الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«قيلَ لعبدِ اللهِ بن زيدٍ: توضَّأْ لنا وُضُوءَ رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فَدَعَا بإناءٍ، فأَكْفَأَ منها على يدَيْهِ، فغسلَهُما ثلاثًا، ثم أدخلَ يدَهُ فاستَخْرَجَها، فَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ مِن كَفٍّ واحدةٍ، ففعلَ ذلك ثلاثًا، ثم أدخَلَ يدَهُ فاسْتَخْرَجَهَا، فغسلَ وجهَهُ ثلاثًا، ثم أدخلَ يدَهُ فاسْتَخْرَجَهَا، فغسلَ يديْهِ إلى المرْفَقَيْنِ، مرَّتيْنِ مرَّتيْنِ، ثم أدخلَ يدَهُ فاسْتَخْرَجَهَا، فمسحَ برأسِهِ، فأقبلَ بيدَيْهِ وأدبرَ، ثم غسلَ رجلَيْهِ إلى الكعبَيْنِ، ثم قال: هكذا كان وُضُوءُ رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-».


رواه البخاري برقم: (192) ورقم: (199)، ومسلم برقم: (235) واللفظ له، من حديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (185): «ثم غسلَ رجْلَيْهِ» ولم يذكر الكعبين.


غريب الحديث


«فأَكْفَأَ»:
كَفَأَه كـ: منعه: صَرَفَهُ وكَبَّهُ وقَلَبَه، كأكْفَأَه. القاموس المحيط، للفيروز آبادي (ص: 50).

«فَمَضْمَضَ»:
المضمضة: تَحريكُ الماءِ في الفَمِ...، والْمَصْمَصَةُ: غَسْلُ الفَم بطَرَف اللسانِ دونَ المضمضة. العين، للخليل (7/ 17، 94).

«واسْتَنْشَقَ»:
أي: يبلغ الماء خياشيمه، وهو من استنشاق الرِّيح: إذا ‌شَمَمْتَها مع قُوة. النهاية، لابن الأثير (5/ 59).

«المرفقينِ»:
‌مَوْصِلُ الذِّراع في العَضد. لسان العرب، لابن منظور (10/ 119).
قال الجُبّي -رحمه الله-:
المرفقان: منتهى الوضوء وآخر العضدين، وهما المركزان اللذان يتوكأ عليهما المتوكيء. شرح غريب ألفاظ المدونة (ص17).

«الكعبَيْنِ»:
هُما العظمان النَّائتان عند ‌مَفْصِلِ ‌السَّاقِ ‌والقَدَمِ عن الجَنبَين. النهاية، لابن الأثير (4/ 178).


شرح الحديث


قوله: «قيلَ لعبدِ اللهِ بن زيدٍ: توضَّأْ لنا وُضُوءَ رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أي: وضوءًا مثل وضوئه -صلى الله عليه وسلم-. الكوكب الوهاج (5/ 221-222).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله (في رواية للبخاري): «فتوضأ لهم» أي: لأجلهم «وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم-» أي: مثل وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأطلق عليه وضوءه مبالغة. فتح الباري (1/ 294).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
المعلم للوضوء إذا نوى به رفع الحدث أجزأه، فإنْ لم ينوِ لم يُجزِهِ، عند مَن يشترط النية على ما يأتي، وكذلك المتعلمُ. المفهم (1/ 484).

قوله: «فَدَعَا بإناءٍ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فدعا» أي: طلب عبد الله بن زيد «بإناء» فيه ماء، فأُتِيَ به. الكوكب الوهاج (5/ 222).

قوله: «فأَكْفَأَ منها على يدَيْهِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فَأَكفَأَ» بهمزتين، أي: أمال وصبّ، وفي رواية للبخاريّ: «فكفأ» بفتح الكاف، وهما لغتان بمعنىً، يقال: كفأ الإناء، وأكفأه: إذا أماله. البحر المحيط الثجاج (6/ 211).
وقال النووي -رحمه الله-:
«فأكفأ منها» هكذا هو في الأصول «منها» وهو صحيح، أي: من المطهرة أو الإداوة...، وفيه: استحباب تقديم غسل الكفين قبل غمسهما في الإناء. المنهاج شرح صحيح مسلم (3/ 122).

قوله: «فغسلَهُما ثلاثًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فغسلهما» أي: إلى رسغيهما «ثلاثًا». مرقاة المفاتيح (1/ 404).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فغسلهما» أي: غسل الكفين غسلات «ثلاثًا». الكوكب الوهاج (5/ 222).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فغسلهما ثلاثًا» حُجَّة لأشهب (أحد الرواة عن مالك) في اختياره في غسلهما الإفراغ عليهما معًا، وقد روى ابن القاسم عن مالك: أنَّه استحب أنْ يفرغ على يده اليمنى فيغسلها، ثم يدخلها، ويصب بها على اليسرى، محتجًّا بقوله في الموطأ في هذا الحديث: «فأفرغ على يديه، وغسلهما مرتين مرتين» وقد يكون منشأ الخلاف في هذا الفرع الخلاف في غسلهما، هل هو عادة، فيغسل كل عضو منهما بانفراده، كسائر الأعضاء؟ أو هو للنظافة، فتغسلان مُجْتَمِعَيْنِ. المفهم (1/ 485).

قوله: «ثم أدخلَ يدَهُ فاستَخْرَجَها»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم أدخل يده» أي: اليمنى في الإناء. مرقاة المفاتيح (1/ 404).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«ثم استخرجها» أي: يده من الإناء مع الماء، وفيه: إشارة إلى أنه قبل غسل اليدين ما أدخلهما فيه، بل أكفأ الماء عليهما، وعند غسل الرجلين صب الماء عليهما، وفيه أيضًا: أنَّ الماء بعد إدخاله اليد في المرة الثانية بقي على طهارته وطهوريته غير مستعمل، اللهم إلا أنْ يُقال: إنَّه نوى جعل اليد آلة له، ومذهب مالك: أنَّ المستعمل في الحدث طهور، وكرهه مع وجود غيره؛ لأجل الخلاف، وكذا الحكم عنده في الماء القليل تحله النجاسة ولم تغيره. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 793).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
وكنتُ أودُّ أنْ يكون مذهبه (الشافعي) كمذهب مالك -رضي الله عنه- في أنَّ الماء وإنْ قلَّ لا ينجس إلا بالتغير؛ إذ الحاجة ماسة إليه، ومثار الوسواس اشترط القُلَّتين؛ ولأجله شق على الناس ذلك، وهو لعمري سبب المشقة، ويعرفه من يجربه ويتأمله، ومما لا أشك فيه: أنَّ ذلك لو كان مشروطًا لكان أولى المواضع بتعسُّر الطهارة: مكة والمدينة؛ إذ لا يكثر فيهما المياه الجارية، ولا الراكدة الكثيرة، ومن أول عصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى آخر عصر أصحابه لم تُنقَل واقعة في الطهارة، ولا سؤال عن كيفية حفظ الماء عن النجاسات، وكانت أواني مياههم يتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات، وقد توضأ عمر -رضي الله عنه- بماء في جرة نصرانية، وهذا كالصريح في أنَّه لم يعول إلا على عدم تغير الماء. إحياء علوم الدين (1/ 129).

قوله: «فمضمضَ واستنشق مِن كفٍّ واحدةٍ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
«فمضمض» استُدِلَّ بها على تقديم المضمضة على الاستنشاق؛ لكونه عطف بالفاء التعقيبية، وفيه بحثٌ. فتح الباري (1/ 291).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فمضمض واستنشق من كفٍّ واحدةٍ» بأنْ جَعَلَ ماء الكفِّ بعضه في فمه، وبعضه في أنفه. شرح المصابيح (1/ 273).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«من كفٍّ واحدة» أي: من غَرْفَةٍ واحدةٍ. الكوكب الوهاج (5/ 222).

قوله: «ففعلَ ذلك ثلاثًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ففعل ذلك» أي: ما ذُكِر من كل واحد من المضمضة والاستنشاق «ثلاثًا». مرقاة المفاتيح (1/ 405).
وقال العيني -رحمه الله-:
فيه: دلالة على أنْ يكون المضمضة والاستنشاق بثلاث غرفات، يتمضمض في كل واحدة، ثم يستنشق منها، وهو أحد الوجوه عند الشافعية. شرح أبي داود (1/ 300).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ففعل ذلك» المذكور من المضمضة والاستنشاق من كف واحدة «ثلاثًا» من المرات، والحكمة في تقديمهما: اختبار طعم الماء بالفم، والرائحة بالأنف، وأما اللون فمشاهد. الكوكب الوهاج (5/ 222).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فعل ذلك ثلاثًا» أي: جمع بين المضمضة والاستنشاق في كفٍّ واحدة، وفعل ذلك ثلاثًا، من ثلاث غرفات، كما بينه في رواية ابن وهبٍ، فإنه قال: «فمضمض واستنشق من ثلاث غرفات» وقد اختلف في الأَولى من ذلك عن مالك والشافعي، فقيل: الأولى عندهما: جمعهما في غرفة واحدة، والإتيان بها كذلك في ثلاث غرفات، وقيل: بل الأولى عندهما: إفرادُ كلِّ واحدةٍ منهما متفرقين بثلاث غرفات، ويشهد للأولى رواية ابن وهب، والثاني ما في كتاب أبي داود من قوله: «فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق» قيل: بل يفعلان معًا ثلاث مرات من غرفة واحدة، كما روى البخاري، قال: «فمضمض واستنشق ثلاثًا من غرفة». المفهم (1/ 485).

قوله: «ثم أدخَلَ يدَهُ فاسْتَخْرَجها»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم أدخل يده» أي: في الإناء، والظاهر: أنَّ المراد بها: الجنس. مرقاة المفاتيح (1/ 405).
وقال النووي -رحمه الله-:
فهذه أحاديث في بعضها «يده» وفي بعضها «يديه» وفي بعضها «يده وضم إليها الأخرى» فهي دالة على جواز الأمور الثلاثة، وأنَّ الجميع سنة، ويجمع بين الأحاديث: بأنَّه -صلى الله عليه وسلم- فعل ذلك في مرات، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا، ولكن الصحيح منها والمشهور الذي قطع به الجمهور، ونص عليه الشافعي -رضي الله عنه- في البويطي والمزني: أنَّ المستحب أخذ الماء للوجه باليدين جميعًا؛ لكونه أسهل وأقرب إلى الإسباغ -والله أعلم-. المنهاج شرح صحيح مسلم (3/ 122).

قوله: «فغسلَ وجهَهُ ثلاثًا»:
قال النووي -رحمه الله-:
قال أصحابنا (الشافعية): ويُستحب أنْ يبدأ في غسل وجهه بأعلاه؛ لكونه أشرف؛ ولأنه أقرب إلى الاستيعاب -والله أعلم-. المنهاج شرح صحيح مسلم (3/ 122).

قوله: «ثم أدخل يدَهُ فاستخرجها»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم أدخل يده» اليمنى في الإناء «فاستخرجها». الكوكب الوهاج (5/ 223).

قوله: «فغسلَ يديْهِ إلى المرفقين مرتين مرتين»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فغسل يديه» أي: ذراعيه «إلى المرفقين» أي: مع المرفقين «مرتين مرتين» والمرفق -بكسر الميم، وفتح الفاء- هو العظم الناتئ في آخر الذراع؛ سمي بذلك لأنه يُرْتَفَق به في الاتكاء، ونحوه. الكوكب الوهاج (5/ 223).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قد اختلف العلماء هل يدخل المرفقان في غسل اليدين أم لا؟ فقال المعظم: نعم، وخالف زفر، وحكاه بعضهم عن مالك، واحتج بعضهم للجمهور بأن "إلى" في الآية بمعنى "مع" كقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} النساء: 2، وتُعُقِّب بأنَّه خلاف الظاهر، وأُجيب بأنَّ القرينة دلت عليه، وهي كون ما بعد "إلى" من جنس ما قبلها، وقال ابن القصار: اليد يتناولها الاسم إلى الإبط؛ لحديث عمار أنه تيمم إلى الإبط، وهو من أهل اللغة، فلما جاء قوله تعالى: {إِلَى الْمَرَافِقِ} المائدة: 6، بقي المرفق مغسولًا مع الذراعين بحق الاسم، انتهى، فعلى هذا فـ«إلى» هنا حد للمتروك من غسل اليدين، لا للمغسول، وفي كون ذلك ظاهرًا من السياق نظر -والله أعلم- ... ويمكن أنْ يُستدل لدخولهما بفعله -صلى الله عليه وسلم-، ففي الدارقطني بإسناد حسن من حديث عثمان في صفة الوضوء: «فغسل يديه إلى المرفقين حتى مس أطراف العضدين» وفيه عن جابر قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه» لكن إسناده ضعيف، وفي البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء: «وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق» وفي الطحاوي والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعًا «ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه» فهذه الأحاديث يُقوِّي بعضها بعضًا، قال إسحاق بن راهويه: "إلى" في الآية يحتمل أنْ تكون بمعنى الغاية، وأنْ تكون بمعنى "مع"؛ فبينت السنة أنَّها بمعنى "مع" انتهى، وقد قال الشافعي في الأم: لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، فعلى هذا: فزفر محجوج بالإجماع قبله، وكذا من قال بذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحًا، وإنما حكى عنه أشهب كلامًا محتملًا. فتح الباري (1/ 292).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الحقّ: وجوب دخول المرفقين في الغسل، وحاصله: أن الآية مجملة، وقد بيّنت السنة، كما قال إسحاق، والإجماع كما قال الشافعيّ، معناها المراد منها، وهو كون "إلى" بمعنى "مع" فوجب القول بدخول المرفق في المغسول. البحر المحيط الثجاج (6/ 215).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ثم غسل يديه، مرتين مرتين» كذا بتكرار «مرتين» ولم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في غسل اليدين مرتين، لكن في رواية مسلم من طريق حبان بن واسع عن عبد الله بن زيد أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ، وفيه: «ويده اليمنى ثلاثًا، ثم الأخرى ثلاثًا» فيحمل على أنه وضوء آخر؛ لكون مخرج الحديثين غير مُتَّحِد. فتح الباري (1/ 292).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «ثم غسل يديه إلى المرفقين، مرتين مرتين» فيه (أي: مع قوله قبله: «فغسل وجهه ثلاثًا») دلالة على جواز مخالفة الأعضاء، وغسل بعضها ثلاثًا، وبعضها مرتين، وبعضها مرة، وهذا جائز والوضوء على هذه الصفة صحيح، بلا شك، ولكن المستحب تطهير الأعضاء كلها ثلاثًا ثلاثًا، كما قدمناه، وإنَّما كانت مخالفتها من النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض الأوقات بيانًا للجواز، كما توضأ -صلى الله عليه وسلم- مرة مرة في بعض الأوقات بيانًا للجواز، وكان في ذلك الوقت أفضل في حقه -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن البيان واجب عليه -صلى الله عليه وسلم-، فإن قيل: البيان يحصل بالقول، فالجواب: أنه أوقع بالفعل في النفوس وأبعد من التأويل -والله أعلم-. المنهاج شرح صحيح مسلم (3/ 123).

قوله: «ثم أدخلَ يدَهُ فاستخرجها»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم أدخل يده» اليمنى في الإناء «فاستخرجها» فأفرغ منها على اليسرى. الكوكب الوهاج (5/ 223).

قوله: «فمسحَ برأسِهِ، فأقبلَ بيدَيْهِ وأدبرَ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فمسح برأسه» الباء في «برأسه» باء التعدية؛ أي: التي يجوز حذفها وإثباتها، كقولك: مسحت برأس اليتيم، ومسحتُ رأسَهُ، وسميت ابني بمحمد ومحمدًا، ولا يصح أنْ تكون للتبعيض، خلافًا للشافعي؛ لأنَّ المحققين من أئمة النحويين البصريين وأكثر الكوفيين أنكروا ذلك؛ ولأنَّها لو كانت للتبعيض لكان قولك: مسحتُ برأسه كقولك: مسحت ببعض رأسه، ولو كان كذلك لما حَسُنَ أن تقول: مسحت ببعض رأسه، ولا برأسه بعضه؛ لأنه كان يكون تكريرًا، ولا مسحتُ برأسه كله؛ لأنه كان يكون مناقضًا له، ولو كانت للتبعيض لما جاز إسقاطها هنا؛ فإنه يقال: مسحتُ برأسهِ، ومسَحت رأسَه بمعنىً واحدٍ، وأيضًا فلو كانت مبعّضةً في مسح الرأس في الوضوء لكانت مُبعضَةً في مسح الوجه في التيمم؛ لتساوي اللفظين في المحلين..
ومذهب مالك -رحمه الله- وجوب عموم مسح الرأس تمسكًا باسم الرأس، فإنه للعضو بجملته كالوجه، وتمسكًا بهذه الأحاديث، ثم نقول: نحن وإن تنزَّلنا على أنَّ الباء تكون مبعّضةً وغير مُبعّضة، فذلك يُوجب فيها إجمالًا أزالَهُ النبي -صلى الله عليه وسلم- بفعله، فكان فعله بيانًا لمجمل واجب، فكان مسحه كله واجبًا. المفهم (1/ 487-488).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «فمسح برأسه، فأقبل به» أي: بالمسح. المنهاج شرح صحيح مسلم (3/ 124).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فأقبل بيديه وأدبر» معناه: أقبل إلى جهة قفاه، والإدبار: رجوعُهُ إلى حيث بدأ، كما فسره، حيث قال: «فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه» وقيل: المراد: أدبر وأقبل؛ لأن الواو لا تُعطي رتبةً، وفي البخاري: «فأدبر بهما وأقبل» وهذا أولى لهذا النص، وقيل: معنى أقبل: دخل في قبل الرأس، كما يقال: أنجدَ وأتهم: إذا دخل نجدًا وتهامةَ.
وقيل: معناه: أنه ابتدأ من الناصية مقبلًا إلى الوجه، ثم ردَّهُما إلى القفا، ثم رجع إلى الناصيةِ، وهذا ظاهرُ اللفظ، والإقبال والإدبار مسحة واحدة؛ لأنها بماء واحد، والمقصود بالرَّدة على الرأس: المبالغة في استيعابه. المفهم (1/ 488).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «فأقبل بيديه وأدبر» هذا مستحب باتفاق العلماء، فإنَّه طريق إلى استيعاب الرأس، ووصول الماء إلى جميع شعره، قال أصحابنا: وهذا الرد إنَّما يستحب لمن كان له شعر غير مضفور، أما من لا شعر على رأسه، وكان شعره مضفورًا، فلا يستحب له الرد؛ إذ لا فائدة فيه، ولو رد في هذه الحالة لم يحسب الرد مسحة ثانية؛ لأن الماء صار مستعملًا بالنسبة إلى ما سوى تلك المسحة -والله أعلم-.
وليس في هذا الحديث دلالة لوجوب استيعاب الرأس بالمسح؛ لأن الحديث ورد في كمال الوضوء، لا فيما لا بد منه -والله أعلم-. المنهاج شرح صحيح مسلم (3/ 123-124).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث يفيد صفة المسح للرأس، وهو أنْ يأخذ الماء ليديه، فيُقبل بهما ويدبر.
وللعلماء ثلاثة أقوال:
الأول: أن يبدأ بمقدَّم رأسه الذي يلي الوجه؛ فيذهب إلى القَفا؛ ثم إلى المكان الذي بدأ منه؛ وهو مُبتدأ الشَّعر من جهة الوجه، وهذا هو الذي يعطيه ظاهر قوله: «بدأ بمقدَّم رأسه، حتى ذهب بهما إلى قَفاه؛ ثم ردَّهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه» إلا أنه أُورد على هذه الصفة أنه أدبر بهما وأقبل؛ لأنَّ ذهابه إلى جهة القَفا إدبار، ورجوعه إلى جهة الوجه إقبال، وأُجيب: بأن الواو لا تقتضي الترتيب، فالتقدير: وأدبر وأقبل.
الثاني: أن يبدأ بمؤخر رأسه، ويمر إلى جهة الوجه؛ ثم يرجع إلى المؤخر؛ محافظة على ظاهر لفظ: «أقبل وأدبر» فالإقبال إلى مقدَّم الوجه، والإدبار إلى ناحية المؤخر، وقد وردت هذه الصفة في الحديث الصحيح: «بدأ بمؤخر رأسه»، ويحمل الاختلاف في لفظ الأحاديث على تعدد الحالات.
الثالث: أن يبدأَ بالناصية؛ ويذهب إلى ناحية الوجه، ثم يذهب إلى جهة مُؤخر الرأس، ثم يعود إلى ما بدأ منه، وهو الناصية، ولعل قائل هذا قصد المحافظة على قوله: «بدأ بمقدَّم رأسه» مع المحافظة على ظاهر لفظ «أقبل وأدبر»؛ لأنه إذا بدأ بالناصية صدَق أنه بدأ بمقدَّم رأسه، وصدق أنه أقبل أيضًا؛ فإنه ذهب إلى ناحية الوجه، وهو القِبَل، وقد أخرج أبو داود من حديث المقدام «أنه -صلى الله عليه وسلم- لما بلغ مسح رأسه وضع كفَّيه على مُقدَّم رأسه، فأمرهما حتى بلغ القَفا، ثم ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه» وهي عبارة واضحة في المراد، والظاهر أن هذا من العمل المخيَّر فيه، وأن المقصود من ذلك تعميم الرأس بالمسح. سبل السلام (1/62- 63).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
ولم يصح عنه في حديث واحد أنَّه اقتصر على مسح بعض رأسه ألبتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته، كمَّل على العمامة. زاد المعاد (1/ 186).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث يفيد صفة المسح للرأس... ويحمل الاختلاف في لفظ الأحاديث على تعدد الحالات...والظاهر: أنَّ هذا من العمل المخير فيه، وأنَّ المقصود من ذلك: تعميم الرأس بالمسح. سبل السلام (1/62-63).

قوله: «ثم غسلَ رجلَيْهِ إلى الكعبَيْنِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم غسل رجليه» أي: قدميه «إلى الكعبين» أي: مع الكعبين. الكوكب الوهاج (5/ 225).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «ثم غسل رجليه إلى الكعبين» الكعب في اللغة: هو العظم الناشِز عند ملتقى الساق والقدم، وأنكر الأصمعي قول الناس: إنَّ الكعب في ظهر القدم، قاله في الصحاح، والأول هو المشهور عند أهل المذهب والفقهاءِ، وقد روي عن ابن القاسم: أنه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك، والأول هو الصحيح المعروف. المفهم (1/ 488-489).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلى الكعبين» ظاهره الاكتفاء بمرة، ويحتمل مرتين بقرينة ما قبله، ويحتمل التثليث على ما هو المعروف من دأبه -عليه الصلاة والسلام-، وإنَّما لم يقل: ثلاثًا؛ لئلا يوهم قيد الفعلين معًا. مرقاة المفاتيح (1/ 405).

قوله: «ثم قال: هكذا كان وُضُوءُ رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم قال» أي: عبد الله: «هكذا كان وضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» أي: غالبًا في زعمه، أو في بعض الأوقات. مرقاة المفاتيح (1/ 405).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ثم قال» عبد الله بن زيد -رضي الله عنه-: «هكذا كان وُضُوءُ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-» هذا يدلّ على أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يداوم الوضوء على هذه الكيفيّة، ولا ينافي هذا ما تقدَّم في حديث عثمان -رضي الله عنه- أنَّه -صلى الله عليه وسلم- توضّأ ثلاثًا ثلاثًا؛ لأنه يُحمل على أنَّ الكيفيّة المذكورة في هذا الحديث هي الغالبة -والله تعالى أعلم بالصواب-. البحر المحيط الثجاج (6/ 218).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
فيه وفي أمثاله من الأحاديث الواردة في وضوئه -عليه الصلاة والسلام-: رد على الشيعة في تجويز مسح الرجلين. مرقاة المفاتيح (1/ 405).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفيه من الأحكام: غسل اليد قبل إدخالها الإناء، ولو كان من غير نوم. فتح الباري (1/ 291).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: جواز الاستعانة في إحضار الماء من غير كراهة.
ومنها: أن الاغتراف من الماء القليل لا يصيّره مستعملًا. البحر المحيط الثجاج، باختصار (6/219-220).


إبلاغ عن خطأ