الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

مَرَّ يهوديٌّ برسولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقالَ: السَّامُ عليكَ، فقال رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «وعليكَ»، فقال رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «أتدرُونَ ما يقولُ؟ قال: السَّامُ عليكَ، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ألا نَقْتُلُهُ؟ قال: لا، إذا سَلَّمَ عليكم أهلُ الكتابِ فقُولُوا: وعليكم».


رواه البخاري برقم: (6926)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
وراه مسلم برقم: (2163) مختصرًا: «إذا سلَّمَ عليكم أهلُ الكتابِ، فَقُولُوا: وعليكم».
وفي لفظ عند أحمد برقم: (18045)، من حديث أبي عبد الرحمن الجهني: «إني ‌راكبٌ ‌غدًا ‌إلى ‌يهود، فلا تبدؤوهم بالسَّلام، وإذا سلَّموا عليكم، فقولوا: وعليكم».
صحيح الجامع برقم: (2464).


غريب الحديث


«السَّامُ»:
‌السَّامُ: الموت في سلام اليهود. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص:508).


شرح الحديث


قوله: «مَرَّ يهوديٌّ برسولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقالَ: السَّامُ عليكَ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«السام» الموت، يعني: تقول اليهود عِوض «السلام»: السام عليكم. المفاتيح (5/ 123).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «السامُ» بتخفيف الميم وهو الموت، وقيل: هو بمعنى السآمة من الدين، أي: الملالة. الكواكب الدراري (24/ 48).

قوله: «فقال رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «وعليكَ»:
قال ابن القيم -رحمه الله-:
«‌وعليكَ» أي: وأنا أيضًا قائل لك ذلك، وليس معناه: أنَّ هذا قد حصل لي، وهو حصل لك معي، فتأمله. أحكام أهل الذمة (1/ 280).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: الواو في «وعليك» تقتضي التشريك، قلتُ: معناه: وعليك ما تستحق من اللعنة والعذاب، أو ثمة مقدَّر، أي: وأنا أقول: وعليك، أو الموت مشترك، أي: نحن وأنتم كلنا نموت. الكواكب الدراري (24/ 48).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فلو تحقق السامع أنَّ الذمي قال له: سلام عليكم لا شك فيه، فهل له أن يقول: ‌وعليك السلام، أو يقتصر على قوله: ‌وعليك؟
فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية، وقواعد الشريعة أن يقال له: ‌وعليك السلام، فإن هذا من باب العدل، والله يأمر بالعدل والإحسان، وقد قال تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} النساء: 85، فندب إلى الفضل، وأوجب العدل، ولا ينافي هذا شيئًا من أحاديث الباب بوجهٍ ما؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- إنما أمر بالاقتصار على قول الراد: «وعليكم» بناء على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم. أحكام أهل الذمة (1/ 280).

قوله: «فقال رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: أتدرُونَ ما يقولُ؟ قال: السَّامُ عليكَ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«‌أتدرون ‌ما ‌يقول؟» ولأبي ذر: «ماذا يقول؟». إرشاد الساري (10/ 82).

قوله: «قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ألا نقْتُله؟ قال: لا»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«قال: لا» تقتلوه. إرشاد الساري(10/ 82).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«قال: لا» أي: لأنه كان أول الإسلام، وهو -صلى الله عليه وسلم- يؤلف القلوب كما لم يقتل المنافقين، أو لأنه كان يلوي لسانه فيه؛ كما هو عادتهم، أو لأنه دعا بما لا بد منه وهو الموت، مع أنه ليس من المبحث؛ إذ هو تعريض لا تصريح. اللامع الصبيح (16/ 431).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف العلماء فيمن سبَّ النبي -صلى الله عليه وسلم-، فروى ابن القاسم عن مالك أنه مَن سبَّه -صلى الله عليه وسلم- من اليهود والنصارى ‌قُتل إلا أن يُسلم، فأما المسلم فيُقتل بغير استتابة، وهو قول: الليث والشافعي وأحمد وإسحاق، عن ابن المنذر.
وروى الوليد بن مسلم عن الأوزاعي ومالك فيمن سبَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قالا: هي رِدة يُستتاب منها، فإن تاب نُكِّلَ، وإن لم يتب قُتل، وقال الكوفيون: مَن سب النبي -صلى الله عليه وسلم- أو عابه فإن كان ذميًّا عُزر ولم يُقتل، وهو قول الثوري وأبي حنيفة، وإن كان مسلمًا صار مرتدًّا يُقتل، ولم يَقتلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك؛ لأن ما هم عليه من الشرك أعظم مِن سَبِّه -صلى الله عليه وسلم-. شرح صحيح البخاري (8/ 580، 581).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الذي يظهر أنَّ ترْك قَتْلِ اليهود إنما كان لمصلحة التأليف، أو لكونهم لم يعلنوا به، أو لهما جميعًا، وهو أولى، والله أعلم. فتح الباري (12/ 281).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قضى بإهدار دم أمِّ ولدِ الأعمى؛ لَمَّا قتلها مولاها على السب، وقَتل جماعة من اليهود على سبه وأذاه، وأَمَّنَ الناس يوم الفتح إلا نفرًا ممن كان يؤذيه ويهجوه، وهم أربعة رجال وامرأتان، وقال: «مَن لِكعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله؟» وأهدر دمه ودم أبي رافع... وأما تركه -صلى الله عليه وسلم- قتل مَن قدح في عدله بقوله: «اعدل، فإنك لم تعدل»، وفي حكمه بقوله: «أن كان ابن عمتك»، وفي قصده بقوله: «إنَّ هذه قسمة ما أُريدَ بها وجه الله»، أو في خلوته بقوله: «يقولون: إنك تنهى عن الغي وتستخلي به» وغير ذلك، فذلك أنَّ الحق له، فله أن يستوفيه، وله أن يتركه، وليس لأمته ترك استيفاء حقه -صلى الله عليه وسلم-، وأيضًا فإن هذا كان في أول الأمر، حيث كان -صلى الله عليه وسلم- مأمورًا بالعفو والصفح، وأيضًا فإنه كان يعفو عن حقه لمصلحة التأليف، وجَمْعِ الكلمة؛ ولئلا ينفر الناس عنه؛ ولئلا يتحدثوا أنه يقتل أصحابه، وكل هذا يختص بحياته -صلى الله عليه وسلم-. زاد المعاد (5/ 54-56).
وقال محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
هذا الذي قاله ابن القيم -رحمه الله تعالى- هو الحق عندي، وحاصله: وجوب قتل مَن سبه -صلى الله تعالى عليه وسلم- مطلقًا، سواء كان مسلمًا أو ذميًّا؛ لحديث الباب (حديث المرأة التي كانت تسب النبي وقوله: «ألا اشهدوا أنَّ دمها هدر») وغيره من الأدلة المتقدمة؛ ولأنه إجماع الصدر الأوَّل، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، والله تعالى أعلم بالصواب. ذخيرة العقبى (32/ 27).

قوله: «إذا سلَّمَ عليكم أهلُ الكتابِ، فقولُوا: وعليكم»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا» لهم: «وعليكم» أي: ما تستحقونه من اللعن والعذاب. إرشاد الساري (10/ 82، 83).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
«وعليكم» بالواو في بعض طرقه، ولا أرى معناه إلا: وعليكم بما ذكرتم من السوء مع ما عليكم من الأسواء. الإفصاح (5/ 58).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«فقولوا: وعليكم» هذا الجواب إذا لم يتوهم منه تعريض بالدعاء علينا، كان دعاءً لهم بالإسلام، فإنه مناط السلامة في الدارين، وإذا توهم مثل إنهم كانوا يقولون: السام عليكم، فيَلْوُون به ألسنتهم، بحيث يلتبس بالسلام، كان تقديره: وأقول: عليكم ما تريدون بنا، أو تستحقونه، ولا يكون «عليكم» عطفًا على «عليكم» في كلامهم، وإلا لتضمن ذلك تقرير دعائهم. تحفة الأبرار (3/ 206).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«‌فقولوا: ‌وعليكم» يعني: لا تقولوا: وعليكم السلام، فإنه بيَّن سبب ذلك في نفس الحديث، فقال: إن اليهود إذا سلموا يقولون: السام عليكم، يعني: يدعون عليكم بالموت، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «قولوا: وعليكم» أي: وعليك أنت أيضًا السام، فيُفهم من هذا الحديث أنهم لو قالوا: السلام عليكم فإننا نقول: وعليكم السلام، ولا بأس؛ لأن الله قال: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} النساء: 86، والله الموفق. شرح رياض الصالحين (4/ 387).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
ما ذكروه من أمر الواو ليس مُشْكلًا؛ فإنَّ السام الأكثر على أنه الموت، والمسلِّم والمسلَّم عليه مشتركون فيه، فيكون في الإتيان بالواو بيان لعدم الاختصاص وإثبات المشاركة، وفي حذفها إشعار بأن المسلِّم اسم فاعل أحق به، وأولى من المسلَّم عليه، وعلى هذا يكون الإتيان بالواو هو الصواب، وهو أحسن من حذفها، كما رواه مالك وغيره، ومَن فسَّر السام بالسآمة، وهو الملالة وسآمه الدين، قالوا: وعلى هذا فالوجه حذفها ولا بد، ولكن هذا خلاف المعروف من هذه اللفظة في اللغة. التنوير (2/ 94).
وقال الزمخشري -رحمه الله-:
قد رخص بعض العلماء في أن يُبدأ أهل الذِّمة بالسلام إذا دعت إلى ذلك حادثة تحوج إليهم.
وروي ذلك عن النخعي، وعن أبي حنيفة: لا تبدأه بسلام في كتاب ولا غيره، وعن أبي يوسف: لا تسلِّم عليهم ولا تصافحهم، وإذا دخلت فقل: السلام على من اتبع الهدى، ولا بأس بالدعاء له بما يصلحه في دنياه. الكشاف (1/ 545).
وقال الباجي -رحمه الله-:
يقتضي (الحديث) أنَّه إنما يُردُّ عليهم إذا سلَّموا، ولا يُبدؤوا بالسلام، قاله الشيخ أبو القاسم (ابن الجلاب) والقاضي أبو محمد (عبد الوهاب بن نصر المالكي) وغيرهما، وهو مقتضى الحديث؛ لأنه بيَّن حُكم من سلَّم عليه أهل الكتاب في الردَّ، ولم يذكر حُكم ابتدائهم بالسلام، فدلَّ ذلك على أنه غير مشروع، وقد روى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام». المنتقى شرح الموطأ (7/ 280).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف العلماء في ‌رد ‌السلام ‌على ‌أهل الذمة، فقالت طائفة: ‌ردُّ ‌السلام فريضة على المؤمنين والكفار، قالوا: وهذا تأويل قوله تعالى: {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} النساء: 85، قال ابن عباس وقتادة وغيره: هي عامة في ‌رد ‌السلام على المؤمنين والكفار، قال: وقوله تعالى: {أَوْ رُدُّوهَا} يقول: وعليكم للكفار، قال ابن عباس: ومَن سلَّم عليك مِن خلق الله فارْدُدْ عليه، ولو كان مجوسيًّا، وروى ابن وهب عن مالك: لا ترد على اليهودي والنصراني، فإن رددت فقل: عليك، وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه يجوز تكنية اليهودي والنصراني وعيادته، وهذا أكثر من ‌رد ‌السلام، وروى يحيى عن مالك أنه سئل عمن سلم على يهودي أو نصراني هل يستقيله ذلك؟ قال: لا، وقال ابن وهب: سلِّم على اليهودي والنصراني، وتلا قوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} البقرة: 83، وقالت طائفة: لا يرد السلام على أهل الذمة، وقوله تعالى: {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} النساء: 85، في أهل الإسلام خاصة، عن عطاء، وردُّ -عليه السلام- على اليهود: «وعليكم» حُجة لمن رأى الرد على أهل الذِّمة، فسقط قول عطاء. شرح صحيح البخاري (9/ 38، 39).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واستدل بقوله: «إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب» بأنه لا يُشرع للمُسْلِم ابتداء الكافر بالسلام، حكاه الباجي، عن عبد الوهاب، قال الباجي: لأنه بيَّن حكم الرد ‌ولم ‌يذكر ‌حكم ‌الابتداء، كذا قال.
ونقل ابن العربي، عن مالك: لو ابتدأ شخصًا بالسلام وهو يظنه مُسلمًا فبانَ كافرًا كان ابن عمر يسترد منه سلامه، وقال مالك: لا. قال ابن العربي: لأن الاسترداد حينئذ لا فائدة له؛ لأنه لم يحصل له منه شيء؛ لكونه قصد السلام على المسلم، وقال غيره: له فائدة وهو إعلام الكافر بأنه ليس أهلًا للابتداء بالسلام، قلت: ويتأكد إذا كان هناك من يخشى إنكارُه لذلك، أو اقتداؤه به إذا كان الذي سلَّم ممن يقتدي به.
واستدل به على أن هذا الرد خاص بالكفار فلا يجزئ في الرد على المسلم، وقيل: إن أجاب بالواو أجزأ وإلا فلا، وقال ابن دقيق العيد: التحقيق أنه كاف في حصول معنى السلام لا في امتثال الأمر في قوله: {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} النساء: 85؛ وكأنه أراد الذي بغير واو، وأما الذي بالواو فقد ورد في عدة أحاديث، منها في الطبراني، عن ابن عباس: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «سلام عليكم، فقال: وعليك ورحمة الله». وله في الأوسط عن سلمان: أتى رجل فقال: «السلام عليك يا رسول الله، فقال: وعليك». قلت: لكن لَمَّا اشتهرت هذه الصيغة للرد على غير المسلِم ينبغي ترك جواب المسلم بها وإن كانت مجزئة في أصل الرد، والله أعلم. فتح الباري(11/48).
وقال النووي -رحمه الله-:
اتفق ‌العلماء ‌على ‌الرد على أهل الكتاب إذا سلَّموا، لكن لا يقال لهم: وعليكم السَّلام، بل يقال: عليكم فقط، أو وعليكم، وقد جاءت الأحاديث التي ذكرها مسلم: «عليكم»، «وعليكم» بإثبات الواو وحذفها، وأكثر الروايات بإثباتها، وعلى هذا في معناه وجهان:
أحدهما: أنه على ظاهره، فقالوا: عليكم الموت، فقال: وعليكم أيضًا، أي: نحن وأنتم فيه سواء، وكلنا نموت.
والثاني: أنَّ الواو هنا للاستئناف لا للعطف والتشريك، وتقديره: وعليكم ما تستحقونه من الذم، وأما حذف الواو فتقديره: بل عليكم السام. المنهاج شرح صحيح مسلم (14/ 144).

قوله في لفظ: «لا تبدؤوهم بالسلام، فإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم».
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قوله: «لا تبدؤوهم بالسلام..» هذا الوجه المعمول به في السلام على أهل الذِّمة، والرد عليهم، ولا أعلم في ذلك خلافًا، والله المستعان.
وقد روى سفيان بن عيينة، عن زمعة بن صالح، قال: سمعت ابن طاوس، يقول: «إذا سلم عليك اليهودي أو النصراني، فقل: علاك السلام» أي: ارتفع عنك السلام.
قال أبو عمر: هذا لا وجه له، مع ما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولو جاز مخالفة الحديث إلى الرأي في مثل هذا، لاتَّسع في ذلك القول، وكثرت المعاني.
ومثل قول ابن طاوس في هذا الباب، قول مَن قال: يردُّ على أهل الكتاب: عليك السِّلام. بكسر السين، يعني الحجارة.
وهذا غاية في ضعف المعنى، ولم يبح لنا أن نشتمهم ابتداءً، وحسبنا أن نردَّ عليهم بمثل ما يقولون في قول: "وعليك". مع امتثال السنة التي فيها النجاة لمن تبعها، وبالله التوفيق. التمهيد (10/ 458 - 461).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقاً:
قد أجاد ابن عبد البر -رحمه الله- في هذا البحث وأفاد، وخلاصته: أن الحق هو ما ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم-، وهو أن لا نبدأ الكفار بالسلام، وإن سلموا علينا رددنا عليهم بقولنا: "وعليكم" ولا نزيد عليه، وأما القول: علاك السلام، وكذا عليك السِّلام بالكسر، فمخالفة للسنة الصحيحة الصريحة، فلا يُلتفت إليه، فإن النجاة كل النجاة في اتباع السنة، والهلاك في تركها، قال الله -عز وجل-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} الأحزاب : 21، وقال: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} الأعراف : 158، وقال: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} النور : 54، وقال {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} الأحزاب : 36. البحر المحيط الثجاج (35/ 543).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قالت طائفة: يجوز ابتداؤهم بالسلام، فأخرج الطبري من طريق ابن عيينة قال: يجوز ابتداء الكافر بالسلام؛ لقوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} الممتحنة : 8، وقول إبراهيم لأبيه: {سَلَامٌ عَلَيْكَ} مريم: 47، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عون بن عبد الله عن محمد بن كعب أنه سأل عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام فقال: "نرد عليهم ولا نبدؤهم، قال عون: فقلت له: فكيف تقول أنت؟ قال: ما أرى بأسًا أن نبدأهم. قلت: لِمَ؟ قال: لقوله تعالى: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} الزخرف : 89، وقال البيهقي بعد أن ساق حديث أبي أمامة أنه كان يسلِّم على كل مَن لقيه فسُئل عن ذلك فقال: "إن الله جعل السلام تحية لأمَّتنا وأمانًا لأهل ذمتنا"، هذا رأي أبي أمامة، وحديث أبي هريرة في النهي عن ابتدائهم أولى، وأجاب عياض عن الآية وكذا عن قول إبراهيم -عليه السلام- لأبيه بأن القصد بذلك المتاركة والمباعدة وليس القصد فيهما التحية، وقد صرح بعض السلف بأن قوله تعالى: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} الزخرف : 89، نُسخت بآية القتال، وقال الطبري: لا مخالفة بين حديث أسامة في سلام النبي -صلى الله عليه وسلم- على الكفار حيث كانوا مع المسلمين، وبين حديث أبي هريرة في النهي عن السلام على الكفار؛ لأن حديث أبي هريرة عام، وحديث أسامة خاص، فيختص من حديث أبي هريرة ما إذا كان الابتداء لغير سبب ولا حاجة من حق صحبة أو مجاورة أو مكافأة، أو نحو ذلك، والمراد منع ابتدائهم بالسلام المشروع، فأما لو سَلَّم عليهم بلفظ يقتضي خروجهم عنه كأن يقول: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" فهو جائز كما كتب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل وغيره: «سلام على من اتبع الهدى»، وأخرج عبد الرزاق، عن معمر عن قتادة قال: السلام على أهل الكتاب إذا دخلت عليهم بيوتهم: «السلام على من اتبع الهدى»، وأخرج ابن أبي شيبة، عن محمد بن سيرين مثله، ومن طريق أبي مالك: «إذا سلَّمْتَ على المشركين فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فيحسبون أنك سلَّمت عليهم وقد صَرفتَ السلام عنهم». فتح الباري (11/ 39 -40).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
واختلف العلماء -رحمهم الله-: هل يجوز أن نبدأهم بغير السلام، مثل مرحبًا، أهلًا وسهلًا… ؟
فمنهم من قال: لا بأس به تأليفًا، لا سيّما إن خاف منه، أو لم يأمن شره، ومنهم مَن قال: لا؛ لأن ذلك فيه تعظيم له والإنسان في هذه الحال... ينظر ما تقتضيه الحاجة، أو المصلحة... إذا مرّ الإنسان بجمعٍ فيه مسلمون وكفار، هل يترك السلام؛ لأن فيهم كفارًا، أم يُسلِّم؛ لأن فيه مسلمين؟ اجتمع الآن سببان، مبيح وحاظر، المبيح وهم المسلمون، والحاضر المانع وهم الكفار...
القاعدة الشرعية: أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر، وتعذر انفكاك أحدهما عن الآخر، فإنه يغلّب جانب الحاظر، أي: المنع، لكن هنا يمكن من الانفكاك، تُسلِّم، وتنوي على المسلمين؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرَّ بمجلس فيه أخلاط من المشركين واليهود، وفيهم مسلمون، فسلم عليهم، والله الموفق. شرح رياض الصالحين(4/ 424 - 426).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
لكن قد أشكل على بعض الناس الآن، أننا ابتُلينا بقوم من الكفار، يكونون رؤساء في بعض الشركات، فيدخل المسلم على مكتب الرئيس، رئيس الشركة، وهو يهودي أو نصراني، فماذا يقول، نقول: يسلِّم ويقول: السلام، فقط، وينوي بذلك أنه السلام عليه هو على المسلِّم؛ لأنك إذا حذفتَ المتعلق، فلا يدري لمَن هذا السلام، وهذا إذا خِفت من شره، أما إذا لم تخف من شره، وأنه رجل لا يبالي، سلّمت أم لم تسلِّم، فادخل لقضاء مصلحتك منه بدون سلام؛ لأن الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام».شرح رياض الصالحين (4/ 424 - 426).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: ما يدل على أنه ينبغي للإنسان أنْ يتفقد مِن عدوه نطقه؛ لأن العدو إذا عجز عن القتال باليد قاتل بالنطق وغيره، فاليهود كانوا يوهمون أنهم يسلِّمون، فيقولون لفظًا يوجب الدعاء. الإفصاح(4/ 194).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: دليل على تحريم ابتدائهم بالسلام، وهو مذهب الشافعي وقول أكثر العلماء وعامة السلف، وذهب طائفة إلى جواز ابتدائنا لهم بالسلام، روي ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة ومحيريز، وهو وجه لبعض أصحابنا، حكاه الماوردي، لكنه قال: يقول: "السلام عليك"، ولا يقول: "السلام عليكم" بالجمع.
واحتجوا بعموم الأحاديث بإفشاء السلام، ورُدّ بأنه عام مخصوص بهذا الحديث.
وقال بعض أصحابنا: يُكره ولا يحرم، وهو ضعيف، ويجوز السلام على جمع فيهم مسلم واحد. شرح سنن أبي داود (19/٥٣٢).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: بيان كيفية ردّ سلام أهل الكتاب، وهو أنه يقال: وعليكم.
ومنها: بيان مشروعية الردّ على أهل الكتاب...
ومنها: بيان ما عليه اليهود من العداوة للمسلمين، وبذلك كانوا يضعون موضع السلام على المسلمين الدعاء عليهم بالموت، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (35/ 508-511).

ولمزيدٍ من الفائدة، يُنظر:

- ردِّ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- على عائشةَ -رضي الله عنها- حين لعنتِ اليهودَ عندما سلَّموا عليه. 

- النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وبيان آداب التعامل في الطريق.


إبلاغ عن خطأ