«قال لي رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: كيفَ أنتَ إذا كانتْ عليكَ أُمرَاءُ يؤخِّرونَ الصلاةَ عن وقتِهَا -أو يُميتُونَ الصلاةَ عن وقتِهَا-؟ قال: قلتُ: فمَا تَأمُرُني؟ قال: صَلِّ الصلاةَ لوقْتِها، فإنْ أدركتَها مَعَهم فصَلِّ، فإنَّها لكَ نَافِلَةٌ».
رواه مسلم برقم: (648)، من حديث أبي ذر -رضي الله عنه-.
غريب الحديث
«نافلة»:
النفل: بالسكون وقد يحرك: الزيادة... وبه سميت النوافل في العبادات؛ لأنها زائدة على الفرائض. النهاية، لابن الأثير (5/ 99).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: كيفَ أنتَ إذا كانتْ عليكَ أُمرَاءُ يؤخِّرونَ الصلاةَ عن وقتِهَا -أو يُميتُونَ الصلاةَ عن وقتِهَا-؟»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء؟» إشعار بقرب زمان ذلك. المفهم (2/ 272).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
أي: ما حالك إذا رأيتَ من ولي أمرك يؤخر الصلاة عن أول وقتها؟ فإنْ انتظرته أمَتَّ فضيلة أول الوقت، أو فعلها في وقت اختياره، وإن عجَّلتَ خشيتَ سطوته. فتح الإله في شرح المشكاة (3/64).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «يميتون الصلاة» أي: يصلونها بعد خروج وقتها، فكانت كالميت الذي تخرج رُوحه. إكمال المعلم (2/ 614).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
قوله: «يميتون الصلاة» يعني: يضيعونها ويؤخرونها إلى آخر الوقت؛ لعدم المبالاة بها، أو قال: «يؤخرون الصلاة» شكٌّ من الراوي، وإنما ذكر الأمراء؛ لأنهم كانوا الخطباء في ذلك الزمان، والأئمة بالناس، يعني: إذا رأيتهم يؤخرونها أفتوافقهم في التأخير أم لا؟ شرح المصابيح (1/ 377).
وقال النووي -رحمه الله-:
معنى: «يميتون الصلاة»: يُؤخرونها فيجعلونها كالميت الذي خرجت روحه والمراد بتأخيرها عن وقتها أي: عن وقتها المختار لا عن جميع وقتها فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار ولم يؤخرها أحدٌ منهم عن جميع وقتها فوجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع. شرح صحيح مسلم (5/ 147).
وقال العيني -رحمه الله-:
هكذا قاله الشيخ محيي الدين، ولكن لفظ: «يميتون الصلاة» ينافي هذا التأويل؛ لأن معنى إماتة الصلاة: أن يصليها خارج الوقت؛ لأن الصلاة ما دامت في وقتها لا توصف بالميتة، وكذا قوله: (ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها) غيرُ مسلَّم؛ فإنه نُقل عن كثير من الخُلفاء الفَسقة والسلاطين الظلمة ترك الصلوات، فضلًا عن تأخير صلاة عن وقتها. شرح سنن أبي داود (2/ 311).
وقال الشيخ موسى شاهين لاشين -رحمه الله-:
قوله: «يؤخرون الصلاة عن وقتها» في الكلام مضاف محذوف، والتقدير: عن أول وقتها، كذا قيل. فتح المنعم (3/ 365).
قوله: «قال: قلتُ: فمَا تَأمُرُني؟»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: فما الذي تأمرني به أن أفعله في ذلك الوقت؟. مرقاة المفاتيح (2/ 531).
قوله: «قال: صَلِّ الصلاةَ لوقْتِها، فإنْ أدركتَها مَعَهم فصَلِّ فإنَّها لكَ نَافِلَةٌ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
أمْرُه -عليه السلام- أبا ذر بالصلاة لوقتها، ثم الصلاة معهم؛ احتياط لوقت الصلاة، ومراعاة لفضل الألفة ولزوم الجماعات، وترك الخلاف، وافتراق الكلمة؛ لأن أمر الأئمة هو الذي يجمعها ويفرقها. إكمال المعلم (2/ 614).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «صل الصلاة لوقتها» يعني: الأفضل، بدليل قوله: «فإن أدركتها معهم» أي: في الوقت، وبدليل قوله: «فإن صليت لوقتها كانت لك نافلة» أي: زيادة في العمل والثواب. المفهم (2/ 272).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«صلِّ الصلاة لوقتها» أي: في أول الوقت ولا تؤخرها، «فإن أدركتها معهم فصلِّه» الهاء للسكت، أو كناية يعود إلى ما أدرك، ويروى: «فصلِّ» و«فصلِّها»، «فإنها لك نافلة» وهذا دليل على أن الصلاة في أول الوقت أفضل، ولا يستحب ترك فضيلة أول الوقت لأجل إمام يؤخر الصلاة، وعلى سنية إعادة الفرض بالجماعة خلافًا لمن كره ذلك، وعلى أن الثاني نقل خلافًا لمن قال: إن الأُولى أو واحدة منهما لا على التعيين نفلٌ. شرح المصابيح (1/ 377).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «صلِّ الصلاة لوقتها» أي: وقتها المختار المستحب، قوله: «فصله» الهاء فيه هاء السكتة، وليست بهاء الضمير، قوله: «فإنها لك نافلة» أي: فإن الصلاة التي تدركها وتصليها معهم بعد أن تصلي في وقتها المختار لك نافلة؛ لأن الأولى وقعت فرضًا، فيصير الثاني نفلًا؛ وهذا مذهب الجمهور في أن الرجل إذا صلى الفرض مرتين تكون الأولى فرضًا والثانية نفلًا؛ لأن صريح الحديث يدل على هذا.
وعن الشافعي أربعة أقوال، الصحيح: كمذهب الجمهور، والثاني: أن الفرض أكملها، والثالث: كلاهما فرض، والرابع: الفرض أحدهما -على الإبهام- يحتسب الله بأيهما شاء، ثم الحديث بعمومه يتناول هذا الحكم في جميع الصلوات، ولكن يستثنى منها: صلاة الصبح والعصر؛ لورود النهي عن الصلاة بعدهما، وهذا عندنا (أي: الأحناف) وعند الشافعي في وجه، وفي الصحيح عنده: أنه لا يفرق بين صلاة وصلاة، وأما المغرب: فعندنا ينبغي أن يضم إليه ركعة رابعة؛ لأن التنفل بالبتيراء مكروه -كما عُرِفَ في الفروع-، قوله: «نافلة» مرفوع بالابتداء، وخبره: قوله: «لك» والجملة خبر «إن». شرح سنن أبي داود (2/ 311).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
وفيه: الحث على إيقاع الصلاة أول الوقت، وأن تأخيرها عنه من فعل أئمة الجور...، وأن الأفضل عند تأخير الإمام فعلها أول الوقت، ثم معه ليجتمع له فضيلتا أول الوقت والجماعة، وأن إعادة الصلاة مع الجماعة سُنة، ومن منعها محجوج بهذا، وما يأتي، وأنه لا فرق في ندب الإعادة بين الصبح والعصر وغيرهما، فقول بعض أصحابنا: لا يعاد الأولان(صلاة الفجر والعصر) ؛ إذ لا نفل بعدهما، يرده إطلاق الحديث، والمعذور بعدهما إنما هو فعل نفل لا سبب له، والمعادة لها سبب متقدم هو فعل الأولى مع احتمال نقصها المطلوب تداركه بالإعادة، ولا المغرب؛ لأنها تصير شفعاء(شفعًا) ، وهو غاية الضعف، ولو أراد الاقتصار على أحد ذينك، فالتأخير أفضل، ثم إن تيقَّنَ الجماعة أخَّر، ولو إلى أن يبقى وقت يسعها، أو ظنها أخَّر إلى نصف الوقت؛ وذلك لأن فضيلة حيازة الجماعة أكمل من فضيلة أول الوقت؛ لأن تلك تقع فرضًا فثوابها أكمل؛ لما يأتي أن ثواب الفرض يزيد على ثواب النفل بسبعين درجة، وأنه ينبغي موافقة الأمراء في غير معصية خشية الفتنة، وأن من صلى منفردًا أو في جماعة ثم صلاها في جماعة، فالأولى هي الفرض، والثانية نافلة، والأصح عندنا، خلافًا لمن قال: إن الله يحتسب منهما ما شاء، فعلى الأول لو بان فسادُ الأولى لم تُجْزه الثانية مطلقًا، وعلى الثاني يحسب له، وواضح أن محله إن نوى بها الفرض معتقدًا حقيقته بأن غفل عن فعله للأولى، وإلا فكيف يحسب له وهو لم ينوِ بها حقيقة الفرض؟ فتح الإله (3/65-66).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «فإن أدركتها...» معناه: صلِّ في أول الوقت وتصرف في شغلك، فإن صادفتهم بعد ذلك وقد صلوا أجزأتك صلاتك، وإن أدركت الصلاة معهم فصل معهم وتكون هذه الثانية لك نافلة...نيل الأوطار (2/ 29).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وهذه الأحاديث تدل على أن الأولى فرضه والثانية تطوع له، وتدل أيضًا على أن إعادة الصلاة مع الإمام أنه أمر عامٌّ من غير تخصيص ولا تعيين.
وذكر أبو بكر الأثرم، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا جرير بن حازم، قال: سمعت حمَّادًا قال: كان إبراهيم يقول: إذا نوى الرجل صلاة وكتبتها الملائكة، فمن يستطيع أن يحولها؟ فما صلى بعدها فهو تطوع. التمهيد (3/ 348).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفيه: جواز الصلاة مرتين؛ إذا كان ذلك لسبب، وإنما جاء النهي عن أن يصلى صلاة واحدة مرتين في يوم إذا لم يكن لهما سبب، وفيه: أن الفرض هو صلاته الأولى، وقد يقال: ليس فيه حجة لكل صلاة مُعَادة؛ لأن هذه الآخرة خرج بها عن سببها، وقد اختلف فيمن صلى فذًّا ثم أعاد في جماعة أيتها فرضه الأولى أو الثانية؟ فأبو حنيفة يجعل الفرض الأولى، وظاهر مذهبنا (أي: المالكية) أن الفرض الآخرة، وعلى هذا: أتينا بالخلاف في إعادة الصبح والعصر إذ لا تنفُّل بعدهما. إكمال المعلم (2/ 614).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فإنه لما ذَكر أنه سيكون أمراء ويفعلون ويفعلون، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلَّوا» وقد أخبر عن هذه الصلاة التي يؤخرونها وأمر أن تُصلى في الوقت، وتُعاد معهم نافلة، فدل على صحة صلاتهم، ولو كانوا لم يصلوا لأمر بقتالهم. منهاج السنة النبوية (5/ 211).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديثِ: الحثُّ على الصلاةِ أوَّلَ الوقتِ، وفيه: أنَّ الإمامَ إذا أخَّرها عن أوَّلِ وقتِها يُستحبُّ للمأمومِ أن يُصلِّيَها في أوَّلِ الوقتِ منفردًا، ثم يُصلِّيَها مع الإمامِ، فيجمعُ فضيلتَي أوَّلِ الوقتِ والجماعةِ، فلو أراد الاقتصارَ على إحداهما فهل الأفضلُ الاقتصارُ على فعلِها منفردًا في أوَّلِ الوقتِ؟ أم الاقتصارُ على فعلِها جماعةً في آخرِ الوقتِ؟ فيه خلافٌ مشهورٌ لأصحابِنا، واختلفوا في الراجحِ، وقد أوضحتُه في (بابِ التيمُّم) من (شرحِ المهذَّب)، والمختارُ: استحبابُ الانتظارِ إن لم يفحشِ التأخيرُ، وفيه: الحثُّ على موافقةِ الأمراءِ في غيرِ معصيةٍ؛ لئلَّا تتفرَّقَ الكلمةُ وتقعَ الفتنةُ...
وفي هذا الحديثِ: أنَّه لا بأسَ بإعادةِ الصبحِ والعصرِ والمغربِ كباقي الصلواتِ؛ لأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أطلقَ الأمرَ بإعادةِ الصلاةِ ولم يُفرِّقْ بين صلاةٍ وصلاةٍ، وهذا هو الصحيحُ في مذهبِنا، ولنا وجهٌ أنَّه لا يُعيدُ الصبحَ والعصرَ؛ لأنَّ الثانيةَ نفلٌ ولا تنفُّلَ بعدهما، ووجهٌ أنَّه لا يُعيدُ المغربَ؛ لئلَّا تصيرَ شفعًا، وهو ضعيفٌ.. شرح صحيح مسلم (5/ 147).
وقال العيني -رحمه الله-:
ويستفاد من هذا الحديث فوائد:
الأولى: أن الإمام إذا أخّر الصلاة عن وقتها المستحب يستحب للمأموم أن يصليها في وقتها المستحب منفردًا، ثم يصليها معه إن أدرك فيجمع بين الفضيلتين، فإن أراد الاقتصار فالأفضل أن يقتصر على فعلها جماعة ما دام في الوقت، وقيل: الأفضل: أن يقتصر على فعلها منفردًا في الوقت المستحب.
الثانية: فيه الحث على موافقة الأمراء في غير معصية؛ لئلا تتفرق الكلمة، وتقع الفتنة.
الثالثة: فيه الحث على الصلاة بالجماعة، وأنها أفضل من الانفراد.
الرابعة: فيه الحث على رعاية الوقت المستحب للصلاة.
الخامسة: فيه ذم من أخر الصلاة عن وقتها.
السادسة: فيه شيء من دلائل النبوة؛ حيث أخبر عن الأمراء الذين يميتون الصلاة، وقد وقع هذا في زمن بني أمية ومن بعدهم -أيضًا- إلى يومنا هذا. شرح سنن أبي داود (2/ 311).
وقال العراقي -رحمه الله-:
في قول ابن مسعود وفي حديث أبي ذر المذكور: أن من ترك الصلاة عمدًا، ثم صلاها بعد الوقت صحت صلاته، وأنه يجب عليه قضاؤها، كما يجب على من تركها بعذر كالناسي والنائم؛ لأنه أمره بالصلاة معهم بعد خروج الوقت؛ فلولا أن الصلاة صحيحة لما أمره بالاقتداء بهم، وقد استدل به ابن عبد البر في (الاستذكار) على هذا، وحكى الاتفاق عليه، وأنه لم يخالف فيه إلا بعض أهل الظاهر، وأغربُ من هذا: أن ابن حزم ادعى في كتاب (الأعراب) الاتفاق على أنها لا تُقْضى، وأن الأحاديث إنما دلت على قضاء المعذور من قوله: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» فلم يأمر التارك لها عمدًا بالقضاء، وذهب إلى أنها لا تُقْضَى وإن قضاها لم يصح؛ تغليظًا عليه! وهو مخالف لأقوال الأئمة الأربعة؛ فقد اتفقوا على وجوب قضائها وصِحَّة القضاء؛ لأنه إذا وجب القضاء في الناسي مع عذره فالمتعمد أولى بوجوب القضاء، وبالقياس أيضًا على الصوم، فإن المجامع في رمضان جامع عامدًا وأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقضاء، وأي فرق بين الصوم والصلاة؟! وابن حزم موافق في الصوم أنه يُقْضَى، ولكنه لا يَحتجُّ بالقياس، وما ذهب إليه ابن حزم شاذ مخالف لأئمة أهل العلم -والله أعلم-. طرح التثريب (2/ 287).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فقد أذن بالصلاة خلفهم وجعلها نافلة؛ لأنهم أخرجوها عن وقتها، وظاهره: أنهم لو صلَّوْها في وقتها لكان مأمورًا بصلاتها خلفهم فريضة. سبل السلام (3/ 82).
ولمزيد من الفائدة يُنظر: