«إذا وقَعَ الذُّبابُ في شرابِ أحدِكُم فَلْيَغْمِسْهُ، ثم لِيَنْزِعْهُ، فإنَّ في إحدى جناحيه داءً، وَالأُخرى شفاءً».
رواه البخاري برقم: (3320)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (5782): «إذا وقَعَ الذُّبابُ في إناءِ أحدِكُم فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّه، ثم لِيَطْرَحْهُ...».
وفي لفظ عند أبي داود برقم: (3844) «إذا وقَعَ الذُّبابُ في إناءِ أحَدِكُم، فَامْقُلُوهُ...، وإنَّه يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الذي فيه الدَّاءُ، فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّه».
وفي رواية عند أحمد برقم: (11189) وابن ماجه برقم: (3504) واللفظ له، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: «في أحدِ جَنَاحَيِ الذُّبابِ سُمٌّ، وفي الآخَرِ شفاءٌ، فإذا وقَعَ في الطَّعامِ، فَامْقُلُوهُ فيه، فإنَّه يُقَدِّمُ السُّمَّ، ويُؤَخِّرُ الشِّفاءَ».
صحيح الجامع برقم: (835) ورقم: (836).
غريب الحديث
«الذُّبَابُ»:
الذُّبابُ: واحدٌ، والجمْع: ذِبَّانٌ، والعامَّةُ تقولُ: ذُبَّانة للواحدِ، والذُّبابُ للجميعِ، وهو خطأٌ، ويُقالُ للأنْثى: ذبابةٌ. التلخيص، للعسكري (ص: 390).
قال ابن حجر -رحمه الله-:
وحكى سيبويه في الجمْع (أيضًا): ذُبّ، وقرأتُه بخط البحتري مضبوطًا بضم أوله، والتشديد. فتح الباري (10/ 250).
وقال الجاحظ -رحمه الله-:
والعربُ تجعل الفراش والنَّحل والزَّنابير والدَّبْر كلَّها من الذُّبان. الحيوان (3/ 146).
وقال الجوهري -رحمه الله-:
يُقال: ليس شيء من الطيور يلغ (أي: كالكلب) غير الذُّباب. الصحاح (4/ 1329).
«فَلْيَغْمِسْهُ»:
الغَمْس: غمسُك الشَّيْء في ماءٍ، أو غيره، غَمَسْتُه أغمِسه غَمْسًا. جمهرة اللغة، لابن دريد (2/ 845).
«ثم لِيَنْزِعْهُ»:
أصلُ النَّزْعِ: الجَذْب والقَلْع. النهاية، لابن الأثير (5/ 41).
قال الراغب -رحمه الله-:
نَزَعَ الشيء: جَذَبَهُ من مقرِّه، كنَزْعِ القَوْس عن كبده، ويُستعمَل ذلك في الأعراض، ومنه: نَزْعُ العَداوة والمَحبّة من القلب، قال تعالى: {وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ} الأعراف: 43. المفردات (3/ 125).
«ثم لِيَطْرَحْهُ»:
الطَّرْحُ: إلقاء الشيء، وإبعاده، والطُّرُوحُ: المكان البعيد، ورأيته من طَرْحٍ، أي: بُعْدٍ، والطِّرْحُ: الْمَطْرُوحُ؛ لقلّة الاعتداد به. المفردات، للراغب (ص: 517).
«فَامْقُلُوهُ»:
أي: اغمسوه في الطَّعام أو الشَّراب؛ ليخرج الشِّفاء، كما أخرج الدَّاء، والْمَقْل: هو الغمس. غريب الحديث، لابن سلام (2/ 215).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قال الخطابي -رحمه الله-:
قد تكلَّم على هذا الحديث بعضُ مَن لا خلاق له، وقال: كيف يكون هذا؟ وكيف يجتمع الداء والشفاء في جناحي الذبابة؟ وكيف تعلم ذلك من نفسها حتى تُقدِّم جناح الداء، وتُؤخِّر جناح الشفاء؟ وما أرَبُها (حاجتها) إلى ذلك؟
قلتُ: وهذا سؤال جاهل أو متجاهل، وإنَّ الذي يجد نفسه ونفوس عامة الحيوان قد جُمِعَ فيها بين الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، وهي أشياء متضادَّة إذا تلاقت تفاسدت، ثم يرى أنَّ الله سبحانه قد ألَّف بينها، وقهرها على الاجتماع، وجعل منها قوى الحيوان التي بها بقاؤها وصلاحها- لجدير أنْ لا ينكر اجتماع الداء والشفاء في جزأين من حيوانٍ واحدٍ، وأنَّ الذي ألهم النحلة أنْ تتخذ البيت العجيب الصنعة، وأنْ تعسل فيه، وألهم الذَّرَّة أنْ تكتسب قوتها، وتدَّخِره لأوان حاجتها إليه، هو الذي خلق الذبابة، وجعل لها الهداية إلى أنْ تقدِّم جناحًا، وتؤخِّر جناحًا؛ لما أراد من الابتلاء الذي هو مدرجة التعبُّد، والامتحان الذي هو مضمار التكليف، وفي كل شيء عبرةٌ وحكمةٌ، وما يذَّكَّرُ إلا أولو الألباب. معالم السنن (4/ 259).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قد تعجَّب قومٌ من اجتماع الداء والدواء في شيءٍ واحد، وليس بعجيبٍ، فإنَّ النحلة تعسل من أعلاها، وتلقي السم من أسفلها، والحية القاتل سمها، يدخلون لحمها في الدرياق (هو الترياق وهو المصل الواقي) ويدخلون الذباب في أدوية العين، ويسحقونه مع الإثمد؛ ليقوي البصر، ويأمرون بستر وجه الذي يعضه الكلب من الذباب، ويقولون: إنْ وقع عليه تعجل هلاكه. كشف المشكل (3/ 547).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
قلتُ: قد وجدنا لكون أحد جناحي الذباب داء، وللآخر دواء، فيما أقامه الله لنا من عجائب خلقه، وبدائع فطرته شواهد، ونظائرها، منها: النحلة يخرج من بطنها الشراب النافع، وينبت من إبرتها السم الناقع، والعقرب: تهيج الداء بإبرتها، ويتداوى من ذلك بجرمها، أما اتقاؤه بالجناح الذي فيه الداء على ما ورد في غير هذه الرواية، وهو في الحسان من هذا الباب، فإنَّ الله تعالى ألهم الحيوان بطبعه الذي جبله عليه ما هو أعجب من ذلك، فلينظر المتعجب من ذلك، إلى النملة التي هي أصغر وأحقر من الذباب، كيف تسعى في جمع القوت؟ وكيف تصون الحب عن الندى باتخاذ الزبية (الحفرة) على نشز (مكان مرتفع) من الأرض؟ ثم لينظر إلى تجفيفها الحب في الشمس إذا أثَّر فيه الندى، ثم إنها تقطع الحب جزلتين؛ لئلا تنبت، وتترك الكزبرة على ما هي عليه؛ لأنها لا تنبت، وهي صحيحة، فتبارك الله رب العالمين، وأية حاجة بنا إلا الاستشهاد على ما أخبر عنه الصادق المصدوق؟! لولا الحذر من اضطراب الطبائع، والشفق على عقائد ذوي الأوضاع الواهية، وإلى الله اللجأ، ومنه العصمة. الميسر (3/ 943).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أخرجه البخاري ...، فلو قال قائل: أين بقية الأئمة؟ لماذا لم يخرجوه؟ فيقال: هل الأئمة كلهم إذا رووا عن أناس يتفقون في الرواية عنهم؟ لا، ربما لا يرونهم، ولا يدركونهم، كما أننا ترد علينا أحاديث كثيرة ليس فيها ذكر أبي بكر وعمر، ونحن نعلم أنَّ أبا بكر وعمر سمعاها، ونحن وإنْ لم نعلم فإنه يغلب على ظننا أن أبا بكر وعمر قد سمعاها، لكن لم يروياها ، فلا يلزم من كون بقية الأئمة لم يرووه أن يكون من أفراد البخاري ضعيفًا مثلًا، وليس ضعيفًا، بل هو صحيح، والطب الحديث يشهد له...، نحن نقول: آمنا وصدقنا أنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء، والله أعلم لماذا يتقي به؟...، (و) أنا قرأتُ في بعض الكتب والمجلات أثبتوا أنه يُوجَد فيه الحمى أو التيفود -لا أدري ما اسمها-، وأنَّ هذه -بإذن الله- إذا غمسه فإن في الجناح الآخر ما يضاد، ونحن في الحقيقة إنما نستشهد بأقوال الأطباء أو الفلكيين على ما دل عليه الكتاب والسُّنة، ليس من أجل أننا لا نقبل إلا إذا شهدوا؛ أبدًا، نحن نقبل وإن لم يشهدوا، بل لو شهدوا بخلافه وقد صح ثبوتًا ودلالةً، فإننا لا نعبأ بهم، لكننا نستفيد من ذلك فائدتين:
الأولى: زيادة الطمأنينة لا شك.
والثانية: محاجة أولئك الذين يقدحون في الشريعة فيما لا يدخل عقولهم القاصرة. فتح ذي الجلال والإكرام (1/107-108).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
قالوا: رويتم أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، فإنَّ في أحد جناحيه سمًّا، وفي الآخر شفاء، وأنه يقدم السم، ويؤخر الشفاء» قالوا: كيف يكون في شيء واحد سم وشفاء؟ وكيف يعلم الذباب بموضع السم فيقدِّمه، وبموضع الشفاء فيؤخره؟
ونحن نقول: إنَّ هذا الحديث صحيح، وقد روي أيضًا بغير هذه الألفاظ...، ونقول: إنَّ من حمل أمر الدِّين على ما شاهد، فجعل البهيمة لا تقول، والطائر لا يُسبِّح، والبقعة من بقاع الأرض لا تشكو إلى أختها، والذباب لا يعلم موضع السم، وموضع الشفاء، واعترض على ما جاء في الحديث، مما لا يفهمه...، فإنَّه منسلخٌ من الإسلام، مُعطِّلٌ، غير أنه يستعد بمثل هذا وشبهه من القول واللغو والجدال، ودفع الأخبار والآثار، مخالف لما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ ولما درج عليه الخيار من صحابته والتابعين، ومَن كذَّب ببعض ما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كان كمَن كذَّب به كله، ولو أراد أنْ ينتقل عن الإسلام إلى دين لا يؤمن فيه بهذا وأشباهه، لم يجد منتقلًا؛ لأنَّ اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والوثنية يؤمنون بمثل ذلك، ويجدونه مكتوبًا عندهم، وما علمتُ أحدًا ينكر هذا إلا قوم من الدهرية، وقد اتبعهم على ذلك قوم من أهل الكلام والجهمية.
وبعدُ: فما يُنكَر مِن أنْ يكون في الذباب سم وشفاء إذا نحن تركنا طريق الديانة، ورجعنا إلى الفلسفة؟ وهل الذباب في ذلك إلا بمنزلة الحية؟ فإنَّ الأطباء يذكرون أنَّ لحمها شفاء من سمها، إذا عمل منه الترياق الأكبر، ونافع من لدغ العقارب، وعض الكلاب الكَلِبة، والحمى الرِّبع (أن يحم يوما ولا يحم يومين، ثم يحم في اليوم الرابع)، والفالج واللقوة (داء يعرض للوجه، يعْوَجُّ منه الشدق)، والارتعاش والصرع...، وقالوا في الذباب: إذا شدخ، ووضع على موضع لسعة العقرب، سكن الوجع، وقالوا: من عضه الكلب احتاج إلى أن يستر وجهه من سقوط الذباب عليه؛ لئلا يقتله، وهذا يدل على طبيعة شفاء فيه، أو سم. تأويل مختلف الحديث (ص: 334-336).
قوله: «إذا وقَعَ الذُّبابُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إذا وقع الذباب» -قيل: سُمِّي به؛ لأنَّه كلما ذُبَّ آب -أي: سقط-. مرقاة المفاتيح (7/ 2667).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«إذا وقع الذباب» أي: رغمًا عنكم، ولم يكن لكم حيلة في دفعه. الحصون المنيعة(ص: 335).
وقال الدميري الشافعي -رحمه الله-:
إذا وقع بنفسه، فإنْ طُرِحَ فيه (أي: المائع) ضره. النجم الوهاج (1/ 241).
وقال الخطيب الشربيني -رحمه الله-:
فلا تنجس ماء أو غيره بوقوعها (أي: ميتة ما لا دم لها سائل) فيه (أي: المائع) بشرط: أنْ لا يطرحها طارح، ولم تغيره؛ لمشقة الاحتراز عنها؛ ولخبر البخاري: «إذا وقع الذباب». الإقناع (1/ 23).
وقال الدميري الشافعي -رحمه الله-:
لو وَقَعَ الزنبور أو الفراش أو النحل وأشباه ذلك في الطعام، هل يؤمر بغمسه؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا وقع الذباب...» الحديث؟ وهذه الأنواع كلها يقع عليها اسم الذباب في اللغة، وقد قال علي -رضي الله تعالى عنه- في العسل: «إنه مذقة ذبابة»...، فسُمِّي الكل ذبابًا، وإذا كان كذلك فالظاهر وجوب حمل الأمر بالغمس على الجميع، إلا النحل، فإنَّ الغمس قد يُؤدِّي إلى قتله، وهو حرام. حياة الحيوان الكبرى (1/ 492).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
الذي قدَّمناه في الكلام في إلحاق غيرِ الذباب به، إنَّما هو في الإلحاق في التنجيس بالوقوع، لا في حكم الغمس، فليُنْتبَهْ لذلك، فإنَّا لم نأخذْ عدمَ التنجيس من أجل العلة المذكورة، وإنَّما أخذناه من محضِ الأمر بالغمس مع توقُّعِ إفساد ما يُغْمَسُ فيه، على تقدير نجاسته، فلو تجرَّد الأمرُ بالغمس على العلة المذكورة لكفانا الأمرُ بالغمس في الإلحاق.
(و) إذا أردنا النظرَ في إلحاق غير الذباب به في حكم الغمس، مع اعتبارِ العلة، فذلك يتوقَّفُ على أمرين:
أحدهما: أنْ نُثْبِتَ العلةَ فيما نريد إلحاقَه، وهو أنْ يكون في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء، وهذا أمرٌ مُتعذِّر، لا يُرشِدُ الطبُّ إليه، وإنَّما يُدرَكُ بنور النبوَّة.
والثاني: أنْ يكون غمسُهُ فيه مما يفيد في ذلك الداء، وهو أيضًا لا يُعلَم. شرح الإلمام (1/ 331-332).
قوله: «في شرابِ أحدِكُم» وفي رواية: «في الطَّعامِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«في شراب أحدكم» أو طعامه. التنوير (2/ 235).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله (في رواية): «في إناء أحدكم» تقدَّم في بدء الخلق بلفظ: «شراب» ووقع في حديث أبي سعيد عند النسائي وابن ماجه، وصحَّحه ابن حبان: «إذا وقع في الطعام» والتعبير بالإناء أشمل، وكذا وقع في حديث أنس عند البزار. فتح الباري (10/ 250).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«في شراب أحدكم» أيّ شراب؟ عام؛ لأنَّه مُفرَد مضاف، فيفيد العموم؛ أيّ شراب، ماء، لبن، مرق، أيّ شيء كان (واسْتَثْنَى كما سيأتي العسل فإنه لا يمكن غمسه ثم نزعه منه). فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 107).
قوله: «فَلْيَغْمِسْهُ» وفي رواية: «فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّه» وفي رواية: «فَامْقُلُوهُ» وفي رواية: «فامْقُلُوهُ فيه».
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فليغمسه» من غمسه في الماء: إذا غَطَّه فيه وأدخله، وفي رواية ابن ماجه: فامقلوه فيه» من المقل بالقاف، وهو الغمس...، وأما: «فامقلوه، ثم انقلوه» فمصنوع، قلتُ: في غالب كتب أصحابنا (الحنفية) وقع مثل ما قال، والصحيح: «فامقلوه فيه...» كما في رواية ابن ماجه وغيره، وليس فيه: «ثم انقلوه» نعم، في رواية البخاري: «ثم لينزعه» وهو يُؤدِّي معنى: فانقلوه. عمدة القاري (15/ 200-201).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «ليغمسه» بكسر الميم، وهذا ظاهر فيما إذا كان عند الغمس حيًّا. الكواكب الدراري (21/ 50).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
(لما قال) «فليغمسه» علَّمنا أنَّه لا بد أنْ يكون شرابًا مائعًا؛ لأنَّ غير المائع لا يمكن غمسه، إذن الشراب المائع، فمثلًا العسل شراب، هل يغمس فيه؟ لا يمكن أنْ يُغمس فيه، اللهم إلا إنْ جعلت معه ماءً أو لبنًا فيمكن.
على كل حال: الحديث يدل على الشراب الذي يمكن غمس الذباب فيه. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 107).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
الفائدة في الأمر بغمسه جميعًا هي: أنْ يتصل ما فيه من الدواء بالطعام أو الشراب، كما اتصل به الداء، فيتعادل الضار والنافع، فيندفع الضرر. نيل الأوطار (1/ 77).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فليغمسه كله» أمرُ إرشاد؛ لمقابلة الداء بالدواء، وفي قوله: «كله» رفع توهُّمِ المجاز في الاكتفاء بغمس بعضه. فتح الباري (10/ 250).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فليغمسه» ندبًا، والأصل الوجوب، والعلة تدل عليه. التنوير (2/ 235).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فليغمسه كله» ليقابل الداء بالدواء، وفيه: إشارة إلى أنَّ المريض يقابل داء مرضه بالدواء، ويعتقد أنَّ الدواء نافع بقدرة اللَّه تعالى، لا بنفسه. شرح سنن أبي داود (15/ 513).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فليغمسه» أي: فليُدْخِلْه فيما في الإناء من الماء، أو غيره، وإنْ كان طعامًا حارًّا، ولا بأس أنْ يموت فيه؛ لأن مَيتَته ليست بنجس؛ لأنه ليس له دم سائل. المفاتيح (4/ 482).
وقال البجيرمي الشافعي -رحمه الله-:
فلا يُكتفى بغمس الجناحين وإنْ حصل الشفاء بالجناح الآخر، وهل يُكتفى بانغماسه بنفسه؟ فيه احتمالان، والظاهر: الاكتفاء به، ومحل جواز الغمس أو استحبابه إذا لم يغلب على الظن التغير به، وإلا حرم؛ لما فيه من إضاعة المال، قال الزيادي (نور الدين، شافعي): والغمس خاص بالذباب، أما غيره، فيحرم غمسه؛ لأنه يؤدي إلى هلاكه. تحفة الحبيب (1/ 93).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فليغمسه»... وفيه: أنَّه طاهر لا ينجسه؛ إذ ليس له دم سائل. مرقاة المفاتيح (7/ 2667).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
استُدل بهذا الحديث على أنَّ الماء القليل لا ينجس بوقوع ما لا نفس له سائلة فيه، ووجه الاستدلال كما رواه البيهقي عن الشافعي: أنه -صلى الله عليه وسلم- لا يأمر بغمس ما ينجس الماء إذا مات فيه؛ لأنَّ ذلك إفساد، وقال بعض مَن خالف في ذلك: لا يلزم مِن غمْس الذباب موته، فقد يغمسه برفق، فلا يموت، والحي لا ينجِّس ما يقع فيه، كما صرح البغوي باستنباطه من هذا الحديث، وقال أبو الطيب الطبري (من الشافعية): لم يقصد النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا الحديث بيان النجاسة والطهارة، وإنَّما قصد بيان التداوي من ضرر الذباب، وكذا لم يقصد بالنهي عن الصلاة في معاطن الإبل والإذن في مراح الغنم (الموضع الذي تأوي إليه) طهارة ولا نجاسة، وإنَّما أشار إلى أنَّ الخشوع لا يوجد مع الإبل دون الغنم.
قلتُ: وهو كلام صحيح، إلا أنَّه لا يمنع أنْ يُستَنبطَ منه حكم آخر، فإن الأمر بغمسه يتناول صورًا، منها: أن يغمسه محترزًا عن موته، كما هو المدعى هنا، وأن لا يحترز، بل يغمسه سواء مات أو لم يمت، ويتناول ما لو كان الطعام حارًّا، فإن الغالب أنه في هذه الصورة يموت، بخلاف الطعام البارد، فلما لم يقع التقييد حُمل على العموم، لكن فيه نظر؛ لأنه مطلق يصدق بصورة، فإذا قام الدليل على صورة معينة حُمل عليها...، وقد رجَّح جماعة من المتأخرين: أنَّ ما يعم (أي: تعم به البلوى) وقوعه في الماء كالذباب والبعوض لا ينجس الماء، وما لا يعم، كالعقارب ينجس، وهو قوي. فتح الباري (10/ 251).
قوله: «ثم لِيَنْزِعْهُ» وفي رواية: «ثم لِيَطْرَحْهُ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«ثم لينزعه» فيه: أنَّه يمهَل في نزعه بعد غمسه. سبل السلام (1/ 36).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم ليطرحه» بسكون اللام، وكسرها، أي: يخرجه ويرميه. مرقاة المفاتيح (7/ 2667).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
استُدلَّ بقوله: «ثم لينزعه» على أنَّها (الذباب) تنجس بالموت، كما هو أصح القولين للشافعي، والقول الآخر كقول أبي حنيفة: إنَّها لا تنجس -والله أعلم-. فتح الباري (10/ 252).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
كل ما ليس له دم سائل كالذي ذكره الخرقي (أي: كالذباب والعقرب والخنفساء، وما أشبه) من الحيوان البري أو حيوان البحر منه العلق والديدان والسرطان ونحوها لا يَنْجُس بالموت، ولا يُنَجِّس الماء إذا مات فيه في قول عامة الفقهاء.
قال ابن المنذر: لا أعلم في ذلك خلافًا، إلا ما كان من أحد قولي الشافعي، قال: فيها قولان، أحدهما: ينجس قليل الماء، قال بعض أصحابه: وهو القياس، والثاني: لا ينجس، وهو الأصلح للناس، فأما الحيوان في نفسه فهو عنده نجس قولًا واحدًا؛ لأنه حيوان لا يؤكل، لا لحرمته، فينجس بالموت، كالبغل والحمار. المغني (1/ 68).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
ويدلُّ على جواز قتل الذباب بالغمس؛ لصيرورته بذلك عقورًا، وعلى تحريم أكل المستخبث للأمر بطرحه. نيل الأوطار (1/ 77).
قوله: «فإنَّ في إحدى جناحيه داءً، وَالأُخرى شفاءً» وفي رواية: «في أحدِ جَنَاحَيِ الذُّبابِ سُمٌّ، وفي الآخَرِ شفاءٌ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فإنَّ في إحدى جناحيه» بكسر الهمزة، وسكون الحاء، وهو الأيسر، كما قيل «داءٌ، والأخرى» بضم الهمزة، وهو الأيمن «شفاء». إرشاد الساري (5/ 315).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإنَّ في أحد جناحيه» بفتح الجيم، أي: طرفيه «شفاء» بكسر أوله، أي: دواء «وفي الآخر داء» وفي رواية: «وإنَّه يتقي بجناحه الذي فيه الداء» والظاهر: أنَّ الداء والشفاء محمولان على الحقيقة؛ إذ لا باعث للحمل على المجاز. مرقاة المفاتيح (7/ 2667).
وقال الدميري -رحمه الله-:
قد تأملتُ الذباب، فوجدته يتقي بجناحه الأيسر، وهو مناسب للداء، كما أنَّ الأيمن مناسب للدواء. حياة الحيوان الكبرى (1/ 492).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فإن في إحدى جناحيه» في رواية أبي داود «فإن في أحد» والجناح يُذكَّر ويُؤنَّث، وقيل: أُنِّث باعتبار اليد، وجزم الصغاني بأنه لا يُؤنَّث، وصوَّب رواية «أحد» وحقيقته للطائر، ويقال لغيره على سبيل المجاز، كما في قوله: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ} الإسراء: 24، ووقع في رواية أبي داود، وصححه ابن حبان من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة «وأنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء» ولم يقع لي في شيء من الطرق تعيين الجناح الذي فيه الشفاء من غيره، لكن ذكر بعض العلماء (أي: الدميري) أنه تأمله، فوجده يتقي بجناحه الأيسر، فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء، والمناسبة في ذلك ظاهرة، وفي حديث أبي سعيد المذكور أنه يقدم السم، ويؤخر الشفاء، ويُستفاد من هذه الرواية: تفسير الداء الواقع في حديث الباب، وأنَّ المراد به: السم، فيستغنى عن التخريج الذي تكلَّفه بعض الشراح، فقال: إنَّ في اللفظ مجازًا، وهو كون الداء في أحد الجناحين، فهو إما من مجاز الحذف، والتقدير: فإن في أحد جناحيه سبب داء، وإما مبالغة بأن يجعل كل الداء في أحد جناحيه؛ لما كان سببًا له، وقال آخر: يحتمل أنْ يكون الداء ما يعرض في نفس المرء من التكبر عن أكله، حتى ربما كان سببًا لترك ذلك الطعام وإتلافه، والدواء ما يحصل من قمع النفس، وحملها على التواضع. فتح الباري (10/ 251).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء» هذا تعليل للأمر بغمسه. سبل السلام (1/ 36).
وقال البجيرمي الشافعي -رحمه الله-:
قوله: «فإنَّ في أحد جناحيه...» إلخ، يُؤخذ منه أنَّه لو قُطع أحدهما لا غمس، وبالأولى إذا قطعا، كذا قاله بعض شيوخنا، قلتُ: ويحتمل الغمس مطلقًا، ويكون المراد: الجناح أو أصله، أج، (أي: نقلًا عن الأجهوري). تحفة الحبيب (1/ 93).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء» سبحان الله! الرسول -عليه الصلاة والسلام- لم يكن متخرجًا من كلية الطب، لكنه يأتيه الوحي، وإلا فمن يدري في ذلك الوقت أنَّ في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء؟! لا يوجد تحليلات، ولا يوجد طب راقٍ، لكنه الوحي من عند الله -عز وجل- «داء» يعني: مرض «وفي الآخر شفاء» أي: من هذا المرض أو عمومًا؟ يحتمل أن المراد: شفاء، أي: من ذلك المرض الذي في الجناح الآخر، ويحتمل أنْ يكون المراد: الشفاء عمومًا، وحينئذٍ إذا قلنا بالعموم هل يشمل كل مرض؟ يقال في ذلك كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الكمأة: «إنها من المن، وماؤها شفاء للعين» فليست شفاء للعين من كل داء يصيبها، ولكنه لنوع من أنواع الأدواء. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 107).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإن في أحد جناحيه سمًّا» أي: نوعًا من السم، وهو أنْ يحصل به ضرر، ولو بعد حين، وهو بفتح أوله، ويجوز ضمه وكسره... «وفي الآخر» أي: وفي جناحه الآخر «شفاء» أي: لذلك السم، أو نوع شفاء له ولغيره -والله أعلم-.
«وإنه» بكسر الهمزة، أي: والحال أنَّ الذباب «يُقدِّم السم» أي: الجناح الذي فيه السم وقت الوقوع «ويؤخر الشفاء» أي: ويصعد الجناح الذي فيه الشفاء وهو إما خوفًا على نفسه، حتى لا يتضرر بوضع الجناحين، أو قصدًا للإضرار، أو يحصل له تسكين من حرارة السم، بغمس ذلك الجناح -والله أعلم-. مرقاة المفاتيح (7/ 2680).
قوله في رواية: «وإنَّه يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الذي فيه الدَّاءُ» وفي رواية: «فإنَّه يُقَدِّمُ السُّمَّ، ويُؤَخِّرُ الشِّفاءَ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«وإنه يتَّقي بجناحه» يُقال: اتقى زيد بحق عمرو: إذا استقبله به، وقدَّمه إليه؛ أي: إنه يقدم جناحه «الذي فيه الداء» فليغمِسْهُ كلَّه، ويجوز أن يكون معناه: يحفظ نفسه بتقديم ذلك الجناح من أذيَّةٍ تلحقه من حرارة ذلك الطعام. شرح المصابيح (4/ 526).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وأما المعنى الطبي، فقال أبو عبيد: معنى «امقلوه»: اغمسوه؛ ليخرج الشفاء منه، كما خرج الداء، يقال للرجلين: هما يتماقلان، إذا تغاطا في الماء.
واعلم أنَّ في الذباب عندهم قوة سُمِّيَّة يدل عليها الورم، والحكة العارضة عن لسعه، وهي بمنزلة السلاح، فإذا سقط فيما يؤذيه، اتقاه بسلاحه، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّ يقابل تلك السُّمِّيَّة بما أودعه الله سبحانه في جناحه الآخر من الشفاء، فيغمس كله في الماء والطعام، فيقابل المادة السُّمِّيَّة، المادة النافعة، فيزول ضررها، وهذا طِبٌّ لا يهتدي إليه كبار الأطباء، وأئمتهم، بل هو خارج من مشكاة النبوة، ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفق يخضع لهذا العلاج، ويقر لمن جاء به بأنه أكمل الخلق على الإطلاق، وأنه مؤيد بوحي إلهي خارج عن القوى البشرية.
وقد ذكر غير واحد من الأطباء أنَّ لسع الزنبور والعقرب إذا دلك موضعه بالذباب نفع منه نفعًا بيِّنًا، وسكَّنه، وما ذاك إلا للمادة التي فيه من الشفاء، وإذا دلك به الورم الذي يخرج في شعر العين المسمى شعرة بعد قطع رؤوس الذباب أبرأه. زاد المعاد (4/ 102-103).
وقال المغربي -رحمه الله-:
الحديث يدل على... أنه يحرم أكل الحيوان المستخبث عند النفوس؛ إذ أمر بطرحه، وكذلك يقاس عليه دود الفاكهة، والطعام المسوّس، وإن هلكت باستعمال ذلك. البدر التمام (1/ 121).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وفيه: دلالة على أنَّ للذباب إدراكًا يهتدي به إلى تقديم ما فيه الداء. التنوير (2/ 235).