستحقها في موضع الوجوب، فيجوز النقل؛ لما رواه أبو عبيد في كتاب الأموال بإسناده عن عمرو بن شعيب أن معاذ بن جبل لم يزل بالجَنَدِ إذ بعثه رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- حتى مات النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- ثم قَدِمَ على عمر فردّه على ما كان عليه، فبعث إليه معاذ بثلث صدقة الناس، فأنكر ذلك عمر، وقال: لم أبعثك جابيًا، ولا آخِذ جزية، لكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد على فقرائهم، فقال معاذ: ما بَعثت إليك بشيء وأنا أجد أحدًا يأخذه مني، فلما كان العام الثاني بعث إليه بصدقة، فتراجعا بمثل ذلك، فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها فراجعه عمر بمثل ما راجعه، فقال معاذ: ما وجدت أحدًا يأخذ مني شيئًا.
الثاني: يجزئ، ويجوز مطلقًا.
الثالث: لا يجزئ، ولا يجوز مطلقًا.
الرابع: يجزئ ويجوز دون مسافة القصر، ولا يجزئ ولا يجوز نقلها منها، ومحل الخلاف عندهم: فيما إذا فرَّق رب المال زكاته، أما إذا فرقها الإِمام أو الساعي فقيل كذلك، والأشبه جواز النقل مطلقًا. المنهل العذب المورود (9/247، 248).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
المذهبُ على أنَّه لا يجوزُ نقلُ الصدقةِ من بلدِها إلى مسافةِ القصرِ. قال أبو داودَ: سمعتُ أحمدَ سُئِل عن الزكاةِ يُبعَثُ بها من بلدٍ إلى بلدٍ؟ قال: لا. قيل: وإن كان قرابتُه بها؟ قال: لا. واستحبَّ أكثرُ أهلِ العلمِ أن لا تُنقَلَ من بلدِها.
وقال سعيدٌ: حدَّثنا سفيانُ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاووسٍ، عن أبيه، قال في كتابِ معاذِ بنِ جبلٍ: من أخرجَ من مِخلافٍ إلى مِخلافٍ، فإنَّ صدقتَه وعُشرَه تُرَدُّ إلى مِخلافِه. وروي عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنَّه ردَّ زكاةً أُتيَ بها من خراسانَ إلى الشامِ، إلى خراسانَ. وروي عن الحسنِ والنخعيِّ أنَّهما كرها نقلَ الزكاةِ من بلدٍ إلى بلدٍ، إلا لذي قرابةٍ. وكان أبو العاليةِ يبعثُ بزكاتِه إلى المدينةِ.
ولنا قولُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لمعاذٍ: «أخبرهم أنَّ عليهم صدقةً تُؤخَذُ من أغنيائِهم، فتُرَدُّ في فقرائِهم»، وهذا يختصُّ بفقراءِ بلدِهم. ولمَّا بعثَ معاذٌ الصدقةَ من اليمنِ إلى عمرَ، أنكرَ عليه ذلك عمرُ، وقال: لم أبعثْك جابيًا، ولا آخذَ جزيةٍ، ولكن بعثتُك لتأخذَ من أغنياءِ الناسِ، فتردَّ في فقرائِهم. فقال معاذٌ: ما بعثتُ إليك بشيءٍ وأنا أجدُ أحدًا يأخذُها منِّي. رواه أبو عبيدٍ في الأموال.
وروي أيضًا عن إبراهيمَ بنِ عطاءٍ مولى عمرانَ بنِ حصينٍ أنَّ زيادًا، أو بعضَ الأمراءِ، بعثَ عمرانَ على الصدقةِ، فلمَّا رجع قال: أين المالُ؟ قال: ألِلمالِ بعثتَني؟ أخذناها من حيثُ كنَّا نأخذُها على عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ووضعناها حيثُ كنَّا نضعُها على عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. ولأنَّ المقصودَ إغناءُ الفقراءِ بها، فإذا أبحنا نقلَها أفضى إلى بقاءِ فقراءِ ذلك البلدِ محتاجين.
فإن خالفَ ونقلَها، أجزأتْه في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. قال القاضي: وظاهرُ كلامِ أحمدَ يقتضي ذلك، ولم أجدْ عنه نصًّا في هذه المسألةِ، وذكر أبو الخطابِ فيها روايتين: إحداهما، يُجزِئُه، واختارها؛ لأنَّه دفعَ الحقَّ إلى مستحقِّه، فبرئَ منه كالدَّينِ، وكما لو فرَّقها في بلدِها. والأخرى، لا تُجزِئُه، اختارها ابنُ حامدٍ؛ لأنَّه دفعَ الزكاةَ إلى غيرِ من أُمِرَ بدفعِها إليه، أشبهَ ما لو دفعَها إلى غيرِ الأصنافِ. المغني(4/١٣١).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
والحاصل أنه يمكن للعامل أن يوزع المال على المحتاجين، ويمكن أن يأتي به، وهذا على حسب ما يتفق عليه مع ولي الأمر، فإن قال له: اقبضها ووزعها، فإنه يفعل ذلك، وإن قال له: اقبضها وائت بها فإنه يفعل ذلك. شرح سنن أبي داود للعباد (197/ 11)


إبلاغ عن خطأ