الثلاثاء 26 صفر 1448 | 2026-08-11

A a

«لَقِّنُوا موتاكم لا إله إلا الله؛ فإنه من كان آخر كلمته لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يومًا من الدَّهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه».


رواه مسلم برقم: (917) مختصرًا، وابن حبان برقم: (3004) واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ورواه مسلم -أيضًا- برقم: (916) مختصرًا، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
رواية ابن حبان في صحيح الجامع برقم: (5150).


غريب الحديث


«لقِّنُوا»:
التَّلقين كالتفهيم، وغلام لَقِنٌ: سريع الفهم. النظم المستعذب، لبطال الركبي (1/ 124).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «لَقِّنُوا موتاكم»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«لقِّنوا» من التلقين وهو كالتفهيم، وزنًا ومعنىً وتعدية. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 74).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لَقِّنُوا» أمر من التلقين، وهو التذكير، أي: ذكِّروا. البحر المحيط الثجاج (18/ 133).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لقِّنوا» أي: ذكِّروا مَن حضره الموت منكم بكلمة التوحيد أو بكلمتي الشهادة، بأن تتلفظوا بها أو بهما عنده لا أن تأمروه فهذا حديث لا يصح رفعه. مرقاة المفاتيح (3/ 1166).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وذلك من حقوق المسلم على المسلمين، ولا خلاف في ذلك. المفهم (2/ 570).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «لقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله» يعني: قولوا له قولَ كلمتي الشهادة، فإن قال فهو المراد، وإن لم يقل لا يكلف عليه؛ لأنه ربما لا يقدر على الكلام أو يكون مشغولًا بفكر، ولكن يقول الحاضرون كلمتي الشهادة حتى يوافقهم بقلبه. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 419).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
ولا يقول له: قل: لا إله إلا الله، بل يقول بحضرته ذلك حتى يسمع؛ ليتفطن فيقولها، إلا أن يكون كافرًا فيقول له: قل، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعمه أبي طالب، وللغلام اليهودي. السراج المنير شرح الجامع الصغير (4/ 131).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
في تلقين الميت هذه الكلمة ستة أوجه:
أحدها: أنها أول ما يلزمه النطق به في بداية التكليف، فأراد أن تكون خاتمة الأقوال.
والثاني: أنه إن كان قالها في زمن السلامة شاكًّا في صحتها أو غافلًا عن مضمونها، فعند الموت يحضر قلبه فينطق بها بيقين.
والثالث: أن الأعمال بطلت بقوة المرض، فلم يبق إلا الأقوال، وهي أفضل الأقوال.
والرابع: أن الأعمال بخواتيمها، وهي أشرف ما ختم به.
والخامس: ليقرَّ المؤمن في زمن الشدة بما كان مقرًّا به في زمن السلامة والعافية، ومثله ابتلاء منكر ونكير.
والسادس: أن هذه الكلمة كانت عاصمة في الدنيا من عذابها، فأُمر بقولها عند استقبال الآخرة؛ لينجوا من عذابها. كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 164).
وقال السندي -رحمه الله-:
والتلقين بعد الموت قد جزم كثير أنه حادث. حاشية السندي على سنن النسائي (4/ 5).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
التلقين المتعارَف (يعني: للموتى في القبر) غير معروف في السلف، بل هو أمر حادث، فلا يُحمل عليه قوله -عليه الصلاة والسلام- مع أن التلقين اللغوي حقيقة في المحتضر مجاز في الميت؛ ولأن الأول أقرب إلى السماع، وأوجب إلى الانتفاع، وقد قال ابن حبان وغيره في الحديث المذكور: إنه أراد به مَن حضره الموت، وكذلك قال في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «اقرءوا على موتاكم يس» أراد به مَن حضره الموت لا أن الميت يُقرأ عليه. مرقاة المفاتيح (3/ 1166).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وكان (رسول الله) إذا فرغ من دفن الميت قام على قبره هو وأصحابه، وسأل له التثبيت، وأمرهم أن يسألوا له التثبيت، ولم يكن يجلس يقرأ عند القبر، ولا يلقِّن الميت كما يفعله الناس اليوم، وأما الحديث الذي رواه الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا مات أحدٌ من إخوانكم فسوَّيتم التراب على قبره، فليَقُم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يستوي قاعدًا، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أَرْشِدْنَا يرحمك الله...» فهذا حديث لا يصح رفعه. زاد المعاد (1/ 503).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
مما يلزم التنبه له: ما جرى في بعض البلدان من تلقين الميت بعد دفنه، فإنه مما لا أصل له في الأحاديث الصحيحة، وقد ذكروا حديثًا ضعيفًا لا يصلح للاحتجاج به، ومن الغريب أن بعض العلماء المتأخرين، ومنهم ابن الصلاح، والنووي مع اعترافهما بأنه ليس إسناده بالقائم، يستندون إليه، ويجعلونه من العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ويستشهدون له بحديث: «واسألوا له التثبيت»، وهو حديث صحيح، لكنه لا يَشهد له؛ لأنه أمرٌ بالدعاء بالتثبيت له، كصلاة الجنازة، وليس من باب التلقين...، والحاصل: أن التلقين بعد الموت لم يثبت له دليل صحيح، فلا ينبغي فعله، فتبصر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (18/ 138).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
قالوا: وينبغي أن يكون الملقِّن غير وارث، حتى لا يتهمه باستعجال موته، فإن لم يكن عنده إلا الوارث لقَّنه أَبَرَّهُمْ به، وأحبهم إليه. السراج المنير شرح الجامع الصغير (4/ 131).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وسماهم -صلى الله عليه وسلم- موتى؛ لأن الموت قد حضرهم. المفهم (2/ 569).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والمراد بموتاكم: موتى المسلمين، وأما موتى غيرهم فيَعرض عليهم الإسلام كما عرضه -صلى الله عليه وسلم- على عمه عند السياق، وعلى الذمي الذي كان يخدمه، فعاده وعرض -عليه الإسلام- فأسلم، وكأنه خص في الحديث موتى أهل الإسلام؛ لأنهم الذين يقبلون ذلك؛ ولأن حضور أهل الإسلام عندهم هو الأغلب، بخلاف الكفار فالغالب أنه لا يحضر موتاهم إلا الكفار. سبل السلام (1/ 466).
وقال النووي -رحمه الله-:
والأمر بهذا التلقين أمر ندب. شرح صحيح مسلم (6/ 219).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
الجمهور على أنه يُندب هذا التلقين، وظاهر الحديث يقتضي وجوبه، وذهب إليه جمع، بل نقل بعض المالكية الاتفاق عليه. مرقاة المفاتيح (3/ 1166).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الظاهر قول من قال بالوجوب؛ لصريح الأمر في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لقِّنوا»، والذين قالوا بالندبية لم يذكروا له صارفًا عن الوجوب، فتأمل، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (18/ 135).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الأمر في الحديث بالتلقين عام لكل مسلم يحضر من هو في سياق الموت. سبل السلام (1/ 465).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وتلقين الموتى هذه الكلمة سُنة مأثورة عمل بها المسلمون، وذلك ليكون آخر كلامه: لا إله إلا الله، فيختم له بالسعادة، وليدخل في عموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة»؛ ولينبه المحتضر على ما يدفع به الشيطان، فإنه يتعرض للمحتضر ليفسد عليه عقيدته، فإذا تلقنها المحتضر وقالها مرة واحدة فلا تُعاد عليه؛ لئلا يتضجر، وقد كره أهل العلم الإكثار عليه من التلقين، والإلحاح عليه إذا هو تلقنها، أو فُهم عنه ذلك.
وفي أمره - عليه الصلاة والسلام - بتلقين الموتى ما يدل على تعين الحضور عند المحتضر؛ لتذكيره وإغماضه، والقيام عليه، وذلك من حقوق المسلم على المسلمين، ولا خلاف في ذلك. المفهم (2/ 570).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال الزين بن المنير: هذا الخبر يتناول بلفظه من قالها فبَغَتَهُ الموت أو طالت حياته، لكن لم يتكلم بشيء غيرها، ويخرج بمفهومه مَن تكلم لكن استصحب حكمها من غير تجديد نطق بها، فإن عمل أعمالًا سيئة كان في المشيئة، وإن عمل أعمالًا صالحة فقضية سعة رحمة الله أن لا فرق بين الإسلام النطقي والحكمي المستصحب، والله أعلم. فتح الباري (3/ 109).
وقال المازري -رحمه الله-:
يحتمل: أن يكون أمر -عليه السلام- بذلك لأنه موضع يتعرض الشيطان فيه لإفساد اعتقاد الإنسان فيحتاج إلى مذكِّر ومنبِّه له على التوحيد.
ويحتمل: أن يريد -صلى الله عليه وسلم- ليكون ذلك آخر كلامه فيحصل له ما وعد به -عليه السلام- في الحديث الآخر: «أن من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنة». المعلم بفوائد مسلم (1/ 483).
وقال النووي -رحمه الله-:
أجمع العلماء على هذا التلقين، وكرهوا الإكثار عليه والموالاة؛ لئلا يضجر بضيق حاله، وشدة كربه، فيكره ذلك بقلبه، ويتكلم بما لا يليق، قالوا: وإذا قاله مرة لا يكرر عليه إلا أن يتكلم بعده بكلام آخر فيُعاد التعريض به؛ ليكون آخر كلامه، ويتضمن الحديث الحضور عند المحتضر؛ لتذكيره وتأنيسه وإغماض عينيه، والقيام بحقوقه، وهذا مجمَع عليه. شرح صحيح مسلم (6/ 219).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
ولا ينبغي أن يُلح عليه بالتلقين فيضجره...، فإذا قالها مرة كفاه، بل إن اعتقدها ولم ينطق كفاه ذلك. رياض الأفهام (3/ 181).

قوله: «لا إله إلا الله»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «لا إله إلا الله» اختلف العلماء لماذا لم يقل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقيل: لأن مَن أقر بالتوحيد فإنه مُقِرٌّ بالرسالة؛ لأن ألوهية الله -عزَّ وجلَّ- تقتضي لكمالها أن يكون محمد رسول الله، وقيل: إن المعنى: لقنوهم لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحَذف الثانية استغناء عنها بالأولى، ولكن ظاهر الحديث أنه لا حذف فيه، وأن مَن شهد أن لا إله حق إلا الله، فإن هذه الشهادة تتضمن الإقرار بأن محمدًا رسول الله، ولهذا في حديث أسامة الذي لحق بالرجل المشرك فلما أدركه قال الرجل: لا إله إلا الله، فقتله أسامة -رضي الله عنه-، فلما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك قال له: «قتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله قال: يا رسول الله، إنما قالها تعوذًا» -يعني: يستعيذ من القتل- فجعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يكررها: «قتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟»...، فهذا يدل على أن لا إله إلا الله إذا قالها الإنسان فهو مؤمن ثم يطالب بعد ذلك بلوازمها. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 504).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الاقتصار على لا إله إلا الله هو الراجح عندي؛ عملًا بظاهر النص، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (18/ 136).
قوله: «فإنه من كان آخر كلمته لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يومًا من الدهر وإن أصابه قبل ذلك ما أَصابه»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: لا خلاف بين أئمة المسلمين أنه من قال: لا إله إلا الله، ومات عليها أنه لا بد له من الجنة، ولكن بعد الفصل بين العباد ورد المظالم إلى أهلها. شرح صحيح البخاري (3/ 236).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أن لا إله إلا الله هي العاصمة للدم في الدنيا لكل من قالها، فإذا قالها القادم على الآخرة رجاء أن تكون عاصمة له من عذاب الآخرة، كما كانت عاصمة من عذاب الدنيا، ولأنْ تكون آخر كلمة يقولها في الدنيا.
وفي الفقه: أنه لو قد بُهت الإنسان عند الموت أو شُدِهَ عن قول: لا إله إلا الله حتى لقَّنه مُلَقِّن فقالها، كُتبت له كما لو قالها من غير تلقين. الإفصاح عن معاني الصحاح (8/ 133).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يستفاد من هذا الحديث...: أنه ينبغي أن يكون الناس متعاونين فيما بينهم على نفع بعضهم بعضًا؛ لأن هذا من مصلحة الميت، وهي أيضًا من مصلحته (أي: الملقِّن)؛ فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لأنْ يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمر النَّعم»، وربما إذا رفقت بهذا المحتضر ربما ييسر الله لك من يرفق بك عند احتضارك؛ لأنَّ هذه الحال ستمر بك، فإذا رفقت بإخوانك المسلمين فقد ييسر الله لك إذا وصلت إلى هذه الحال. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 505).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان الأمر بتلقين من حضره الموت لا إله إلا الله حتى يكون آخر كلامه لا إله إلا الله، فيدخل الجنة.
ومنها: بيان فضل كلمة الإخلاص، وعظيم بركتها، حيث تدخل من كانت آخر كلامه الجنة.
ومنها: استحباب حضور المحتضر، والعناية به بتلقين كلمة التوحيد، وتأنيسه، وإحضار ما يحتاج إليه من ماء أو غيره إن احتاج، وتغميض عينيه إذا مات، والقيام بحقوقه، من تجهيزه للصلاة عليه ودفنه، وقضاء ديونه، ونحو ذلك، وهذه مما لا خلاف فيه. البحر المحيط الثجاج (18/ 138).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:
1 - استحباب تلقين الميت وتذكيره بلا إله إلا الله عند سياقة الموت.
2 - لا فرق في التذكير بين أن يكون المحتضر مسلمًا أو كافرًا. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (3/ 6).

وينظر حديث: «أَكْثِرُوا مِن شهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ قبلَ أنْ يُحَالَ بينكم وبينها، ولَقِّنُوهَا موتَاكُمْ».


إبلاغ عن خطأ