الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«ثمنُ الكلبِ خبيثٌ، ومهْرُ البغِيِّ خبيثٌ، وكسْبُ الحجَّامِ خبيثٌ».


رواه مسلم برقم: (1568)، من حديث رافع بن خَدِيج -رضي الله عنه.


غريب الحديث


«مَهْرُ البغِيِّ»:
أي: الزانية، أي: ما تأخذه على الزنا، وسمَّاه مهرًا؛ لكونه على صورته. الديباج شرح مسلم، السيوطي (4/ 173).

«كَسْبُ الحجَّامِ»:
الكَسْبُ: طلب الرزق. مختار الصحاح (ص: 586).
الحجّام: فعَّال: من حَجَم يَحْجُم فهو حاجم، والحجَّام للتكثير: وهو صانع الحجامة، وهي معروفة. المطلع، للبعلي (ص: 320).


شرح الحديث


قوله: «ثمن الكلب خبيث»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
الخبيث: ما يكره رداءة وخساسة، ويُستعمل في الحرام؛ قال الله تعالى: {وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} النساء: 2، قيل: الحرام بالحلال، ويُستعمل في الشيء الرديء؛ قال الله تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} البقرة: 267، أي: لا تقصدوا الرديء، فتصدقوا به...، والقول في ثمن الكلب: مبنيٌّ على هذين القولين على حسب اختلاف العلماء: فمن جوز بيعه حمل خبث ثمنه على الدناءة، ومن لم يَرَ بيعه: حمله على التحريم. الميسر في شرح مصابيح السنة (2/ 657).
وقال المازري -رحمه الله-:
اعلَمْ أن كُلَّ حيوان ليس بنجس، ولا ذي حُرمة، وينتفع به في الحال أو في المآل فإن بيعه جائز، وإنما قلنا: ليس بنجس؛ لأن الشافعي لما رأى الكلب نجسًا وجب أن يكون ذلك عنده عِلَّة في منع بيعه؛ ولهذا نهى عن بيع رجيع ابن آدم لنجاسته. المعلم بفوائد مسلم (2/ 290).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما النهي عن ثمن الكلب، وكونه من شرِّ الكسب، وكونه خبيثًا، فيدلُّ على تحريم بيعه، وأنه لا يصح بيعه، ولا يحل ثمنه، ولا قيمةَ على مُتْلِفه، سواءٌ كان مُعَلَّمًا أم لا، وسواء كان مما يجوز اقتناؤه أم لا، وبهذا قال جماهير العلماء، منهم: أبو هريرة والحسن البصري وربيعة والأوزاعيّ والْحَكَم وحماد والشافعيّ وأحمد وداود وابن المنذر، وغيرهم.
وقال أبو حنيفة: يصح بيع الكلاب التي فيها منفعة، وتجب القيمة على مُتلفها، وحَكَى ابن المنذر عن جابر وعطاء والنخعيّ جواز بيع كلب الصيد دون غيره، وعن مالك روايات: إحداها: لا يجوز بيعه، ولكن تجب القيمة على متلفه، والثانية: يصح بيعه، وتجب القيمة، والثالثة: لا يصحّ، ولا تجب القيمة على مُتْلِفه.
ودليل الجمهور: هذه الأحاديث، وأما الأحاديث الواردة في النهي عن ثمن الكلب إلا كلب صيد، وفي رواية: «إلا كلبًا ضاريًا»، وأن عثمان غَرَّم إنسانًا ثمن كلب قتله عشرين بعيرًا، وعن ابن عمرو بن العاص التغريم في إتلافه، فكلها ضعيفة باتفاق أئمة الحديث، وقد أوضحتها في شرح المهذب في باب ما يجوز بيعه. شرح مسلم (10/ 232-233).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الأول: ثمن الكلب، وظاهر النهي تحريم بيعه، وهو عامّ في كل كلب، مُعَلَّمًا كان أو غيره، مما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز، ومِنْ لازم ذلك: أن لا قيمة على مُتْلِفه، وبذلك قال الجمهور.
وقال مالك: لا يجوز بيعه، وتجب القيمة على مُتلِفِه، وعنه: كالجمهور، وعنه: كقول أبي حنيفة: يجوز، وتجب القيمة، وقال عطاء، والنخعيّ: يجوز بيعِ كلب الصيد دون غيره...، والعلَّة في تحريم بيعه عند الشافعيّ: نجاسته مطلقًا، وهي قائمة في المعَلَّم وغيره، وعلَّة المنع عند من لا يرى نجاسته النهي عن اتخاذه، والأمر بقتله؛ ولذلك خُصّ منه ما أذن في اتخاذه، ويدل عليه حديث جابر -رضي الله عنه- قال: «نَهَى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ثمن الكلب إلا كلب صيد» أخرجه النسائيّ بإسناد رجاله ثقات، إلا أنه طُعِن في صحَّته، وقد وقع في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- عند ابن أبي حاتم بلفظ: «نَهَى عن ثمن الكلب، وإن كان ضاريًا» يعني: مما يصيد، وسنده ضعيف، قال أبو حاتم: هو منكر، وفي رواية لأحمد: «نَهَى عن ثمن الكلب، وقال: طُعْمة جاهلية»، ونحوه للطبرانيّ من حديث ميمونة بنت سعد. فتح الباري (4/426-427).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
نهيه -صلى الله عليه وسلم- عن ثمن الكلب، يدل على فساد بيعه؛ لأن العقد إذا صح كان دفع الثمن واجبًا مأمورًا به، لا منهيًّا عنه، فدل نهيه عنه على سقوط وجوبه، وإذا بطل الثمن بطل البيع؛ لأن البيع إنما هو عقد على شيء بثمن معلوم، وإذا بطل الثمن، بطل المثمن، وهذا لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لعن الله اليهود حُرِّمَتْ عليهم الشحوم فجملوها وباعوها، وأكلوا أثمانها»؛ فجعل حكم الثمن والمثمن في التحريم سواء. معالم السنن (3/ 131).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
أما الكلب: فعندنا لا يجوز بيعه، وإن كان مُعَلَّمًا، وقال أبو حنيفة: يجوز، وعن المالكية كالمذهبين، والحديث دليلنا، وقد روي النهي عن ثمن الكلب أبو جحيفة وأبو مسعود البدري وجابر بن عبد الله، وكل أحاديثهم في الصحيح، وقد ثبت أنَّ ظاهر النهي التحريم إلا أن تظهر قرينة أنه نهي تنزيه، كأجرة الحجام، فإنه لما أعطى الحجام أجرة عَلِمْنَا أنه نهي كراهة. كشف المشكل (1/ 437-438).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
فهذا الحديث يقتضي تعميم تحريم ثمن الكلب في كُل كلب، وإطلاقه فيه، وقد يقتضي تخصيصه في بعض ما أطلق عليه أنه خبيث بدليل أو قرينة؛ ككسب الحجَّام؛ فإنه عند جمهور العلماء محمول على كراهة التنزيه في حقِّ الحرِّ والعبد، وقالوا: لا يحرم كسب الحجَّام، ولا يحرم أكله مطلقًا، وبذلك قال أحمد بن حنبل في المشهور عنه، وقال في رواية عنه -وبها قال فقهاء المحدثين-: يحرم على الحرِّ دون العبد؛ احتجاجًا بحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- في الصحيحين: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم، وأعطى الحجَّام أَجْرهُ»، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: ولو كان حرامًا لم يعطه، فإذا ثبت أن لفظة الخبيث ظاهرة في الحرام، كان خروجها في كسب الحجَّام عن الظاهر بدليل، لا يلزم منه خروجها في غيره بغير دليل، وحمل العلماء الأحاديث الواردة فيه على منع التنزيه، والارتفاع عن دنيء الاكتساب، والحث على مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، ولو كان حرامًا لم يفرق فيه بين الحر والعبد؛ فإنه لا يجوز للرجل أن يطعم عبده ما لا يحل، والله أعلم.
وأمَّا الكلب فلو قيل بثبوت حديث يدل على جواز بيع كلب الصيد دون غيره لكان دليلًا على طهارته، وليس يدلُّ النهيُ عن بيعه على نجاسته؛ لأن علَّة المنعِ من البيع متعددة لا تنحصر في النجاسة، بخلاف غيره من الكلاب -والله أعلم-. العدة في شرح العمدة (2/ 1123-1124).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
أما مذاهب العلماء في خَرَاج الحجام وكسبه، فقال ابن القصار: يجوز للحجام أن يأكل من كسبه، وإنْ كان عبدًا جاز لسيده أنْ يأكله، وإنْ كنا لا نحبه؛ لأنها صنعة دنيئة، ولكنه غير محرم، وبهذا قال جماعة الفقهاء إلا أحمد وغيره من أصحاب الحديث، فإنهم قالوا: هو محرم على الأحرار، ومباح للعبيد، ولا يجوز للحر أن يحترف بالحجامة، وإنْ كان غلامه حجَّامًا لم يُنفِق على نفسه من كسبه، وإنما ينفقه على العبد، وعلى بهائمه.
والقصد بالحجام: الذي يحجم، ليس الذي يُزَيِّن الناس، واستدلوا لقولهم بحديث رافع: أنَّ النبي -عليه السلام- قال: «كسب الحجام خبيث»، قالوا: والخبيث عبارة عن الحرام، وبحديث ابن محيصة عن أبيه قال: «استأذنت النبي -عليه السلام- في إجارة الحجام، فنهاني عنها، فما زلتُ أسأله حتى قال: اعلفه ناضحك، وأطعمه رقيقك».
وحجة الجماعة: حديث أنس وابن عباس: «أنَّ النبي احتجم، وأعطى الحجام أجرة»، قال ابن عباس: «ولو علم كراهية لم يعطه».
قال الطحاوي: وفي إباحة النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يطعمه رقيقه وناضحه دليل أنه ليس بحرام، ألا ترى أن المال الحرام الذي لا يحل للرجل أكله لا يحل له أن يطعمه رقيقه ولا ناضحه؟ فثبت بذلك نسخ ما تقدم من نهيه، وهو النظر عندنا؛ لأنا رأينا الرجل يستأجر الرجل يَفْصِدُ له عِرْقًا، أو ينزع له ضرسًا فيجوز ذلك، فكذلك تجوز الحجامة، قال غيره: والدليل على ذلك: قوله تعالى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} التحريم: 6، قال أهل التفسير: جَنِّبُوْهُم ما يقود إلى النار، وما يُؤَدِّي إلى سخطه؛ وذلك فرض على المخاطبين بهذه الآية.
وقال ربيعة: إنَّ الحجامين كان لهم سوق على عهد عمر بن الخطاب، وقال يحيى بن سعيد: لم يزل المسلمون مُقِرِّيْن بأجر الحجام، ولا ينكرونها، وأما قولهم: إنها صنعة دنيئة، فليست بأدنى من صنعة الكناس الذي ينقل الحش، وليست بحرام، وكذلك الحجام، وقولهم: إنَّ اسم الخبيث عبارة عن الحرام، فليس كذلك، وقد يقع على الحلال، قال تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} البقرة: 267، وكانوا يتصدقون بالحشف، رديء التمر، فنزلت هذه الآية فيه. شرح صحيح البخاري (6/ 409-410).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
عندي: أن ما ذهب إليه الجمهور من حمل النهي على التنزيه هو الأرجح؛ لما تقدم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- حيث قال: «احتجم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأعطى الحجَّام أجره، ولو علم كراهية لم يعطه»، وفي لفظ: «ولو كان حرامًا لم يُعْطِهِ»، ولحديث أنس -رضي الله عنه-: «وكلم أهله، فوضعوا عنه من خراجه»؛ فإن فيه تقريره -صلى الله عليه وسلم- له على أخذ الأجرة من الحجامة، ودفعها خراجًا لمواليه. البحر المحيط الثجاج (27/ 512).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
اختلفوا في بيع الكلب المعلم، فمن يرى نجاسة الكلب -وهو الشافعي- يمنع من بيعه مطلقًا؛ لأن علة المنع قائمة في المعلم وغيره.
ومن يرى بطهارته اختلفوا في بيع المعلم منه؛ لأن علة المنع غير عامة عند هؤلاء، وقد ورد في بيع المعلم منه حديث في ثبوته بحث، يحال على علم الحديث. إحكام الأحكام (2/ 125).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
إطلاق الخبيث على ثمن الكلب يقتضي التعميم في كُل كلب؛ فإن ثبت تخصيص شيء منه، وإلا وجب إجراؤه على ظاهره، والخبيث من حيث هو لا يدل على الحرمة صريحًا؛ ولذلك جاء في كسب الحجام أنه خبيث، ولم يحمل على التحريم، غير أن ذلك بدليل خارج، وهو «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم، وأعطى الحجام أجره»، ولو كان حرامًا لم يعطه، فإن ثبت أن لفظة الخبيث ظاهرة في الحرام، فخروجها عن ذلك في كسب الحجام بدليل لا يلزم منه خروجها في غيره بغير دليل. إحكام الأحكام (2/ 126).

قوله: «ومهر ‌الْبَغِيِّ خبيث»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«ومهْر البغي» أي: الزانية «خبيث» أراد به: الحرام؛ لأن ما تأخذُه عوضًا عن الزنا المحرَّم ذريعةٌ إلى الحرام، ووسيلةُ الحرام حرام، وسمَّاه مَهْرًا مجازًا؛ لأنه في مقابلة البُضْع أيضًا. شرح المصابيح (3/ 384).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وأما «مهر ‌الْبَغِيِّ» فهو ما تعطاه على الزنا، وسُمي مهرًا على سبيل المجاز، أو استعمالًا للوضع اللغوي، ويجوز أن يكون من مجاز التشبيه، إن لم يكن المهر في الوضع: ما يقابل به النكاح. إحكام الأحكام (2/ 125).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
مهر ‌البَغِيِّ وهو ما تأخذه الزانية على الزنا، سماه مهرًا مجازًا، و‌البَغِيِّ -بفتح الموحدة، وكسر المعجمة، وتشديد التحتانية-، وهو: فعيل بمعنى فاعلة، وجمع ‌الْبَغِيِّ: بغايا، والبغاء -بكسر أوله-: الزنا والفجور، وأصل البغاء: الطلب غير أنه أكثر ما يستعمل في الفساد، واستدل به على أن الأمة إذا أُكرهت على الزنا فلا مهر لها، وفي وجه للشافعية: يجب للسيد. فتح الباري (4/ 427).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
أما البَغي فهي: الزانية، فكانوا يضربون على الإماء الخراج، فيؤدين أجرة أعمال يعملنها، كالخبز وغيره، ويتعبن من خلال ذلك، فيصير كسبهن شبهة، فأما إذا لم يعلم لها كسبًا إلا البغي فهو حرام بحت. كشف المشكل (1/ 438).

قوله: «وكسب الحجام خبيث»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«وكَسْبُ الحَجَّام خَبِيثٌ» إطلاقُ الخَبِيث عليه باعتبار حصولهِ من أَدْنى المكاسب. شرح المصابيح (3/ 384).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
ولا تجوز الإجارة على الحجامة، ولكن يُعطى على سبيل طيب النفس، وله طلب ذلك، فإن رضي وإلا قُدِّرَ عمله بعد تمامه لا قبل ذلك، وأُعطي ما يساوي. المحلى بالآثار (7/ 16).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما كسب الحجام وكونه خبيثًا، ومن شرِّ الكسب، ففيه دليل لمن يقول بتحريمه، وقد اختَلَف العلماء في كسب الحجَّام، فقال الأكثرون من السلف والخلف: لا يحرم كسب الحجام، ولا يحرم أكله، لا على الحرّ، ولا على العبد، وهو المشهور من مذهب أحمد، وقال في رواية عنه قال بها فقهاء المحدِّثين: يحرم على الحرّ دون العبد، واعتمدوا على هذه الأحاديث وشِبْهها، واحتج الجمهور بحديث ابن عباس بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم، وأعطى الحجَّام أجره، قالوا: ولو كان حرامًا لم يعطه، رواه البخاري ومسلم، وحملوا هذه الأحاديث التي في النهي على التنزيه، والارتفاع عن دنيء الأكساب، والحثّ على مكارم الأخلاق، ومعالي الأمور، ولو كان حرامًا لم يفرق فيه بين الحرّ والعبد، فإنه لا يجوز للرجل أن يُطعم عبده ما لا يحل. شرح مسلم (10/233).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
المراد به: أجر الحجام، وهذا على وجه الكراهة، وإنما كره لوجهين:
أحدهما: أنه لا يعرف قدر ما يخرج من الدم، فيتهيأ قطع أجرة لذلك.
والثاني: أنَّ هذا مما يُعِيْنُ فيه المسلمون بعضهم بعضًا، كغسل الميت ودفنه، فلا ينبغي للمسلم إذا احتاج إليه أخوه المسلم في هذا أن يأخذ عنه أجرة. كشف المشكل (1/ 437).
قال ابن العربي -رحمه الله-:
أما إعطاؤه إياه أجره، فدليل على الحل المطلق، فإنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يدخل في شبهة؛ لما هو عليه من رفيع المنزلة، وواجب العصمة، ولم يَثْبُت المتقدم منها من المتأخر، فتعيَّن الترجيح أو التأويل...
وقد يحمل النهي عن كسب الحجام، على ما حمل النهي من كسب الأَمَة، بأنها كانت في الجاهلية تكسب بفرجها، فرجع النهي إلى ما لا يجوز، وإذا كسَبَتْ بيدها جاز، فكذلك كسب الحجام كان عندهم مجهولًا، فإذا تعاملوا بمعلوم جاز، أما في احتجام النبي -صلى الله عليه وسلم- دليل على أن المراد ثمن، أو دليل على أن ثمن المنافع يجوز، أي: يجري فيه المتعاملان بالعادة والمروءة، فإذا عمل له إن إعطاه أجره الواجب له جاز، وإن زاده شكر. عارضة الأحوذي (5/221-223).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
اختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب الجمهور إلى أنه حلال، واحتجوا بحديث: «احتجم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأعطى الحجام أجره» متفق عليه، فقد قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «احتجم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأعطى الحجام أجره، ولو علم كراهية لم يعطه» رواه البخاري، وقالوا: هو كسب فيه دناءة وليس بمحرم، فحملوا الزجر عنه على التنزيه.
ومنهم من ادَّعى النسخ، وأنه كان حرامًا، ثم أبيح، وجنح إلى ذلك الطحاوي، وتُعقِّب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال.
وذهب أحمد، وجماعة إلى الفرق بين الحر والعبد، فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة، ويحرم عليه الإنفاق على نفسه منها، ويجوز له الإنفاق على الرقيق والدواب منها، وأباحوها للعبد مطلقًا، وعمدتهم حديث محيصة؛ أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن كسب الحجام، فنهاه، فذكر له الحاجة، فقال: «اعلفه نواضحك» أخرجه مالك وأحمد وأصحاب السنن، ورجاله ثقات. فتح الباري (4/ 459).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قالوا: ولا يجوز للحرِّ أن يحترف بالحجامة، وإن كان غلامه حجَّامًا لم ينفق على نفسه من كسبه، وإنما ينفقه على العبيد وعلى بهائمه.
والقصد بالحجام: من يحجم، وليس من يُزيِّن الناس...، وروى ابن حبيب: أنَّ قريشًا كانت تتكرَّم في الجاهلية عن كسب الحجام؛ فلذلك جاء فيه النهي على وجه التكرم والأنفة عن دقائق الأمور، وروى ربيعة أنه قال: كان للحجامين سوق على عهد عمر، ولولا أنْ يأنف رجال لأخبرتك عن آبائهم أنهم كانوا حجامين.
وقال يحيى بن سعيد: لم يزل المسلمون مُقِرِّينَ بأجر الحجامة، ولا ينكرونها.
وحاصل الخلاف: كراهة التنزيه، التحريم مطلقًا، الفرق بين الحر والعبد، يجوز الإعطاء دون الأخذ. التوضيح (14/ 175).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
فلم يكن نهيه -صلى الله عليه وسلم- عن كسب الحجام لأنه حرام، ألا ترى أنه قد أباح سائله أن يعلفه ناضحه ورقيقه، ولو كان ذلك حرامًا لما أباحه ذلك، وإذا لم يكن حرامًا كان معقولًا أن نهيه إياه عنه كان لما فيه من الدناءة، لا لما سوى ذلك، فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يُدْنِئُوا أنفسهم. مشكل الآثار (10/ 277).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- في سياق ذكره الخلاف بين العلماء -رحمهم الله-:
فتسميتُهُ خبيثًا يقتضي تحريمَه، كتحريمِ مهرِ البَغِيِّ وحُلوانِ الكاهن. قال الأوَّلون: قد ثبَتَ عنه أنَّه قال: «مَن أكلَ من هاتين الشجرتين الخبيثتين فلا يَقرَبَنَّ مسجدَنا»، فسماهما خبيثتين لخبثِ ريحهما، وليستا حرامًا. وقال: «لا يُصلِّيَنَّ أحدُكم وهو يُدافِعُ الأخبثين»، أي: البولَ والغائطَ. فيكونُ تسميتُه خبيثًا لِمُلاقاةِ صاحبِه النَّجاسةَ، لا لتحريمِه؛ بدليلِ أنَّه أعطى الحجَّامَ أجرَه، وأذِنَ له أن يُطعِمَه الرقيقَ والبهائمَ. ومَهرُ البَغِيِّ وحُلوانُ الكاهن لا يستحِقُّه، ولا يُطعَمُ منه رقيقٌ ولا بهيمةٌ.
وبكلِّ حالٍ: فحالُ المُحتاجِ إليه ليست كحالِ المُستغني عنه، كما قال السَّلفُ: كسبٌ فيه بعضُ الدَّناءة خيرٌ من مسألةِ الناس. مجموع الفتاوى(30/١٩٢).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
خُبث أجر ‌الحجَّام ‌من ‌جِنس ‌خُبث أكل الثُّوم والبصل، لكنَّ هذا خبيث لرائحتِه، وهذا خبيثٌ لمكسبِه، وبالله التوفيق. زاد المعاد(6/٤٧٨).
وقال ابن القيم -رحمه الله- أيضًا:
ويدخل فيه (خُبث كسب الحجام) الفاصد والشارط، وكل من يكون كسبه من إخراج الدم، ولا يدخل فيه الطبيب، ولا الكَحَّال ولا البيطار لا في لفظه ولا في معناه. زاد المعاد (5/ 700-701).

ولمزيد من الفائدة ينظر:
- الاستثناء من بيع الكلاب.

- ما نهى الشارع عن ثمنه غير الكلب .


إبلاغ عن خطأ