«أنَّ رجلًا مرَّ على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وهو يبولُ فسلَّمَ عليه، فقال له رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم: «إذَا رأيتنِي على مثلِ هذهِ الحالةِ فلا تُسَلِّمْ عليَّ، فإنَّكَ إنْ فعلتَ ذلك لم أَرُدَّ عليكَ».
رواه ابن ماجه برقم: (352)، من حديث جابر -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (575) سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (197)
غريب الحديث
«الحالة»:
أي: الحال. شمس العلوم، للحميري (3/ 1615).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «أنَّ رجلًا مَرَّ على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وهو يبولُ، فسلَّمَ عليه»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «مرَّ رجلٌ» يحتمل أنْ يكون هذا الرجل المهاجر، ويكون قوله في الخبر: «فلم يسلم عليه» أي: حتى توضأ، ويحتمل أن يكون غيره، ولم أرَ مَن تعرَّض لبيان ذلك. الفتوحات الربانية (1/ 393).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «مرَّ رجل» قيل: هو أبو جهيم بن الحارث بن الصمة، كما جاء في شرح السُّنة للبغوي عنه أنه قال: «مررتُ على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يبول، فسلمتُ عليه فلم يرد عليَّ حتى قام إلى جدار فحَتَّه بعصًا كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه، ثم ردَّ عليَّ». شروق أنوار المنن الكبرى (1/ 198).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أنَّ رجلًا» من المسلمين «مرَّ على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يبول فسلّم» الرجل «عليه» -صلى الله عليه وسلم-. مرشد ذوي الحجا والحاجة (3/ 288).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «سلَّم» تكلم بكلمة السلام، وهي التحية التي اختارها الله لهذه الأمة فيما بينهم في الحياة، وعلى موتاهم في البرزخ، وفي الجنة، وكان العرب يحيي بعضهم بعضًا بقولهم: أنعم صباحًا، ونحوها من الألفاظ، فأبدل الله تعالى المسلمين من ذلك لفظة السلام، وهي اسم من أسماء الله تعالى؛ ولهذا لما قال عمير بن وهب للنبي -صلى الله عليه وسلم-: أنعم صباحًا، قال: «أبدلنا الله خيرًا منها تحية الإسلام».
وجملة «وهو يبول» جملة حالية، والرد: أصله الإجابة، وإجابة المسلم عليه واجبة، بأنْ يقول ما قال، أو يزيد عليه، قال تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} النساء: 86، والمراد بالأحسن: الزيادة، كما سيأتي إن شاء الله في السلام. شروق أنوار المنن الكبرى (1/ 198).
قوله: «فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إذا رأيتني على مثل هذه الحالة، فلا تُسلم عليَّ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعدما رد عليه: «إذا رأيتني» فيما بعد «على مثل هذه الحالة» يعني: حالة قضاء الحاجة «فلا تسلم عليَّ». مرشد ذوي الحجا والحاجة (3/ 288).
وقال الحليمي -رحمه الله-:
إذا جلس واستخلى سكت، ولم يكلم أحدًا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يجلس الرجلان على الغائط يتحدثان ينظر كل واحد منهما صاحبه، فإنَّ الله يمقت ذلك» وقال للذي سلم عليه وهو يبول: «إذا رأيتني على هذه الحال فلا تسلم عليَّ، فإني لا أرد عليك». المنهاج (2/ 277).
وقال الرازي -رحمه الله-:
لا يُسلَّم على من كان مشتغلًا بقضاء الحاجة. مفاتيح الغيب (10/ 165).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
لا ينبغي أنْ يُسلَّم على مَن يقضي حاجته، فإنْ فعل لم يلزمه أنْ يرد عليه، دخل رجل على النبي -صلى الله عليه وسلم- في مثل هذه الحال، فقال له: «إذا وجدتني أو رأيتني على هذه الحال فلا تسلم عليَّ، فإنك إنْ سلمت عليَّ لم أرد عليك». الجامع لأحكام القرآن (5/ 304).
وقال ابن عادل -رحمه الله-:
لا يُسلم على المشتغل بقضاء الحاجة؛ لما تقدم من الحديث، وقال في آخره: ... «إذا رأيتني على هذه الحالة فلا تسلم، فإنك إنْ سلمتَ لم أرد عليك» اللباب في علوم الكتاب (6/ 540).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
مرَّ رجل على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه، فلما فرغ ضرب بكفه الأرض، ثم رد -عليه السلام- وحديث جابر بن عبد الله أنَّ رجلًا مرَّ على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو يبول، فسلم عليه، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا رأيتني على مثل هذه الحالة، فلا تسلم عليّ». الفتوحات الربانية (1/ 394).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
ووجه كراهة الجواب في مثل هذه الأحوال: أنَّ الكلام عند كشف العورة مكروه فكيف بذكر الله تعالى؟! فإنَّه يكون أشد كراهة، فإنْ قيل: يخالفه ما ورد «أنَّه -صلى الله عليه وسلم- يذكر الله تعالى على كل أحيانه»؟
قلنا: المراد من الأحيان: حالة الطهارة والحدث، لا حالة كشف العورة والخلاء -والله تعالى أعلم-. بذل المجهود (1/ 221).
قوله: «فإنَّك إنْ فعلتَ ذلك لم أرد عليك»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله «فإنك إنْ فعلتَ ذلك لم أرد عليك» يفهم منه: أنَّه رد عليه تلك المرة. كفاية الحاجة (1/ 146).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإنك إن فعلت ذلك» التسليم عليَّ «لم أرد عليك». مرشد ذوي الحجا والحاجة (3/ 288).
وقال البغوي -رحمه الله-:
ردُّ السلام وإنْ كان فرضًا واجبًا فالمسلِّم على الرجل في مثل هذه الحالة مضيِّع حظَّ نفسه، فلا يستحق الجواب. شرح السنة (2/ 117).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فإنك إنْ فعلت ذلك لم أرد عليك»... هو مقتضٍ أنَّ رده السلام على النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في حال البول، وكون المروءة تقتضي المنع من ذلك هو كذلك، لكن لا يعلم أنَّ المروءة ذلك إلَّا من جانب الشرع الشريف، وفعل من ذكر ذلك كان قبل العلم به، فلا إشكال في السلام عليه -صلى الله عليه وسلم- في تلك الحال -والله أعلم-. الفتوحات الربانية (1/ 394).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
في سنن ابن ماجه من حديث جابر أنَّه قال للرجل: «إذا وجدتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم عليَّ، فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك» لكن من رواية مسلمة بن علي قد اتفقوا على ضعفه...
فهذا لو صح كان دليلًا على الكراهة، وهي عند القائلين بها كراهة تنزيه، وفي قوله في الرواية الأخرى واعتذاره له: دليل على جواز السلام، وكراهة الرد في هذه الحالة، ويؤخذ منه عدم الذكر ساعة قضاء الحاجة، فلو عطس حمد الله في نفسه، دون أن يتكلم. شروق أنوار المنن الكبرى (1/ 199).
وقال ابن الهمام -رحمه الله-:
وأجمعوا أن المُتَغَوِّطَ لا يلزمه الرد في الحال ولا بعده لأن السلام عليه حرام، بخلاف من في الحمام إذا كان بمئزر. فتح القدير(1/٢٤٨).
وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى كراهة إلقاء السلام على المتغوط...
وكره ذلك الحنفية أيضًا، قال ابن عابدين: ويراد به ما يعم البول، قال: وظاهره التحريم الموسوعة الفقهية الكويتية(34/١١).
وقال النووي -رحمه الله-:
يكره أنْ يرد السلام أو يحمد الله تعالى إذا عطس أو يقول مثل ما يقول المؤذن؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «سَلَّم عليه رجلٌ فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم قال: كرهتُ أنْ أذكرَ الله تعالى إلا على طُهر»...هذه الكراهة بمعنى ترك الأولى لا كراهة تنزيه، واحتج غير المصنف بحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «مرَّ رجل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه» رواه مسلم.
وعن جابر: «أنَّ رجلًا مرَّ على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يبول فسلم عليه، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم عليَّ، فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك» رواه ابن ماجه، وهذا -الذي ذكره المصنف (الشيرازي) من كراهة رد السلام وما بعده، متفق عليه عندنا، وكذا التسبيح وسائر الأذكار. المجموع (2/ 88- 89).
وقال المظهري -رحمه الله-:
مَن كان مشغولًا بمنهي في وقت تسليمه لا يستحق جواب السلام، ويستحب أنْ يقول المسلم عليه: إنَّما لم أرد عليك السلام؛ لأنك مشغول بالمنهي. المفاتيح (5/ 20).
وقال النووي -رحمه الله-:
المسلِّم في هذا الحال لا يستحق جوابًا، وهذا متفق عليه، قال أصحابنا: ويكره أنْ يُسلَّم على المشتغل بقضاء حاجة البول والغائط، فإنْ سلَّم عليه كره له رد السلام، قالوا: ويكره للقاعد على قضاء الحاجة أنْ يذكر الله تعالى بشيء من الأذكار، قالوا: فلا يسبح ولا يهلل ولا يرد السلام، ولا يشمت العاطس، ولا يحمد الله تعالى إذا عطس، ولا يقول مثل ما يقول المؤذن، قالوا وكذلك لا يأتي بشيء من هذه الأذكار في حال الجماع، وإذا عطس في هذه الأحوال يحمد الله تعالى في نفسه، ولا يحرك به لسانه، وهذا الذي ذكرناه من كراهة الذكر في حال البول والجماع هو كراهة تنزيه لا تحريم، فلا إثم على فاعله، وكذلك يكره الكلام على قضاء الحاجة بأي نوع كان من أنواع الكلام. المنهاج شرح صحيح مسلم (4/ 65).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
لا يستحق المسلِّم في تلك الحال جوابًا قال جابر: «إنَّ رجلًا مرَّ على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو يبول فسلم عليه فقال له: إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم عليَّ، فإنك إنْ فعلتَ ذلك لم أرد عليك»...وهذا متفق عليه، ولا ينافي الكراهة قول أبي سعيد: سمعتُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك» أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
فإنه وإن كان بظاهره يفيد تحريم الكلام حال قضاء الحاجه؛ لأنه علَّل النهي عنه بمقت الله تعالى الذي هو أشد الغضب، فقد صرف النهيَ عن التحريم الإجماعُ على عدم تحريم الكلام حال قضاء الحاجة، وربط النهي بتلك العلة لا يبعد حمله على الكراهة، فإن سياق الحديث يدل على أنَّ المقت على مجموع الكلام والنظر على العورة، لا على مجرد الكلام، وذكر النظر في الحديث لزيادة التقبيح، ضرورة أن النظر إلى عورة الغير حرام مع قطع النظر عن الكلام والتخلي، ومحل النهي عن الكلام حال قضاء الحاجة ما لم تدعُ إليه ضرورة، كإرشاد أعمى يُخشى ترَدِّيه في نحو حفرة، أو رؤية نحو عقرب يقصد إنسانًا، فإنَّ الكلام حينئذٍ جائز، وربما كان واجبًا.
ولا ينافي الأحاديث المذكورة حديثُ عبد الله بن مسعود أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين، وليُقَلْ له: يرحمك الله، وليقل هو: يغفر الله لنا ولكم» أخرجه الطبراني والحاكم والبيهقي، فإنها مخصصة لعمومه، وإنَّ العاطس في هذه الحالة يحمد الله في نفسه، ولا يحرك به لسانه. الدين الخالص (1/ 220).
وقال الحطاب المالكي -رحمه الله-:
ما روي من «أنه -صلى الله عليه وسلم- سلم عليه رجل وهو يبول، فقال: إذا رأيتني على هذه الحالة، فلا تسلم عليَّ، فإنك إنْ فعلتَ لم أرد عليك» لا دليل فيه على أنَّ ذكر الله تعالى لا يجوز على تلك الحال، وقد يحتمل عدم رد السلام عليه في تلك الحال بعد أنْ نهاه أدبًا له على مخالفته؛ لكونه على تلك الحال، أو لكونه على غير طهارة على ما كان في أول الإسلام أنه لا يذكر الله تعالى إلا على طهارة حتى نسخ ذلك. مواهب الجليل (1/ 273).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
فقد روينا في كتاب السنن عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- إنه لم يرد السّلام عليه وهو يبول، وقال له بعد ذلك: «إن رأيتني على هذه الحال فلا تسلم عليَّ، فإنك إنْ سلمتَ عليَّ لم أرد عليك» فإذا كان رد السّلام يُتَحاشى في حال البول، فقراءة القرآن أولى أنْ يكرم ويعظم. شعب الإيمان (2/ 536).
وقال ابن مفلح -رحمه الله-:
يكره السلام على مَن يقضي حاجته، ورده منه، نص عليه أحمد؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يرد على الذي سلم عليه وهو يبول، رواه مسلم وغيره، وقدم في الرعاية الكبرى: أنَّ الرد لا يكره؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ردَّ. الآداب الشرعية (1/ 336).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
إنَّما يُكره هذا -أي: رد السلام- إذا كان -أي: الذي سلم عليه- على الغائط والبول، وأما إذا فرغ وقام فلا كراهة في رد السلام. تحفة الأحوذي (1/ 251).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
يُستفاد من مجموع أحاديث الباب: كراهة ذِكر الله تعالى حال قضاء الحاجة، ولو كان واجبًا بحسب الأصل كرد السلام، وأنَّ المسلِّم في هذا الحال لا يستحق جوابًا...؛ ولذلك نهى الرجل عن السلام عليه في مثل تلك الحال، وأنه إنْ سلَّم عليه، فإنه لا يرد عليه، كما تقدم في رواية ابن ماجه. البحر المحيط الثجاج (8/ 493).
ولمزيد من الفائدة ينظر:
فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- حكم إلقاء السلام على المتخلي في دورات المياه وكيف يرد السلام ؟