«عن عبدِ اللهِ بنِ وَاقِدٍ قال: «نَهَى رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن أَكْلِ لُحُومِ الضَّحايا بعدَ ثلاثٍ»، قال عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ: فَذَكَرْتُ ذلك لعَمْرَةَ، فقالتْ: صَدَقَ، سمعتُ عائشةَ تقولُ: دَفَّ أهلُ أبياتٍ مِن أهلِ الباديةِ حَضْرَةَ الأضحَى زمنَ رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فقالَ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «ادَّخِرُوا ثلاثًا، ثم تَصَدَّقُوا بما بَقِيَ»؛ فلمَّا كان بعدَ ذلك، قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الأسْقِيَةَ مِن ضَحَايَاهُمْ، ويَجْمُلُونَ منها الْوَدَكَ، فقالَ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «وما ذاكَ؟» قالوا: نَهَيْتَ أنْ تُؤْكَلَ لحومُ الضَّحايا بعدَ ثلاثٍ، فقالَ: «إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِن أَجْلِ الدَّافَّةِ التي دَفَّتْ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وتَصَدَّقُوا».
رواه مسلم برقم: (1971)، من حديث عائشة -رضي الله عنهما-.
غريب الحديث
«دَفَّ»:
الدَّفِيفُ: الدَّبيبُ وهو السَّيرُ اللَّيِّن؛ … ودفُّ الماشِي: خَفَّ على وجهِ الأرض؛ … والدَّافَّةُ والدَّفّافةُ: القومُ يَجْدِبون فيُمطَرون، دفُّوا يدِفُّون. وقال: دَفَّتْ دافَّةٌ أي أتى قومٌ من أهلِ البادِيَة قد أَقْحَموا. وقال ابنُ دُرَيْد: هي الجَماعةُ من الناسِ تُقبِلُ من بلدٍ إلى بلد. ويقال: دَفَّتْ علينا من بني فُلانٍ دافَّةٌ. لسان العرب لابن منظور (9/ 105).
«الأسْقِيَةَ»:
والسِّقاء ظرف الماء من الجلد، ويُجمع على أَسقية، وقيل: السِّقاء القربة للماء واللبن. لسان العرب، لابن منظور (14/ 392)
«يَجْمُلُونَ»:
جَمَلَ الشيءَ: جَمْعَه. والجميلُ: الشَّحْمُ يُذابُ ثم يُجْملُ أي يُجمَع…وقد جَمَلَه يَجْمِلُه جَمْلًا وأَجْمَلَه: أذابَه واستخرجَ دُهنَه؛ و«جَمَلَ» أَفصَحُ من «أَجْمَلَ».. لسان العرب، لابن منظور (11/ 127).
«الوَدَكَ»:
الوَدَكُ: الدَّسَمُ معروف، وقيل: دَسَمُ اللَّحم، ودُكَتْ يدُه دَكًّا. ووَدَكَ الشيءَ: جَعَلَ فيه الوَدَكَ.. لسان العرب، لابن منظور (10/ 509).
«الدَّافَّة»:
قال أبو عمرو: الدَّافَّةُ القومُ يَسيرون جَماعةً، ليس بالشديد. وفي حديثِ لُحومِ الأضاحي: إنما نَهَيْتُكم عنها من أجلِ الدَّافَّة؛ هم قومٌ يَسيرون جماعةً سيرًا ليس بالشديد. يُقال: هم قومٌ يَدِفُّون دَفيفًا. والدَّافَّةُ: قومٌ من الأعرابِ يُريدون المِصر… والدَّافَّةُ: الجَيْشُ يَدِفُّون نحو العدو، أي يَدِبُّون. وتَدافَ القومُ إذا رَكِبَ بعضُهم بعضًا.. لسان العرب، لابن منظور (9/ 105).
«وَادَّخِرُوا»:
ذَخَرَ الشيءَ يَذْخَرُه ذَخْرًا، وأَذْخَرَه إِذْخارًا: اختارَه، وقيل: اتَّخَذَه. لسان العرب (4/ 302).
شرح الحديث
قوله: «نَهَى رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن أَكْلِ لُحُومِ الضَّحايا»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الضحايا: جمع ضحية، بوزن قبيلة، وفي الضحية ثلاث لغات: أضحية بضم الهمزة، وإضحية بكسرها، ويجمعان على أضاحيّ بتشديد الياء، وأضحاة، وتجمع على أضحى بوزن أرضى، وبها سمي يوم الأضحى.
قال الفراء: الأضحى يُذَكَّر ويؤنَّث، فمَن ذَكَّر أراد اليوم، ومَن أنَّث ذهب إلى اللفظ. الشافي (3/ 567-568).
قوله: «بعدَ ثلاثٍ»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
قوله: «بعد ثلاث» يريد: ثلاث ليالٍ من يوم التضحية. الشافي (3/ 568).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «بعد ثلاث» يحتمل: من أول يوم النحر فلا يتعدى، وإن ذبحت في أخراها.
ويحتمل: أن تكون بعد ثلاث من ذبحها متى ذبحها من أيام النحر؛ لئلا يضيق عليهم في أمد ذبحها إن أرادوا التأخير، والأول أظهر إذا لم يعتد ذلك بذبحها، وإن ما أطلقه فهو محمول من يوم قوله. إكمال المعلم (6/ 424).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
اختلف في أول الثلاثة الأيام التي كان الادخار جائزًا فيها.
فقيل: أولها يوم النحر، فمن ضحَّى فيه جاز له أن يمسك يوم النحر ويومين بعده، ومَن ضحَّى بعده أمسك ما بقي له من الثلاثة الأيام من يوم النحر. وقيل: أولها يوم يضحي، فلو ضحى في آخر أيام النحر لكان له أن يمسك ثلاثة أيام بعده، وهذا الظاهر من حديث سلمة بن الأكوع، فإنه قال فيه: «من ضحى منكم فلا يصبحن في بيته بعد ثالثة شيء».
قلتُ: ويظهر من بعض ألفاظ أحاديث النهي ما يوجب قولًا ثالثًا، وهو أنَّ في حديث أبي عبيد: «فوق ثلاث ليال» وهذا يوجب إلغاء اليوم الذي ضحى فيه من العدد، وتعتبر ليلته وما بعدها، وكذلك حديث ابن عمر فإن فيه: «فوق ثلاث»، يعني: الليالي، وكذلك: حديث سلمة فإن فيه: «بعد ثالثة»، وأما حديث أبي سعيد ففيه: «ثلاثة أيام»، وهذا يقتضي اعتبار الأيام دون الليالي. المفهم (5/ 376-377).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
استدل بقوله: «بعد ثلاث» بعض مشايخنا على مذهب مالك: أنَّ أيام الذبح ثلاث، خلاف من قال: هي أربع أو أكثر من ذلك. إكمال المعلم (6/ 424).
وقال العراقي -رحمه الله-:
مفهوم الحديث: أنه لا منع من الأكل من لحم أضحية غيره فوق ثلاث، فالْمُهدى إليه، والْمُتَصدق عليه؛ له ادخاره فوق ثلاث؛ لأن القصد مواساة أصحاب الأضاحي، وقد حصلت، وأما الفقير فإنه لا حجر عليه في التصرف فيه، وقد يستغني عنه مدة الثلاث بغيره، ويحتاج إليه بعد الثلاث. طرح التثريب (5/ 199).
قوله: «قال عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ: فذكرتُ ذلك لعَمْرَةَ، فقالتْ: صَدَقَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال عبد الله بن أبي بكر» ابن محمد بن عمرو المذكور في السند «فذكرتُ ذلك» أي: حديث عبد الله بن واقد «لعمرة» بنت عبد الرحمن الأنصارية، «فقالت: صدق» عبد الله بن واقد فيما حدَّث به، ثم ذكر دليل تصديقها له. البحر المحيط الثجاج (33/ 440).
قوله: «سمعتُ عائشةَ تقولُ: دَفَّ أهلُ أبياتٍ مِن أهلِ الباديةِ»:
قال العيني -رحمه الله-:
معناه: جاؤوا إلينا وأتونا. نخب الأفكار (13/ 39).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
أراد قومًا أقحمتهم السَّنَة (يعني: الجدب) وأقدَمَتْهُم المجاعة. معالم السنن (2/ 232).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«من أهل البادية» أي: من الأعراب الذين يسكنون البادية. البحر المحيط الثجاج (33/ 440).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
البادية: البدو خلاف الحضر. الشافي (3/ 570).
وقال النووي -رحمه الله-:
المراد هنا: من ورد من ضعفاء الأعراب للمواساة. شرح صحيح مسلم (13/ 130).
قوله: «حَضْرَةَ الأضحَى زمنَ رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «حضرة الأضحى» معناه: وقت الأضحى، وفي حين الأضحى. نخب الأفكار (13/ 40).
وقال اليفرني -رحمه الله-:
قوله: «حضرة الأضحى» أي: وقت حضوره، ثم حذف الظرف، وأقام الحضرة مقامه، وهكذا قولهم: جئته غروب الشمس؛ أي: وقت غروبها. الاقتضاب (2/ 48).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
قدموا في حضور عيد الأضحى وقربه، في السَّنة التاسعة من الهجرة. فتح المنعم (8/ 92).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
جاؤوا يتحرَّون أن يُحَصِّلوا شيئًا من اللحم بمناسبة العيد وذبح الأضاحي. شرح سنن أبي داود (331/ 24).
قوله: «ادَّخِرُوا ثلاثًا»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ادَّخِروا ثلاثًا» أي: اجمعوا واحفظوا لحم الأضحية ثلاثًا. فتح المنعم (8/ 92).
قوله: «ثم تَصَدَّقُوا بما بَقِيَ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ثم تصدقوا» بما عندكم من لحمها بعد الثلاث، أو ادَّخِروا ما يكفيكم ثلاثًا، وتصدقوا بما يزيد عن هذا المقدار. فتح المنعم (8/ 92).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
المعنى: كلوا بعضه، وادَّخِروا بعضه مُدَّة ثلاث ليال، وما فضل عن ذلك، فتصدَّقوا به على هؤلاء المحتاجين. البحر المحيط الثجاج (33/ 441).
قوله: «فلمَّا كانَ بعدَ ذلكَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فلما كان بعد ذلك» اسم «كان» محذوف، أي: فلما كان الزمن بعد ذلك الوقت الذي قال فيه -صلى الله عليه وسلم-: «ادَّخِروا...» إلخ، أي: في العام الذي يليه. البحر المحيط الثجاج (33/ 441).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«فلما كان بعد ذلك» أي: فلما جاء الأضحى بعد ذلك الأضحى الذي نهى فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن حبس اللحم فوق ثلاث ليال. بذل المجهود (9/ 564).
قوله: «إنَّ الناسَ يتَّخِذُونَ الأسْقِيةَ مِن ضحاياهُمْ»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الأسقية: جمع سقاء، وهو الظرف من الجلود يُتَّخَذُ للماء واللبن، والجمع القليل: أسقية وأسقيات، والكثير: أساق. الشافي (3/ 570).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«من ضحاياهم» بفتح الضَّاد: جمع ضحية. البحر المحيط الثجاج (33/ 441).
قوله: «ويَجْمُلُونَ منها الوَدَكَ»:
قال السيوطي -رحمه الله-:
«يجملون» بالجيم، وكسر الميم، وأوله مفتوح، أي: يذيبون. الديباج شرح صحيح مسلم (5/ 38).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الودَك: بفتح الدال دَسم اللحم. الشافي (3/ 570).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
المقصود: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قد نهى عن أكل لحم الأضحية بعد ثلاث وادخاره، رُوِيَ في الصحيح عن علي -رضي الله عنه- موقوفًا ومن روايته مرفوعًا: «لا يأكلنَّ أحدكم من نسكه بعد ثلاث»، ثم رَخَّصَ في ذلك. شرح مسند الشافعي (3/ 48).
قوله: «ومَا ذَاكَ؟»:
قال الرافعي -رحمه الله-:
في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وما ذاك..؟» ما يشعر باستمرار الرخصة، ويُبيِّن أنَّ النهي كان على التنزيه. شرح مسند الشافعي (3/ 48).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «وما ذاك؟» أي: ما السبب الذي جعلكم تقولون هذا الكلام؟ شرح سنن أبي داود (331/ 24).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«وما ذاك؟» أي: ومن الذي منعهم من ذلك؟ فتح المنعم (8/ 92).
قوله: «قالوا: نَهَيْتَ أنْ تُؤْكَلَ لحومُ الضَّحايا بعدَ ثلاثٍ»:
قال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«قالوا: إنك نهيت...» معناه: أنَّ الناس يأكلون في حدود ثلاثة أيام، وبعد ذلك لا يمسكون. شرح سنن أبي داود (331/ 24).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
(يعني) فهل جلودها وشحومها كاللحم؟، كأنهم رأوا أنَّ اتخاذ الأسقية من جلود الأضاحي، وإذابة شحومها ممنوع؛ قياسًا على النهي عن أكل لحومها. الكوكب الوهاج (20/ 441).
قوله: «فقالَ: إنَّما نَهَيْتُكُمْ مِن أَجلِ الدَّافَّةِ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«إِنما نهيتكم من أجل الدَّافَّة التي دَفَّت» أي: إنما نهيتكم في العام الماضي لسبب خاص، وهو حضور البدو الفقراء يوم العيد، وحاجتهم إلى المواساة، فأردتُ أنْ تعينوهم. فتح المنعم (8/ 93).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
يقول: إنَّما حرمتُ عليكم الادِّخار فوق ثلاث لتواسوهم، وتتصدقوا عليهم، فأما وقد جاء الله بالسعة فادَّخروا ما بدا لكم. معالم السنن (2/ 232).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
المراد هنا: من ورد عليهم من ضُعَّفِ الأعراب للمواساة والدفف. إكمال المعلم (6/ 423).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا تصريح بزوال النهي عن ادخارها فوق ثلاث. شرح صحيح مسلم (13/ 131).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
معنى هذا: أنَّه نسخ ذلك النهي عن إمساك اللحم بعد ثلاث، فصار سائغًا لهم الأكل والادخار. شرح سنن أبي داود (331/ 24).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وهذا ظاهر فيما قدَّمناه من أنَّ المدار هو الحاجة، وليس هذا من باب النسخ. البحر المحيط الثجاج (33/ 442).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا نص منه -صلى الله عليه وسلم- على أنَّ ذلك المنع كان لعلة؛ ولما ارتفعت ارتفع المنع المتقدم؛ لارتفاع موجبه، لا لأنه منسوخ، وهذا يبطل قول مَن قال: إنَّ ذلك المنع إنَّما ارتفع بالنسخ، لا يُقال: فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «كنتُ نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فادخروا»، وهذا رفع لحكم الخطاب الأول بخطاب متأخر عنه، وهذا هو حقيقة النسخ؛ لأنا نقول: هذا لعمر الله، ظاهر هذا الحديث، مع أنه يحتمل أن يكون ارتفاعه بأمر آخر غير النسخ، فلو لم يرد لنا نص بأن المنع من الادخار ارتفع لارتفاع علته؛ لما عدلنا عن ذلك الظاهر، وقلنا: هو نسخ...، لكن النص الذي في حديث عائشة -رضي الله عنها- في التعليل بيَّن أنَّ ذلك الرفع ليس للنسخ، بل لعدم العلة، فتعيَّن ترك ذلك الظاهر، والأخذ بذلك الاحتمال لعضد النص له -والله تعالى أعلم-. المفهم (5/ 378-379).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
اشتمل حديث عائشة على بيان سبب النهي، وهو إرفاق الدَّافَّة، ثم قال الشافعي: يحتمل أن يكون النَّهي والرُّخصة راجعين إلى حالين مختلفين، فإذا دفَّت الدَّافَّة ثبت النهي عن الإمساك فوق ثلاث، وإذا لم تكن دافَّة ثبتت الرُّخصة، قال: ويُشبه أن يكون النهي وإن دفَّت الدَّافَّة على معنى الاختيار لا على سبيل الفرض، وقد روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: كنا نُمَلِّح منه، ونَقْدَمُ (من القدوم وفي رواية: (فَنُقَدِّم)، أي: نضع بين يديه، وهذا أوجه) به إلى النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- المدينة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تأكلوا منه بعد ثلاثة أيام، وليست بعزيمة، ولكن أراد أن يطعموا منه». شرح مسند الشافعي (3/ 48).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ذهب قومٌ إلى تحريم إمساكها، والأكل منها بعد ثلاثٍ، على ما تقدَّم عن عليٍّ وابنِ عمر، وأنَّ حكمَ المنع باقٍ، وذهب آخرون إلى إباحة ذلك ونسخِ النهي جملةً، وهو قولُ الكافَّة والجمهور، وظاهرُ الأحاديث، وهذا من نسخِ السُّنَّة بالسُّنَّة.
وقيل: كان النهيُ الأول على التحريم، فوردت الإباحة، والإباحةُ بعد التحريم نسخٌ، وقيل: ليس بنسخٍ، وإنَّما كان تحريمًا لِعِلَّةٍ، فلمَّا ارتفعت ارتفع الحكم، واستدلَّ قائلُ هذا بما في حديثِ سَلَمةَ (ابنِ الأكوع)، وقد سُئل عن ذلك فقال: «إنَّ ذاك عامٌ كان الناسُ فيه بجهدٍ، فأردتُ أن يَفشو فيهم»، وعن عائشةَ وسُئلت: «أحَرَّم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-؟» قالت: لا، ولكنَّه لم يكن ضَحى منهم إلا قليلٌ، ففعل ذلك ليُطْعِمَ مَن ضحَّى مَن لم يُضَحِّ».
وقيل: بل كان النهيُ الأوَّل على الكراهة، وعلى هذا فيحتمل أن تكون الكراهةُ باقيةً مع الإباحة والجواز، والنهيُ باقٍ ورَدَ مَوْرِدَ العموم، والمرادُ به: الخصوص؛ للعِلَّة الواردة المذكورة، وأنَّ الحاجةَ لو نزلت اليوم بقومٍ قَذَفَتْ (دَفَعَتْ وأَلْجَأَتْ) الناس مواساتَهم، وعلى هذا يحتمل مذهبُ عليٍّ وابنِ عمر، وقيل: يحتمل أن تكون الكراهةُ منسوخةً، وهو أظهر. إكمال المعلم (6/ 424).
وقال العراقي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في هذا النهي على أقوال:
أحدها: أنَّه كان للتحريم، وأنه منسوخ...، وهذا هو المشهور، وحكاه النووي في شرح مسلم عن جماهير العلماء...
القول الثاني: أنَّ هذا ليس نسخًا، ولكن كان التحريم لعلة فلما زالت زال ولو عادت لعاد، وبهذا قال ابن حزم الظاهري، واستدل بما في الصحيحين عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، قال: «صليتُ مع علي بن أبي طالب، فصلى لنا قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث فلا تأكلوا» ...
القول الثالث: كالذي قبله في أنَّ هذا ليس نسخًا، ولكن التحريم لعلة، فلما زالت زال، ولكن لا يعود الحكم لو عادت، وهذا وجه لبعض الشافعية حكاه الرافعي والنووي وهو بعيد.
القول الرابع: أن النهي الأول لم يكن للتحريم، وإنما كان للكراهة، وهذا ذكره أبو علي الطبري صاحب الإفصاح على سبيل الاحتمال، كما حكاه الرافعي، ونص عليه الشافعي، كما حكاه البيهقي...
القول الخامس: أنَّ هذا النهي للتحريم، وأن حكمه مستمر لم ينسخ، وحمل على هذا ما تقدم عن علي -رضي الله عنه-، وما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، وحَمْله على أنهما رأيا عود الحكم لعود عِلَّته كما تقدم في القول الثاني أولى، وبتقدير أن لا يؤول على هذا فسببه عدم بلوغ الناسخ، فإنه لا يسع أحدًا العمل بالمنسوخ بعد ورود الناسخ، ومن علم حجة على من لم يعلم. طرح التثريب (5/ 197-199).
قوله: «فكُلوا وادَّخِرُوا وتصدَّقُوا»:
قال محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فكلوا، وتصدَّقوا، وادَّخروا» أي: كلوا بعضه، وتصدَّقوا ببعضه، وادَّخروا بعضه. ذخيرة العقبى (33/ 7).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «وادَّخروا» لا خلاف بين العلماء اليوم أنَّه على الإباحة أيضًا، منسوخ الحكم الأول من النهي عن الادِّخار بعد ثلاث. إكمال المعلم (6/ 427).
وقال المازري -رحمه الله-:
جمهور الفقهاء على أنَّ الأكل من الأضحية غير واجب وشذَّ بعضهم فأوجب الأكل منها؛ لظاهر هذه الأوامر، والجمهور لما كانت (الأوامر) عندهم جاءت بعد الحظر حُمِلَتْ على الإباحة، كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} المائدة: 2، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا} الجمعة: 10. المعلم (3/ 97).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكي عن بعض السلف: أنه أوجب الأكل منها، وهو قول أبي الطيب بن سلمة (الظبي) من أصحابنا، حكاه عنه الماوردي؛ لظاهر هذا الحديث في الأمر بالأكل، مع قوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا} الحج: 28. شرح صحيح مسلم (13/ 131).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
لمالك في كتاب ابن حبيب ما يدل أنَّ ذلك على الندب، وأنه إن لم يأكل مخطئ، وقال: لو أراد أن يتصدَّق بلحم أضحيته كله كان كأكله كله حتى يفعل الأمرين جميعًا.
وقال الطبري: جميع أئمة الأمصار على جواز ألا يأكل منها إن شاء، ويُطْعِم جميعها، وهو قول محمد بن المواز. إكمال المعلم (6/ 425-426).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «وتصدَّقوا» لا خلاف أنَّ الأمر بالصدقة باقٍ غير منسوخ. إكمال المعلم (6/ 426).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
اختلف علماؤنا في قوله: «وتصدَّقوا» هل هو واجب أو مستحب؟
فمنهم مَن قال: إنَّه واجب؛ لأنه أمر بِقُرْبَةٍ، ومنهم من قال: إنه مستحب، وهو الصحيح؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم-، كان نهاهم من أجل المحتاجين فلما زالت الحاجة زال الحكم، وهو الوجوب بالصدقة، وبقي الاستحباب في أهل التصدق على حاله. القبس (ص: 647).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
استُدِلَّ بإطلاق هذه الأحاديث على أنه لا تقييد في القَدر الذي يجزئ من الإطعام، ويستحب للمضحِّي أن يأكل من الأضحية شيئًا، ويطعم الباقي صدقة وهدية، وعن الشافعي: يُستحب قسمتها أثلاثًا؛ لقوله: «كلوا وتصدَّقوا وأطعموا». فتح الباري (10/ 27).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ولا حدَّ له (يعني: مقدار ما يتصدق به من اللحم) عند مالك، وأكثرهم في ذلك، فيتصدق بما شاء، ويأكل ما شاء، ويطعم ما شاء، واستحب الشافعي الصدقة بالثلث، واختار بعض شيوخنا وغيرهم الصدقة بأكثر، وأكل الثلث والأقل، واستحب آخرون الصدقة بالنصف. إكمال المعلم (6/ 426).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
(و) للإمام والعالم أن يأمر بمثل هذا، ويحض عليه إذا نزل بالناس حاجة. شرح صحيح البخاري (6/ 31).
وقال ابن هبيره -رحمه الله-:
فيه من الفقه بعد الذي انتدب لذكره الفقهاء: أنه إنما لا يدَّخر من الأضاحي فوق ثلاث؛ لما في ذلك من التوفير على الفقراء. الإفصاح (1/ 148).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
هذا الباب ردٌّ على الصوفية في قولهم: إنه لا يجوز ادِّخار طعام لِغَدٍ، وأن المؤمن الكامل الإيمان لا يستحق اسم الولاية لله حتى يتصدق بما يفضل عن شِبَعِهِ، ولا يترك طعامًا لِغَدٍ، ولا يصبح عنده شيء من عين ولا عَرَضَ، ويمسي كذلك، ومن خالف ذلك فقد أساء الظن بربه، ولم يتوكل عليه حق توكله، وهذه الآثار ثابتة بادِّخار الصحابة، وتزود الشارع (أي: النبي صلى الله عليه وسلم) وأصحابه في أسفارهم، وهي المقنع والحجة الكافية في ردِّ قولهم. التوضيح (1/ 236).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في هذه الأحاديث من الفوائد -غير ما تقدم-: نسخ الأثقل بالأخف؛ لأن النهي عن ادخار لحم الأضحية بعد ثلاث مما يثقل على المضحين، والإذن في الادخار أخف منه.
وفيه: ردٌّ على من يقول: إن النسخ لا يكون إلا بالأثقل للأخف، وعَكَسَهُ ابن العربي زاعمًا أن الإذن في الادِّخار نسخ بالنهي، وتُعُقِّبَ بأن الادِّخار كان مباحًا بالبراءة الأصلية، فالنهي عنه ليس نسخًا، وعلى تقدير أن يكون نسخًا ففيه نسخ الكتاب بالسنة؛ لأن في الكتاب الإذن في أكلها من غير تقييد؛ لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا} الحج:28، ويمكن أن يقال: إنه تخصيص لا نسخ، وهو الأظهر. فتح الباري (10/ 29).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
في هذا الحديث أبواب من أصول الفقه، وهو: أن الشرع يراعي المصالح، ويحكم لأجلها، ويسكت عن التعليل؛ ولما تصفَّح العلماء ما وقع في الشريعة من هذا وجدوه كثيرًا، بحيث حصل لهم منه أصل كُلِّيٌّ وهو: أن الشارع مهما حكم فإنما يحكم لمصلحة، ثم قد يجدون في كلام الشارع ما يدل عليها، وقد لا يجدون، فيسبرون أوصاف المحل الذي يحكم فيه الشرع حتى يتبين لهم الوصف الذي يمكن أن يعتبره الشرع بالمناسبة أو لصلاحيته لها، فيقولون: الشرع يحكم بالمصلحة، والمصلحة لا تعدو أوصاف المحل، وليس في أوصافه ما يصلح للاعتبار إلا هذا، فتعيَّن، وقد بيَّنَّا هذا في الأصول -والحمد لله-. المفهم (5/ 379).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
مسألة الأمر بعد الحظر، قيل: للإباحة؛ لتبادره إلى الذهن، وقيل: للوجوب حقيقة؛ لأن الصيغة تقتضيه، وقيل: بالتفصيل، فما كان قبل الحظر واجبًا كان للوجوب، كما في قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} الآية التوبة: 5، فإنه كان واجبًا قبل تلك المدة، فاستمرَّ كذلك بعدها، وإلا كان للإباحة، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} الآية المائدة: 2، وهذا القول هو الأرجح عندي، وقد اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في المسوَّدة، والحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره عند قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} المائدة: 2. البحر المحيط الثجاج (33/ 447).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- حديث: «نهى عنْ أَكلِ لحومِ الضَّحايا بعدَ ثلاثٍ ...
- وحديث: «مَن ضحَّى منكم فلا يُصْبِحَنَّ بعدَ ثالثةٍ وفي بيتِهِ منه شيءٌ»