الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ -رضي الله عنهما- أنَّه رأى عبد اللهِ بنَ الحارثِ يُصَلِّي ورأسُهُ مَعْقُوصٌ مِن ورائِهِ، فقام فَجَعلَ يَحُلُّهُ، فلمَّا انْصَرفَ أَقْبَلَ إلى ابنِ عباسٍ، فقال: ما لك ورأْسِي؟ فقال: إنِّي سمعتُ رسول اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقولُ: «إنَّما مَثَلُ هذا مَثَلُ الذي يُصلِّي وهو مكْتُوفٌ».


رواه مسلم برقم: (492)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
وفي رواية عند أحمد برقم: (23878) وأبي داود برقم: (646) والترمذي برقم: (384)، من حديث أبي رافع -رضي الله عنه- وفيه: «... ذلكَ كِفْلُ الشَّيْطَانِ»، يعني مَقعد الشيطان، يعني: ‌مَغْرِزَ ‌ضُفُرِهِ.


غريب الحديث


«مَعْقُوصٌ»:
العَقص: أن ‌تَلْوِيَ ‌الخُصْلة ‌مِنَ ‌الشِّعْرِ ثم تَعقِدها ثم تُرسلها. لسان العرب، لابن منظور (7/ 56)

«يَحُلُّهُ»:
(حل) ‌العُقْدَةَ ‌فَتَحَها ‌فانْحلَّتْ. مختار الصحاح (ص: 79)
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
أي: يفكُّ ما عَقَص مِن شَعره. بذل المجهود(3/ 592).

«مَكْتُوفٌ»:
المكتُوف: الذي شُدَّت يداهُ من خلفِه، فَشُبِّه به الذي يَعْقِد شَعْرَه من خَلْفِه. النهاية في غريب، لابن الأثير (4/ 150)


شرح الحديث


قوله: «عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ -رضي الله عنهما- أنَّه رأى عبدَ اللهِ بنَ الحارثِ، يُصلِّي ورأسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ورأسه مَعقُوص» جملة اسمية وقعت حالًا من الضمير الذي في «يُصَلِّي». شرح أبي داود (3/ 188).
وقال الشيخ الألباني رحمه الله-:
أي: مجموعٌ بعضه إلى بعض، كالمضفور، وهذا لمن كان له شعر طويل على عادة العرب قديمًا. السلسلة الصحيحة (5/ 500).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
العَقْصُ: ضَفْر الشَّعر وَشَدُّه، وغَرْزُ طرفه في أعلاه. التحبير (5/ 548).

قوله: «فقام فَجَعلَ يَحُلُّهُ، فلمَّا انْصَرفَ أَقْبلَ إلى ابنِ عباسٍ، فقال: ما لك ورأْسِي؟»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
المعنى: أنَّ عبد اللَّه بن عبّاس -رضي اللَّه عنهما- شَرَعَ ينقض شَعر عبد اللَّه بن الحارث المضفور، «فَلَمَّا انْصَرَفَ» أي: سَلَّم عبد اللَّه بن الحارث من صلاته «أقبَلَ إلى ابْنِ عَبَّاسٍ» -رضي اللَّه عنهما-؛ مستفسرًا سبب نقض شَعره «فَقَالَ: ما لَكَ وَرَأْسِي؟»...أي: أيُّ شيء ثَبَتَ مع رأسي حتى تحُلَّ ضفيرته؟ البحر المحيط الثجاج (11/ 256، 257).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
حلُّ عبد الله بن عباس عَقِيصَةَ عبد الله بن الحارث في الصلاة دليل على تغليظ المنع من ذلك. المفهم (2/ 95).
قوله: «فقال: إنِّي سمعْتُ رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقولُ: «إنَّما مَثَلُ هذا مَثَلُ الذي يُصَلِّي وهو مَكْتُوفٌ»:
قال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قوله: «وهو مكتوف» أي: مربوط مشدود. كشف المشكل (2/ 330).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الكَفتُ: الضَّمُّ، وكذلك الكَفُّ أيضًا، ومنه: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا} المرسلات: 25. المفهم (2/ 94، 95).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
«مَثَلُ هذا مَثَل الذي يصلي وهو مكتوف» فكيف ما كان ذلك من القفا، أو في الناصية، أو في الوسط، فإنه مكروه؛ وذلك لأنه مِن زِيِّ النساء، والله أعلم. المسالك (7/ 480).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
وشَبَّهَهُ بالمكتوف، وهو المشدود اليدين؛ لأنهما لا يقعان على الأرض في السجود. السراج المنير (4/ 385).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ظاهر هذا الحديث يقتضي: أنَّ الكَفتَ المنهيَّ عنه إنما هو في حال الصلاة؛ وذلك لأنَّه شُغْلٌ في الصلاة لَمْ تَدْعُ إليه حاجة؛ أو لأنه يرفع شَعره وثوبه من مباشرة الأرض في السجود فيكون كِبْرًا.
وذهب الداودي إلى أنَّ ذلك لِمَن فَعَلَهُ في الصلاة. المفهم (2/ 94).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
فَنَهَى عن ذلك (الْكَفْتِ) -عليه السلام- في الثياب والشَّعر، ظاهره الكراهة بكل حال إلا للضرورة. إكمال المعلم (2/ 405، 406).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
اختلفوا فيما يجب على مَن فَعَلَ ذلك، فكان الشافعي وعطاء يقولان: لا إعادة عليه، وكذلك أَحْفَظُ عن كل مِن لَقِيتُه من أهل العلم، غير الحسن البصري، فإنه كَرِه ذلك، وقال: عليه إعادة تلك الصلاة. الأوسط (3/ 184).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قال ابن التين: هذا (ترك العقص) مبني على الاستحباب، وليس من الوجوب؛ وذلك إذا صَنَع ذلك من أجل الصلاة، فأما إذا فعله لشغل فحضرت الصلاة، فلا بأس أن يصلي كذلك، وقال أبو جعفر: إذا كان ينوي أن يعود لعمله. التوضيح (7/ 233، 234).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
الحديث يدل على ذم وكراهة صلاة الرجل معقوص الشعر، وبه قالت الشافعية والحنفية والحنابلة، سواء أَتَعَمَّدَهُ للصلاة أم لا، وقال مالك: محل الكراهة إذا فعل ذلك للصلاة. المنهل العذب المورود (5/ 36).
وقال العيني الحنفي -رحمه الله-:
اتفق العلماء على النهي عن الصلاة وثوبه مُشمَّر، أو كمه، أو رأسه معقوص، أو مردودٌ شَعْرُه تحت عمامته، أو نحو ذلك، وهو كراهة تنزيه، فلو صلى كذلك فقد أساء وصحَّت صلاته...، واتفق الجمهور من العلماء أنَّ النهي لكلِّ من يصلي كذلك، سواء تَعَمَّده للصلاة، أو كان كذلك قبلها لمعنى آخر، وقال مالك: النهي لمن فعل ذلك للصلاة، والصحيح الأول؛ لإطلاق الأحاديث. عمدة القاري (6/ 91).
وقال العيني -رحمه الله- أيضًا:
لو عقصه وهو في الصلاة فسدت صلاته؛ لأنه عَمِلَ كثيرًا. البناية (2/ 443).
وقال النووي -رحمه الله-:
اتفق العلماء على النهي عن الصلاة... ورأسه معقوص، أو مردودٌ شَعره تحت عمامته أو نحو ذلك، فكل هذا منهي عنه باتفاق العلماء، وهو كراهة تنزيه، فلو صلى كذلك فقد أساء، وصحت صلاته...، ثم مذهب الجمهور أن النهي مطلقًا لمن صلى كذلك، سواء تعمده للصلاة أم كان قبلها كذلك، لا لها بل لمعنى آخر، وقال الداودي: يختص النهي بمن فعل ذلك للصلاة، والمختار الصحيح هو الأول، وهو ظاهر المنقول عن الصحابة وغيرهم، ويدل عليه فعل ابن عباس -رضي الله عنه- المذكور. شرح صحيح مسلم (4/ 209).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا:
في قوله (أي: النووي): "كراهة تنزيه" نَظَرٌ لا يخفى؛ إذ لا صارف له عن التحريم؛ لما ذكر من خلاف الحسن (البصري)، فالظاهر أن النهي للتحريم، والله تعالى أعلم. ذخيرة العقبى (13/ 348).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«وهو معقوصٌ شعرُهُ» هو خاص بالرِّجال دون النِّساء؛ لأنَّ شعورهن عورة يجب ستْرَهُ في الصلاة، فإذا نَقَضَتْهُ، ربما اسْتَرْسَل وتَعَذَّر سَتْرُهُ. قوت المغتذي (1/ 186).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
هو عام في الرجل والمرأة، وقال مالك: شعر المرأة عورة، يجب ستره في الصلاة، فهو خاص بالرجل. التنوير (11/ 6).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
الظاهر من الحديث أن المراد من العَقْص مُطْلَق جمع الشعر، سواء على الوسط، أو على الجنب، أو على الأمام، أو على الخلف؛ لأن ابن الحارث كان جامعًا شعره من ورائه. فتح المنعم (3/ 66).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: الحكمة في النهي عنه: أنَّ الشَّعر يسجد معه؛ ولهذا مَثَّلَه بالذي يصلي وهو مكتوف. شرح صحيح مسلم (4/ 209).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
لأن عَقص الشعر، يعني عَقدُه يستلزم أن لا يسجد الشَّعر مع الساجد، وشبهه بالمكتوف؛ لأن المكتوف تربط يداه إلى كتفه وهكذا المعقوص فإنه يربط الشعر إلى الرقبة.شرح صحيح مسلم الصوتي

وقال ابن رجب -رحمه الله-:
ومِمَّن نَهى عن الصلاة مع عَقْص الشَّعر: عليٌّ وابن مسعود وأبو هريرة -رضي الله عنهم-، وقالوا: إن الشعر يسجد مع صاحبه، زاد ابن مسعود -رضي الله عنه-: «وله بكل شعرة حسنة»
وفي رواية: أن رجلًا قال لابن مسعود: إني أخاف أن يَتَتَرَّب، قال: «تَرِّبه خير لك». فتح الباري (7/ 268).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
كان ابن عباس -رضي الله عنهما- إذا سجد يقع شَعره على الأرض، وقال ابن عمر -رضي الله عنه- لرجل رآه سجد مَعْقوصًا شَعره: «أَرْسِلْهُ؛ يسجد معك». التوضيح (7/ 233).
وقال النووي -رحمه الله-:
(في الحديث) الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأنَّ ذلك لا يُؤَخَّرُ؛ إذْ لم يؤخره ابن عباس -رضي الله عنهما- حتى يفرغ من الصلاة، وأن المكروه يُنْكرُ كما يُنكر المُحَرَّم، وأنَّ مَن رأى منكرًا وأمكنه تغييره بيده غَيَّره بها؛ لحديث أبي سعيد الخدري: «من رأى منكم منكرًا...» الحديث، وأنَّ خبر الواحد مقبول، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (4/ 209).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: بيان عدم مشروعية السجود، وهو معقوص الشَّعر.
ومنها: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأنَّ ذلك لا يُؤخَّر، ولو كان المأمور أو المنهي عنه في الصلاة؛ ولذا لم يُؤخِّره ابن عباس حتى يفرغ من الصلاة.
ومنها: أنَّ المكروه يُنْكَر كما يُنْكَر الحرام، هكذا قيل، وفيه نظر.
ومنها: إزالة المنكر باليد إذا أمكن؛ لحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- مرفوعًا: «مَن رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده...» رواه مسلم.
ومنها: قبول خبر الواحد، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (11/ 258).

ولمزيد من الفائدة يُنظر حديث في النهي عن كفت الثياب والشعر في الصلاة.


إبلاغ عن خطأ