الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«مرَّ بي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا جالس هكذا، وقد وَضَعْتُ يدي اليسرى خلف ظهري، واتَّكأتُ على أَلْيَةِ يدي، فقال: أتَقْعُد قِعْدة المغضوب عليهم؟».


رواه أحمد برقم: (19454)، وأبو داود برقم: (4848)، وابن حبان برقم: (5674)، والحاكم برقم: (7703)، من حديث الشريد بن سويد -رضي الله عنه-.
ورواه عبد الرزاق برقم: (3057)، بلفظ عبد الرزاق: «كان يقول في وَضْع الرَّجُل شماله إذا جلس في الصلاة: هي قِعْدَةُ الْمَغْضُوبِ عليهم».
صححه الشيخ الألباني في جلباب المرأة المسلمة(ص: 197).


غريب الحديث


«فاتكأ»:
اِتَّكأ: وزنه اِفْتَعل، ويستعمل بمعنيين: أحدهما: الجلوس مع التمكن.
والثاني: القعود مع تمايل معتمدًا على أحد الجانبين. المصباح المنير، للفيومي (1/ 76).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الـمُتَّكِئ في العربية: كل مَن استوى قاعدًا على وِطاء متمكنًا، والعامة لا تَعْرف المتكئ إلا من مال في قعوده معتمدًا على أحد شقيه. النهاية (1/ 193).


شرح الحديث


قوله: «مرَّ بي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا جالس هكذا، وقد وَضَعْتُ يدي اليسرى خلف ظهري»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«مَرَّ بي النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنا جالس هكذا» ثُمَّ بيَّن جِلسته التي كان عليها «وقد وَضَعَت يدي» بسكون ياء المتكلم، ويجوز تحريكها بالفتح «اليسرى خلف ظهري». شرح سنن أبي داود (18/555، 556).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«مَرَّ بي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا جالس هكذا» المشار إليه المفسَّر بقوله: «وقد وضعت يدي ‌اليسرى ‌خلف ظهري». مرقاة المفاتيح (7/ 2984).

قوله: «واتَّكأتُ على أَلْيَةِ يدِي»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «على أَلْيَةِ يدي» الأَلْيَة اللحمة التي في أصل الإبهام. الكاشف (10/ 3076).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«واتَّكأت» بهمزة ساكنة بعد الكاف «على أَلْيَة» بفتح الهمزة وسكون اللام «يدي» بكسر الدال، وألية اليد: هي اللحمة التي في أصل الإبهام، والصُّرَّةُ: هي اللحمة التي في أصل الخِنْصَر، ومنه الحديث: «فَتَفَل في عين علي، ومسحها بألية إبهامه» وحديث البراء: «السجود على أليَتَي الكَفّ» أراد: ألية الإبهام، وصُرة الخِنْصَر فغَلَّب، كالقمرين والعمرين. شرح سنن أبي داود (18/ 556).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «واتكأت على أَلْيَةِ يدِي» أي: اليمنى، الأَلْيَة بفتح الهمزة وسكون اللام: العَجِيْزَة، واللحمة في أصل الإبهام، والمراد هنا المعنى الثاني. لمعات التنقيح (8/ 78).
وقال العظيم آبادي -رحمه الله-:
«واتَّكأت على أَلْيَة يدِي» أي: اليُمْنى. عون المعبود (13/ 135).

قوله: «فقال: «أتَقْعُد قِعْدة المغضوب عليهم؟»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
المراد بالمغضوب عليهم: اليهود، وفي التَّخصيص بالذكر فائدتان: إحداهما: أن هذه القِعدة مما يبغضه الله تعالى، وأن المسلم مِمَّن أنعم الله عليه، فينبغي أن يجتنب التشبه بمن غضب الله عليه، ولعنه. الكاشف (10/ 3076).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
زاد ابن حبان: قال ابن جريج: «وضع راحتيه على الأرض» فإن هكذا يجلس الذين يعذَّبون بفتح الذال المشددة، أي: في النار يوم القيامة، أو يعذبون في الدنيا. شرح سنن أبي داود (5/ 284).
وقال ابن رسلان -رحمه الله- أيضًا:
«قال: أتقعد» استفهام إنكار وتوبيخ «قِعدة» بكسر القاف: الهيئة والحالة، وأما فتح القاف فللمَرَّة الواحدة من القُعود «المغضوب عليهم؟» يُحتمل أن يكون الألف واللام للعهد المذكور في قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} الفاتحة: 7، وهم اليهود، فلعل هذه القِعدة من عادتهم، ويحتمل أن يكون المغضوب عليهم هم الغاضبين لله تعالى، ويحتمل أن تكون هذه القِعدة قِعدة المتكبرين أو المبتدعين، ويحتمل غير ذلك. شرح سنن أبي داود (18/ 556).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال» أي: منكرًا عليَّ «أتقعد قِعدة المغضوب عليهم؟» القِعدة بالكسر للنوع والهيئة، والظاهر أنَّ عكس فعله أيضًا يتعلق به الإنكار، وكذا وضع اليدين وراء ظهره متكئًا عليهما من قِعدة المتكبرين، لكن في أخذه من الحديث محل تردد...، وفي كون اليهود هم المراد من المغضوب عليهم هنا محل بحث، وتتوقف صحته على أن يكون هذا شعارهم، والأظهر: أن يراد بالمغضوب عليهم أعم من الكفار والفجار المتكبرين المتجبرين ممن تظهر آثار العجب والكبر عليهم من قعودهم ومشيهم ونحوهما، نعم ورد في حديث صحيح: أن المغضوب عليهم في سورة الفاتحة هم اليهود. مرقاة المفاتيح (7/ 2985).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أتقعد قِعدة المغضوب عليهم؟» المراد بهم: اليهود، فكراهيته -صلى الله عليه وسلم- للتَّشبه بهم. التحبير لإيضاح (6/ 525).
قال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
في السُّنة بيان أن اليهود مغضوب عليهم وأن النصارى ضالون، فكلمة: «المغضوب عليهم» لا أدري هل المقصود بها اليهود، وأنهم يفعلون ذلك، أو أن المقصود بها ما هو أعم من ذلك، وأن من يفعل ذلك فقد فعل ما يستوجب الغضب من الله -عزَّ وجلَّ-. شرح سنن أبي داود (124/ 18).
وقال فيصل آل مبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: كراهة هذه الجلسة، والمنع عن التشبه باليهود في هيئاتهم. تطريز رياض الصالحين (ص504).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
فيه المنع من التَّشبه بالمغضوب عليهم في الهيئة أو غيرها من الأفعال والأحوال. دليل الفالحين (5/ 301).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
لا يُكره من الجلوس إلا ما وَصَفه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنَّه قِعدة المغضوب عليهم، بأن يجعل يده اليُسرى من خلف ظهره، ويجعل بطن الكف على الأرض، ويتكئ عليها، فإنَّ هذه القِعدة وصَفَها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأنها قِعدة المغضوب عليهم، أمَّا وضع اليدين كلتيهما من وراء ظهره واتكأ عليهما، فلا بأس، ولو وضع اليد اليمنى فلا بأس، إنَّما التي وَصَفها النبي -عليه الصلاة والسلام- بأنها قِعدة المغضوب عليهم: أن يجعل اليد اليسرى من خلف ظهره، ويجعل باطنها -أي: أَلْيَتها- على الأرض، ويتَّكئ عليها، فهذه هي التي وصفها النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنها قِعدة المغضوب عليهم. شرح رياض الصالحين (4/ 347).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
كونه جاء في الحديث وَصْف هذه ‌الجِلسة ‌بجِلسة المغضوب عليهم، هذا يدل على التحريم...، ذكر في عون المعبود تفسيره بأنه جعل يده ‌اليسرى ‌خلف ظهره، واتكأ على أَلْيَة يده اليمنى، والمقصود بالألية: الراحة من جهة الإبهام، فالراحة من جهة الإبهام يقال لها: ألية اليد، ويحتمل أن يكون المقصود أن كل ذلك يتعلق باليد اليسرى، وأنه جعلها وراء ظهره، وأتكأ على أليتها، أي: على الراحة التي من جهة الإبهام، وليست التي من جهة الخِنْصَر، التي هي الجهة الأخرى. شرح سنن أبي داود (550/ 15).
وقال الشيخ عبد الله السعد -حفظه الله-:
الاعتماد على اليدين خلاف المشروع، فإن كان في الصلاة أثناء الجلوس فهو غير مشروع -أيضًا -، اللهم إلا إن كان لحاجة فلا بأس بذلك. شرح كتاب آداب المشي إلى الصلاة (ص: 308).


إبلاغ عن خطأ